الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
أفي السنة شك؟

أفي السنة شك؟

الشيخ أحمد السيد 98 صفحة 547 مقطع 54 قسم

ورقة تتناول قضية حجية السنة النبوية التي كثر فيها الجدل المعاصر

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

اخيذ السنه شك ؟! أحمد بن يوسف السيد دار الوعي للنشر والتوزيع، ١٤٣٦هـ

أفي السنة شك؟ أحمد بن يوسف السيد الرياض، ١٤٣٦هـ

جميع الحقوق محفوظة مركز الفكر المعاصر الطبعة الثانية ١٤٣٦هـ

المملكة العربية السعودية – الرياض ص.ب ٢٤٢١٩٣ الرمز البريدي ١١٣٢٢ markazfekr@hotmail.com هاتف ٠٠٩٦٦١٤٥٣٩٨٨٣ - فاكس ٠٠٩٦٦١٤٥٣٢١٥٧ ٠٠٩٦٦٥٩١١٠٤٤٩٢ ٣

«ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٣١) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

شكر وثناء

من لا يشكر الناس لا يشكر الله.. شكراً والدي الكريم، المهندس: يوسف حامد السيد

مقدمة الطبعة الثالثة

الحمد لله، وصل ربنا وسلم على رسولك الهادي محمد.

أرجو أن يجد القارئ الكريم في هذا الكتاب المختصر ما يحفز العقل لمزيد من القراءة والمعرفة في هذا المجال، وأن يكون خطوة في سبيل ترسيخ الإيمان بحجة السنة النبوية، وكونها مصدراً لبناء الأحكام والتصورات والاعتقادات الشرعية. وأود أن أبين في مقدمة الطبعة الثالثة تصوراً إجمالياً لمرتكزاته وبنيانه.

إن هذا البحث يقوم على محورين أساسيين:

**المحور الأول:** إقامة البرهان على حجة السنة النبوية في ذاتها، وفي امتدادها التاريخي. وقد سلكت في سبيل إقامة البرهان على ذلك ثلاث طرق:

1توثيق تاريخي لمراحل العناية بالسنة، وأنها عناية ابتدأت من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم تنقطع إلى زمن تدوينها في الكتب الحديثية المشهورة، وحتى يومنا هذا.
2إثبات حجيتها من نصوص الكتاب والسنة والإجماع، مع الحرص على التوثيق، وبيان وجوه الدلالة، وليس مجرد السرد.
3إثبات كفاية علم الحديث وموضوعيته، وأنه ميزان عادل لتقييم الأخبار المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم صحة وضعفاً؛ وقد سلكت هذه الطريقة الثالثة لوجود من يقول: إنه لا يرد السنة من حيث هي سنة، وإنما لأنه لا يثق في طريقة نقلها.

**المحور الثاني:** الإجابة عن (أصول) الإشكالات المثارة حول حجيتها.

فبعد البناء الذي أسس في المحور الأول، تكون الإجابة عن الاعتراضات المثارة حوله في المحور الثاني. ونظراً لكونها اعتراضات كثيرة متفرقة، متفاوته في درجاتها وحججها وشهرتها؛ فإنني لم أتعقب أفرادها في هذا الكتاب المختصر، وإنما نظرت إلى أصولها فناقشتها نقاشاً كلياً منهجياً، مع التمثيل ببعض أفراد الإشكالات ثم حلها.

وفي هذه الطبعة زيادات وتنقيحات عن سابقتيها، وأختم المقدمة حامداً الله مثنياً عليه سبحانه، فله الفضل، ومنه العلم، وأسأله القبول. ثم أشكر مركز الفكر المعاصر على عنايته بطباعة الكتاب أولاً بأول كلما نفدت طبعة منه. ويسعدني كثيراً استقبال الملاحظات والنقد للكتاب على البريد.

2

طبعه منه. ويسعدني كثيرا استقبال الملاحظات والنقد للكتاب علي البريد. alsiayd998@gmail.com

احمد بن يوسف السيد ١٤٣٧/٢/٢٠

## مقدمه الطبعه الاولي

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب الله تبارك وتعالي ويرضي، اللهم صل وسلم علي نبيك الهادي البشير، محمد بن عبد الله صلاه زاكيه موصوله الي يوم الدين، وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته... اما بعد:

ففي وقت مضي كان من السهل علي العالم بالشرع ان يجيب من يستفتيه في مساله شرعيه بدليل من القران، او من السته الصحيحه او يذكر له اتفاق اهل العلم في المساله؛ فيطمئن المستفتي لذلك ويقنع.

غير ان الاجابه بهذه الطريقه صارت محل اعتراض -عند شريحه من الناس- في هذه المرحله الزمنيه التي نعيشها، اذ لم يعد كافيا عندهم مجرد ذكر ايه او حديث او اجماع، ففي الايه يعترض احدهم بقوله: علي فهم من؟ وفي الحديث يعترض الاخر بان هذا من اخبار الاحاد، او انه لا يثق بان المنقول ثابت عن الرسول صلي الله عليه وسلم، وفي الاجماع يقول: هم رجال ونحن رجال!.

فصار من الواجب علي من يريد من الناس قبول الحق الذي عنده، ان يعرضه ببرهانه، وان يكون مستعدا للتعامل مع اي سؤال يطرح، واستشكال يثار. وهذا مما يزيد التحدي، ويبعث روح التامل والتفكر، ويشجع علي البحث والتنقيب في بطون الكتب، وينشط العقول لمواجهه سيول الافكار وتساؤلات الجيل.

وان مما يستحق الالتفات والعنايه من ذوي التخصصات الشرعيه: كثره الاسئله في عمق القضايا الدينيه من غير ذوي الاختصاص؛ كنتيجه طبيعيه للضخ المتواصل عبر الاجهزه والشبكات في عالم الافكار -الذي يحمل النافع والضار، والايمان والكفر، والسنه والبدعه-. ولم يصادف هذا الضخ ممانعه فكريه، ولا ادوات معرفيه جيده لدي كثير من المتعرضين له، فوافق ارضا خاليه تشربت ما علاها من الماء، دون تمييز بين صافيه وكدره، باستثناء طائفه رويت قبل ذلك من ماء الوحي، فلم يجد لها الماء الفاسد طريقا.

ومن هنا استعنت بالله سبحانه وتعالي في تحرير هذه الاوراق، في قضيه كثر فيها الكلام بعلم وبدون علم، حتي صارت من قضايا الجدل المعاصر بعد ان كانت مسلمه عند علماء المسلمين من لدن اصحاب رسول الله الي زماننا هذا، الا وهي قضيه: «حجيه السنه النبويه».

ورغم اني سبقت في هذا الموضوع بمؤلفات كثيره لاهل العلم والفضل، الا اني رجوت ان يشفع لي في تناوله بالكتابه امور:

1تسارع ضخ الشبهات وكثره منافذها وابوابها مما يستدعي تجديد الكتابه في هذا الباب.
2ان كثيرا من الكتب التي الفت في هذا الباب فيها طول، فاردت تحرير ماده تجمع بين الشمول والاختصار.
3اني حرصت علي تسهيل لغه الخطاب وتوضيحها؛ ليستفيد منها غير المتخصص في العلوم الشرعيه.
4اني حرصت علي لغه الاقناع، واهتممت بالبراهين، وعلي ابراز روح المحاجه والمجادله بالادله.
5اهتممت بذكر القواعد المنهجيه في التعامل مع الاشكالات.

- وساتناول في هذا الكتاب ما يلي من الموضوعات:

1مراحل العنايه بسنه النبي صلي الله عليه وسلم.
2اقامه البرهان علي حجيه السنه.
3اقامه البرهان علي صحه علم الحديث؛ وكونه الميزان المعتبر في تمييز الصحيح من الضعيف من الاخبار.
4اصول الاشكالات المتاره علي الاحتجاج بالسنه والاجابه عنها.
5قائمه ببعض المراجع المفيده في الباب.

- واطمح ان يتحقق لدي الناظر في هذا الكتاب ما يلي:

3

المفيده في الباب.

- واطمح ان يتحقق لدي الناظر في هذا الكتاب ما يلي:

١١

أولا: تصور شرعي تاريخي عن السنه وتدوينها ومراحل العنايه بها.

ثانيا: معرفه البراهين الداله علي حجيه السنه اجمالا وتفصيلا.

ثالثا: تكون تصور تفصيلي عن اصول الشبهات المثاره حول السنه، وما يندرج تحتها من فروع.

رابعا: معرفه الردود علي هذه الشبهات.

خامسا: اكتساب مهاره جدليه في مناقشه المشككين في السنه ومنكريها.

وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

في السنه ومنكريها. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

احمد بن يوسف السيد المدينه النبويه التاسع من صفر عام سنه وثلاثين واربعمائه والف للهجره @alsayed_ahmad

تمهيد جوله تعريفيه مختصره بالسنه ومكانتها واثبات المصدريه الالهيه لها.

السنه لغه: الطريقه، والسيره. سواء اكانت حسنه ام سيئه. ومن ذلك ما ثبت عن النبي

والسيره. سواء اكانت حسنه ام سيئه. ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: «من سن في الاسلام سنه حسنه، فله اجرها، واجر من عمل بها بعده، من غير ان ينقص من اجورهم شيء، ومن سن في الاسلام سنه سيئه، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير ان ينقص من اوزارهم شيء»(1).

وكذلك قول خالد بن عتبه الهذلي: فلا تجزعن من سيره انت سرتها فاول راض سنه من يسيرها (2)

فان جاءت منسوبه الي النبي صلي الله عليه وسلم؛ فالمراد: سيرته وطريقته وهديه، ويشمل ذلك اقواله وافعاله وتقريراته.

ومن ذلك ما جاء في سنن الترمذي –وصححه– عن العرباض بن ساريه رضي الله عنه، عن النبي صلي الله عليه وسلم، انه قال: «عليكم بستتي»(3).

وقد تطلق السنه في الخطاب الشرعي، ويراد بها ما يقابل القران مما جاء علي لسان النبي صلي الله عليه وسلم؛ كقول النبي صلي الله عليه وسلم: «يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله تعالي، فان كانوا في القراءه سواء فاعلمهم بالسنه»(4).

ونجد ان اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يستعملون لفظ (السنه) مطلقا دون تقييد، ويريدون به طريقه النبي وهديه وقضاءه وحكمه، دون حاجه الي اضافه السنه اليه؛ فاذا قال احدهم (من السنه كذا) اي: من طريقه النبي –صلي الله عليه وسلم– وهديه كذا.

قال ابن الصلاح رحمه الله: «وهكذا قول الصحابي: من السنه كذا. فالاصح انه مسند مرفوع؛ لان الظاهر انه لا يريد الا سنه رسول الله، صلي الله عليه وسلم، وما يجب (1) صحيح مسلم (1017). (2) لسان العرب، لابن منظور (13/225). (3) سنن الترمذي (2373)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (4) صحيح مسلم (373).

اتباعه (1). انتهي

ثم قد تكون هذه السنه واجبه، وقد تكون مستحبه.

4

اتباعه (1). انتهي ثم قد تكون هذه السنه واجبه، وقد تكون مستحبه. والسنه في اصطلاح المحدثين: هي ما اثر عن النبي - صلي الله عليه وسلم - من قول او فعل او تقرير او صفه خلقيه او خلقيه.

- صلي الله عليه وسلم - من قول او فعل او تقرير او صفه خلقيه او خلقيه. والاصوليون يعتنون بسنه النبي - صلي الله عليه وسلم - من جهه ما يصلح ان يكون منها دليلا علي الاحكام؛ فقد لا يذكرون الصفه الخلقيه والخلقيه في حد السنه. ويعترض البعض بان لفظ (السنه) لم يذكر في القران الكريم مرادا به سنه النبي صلي الله عليه وسلم، والجواب عن هذا الاعتراض بان العبره بالحقائق والمعاني،

الله عليه وسلم، والجواب عن هذا الاعتراض بان العبره بالحقائق والمعاني، ففي القران الامر باتباع الرسول صلي الله عليه وسلم، فكيف يمثل هذا الامر الا باتباع هديه وسيرته؟ وهل يراد بالسنه الا هذا المعني؟ اذ هي مرادفه للسيره والطريقه والهدي. كما انه قد تقدم ان لفظ (السنه) علي هذا المعني شرعي، كما في حديث «عليكم بسنتي» السابق ذكره.

علي هذا المعني شرعي، كما في حديث «عليكم بسنتي» السابق ذكره. واما عن منزلتها ومكانتها في التشريع الاسلامي؛ فقل لي: ما منزله النبي - صلي الله عليه وسلم - في الاسلام اخبرك عن مكانه السنه؛ فهل هي الا قوله او فعله او اقراره؟!.

- في الاسلام اخبرك عن مكانه السنه؛ فهل هي الا قوله او فعله او اقراره؟!. واعظم من ذلك؛ فان النبي - صلي الله عليه وسلم - لم يات بالسنه من عنده وانما من عند الله تعالي، وما كان من اجتهاد منه في امر ديني فانه علي عين الله، فاما ان يقره عليه؛ ان كان صوابا، واما ان يصحح عمله؛ كما في حادثه اسري بدر وحادثه استغفاره للمنافقين،

واما ان يصحح عمله؛ كما في حادثه اسري بدر وحادثه استغفاره للمنافقين، اما ان يقره الله تعالي علي امر لا يرضاه فهذا لا يكون؛ لانه - سبحانه - امر في القران بطاعه نبيه؛ ومعني ذلك ان طاعته طاعه لله، كما قال سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد اطاع الله﴾ [النساء: ٨٠].

كما قال سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد اطاع الله﴾ [النساء: ٨٠]. ولاني حريص علي برهنه ما اطرحه من معلومات في هذا الكتاب؛ فدونك هذه الامور التي تثبت ان السنه من عند الله سبحانه وتعالي:

(1) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص ٥٠). ١٣ ١٤

5

سبحانه وتعالي: (1) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص ٥٠).

١٣ ١٤

أولاً: الأخبار الغيبية التي جاءت على لسان النبي ﷺ في أحاديث كثيرة صحيحة، ومن المعلوم أنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، كما جاء في سورة النمل ﴿فلا يعلمون في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]. فما أخبر به النبي ﷺ من أمور الغيب؛ فمن أين جاء به؟!

فما أخبر به النبي ﷺ من أمور الغيب؛ فمن أين جاء به؟! لا شك أنه مما أظهره الله عليه ﷺ من عظيم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحداً ﷺ إلا من ارتضى من رسوله ﴿إلا من ارتضى من رسول﴾ [الجن: ٢٧-٢٨]. وقد يقول قائل: إنك هنا تستدل بمحل النزاع!

وقد يقول قائل: إنك هنا تستدل بمحل النزاع! وهذا غير صحيح؛ فإن الواقع - العلمي - يقول بأن الرسول ﷺ تحدث بأمور غيبية كثيرة، وكون المعترض لا يؤمن بحجيتها فهذا شيء، وكونه لا يعترف بأنه قالها أصلاً فهذا شيء آخر، ونزاعي هنا مع من لا يعترف بأنه قالها.

فإننا نستطيع أن نثبت من خلال الأخبار الموثقة المتوفرة فيها أعلى شروط التثبت في النقل، أنه قالها ﷺ، وأنها ثابتة عنه غير مخترعة، وغايه ما عند المنازع النفي المجمل غير المثبت.

فالواقع إذا يقطع بوجود كلام ثابت النسبة إلى محمد ﷺ يتحدث فيه عن أمور غيبية، فمن ينفي ذلك فإنه على الحقيقة إنما ينفي علمه به، وأما من ينازع في حججته بعد إثبات صحة نسبته إلى النبي ﷺ، فالأولى به أن يراجع إيمانه - إن كان مؤمناً -.

إضافة إلى ذلك، وعضداً لما سبق؛ فإن التاريخ قد حفظ لنا وقوع كثير مما أخبر به النبي ﷺ من الأمور الغيبية: كفتح الشام ومصر، وإنفاق كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وما أصاب عثمان رضي الله عنه من بلوى، ونعي النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأخباره برسالة حاطب بن أبي بلتعة لقريش.

والأخبار عن ظهور الخوارج، وعن إصلاح الحسن رضي الله عنه بين طائفتين من المسلمين، وأخباره عن علامات الساعة التي وقع كثير منها، وغير ذلك.

وهذا كله ليس اجتهاداً من النبي ﷺ وإنما هو من عند عالم الغيب والشهادة سبحانه.

6

النبي - صلي الله عليه وسلم - وانما هو من عند عالم الغيب والشهاده سبحانه.

ثانيا: اخبر النبي - صلي الله عليه وسلم - بتفصيلات كثيره متعلقه بالجنه والنار والبعث والقبر لم تذكر في القران؛ فمن اين جاء بها؟ الا من عند الله سبحانه؟ وكذلك ما جاء علي لسان رسول الله من احوال الانبياء، والامم السابقه، مما لم يذكر في القران الكريم، فمن اين له تفاصيل ذلك؟ الا من عند الله تعالي؟

يذكر في القران الكريم، فمن اين له تفاصيل ذلك؟ الا من عند الله تعالي؟ والقول في الرد علي المنازع في هذا الوجه كالقول في سابقه.

ثالثا: الاحاديث القدسيه، التي كان النبي - صلي الله عليه وسلم - ينقلها عن ربه - سبحانه - مما ليس في القران؛ فهي ظاهره الدلاله علي ان الله يوحي الي رسوله شيئا ليس من نص القران. وهي من جمله السنه.

علي ان الله يوحي الي رسوله شيئا ليس من نص القران. وهي من جمله السنه.

رابعا: حديث المقدام رضي الله عنه: ان النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: «الا اني اوتيت الكتاب ومثله معه، الا اني اوتيت الكتاب ومثله معه، الا يوشك رجل ينثني شبعانا علي اريكته، يقول: عليكم بالقران، فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»(١).

فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»(١). وهذا الدليل ينفع من لم يتخذ قرار الانكار (الكلي) للسنه النبويه.

وهذا الدليل ينفع من لم يتخذ قرار الانكار (الكلي) للسنه النبويه.

خامسا: قول الله تعالي: ﴿ونزل الله عليك الكتاب والحكمه وعليك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]. قال امام المفسرين ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالي - في تفسير هذه الايه: «يعني: وانزل عليك مع الكتاب الحكمه، وهي بيان ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وامره ونبيه، واحكامه، ووعده، وعيده»(٢).

ذكره، من حلاله وحرامه، وامره ونبيه، واحكامه، ووعده، وعيده»(٢). ومن المعلوم ان بيان مجمل الكتاب انما كان في السنه النبويه؛ فهذا معني كلام ابن جرير.

(١) اخرجه الامام احمد في مسنده (١٧١٧٤).

(٢) تفسير الطبري (٤/ ٢٧٥).

(1) تفسير ابن كثير (1/ ٨٤١).

(٢) تفسير الطبري (٤/ ٢٧٥).

(1) تفسير ابن كثير (1/ ٨٤١).

وقال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الايه : «ثم امتن عليه بتاييده اياه في جميع الاحوال، وعصمته له، وما انزل عليه من الكتاب، وهو: القران، والحكمه، وهي: السنه»(1).

له، وما انزل عليه من الكتاب، وهو: القران، والحكمه، وهي: السنه»(1).

سادسا: ان النبي صلي الله عليه وسلم كان يتوجه اول الاسلام في صلاته الي الشام، مع رغبته في ان تكون قبلته الي الكعبه، فكان يتطلع الي السماء راجيا تحويلها، حتي انزل الله عليه: ﴿فدري ثقلت وجهك في استماء فلولستك فيها ترضعه فول وجهاك شطر المسجد المراد﴾ [البقره : ١٤٤].

وموضع الشاهد من القصه ان الامر الاول؛ بالتوجه الي الشام؛ هو من الوحي بلا شك، ولكنه ليس في القران!.

ان الامر الاول؛ بالتوجه الي الشام؛ هو من الوحي بلا شك، ولكنه ليس في القران!.

مثال اخر: ذكر النبي - صلي الله عليه وسلم - لترخيص الله له بالقتال في مكه ساعه من النهار. وهذا اخبار من الله له؛ مع انه ليس مذكورا في القران.

المحور الاول: *بناء الادله علي حجيه السنه*

١٨ الطريق الاول لبناء حجيه السنه: اثبات العنايه التامه بها من فجر الاسلام.

7

## الطريق الأول لبناء حجيّة السنة

اثبات العناية التامة بها من فجر الإسلام. يظن بعض من لا علم له بحقيقة السنة، أن العناية بها إنما حصلت في أزمنة متأخرة؛ أي بعد قرن أو قرنين من وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن هذه المدة تضمنت فراغًا مجهولًا فيما يتعلق بحال السنة ومكانتها. وهذا الكلام هو ما نحاول نقضه في هذا الفصل، وإثبات عكسه.

وإذا ثبت ذلك - أي العكس - فإنه يكون دليلاً بنائيًا على حجيّة السنة من وجهين:

1الأول: أن نطمئن إلى أن الأحاديث الموجودة بين أيدينا الآن إنما هي نتيجة عناية متواصلة بها منذ مهد الإسلام، وبالتالي يزداد اطمئناننا إلى صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
2الثاني: أننا إذا أثبتنا عناية النبي صلى الله عليه وسلم بها، وعناية أصحابه بها، وعناية أئمة الإسلام بها؛ عرفنا تهافت قول المهونين من شأنها، المتخذينها وراءهم ظهريًا.

إن قضية الاحتجاج بالسنة ليست مذهبًا فقهيًا لعالم من العلماء انفرد به، وليست رأيًا لأهل الحديث في مقابل موقف مخالف من الفقهاء! وإنما كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «اجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار - فيما علمت - على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافًا» اه (١).

ولعلك تلاحظ أن ذلك في خبر الأحاد؛ فكيف بالمتواتر؟! ولذلك؛ تجد من علماء المسلمين من ينص على أن الأخذ بالسنة ضرورة دينية، كما قال الشوكاني رحمه الله في كتابه الذي ألفه في علم أصول الفقه وهو (إرشاد الفحول): «إن ثبوت حجيّة السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام» (١).

وأما من لم يفهم معنى كلمة (ضرورة دينية) عند العلماء، ثم يشكك في السنة النبوية فليحسن إلى نفسه بالإمساك عن الخوض في مجال لا يعرف عنه شيئًا.

وأما عن العناية التي أولاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم من علماء المسلمين للسنة النبوية فسأذكر شيئًا منها، مقسمًا إياها على مراحل، مبتدئًا ذلك بذكر العناية بالسنة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم.

### المرحلة الأولى: العناية بالسنة في حياة النبي ﷺ

وتظهر العناية بالسنة في تلك المرحلة من وجوه:

**الوجه الأول:** العناية الإلهية بالسنة، وذلك بالنصوص الكثيرة في القرآن الآمرة بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمُحذّرة من مخالفته. كقوله سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧].

وسيمر بك أيها القارئ الكريم - في هذا الكتاب - بيان وجوه الدلالة من الآيات القرآنية على حجيّة السنة وذلك عند الحديث عن إقامة البرهان من القرآن على حجيّة السنة. غير أني أكتفي هنا بالإشارة إلى أمر مهم، ألا وهو: أخذ الصحابة بعموم هذه الآيات؛ لتشمل كل أوامره - صلى الله عليه وسلم - الدينية.

فلم يكن أحدهم يمتنع عن طاعته في أمر أو نهي بحجة أنه ليس مذكورًا في القرآن! فها هو ينهاهم - مثلاً - عن أكل لحوم الخمر الأهلية في خيبر، فيكفئون القدور وهي تفور باللحم (٢) مع أنه قد جاء في القرآن ذكر المطعومات المحرمة، وليس فيها لحوم الحمر الأهلية (٣)، إلا أنه قد كان لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم مكانة وعظمة وثقة.

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله». فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فاتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات (١).

(١) إرشاد الفحول، للشوكاني (١/٩٧). (٢) ينظر: صحيح البخاري (٤١٩٩)، صحيح مسلم (١٩٤٠). (٣) سورة المائدة (٣).

8

(٤١٩٩)، صحيح مسلم (١٩٤٠).

(٣) سورة المائدة ﴿٣﴾.

والمستوشمات والمتممصات والمتقلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي لا العن من لعنه رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو في كتاب الله! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته!! فقال: لئن كنت قرأته فقد وجدته، قال الله عز وجل: ﴿وما تشكو الرسول فحضروه وملاتهم عنه فانتهوا يحشر: ١٧﴾.

ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهره، حيث استدل ابن مسعود رضي الله عنه بعموم قول الله: ﴿وملاتهم عنه فانتهوا﴾ على تحريم ما نهي عن السيول مما لم يذكر في القرآن، بل إن ابن مسعود ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث نسب ما جاء به الرسول إلى كتاب الله وإن لم يذكر فيه نصا، اكتفاءً بالآيات القرآنية الآمرة بطاعة الرسول - صلي الله عليه وسلم -.

الوجه الثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو إلى اتباع سنته، ويحذر من التهاون في ردها؛ وربما عاقب من يستنكف عن اتباعها. وتأمل معي هذه الروايات والنصوص الصحيحة:

1قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي»(٢). وهذا في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، أخرجه الترمذي وغيره.
2وأخرج أبو داود وابن ماجه وغيرهما من حديث أبي رافع - رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا الفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري؛ مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»(٣). وهو حديث صحيح.
3وثبت عنه صلي الله عليه وسلم - كما في جامع الترمذي - أنه قال: «نصر الله أمرا سمع ما شيئا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع»(٤).
4ولك أن تتأمل في هذه اللفتة التربوية من النبي - صلي الله عليه وسلم - في تشجيع أبي هريرة رضي الله عنه على حرصه على الحديث، حيث سأل أبو هريرة النبي صلي الله عليه وسلم قائلا: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه»(١).

- وحدث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وفد عبد القيس بحديث، ثم قال لهم: «احفظوه واخبروه من وراءكم»(٢).

- وحث النبي - صلي الله عليه وسلم - رجلا على الأكل بيمينه، فقال - مترفعا - لا أستطيع، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: «لا استطعت»، فلم يستطع بعد ذلك رفعها إلى فيه!(٣). مع أن الأمر بالأكل باليمين ليس مذكورا في القرآن. والمراد من الأحاديث الستة السابقة إثبات العناية النبوية بالسنة.

الوجه الثالث: اهتمام الصحابة بسنة رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في تلك المرحلة.

إن جولة سريعة على النصوص الصحيحة التي تنقل لنا حال أصحاب رسول الله مع سنته في حياته، تبين لنا المحل السامي التي تحتله السنة من نفوسهم، بل إن بعضهم كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله صلي الله عليه وسلم. فعن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما)، قال: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه؟ ورسول الله صلي الله عليه وسلم بشر، يتكلم في الغضب والرضا؟ فامسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد (٤) وأبو داود (٥) - رحمهما الله تعالى - بإسناد جيد.

ولذلك؛ فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما من أصحاب النبي - صلي الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب»(١).

9

عنه مني، الا ما كان من عبد الله بن عمرو-، فانه كان يكتب ولا اكتب»(١). وحين خطب النبي - صلي الله عليه وسلم - خطبه في تحريم مكه، قام رجل من اهل اليمن، يقال له: ابو شاه، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «اكتبوا لابي شاه»(٢).

تجد الصحابه - ايضا- يسالون رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عما يغرض لهم مما ليس مذكورا في القران، فلو كانوا يعتقدون انه لا حاجه لاي حكم لم يذكر نصا في القران لما سالوا! فهذا علي - رضي الله عنه - يقول: «كنت رجلا مذاء؛ فاستحييت ان اسال رسول الله صلي الله عليه وسلم، فامرت المقداد بن الاسود فساله. . .

وكسؤال المستحاضه، والسؤال عن حكم الماء وما ينويه من الدواب والسباع، وغير ذلك من الاسئله الكثيره.

وهذا كله يظهر عنايه اصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بكل ما يقوله ويفعله، وليس فقط بالقران. ولم يكن يخطر ببال احدهم - وقد سمعوا ما انزل الله من الامر بطاعه رسوله والنهي عن مخالفته - ان يفرق بين ما جاء عن رسول الله من القران، وبين ما كان يقضي به زائدا علي نص القران.

ومما ينبغي ان يذكر ونحن نتحدث عن العنايه بالسنه في حياه النبي صلي الله عليه وسلم: ان هذه المرحله تاسس فيها: مبدا التثبت في الروايه، وقد جاء ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالي: ﴿يـأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات: ٦].

وثبت عن النبي - صلي الله عليه وسلم - انه قال: «إن كذبا علي ليس ككذب»(١). وقال: «لا تكذبوا علي، فانه من كذب علي فليلج النار»(٢)، وقال: «من كذب علي فليتبوا مقعده من النار»(٣). وهذه نصوص مهمه جدا في تاريخ علم الحديث، فانها اللينه الاولي التي بني عليها المحدثون علمهم،

فهذا الوعيد الوارد في الحديث كان نصب اعينهم. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه-، قال: قلت للزبير: اني لا اسمعك تحدث عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان؟ قال: اما اني لم افارقه، ولكن سمعته يقول: «من كذب علي فليتبوا مقعده من النار»(٤).

و-ايضا- اخرج البخاري في صحيحه عن انس بن مالك -رضي الله عنه- انه قال: انه ليمنعني ان احدثكم حديثا كثيرا؛ ان النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من تعمد علي كذبا، فليتبوا مقعده من النار»(٥).

ومن هنا نستطيع ان نقول: ان التاسيس لعلم الحديث -الذي يعني بتمييز الصحيح من السقيم- قد ابتدا من وقت النبي بهذا التحذير من الكذب عليه صلي الله عليه وسلم.

وقد جاء في صحيح مسلم في المقدمه ان الرسول - صلي الله عليه وسلم - قال: «يكون في اخر الزمان دجالون كذابون، ياتونكم من الاحاديث بما لم تسمعوا انتم، ولا اباؤكم، فاياكم واياهم، لا يضلونكم، ولا يفتتونكم»(٦)، قال الخطيب البغدادي في «الكفايه»:

«وقد اخبر النبي - صلي الله عليه وسلم - بان في امته ممن يجيء بعده كذابين؛ فحذر منهم، ونهي عن قبول رواياتهم، واعلمنا ان الكذب عليه ليس كالكذب علي غيره،

(١) صحيح البخاري (١١٣).

(٢) صحيح البخاري (٢٤٣٤).

(٣) صحيح البخاري (١٧٨).

(٤) صحيح البخاري (١٠٧).

(٥) صحيح البخاري (١٠٨).

(٦) مقدمه صحيح مسلم (٧).

10

(٥) صحيح البخاري (١٠٨).

(٦) مقدمه صحيح مسلم (٧).

٢٤ فوجب بذلك النظر في احوال المحدثين والتفتيش عن امور الناقلين، احتياطا للدين، وحفظا للشريعه من تلبيس الملحدين» ﴿١﴾ ا.ه.

المرحله الثانيه: عنايه الصحابه بالسنه بعد وفاه الرسول ﷺ

كما اعتني اصحاب رسول الله بسنته واحاديثه في حياته، فان عنايتهم بها استمرت بعد وفاته صلي الله عليه وسلم، وقبل ان اذكر وجوه العنايه فان ما ستقرؤه من نصوص كثيره هنا، ونقول متظافره عنهم، ليس الغرض منها السرد والجمع المجرد، وانما اثبات حقيقه واضحه؛ الا وهي ان العنايه بالسنه، واعتبارها مصدرا تشريعيا للاحكام، ليس امرا مبتدئا، وانما هو عمل افقه هذه الامه وابرها بعد نبيها، وقد ظهرت هذه العنايه من وجوه:

الوجه الاول: ان طلبهم للحديث لم ينته بوفاه رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ بل كانوا يتتبعون حديثه، مما لم يسمعه احدهم، ويتطلبونه ممن سمعه. قال البخاري في صحيحه «باب الخروج في طلب العلم»: «ورحل جابر بن عبد الله مسيره شهر؛ الي عبد الله بن انيس في حديث واحد» ﴿٢﴾.

وحين نقرا في كتب السنه تمر بنا روايه الصحابه بعضهم عن بعض، وهذا يدل علي انهم كانوا يسمعون الحديث بعد رسول الله فيما بينهم. ولذلك؛ تجد ابن عباس (رضي الله عنهما) - مثلا- مع انه لم يسمع من النبي - صلي الله عليه وسلم - الا احاديث قليله، الا انه روي عنه كثيرا من الاحاديث، اذ سمعها من الصحابه، ثم حدث بها عن النبي صلي الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: انهم لم يقتصروا في فتاواهم واقضيتهم علي ما في القران، بل ضموا اليه السنه كمصدر تشريعي.

والامثله علي ذلك كثيره جدا. ومن اهم ما يمكن ان يذكر في ذلك ما ثبت عن افضل هذه الامه بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم - وهو ابو بكر الصديق - رضي الله عنه -، في القصه المعروفه بينه وبين فاطمه الزهراء - رضي الله عنها -؛ وذلك انها جاءته تطلب ميراثها من رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال لها ابو بكر: «ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: انا معشر الانبياء لا نورث. ما تركنا صدقه» ﴿١﴾.

11

الله عليه وسلم قال: «أنا معشر الأنبياء لا نورث. ما تركنا صدقة». (١) وقال أبو بكر لفاطمة: «لست تاركًا شيئًا؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى أن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ». (٢) وكل هذا مع أن الحكم الوارد في حديث: «... لا نورث ما تركنا صدقة» ليس مذكورًا في القرآن إلا أن أبا بكر - رضي الله عنه - شدد فيه هذا التشديد، بالرغم من أنه كان في حرج من رد طلب فاطمة، غير أنه يخشى على نفسه من أن يزيغ لو تركه!!

في حرج من رد طلب فاطمة، غير أنه يخشى على نفسه من أن يزيغ لو تركه!! وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتوقف في أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فعمل بذلك (٣). وهذا بناءً لحكم عام يتعلق بالدولة الإسلامية على حديث سمعه من شخص واحد وهو عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -.

وحين يبلغ أحد الصحابة حديثًا عن رسول الله، ثم يرى تهاونًا في الأخذ به، فإن موقفه يكون شديدًا تجاه المتهاون، ولهم في هذا مواقف متعددة، منها - على سبيل المثال - أن ابن عمر - رضي الله عنه - قد حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنتم إليهن» قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال: فاقبل عليه عبد الله: فسبه سبًا سيئًا؛ ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن (٤).

الوجه الثالث: أنهم لم يكتفوا بمجرد جمع الحديث وإنما حرصوا على تبليغه لمن بعدهم.

- فهذا أحدهم يأتي بماء في إناء؛ ليعلم التابعين وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. (٥)

- والاخر يصلي أمامهم، وما يريد بذلك إلا تعليمهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في قصة مالك بن الحويرث رضي الله عنه (١) - وكتب أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كتابًا لانس بن مالك - رضي الله عنه -، فيه مقادير الزكاة، وتفاصيل أحكامها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا في صحيح البخاري. (٢)

- وكتب جابر بن سمرة - رضي الله عنه -، إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثًا. كما في صحيح الإمام مسلم. (٣)

- وكتب عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - لعمر بن عبد الله كما في صحيح البخاري. (٤)

- وكان بعضهم يبلغ أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقام عام، على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا عمر (رضي الله عنه) - كما في صحيح البخاري - قام خطيبًا في مسجد رسول الله، على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حد الرجم على الزاني، وقال: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ألا وقد «رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده». (٥)

فهذه ثلاثة أوجه تتضمن مواقف كثيرة، تظهر عناية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة، وهم أكثر الناس تعظيمًا لرسول الله، وأعلمهم بمراده.

المرحلة الثالثة: عناية التابعين بسنة النبي ﷺ. تظهر عناية التابعين بسنة المصطفى وأحاديثه من وجوه:

(١) ينظر: صحيح البخاري (٨٠٢).

(٢) ينظر: صحيح البخاري (١٤٥٤).

(٣) ينظر: صحيح مسلم (١٨٢٢).

(٤) ينظر: صحيح البخاري (٢٨١٨).

(٥) صحيح البخاري (٦٨٢٩).

الوجه الأول: ملازمتهم للصحابة وضبطهم لأحاديثهم.

12

## الوجه الأول: ملازمتهم للصحابة وضبطهم لأحاديثهم

فقد عرف كثير من الصحابة بأن لهم جماعة من التلاميذ، من (التابعين) يأخذون عنهم الحديث ويضبطونه، فتجد أحدهم يلازم الصحابي مدة طويلة يسمع منه الحديث. ويحصل لهذا التابعي خبرة بأحاديث هذا الصحابي، حتى إنك تجد المحدثين يذكرون مراتب هؤلاء التلاميذ في قوة معرفتهم بحديث الصحابي. فمثلاً:

1عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما): نجد أن الذين رووا عنه كثير جداً، ولكن المحدثين يذكرون ابنه سالمًا، ونافعًا مولاه، كأثبت من روى عنه، واختلفوا في أيهما أضبط مع اتفاقهم على تقدمهما. ومن دقة المحدثين أنهم يدللون على كلامهم، إذا قدموا فلانًا أو فلانًا. فقد قال النسائي: «اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجل من نافع (يعني قدراً وعلماً)، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب» انتهى من كتاب «تهذيب التهذيب» (١) لابن حجر – رحمه الله –.
2وفي تلاميذ أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال أبو حاتم الرازي، كما في كتاب «تهذيب التهذيب»: «أثبت أصحاب أنس: الزهري» (٢).
3وفي شأن عائشة (رضي الله عنها) نجد عروة بن الزبير – وهو من أشهر الرواة عن عائشة، وهي خالته (رضي الله عنها) –: «لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج [يعني سنين]؛ أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته» أ.هـ. وهذا منقول من كتاب «تهذيب التهذيب» (٣) أيضاً.
4وهكذا تجد ممن عرف بملازمة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –: ابناه الحسين ومحمد بن الحنفية، وعبيدة السلماني.
5وممن عرف بالأخذ عن ابن عباس – رضي الله عنه – والخبرة بحديثه: سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة.
6وعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه –: عطاء، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير.

(١) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/٢١١). (٢) تهذيب التهذيب، لابن حجر (١/٢٦٢). (٣) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/٩٣).

## الوجه الثاني: كتابة الحديث في زمن التابعين

كتب كثير من التابعين ما سمعوه من الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم كان يرى تقديم الحفظ على الكتابة، وقد تتبع الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه»، أسماء الذين نقل عنهم كتابة الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقام بجهد كبير في هذا التتبع.

ففي طبقة القرن الأول من التابعين رصد ثلاثة وخمسين ممن كتبوا، أو كتب عنهم. ومن تابعي القرن الثاني تتبع تسعة وتسعين تابعياً ممن كتبوا، أو كتب عنهم. وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، وهذا من عنايتهم بسنة مصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر الخطيب في كتابه «تقييد العلم» - وهو كتاب مهم في قضية تدوين السنة النبوية - عن سعيد بن جبير، أنه قال: «كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كفي» (١).

## الوجه الثالث: أن مرحلة التابعين كانت مرحلة التدوين الرسمي للأحاديث

فقد تبنت الخلافة على يد الإمام الخليفة التابعي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الاهتمام بقضية تدوين السنة، قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم، «باب كيف يقبض» (١).

13

في كتاب العلم، «باب كيف يقبض (١) تقييد العلم (١٠٢) ٢٩ العلم»: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإنني خفت دروس العلم – أي اندثاره وذهابه – وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وليفشوا العلم، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً.

إذن فهذه ثلاثة أوجه مشرفة لعناية التابعين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن جهة أخرى فقد استمرت في هذه المرحلة قضية الاحتياط في الرواية والتدقيق فيها، وعرف بعض التابعين بالتفتيش في الأسانيد والرواة. وقد كان التابعي الجليل محمد بن سيرين - رحمه الله – من أشهر من اعتنى بذلك. قال علي بن المديني – رحمه الله –:

«كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحداً أول منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب وابن عون، ثم كان شعبه، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن» وهذا نقله ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٢). وثبت عن ابن سيرين أنه قال: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» (٣).

المرحلة الرابعة: السنة في وقت اتباع التابعين.

تظهر العناية بالسنة في هذه المرحلة من وجوه:

1الوجه الأول: ظهور التصنيف للمكتوب من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو: ترتيب الأحاديث على الأبواب، وهذا لم يكن معروفاً في السابق. قال ابن رجب – رحمه الله – في «شرح العلل»: «والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفاً مرتبا مبوباً، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صنفت التصانيف» (٤).

ومن المصنفات المشهورة جداً في هذه المرحلة: موطأ الإمام مالك. والموطأ مرتب على الكتب والأبواب، وفيه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام بعض الصحابة، وكلام مؤلفه أعني الإمام مالك.

(١) صحيح البخاري (١) (٣١).

(٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (١) (٣٥٥).

(٣) مقدمة صحيح مسلم (١٥).

(٤) شرح علل الترمذي، لابن رجب (١) (٣٤١).

وسأذكر بعض من صنف في هذه المرحلة:

14

لابن رجب (١) (٣٤١).

٣٠ وساذكر بعض من صنف في هذه المرحله: فمنهم:

1ابن جريج - رحمه الله -: حيث صنف في السنن والطهاره والصلاه وتوفي عام (١٥٠ه).
2محمد بن اسحاق: صنف في المغازي، وقد توفي عام (١٥١ه) - علي خلاف في سنه وفاته-.
3معمر بن راشد الازدي: صنف الجامع وتوفي عام (١٥٣ه).
4ابن ابي عروبه: صنف السنن والتفسير وتوفي عام (١٥٧ه).

وكذلك ممن صنف في هذه المرحله سفيان الثوري، وحماد بن سلمه، وغيرهما -رحمهم الله جميعا-.

الوجه الثاني: تطور قواعد علم الحديث.

ان من المهم معرفته: ان علم الحديث لم ينشا في بيئه منعزله عن واقع الروايه، فهو وان كان قد تاسست اصوله مع نزول الوحي وذلك بالتاكيد علي التثبت في الانباء وتعليظ الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ الا ان تطوره وتشعبه جاء مواكبا لقدر التحديات المحيطه بواقع الروايه.

ففي المراحل الاولي في زمن الصحابه وكبار التابعين؛ لم تكن سلسله الاسناد طويله، حيث كان الصحابي يروي عن النبي صلي الله عليه وسلم دون واسطه بينهما، وربما روي عن صحابي اخر عن النبي صلي الله عليه وسلم. والتابعون الكبار يروون عن الصحابه مباشره.

ثم بدات السلسله تطول نوعا ما؛ في وقت صغار التابعين. فقد يروي احدهم حديثا عن تابعي ثان عن ثالث، عن صحابي، عن النبي صلي الله عليه وسلم، وربما اكثر من ذلك.

وظلت السلسله في امتداد مع تاخر الزمن، ودخل في الروايه اناس كثير، منهم المعروفون ومنهم المجهولون، وبدا انتشار الكذب في الروايات، وكثر الوهم لكثره الرواه علي اختلاف مستوياتهم، ولاجل ذلك كله؛ طور العلماء والمحدثون الادوات الضامنه لمعرفه ما صح من الروايه، مما لم يصح، وتفرغ اناس من الجهابذه لهذه المهمه العظيمه، وتوفرت لديهم الاله المناسبه، وهي: اخذ الحديث عن اهله، وملازمه ائمه الروايه، وسعه الحفظ مع دقه الفهم والنظر، وبذل اقصي الجهد في الرحله والدراسه والمقارنه.

ومن ابرزهم -في هذه المرحله- امير المؤمنين في الحديث: شعبه بن الحجاج. ٣١

15

- في هذه المرحله - أمير المؤمنين في الحديث: شعبه بن الحجاج.

شعبه بن الحجاج - رحمه الله - عاش في القرن الثاني، وتوفي عام ١٦٠ للهجرة، وهو من تابعي التابعين، وأخذ الرواية عن عدد من كبار المحدثين في زمنه، من مختلف البلدان، منهم عمرو بن دينار من مكة، وقتاده بن دعامة السدوسي من البصرة، والأعمش وأبو إسحاق السبيعي من الكوفة، وهؤلاء الأربعة الذين هم مشايخ شعبه؛

قال فيهم إمام علم العلل (علي بن المديني) كلاما يظهر أهميتهم المحورية في قضية الرواية، حيث قال: «نظرت، فإذا الإسناد يدور على ستة... - وذكر منهم هؤلاء الأربعة شيوخ شعبه -» (١). وقد أخذ شعبه أيضا عن يحيى بن أبي كثير أيضا، وهو أحد الستة الذين ذكرهم علي بن المديني، ولكنه لم يلازمه طويلا.

وقد بذل الإمام شعبه جهدا كبيرا في توظيف علمه لتنقية الرواية من الشوائب، وكان يدقق في سماعات الشيوخ ليعرف الأحاديث المنقطعة أو المدلسة (والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه شيئا لم يسمعه منه) وكان يشدد في التدليس، ويرى أنه أخو الكذب، وكان ممن يعتني بنقد المتن، فقد قيل له: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟

قال: «إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب» (٢).

وعاش هذا الإمام حياة علمية حافلة، حتى لقي الله - سبحانه - حاملا شرف الدفاع عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ولم يكن شعبه وحده في هذه المرحلة، فقد كان معه عدد من العلماء؛ الذين اعتنوا بتنقية السنة، وضبط قواعدها، منهم: الإمام مالك - رحمه الله - الذي عرف بأنه لا يروي إلا عن ثقة.

ولذلك فإنك تجد المحدثين إذا أرادوا تزكية راوٍ من الرواة؛ يقولون: روي عنه مالك. وقد توفي الإمام مالك عام ١٧٩ هـ.

ولأن هذا العلم يحمله كابر عن كابر؛ فقد انتقلت هذه الخبرات إلى الجيل التالي. فعلى يدي الإمام شعبه تخرج جماعة من المحدثين الكبار، من أشهرهم وأبرزهم الإمامان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي. وتستمر سنة التلقي، ويمتد انتقال الخبرات، إلى الجيل الجديد. فعلى يدي يحيى القطان تخرج كبار علماء الحديث،

واتمته ونجومه، وهم: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام يحيى بن معين، والإمام علي بن المديني.

(١) العلل لابن المديني (ص ٣٩).

(٢) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي (١/٣١٦).

16

وهم: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام يحيى بن معين، والإمام علي بن المديني.

الوجه الثالث: دواتر التلقي والضبط. اشتهر جماعة من رواة السنة بالحفظ والعلم وكثرة الأحاديث؛ التي تلقوها عن الصحابة أو كبار التابعين، ومن ثم تجد أن كل واحد من هؤلاء قد أحيط بدائرة من التلاميذ اليقظة؛ الذين يلازمونه في كل وقت، حتى صارت لديهم خبرة تامة بأحاديثهم، كما أن

الذين يلازمونه في كل وقت، حتى صارت لديهم خبرة تامة بأحاديثهم، كما أن هؤلاء الشيوخ في ذاتهم كانوا قبل ذلك يشكلون دواتر مع مشايخهم. والعجيب أن تقاد الحديث الذين جاؤوا بعد هذه المرحلة، كان لهم علم دقيق بهذه الدوائر وتفصيلاتها بالأرقام! فتجدهم يفندونها دائرة دائرة، ويستطيعون ترتيب التلاميذ داخل الدائرة الواحدة.

واليك بعض الأمثلة:

١ - الإمام الزهري: وهو تابعي مدني، يروي عن أنس بن مالك، نجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، واتقنوها، تشمل قائمة من أبرزهم: الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس بن يزيد، وعقيل، وشعيب، والزبيدي، وصالح بن كيسان، وكلهم من الثقات.

٢ - أبو إسحاق السبيعي: وهو تابعي كوفي، يروي عن جماعة من الصحابة، ونجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، واتقنوها؛ تشمل شعبة بن الحجاج، وسفيان بن سعيد الثوري، وإسرائيل بن يونس، وكلهم من الثقات.

٣ - عمرو بن دينار: وهو تابعي مكي، يروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ونجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، واتقنوها، تشمل: شعبة بن الحجاج - أيضاً - وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد.

٤ - قتادة السدوسي: وهو تابعي بصري، يروي عن أنس بن مالك، نجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، واتقنوها، تشمل قائمة من المحدثين، منهم: شعبة بن الحجاج - أيضاً -، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهمام بن يحيى العوذي.

وليس الشأن في معرفة هذه الدوائر -فقط- وإنما في العلم الدقيق بمراتبهم، وتقديم بعضهم على بعض. فتجد المحدثين يفاوتون بين رواة الدائرة الواحدة؛ فالاضبط في الزهري مثلاً على الإطلاق: الإمام مالك. وفي أبي إسحاق: سفيان الثوري. وهكذا تستمر القائمة.

وبعد هذه النبذة الاستطرادية المهمة، أعود -أيها القارئ الكريم- لأقول: إن العناية بالسنة في هذه المرحلة تطورت بشكل كبير في:

- تدوينها (بظهور المصنفات). - وفي قواعد تنقية الأخبار (قواعد علم الحديث). - وفي دوائر الضبط والتلقي.

المرحلة الخامسة: العناية بالسنة في القرن الهجري الثالث (العصر الذهبي للسنة): اجتمع في هذه المرحلة عدد كبير من أفذاذ علماء الحديث، بحيث لم يجتمع في عصر قبله ولا بعده مثل هذا العدد لعلماء متمكنين من الحديث والأسانيد والعلل والرجال. فقد اجتمع فيه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني،

والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين.

ومن جهة تدوين السنة؛ فقد بلغ التصنيف في السنة ذروته في هذا العصر، وتنوعت المصنفات بين المسانيد والسنن والأبواب، وابتدأ جمع الصحيح. فصنف البخاري ومسلم صحيحيهما، وفي هذا العصر صنف الإمام أحمد مسنده، وصنف أصحاب السنن الأربعة سننهم، ودونت أصول الأحاديث الصحيحة في كتب هذا العصر.

ومن مظاهر العناية بالسنة في هذه المرحلة: عناية المحدثين بالكلام على علل الأحاديث، ورواتها، وأسانيدها، والقواعد والقوانين التي تحكم ذلك، ونثر ذلك كله في مصنفاتهم.

17

والقوانين التي تحكم ذلك، ونثر ذلك كله في مصنفاتهم.

فالامام البخاري صنف كتاب «التاريخ الكبير»، وهو من اكبر الكتب في رواه الحديث، وفيه كلام في العلل ايضا. والامام عبد الرحمن بن ابي حاتم صنف كتاب «الجرح والتعديل»، وصنف كتاب العلل، ونقل في هذين الكتابين خلاصه علم اثنين من ابرز علماء الحديث في ذلك العصر، وهما: ابو حاتم الرازي، وابو زرعه الرازي.

علماء الحديث في ذلك العصر، وهما: ابو حاتم الرازي، وابو زرعه الرازي. ففي كتاب الجرح والتعديل نقل كلامهما في تعديل الرواه وتجريحهم، وفي كتاب العلل نقل كلامهما في تعليل الاحاديث. واهتم كثير من طلاب الحديث في هذا العصر بتدوين كلام مشايخهم من ائمه الحديث، في مواضيع الرواه، والعلل، وقوانين الروايه.

فظهر ما يعرف بكتب السؤالات والتواريخ، كسؤالات ابي داود للامام احمد، وسؤالات البرذعي لابي زرعه، وسؤالات ابن ابي شيبه لابن المديني، وتاريخ ابن معين روايه الدوري، وغيرها الكثير. والخلاصه ان هذا القرن كان العصر الذهبي للسنه والحديث روايه وتصنيفه ونقدا.

المردله السادسه: العنايه بالسنه بعد القرن الثالث:

في القرن الرابع استمر التصنيف في كتب السنه المسنده (اي التي يروي الحديث فيها بالاسناد من صاحب الكتاب الي النبي - صلي الله عليه وسلم -)، وظهر فيه عدد من الكتب المهمه في ذلك، كصحيح ابن خزيمه، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وان لم تكن باهميه الكتب المصنفه في القرن الثالث.

بعد القرن الرابع قلت الكتب الحديثيه المسنده وظهرت الكتب التي تعني بجمع الاحاديث من كتب السنه المصنفه في القرون السابقه، ولكن دون اسانيد. مثل كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، وكتاب (جامع الاصول) لابن الاثير، ثم الكتب المختصره مثل (عمده الاحكام) و (بلوغ المرام).

وكذلك فقد امتدت عنايه اهل العلم في نقد الاحاديث ورواتها في القرن الرابع، وظهر عدد من العلماء الكبار في هذا المجال، كابي جعفر العقيلي، وابي احمد بن عدي، وابي الحسن الدارقطني، الذين ساروا في قوانين النقد والتصحيح؛ علي طريقه العلماء في العصر الذهبي. ولكن هذا القرن لم يكن حافلا بالعدد الكبير من المختصين الذين حفل بهم القرن الذي قبله.

كما اعتني العلماء بالتصنيف في علم الحديث، حيث ظهر في القرن الرابع الهجري اول مصنف (مستقل) في علم الحديث، وهو كتاب (المحدث الفاصل) لابي محمد الرامهرمزي، ثم تبعه ابو عبد الله الحاكم في كتابه «معرفه علوم الحديث» وهو اوسع من كتاب الرامهرمزي. ثم جاء الخطيب البغدادي في القرن الخامس؛

18

وهو أوسع من كتاب الرامهرمزي. ثم جاء الخطيب البغدادي في القرن الخامس؛ فالف كتاب «الكفاية في علم الرواية»، وهو من أوسع الكتب المصنفة في تلك المرحلة من جهة التنوع. وتتابعت المصنفات بعد ذلك، حتى جاء الإمام أبو عمرو بن الصلاح فأملى كتابه «علوم الحديث»، وهو المشهور ب(مقدمة ابن الصلاح)، والذي ذكر فيه خمسة وستين نوعًا من أنواع علوم الحديث.

ما أن ظهر هذا الكتاب حتى دار العلماء بعده في فلكه، كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه «نزهة النظر»: «فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومتتصر»(1).

امتدت التصانيف في كل أنواع علوم الحديث، وقل فن من فنون الحديث إلا وفيه كتاب مستقل. كما اعتنى العلماء في القرن الرابع وما بعده بشروح الأحاديث؛ التي جمعها العلماء قبل ذلك. فشرح الإمام أبو سليمان الخطابي والذي توفي عام (388هـ) صحيح البخاري في كتابه (إعلام الحديث). وشرح سنن أبي داود في كتابه (معالم السنن) ثم توالت الشروح لكتب السنة وكثرت، حتى صار لصحيح البخاري وحده عشرات الشروح.

وامتدت العناية حتى عصرنا هذا، الذي ظهر فيه الاهتمام بتحقيق كتب السنة، وإخراجها على أصح النسخ، وخدمة أحاديثها، وتقديم البحوث المتخصصة في مجالات الحديث، وظهرت فيه بعض الكتب الموسوعية ككتاب «المسند المصنف المعلل» الذي قام عليه عدد من الباحثين تحت إشراف د. بشار عواد (وفقه الله) في واحد وأربعين مجلداً، ولا يعرف قدر هذا المسند إلا المعتني بالسنة وعلومها.

وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرحلة التي لو أردنا الوقوف عند معالمها لطالت، وهذا ما فعله جماعة من أهل العلم؛ الذين أرادوا الاستيعاب. ولكن المقصد في هذا الكتاب: الاختصار دون إخلال، حتى يعلم الناظر مدى العناية بهذه السنة الشريفة على مر التاريخ دون انقطاع.

٣٧ الطريقه الثانية لبناء حجيّة السنة:

عرض أدلة القرآن والسنة والإجماع على ذلك وبيان وجوه دلالتها. إن إثبات حجيّة السنة لم يقم على برهان واحد ولا برهانين، وإنما على براهين كثيرة، نستطيع أن نرجعها إلى أنواع، وهي:

- إثبات حجيتها من القرآن الكريم. - إثبات حجيتها من السنة النبوية. (وسأبين الحكمة من ذكر الأدلة من السنة على حجيتها) - إثبات حجيتها من عمل الصحابة. - إثبات حجيتها من الإجماع.

وسأفصل في كل نوع من هذه الأنواع:

٣٨ النوع الأول: إثبات حجيتها من القرآن الكريم.

19

كل نوع من هذه الأنواع:

٣٨ النوع الأول: إثبات حجيتها من القرآن الكريم. وهذا النوع من البرهان مهم جداً؛ لأن أكثر الذين ينكرون السنة يدعون أنهم يؤمنون بالقرآن، فإن أقيمنا الدليل عليهم من القرآن انقطعت حجتهم. ودلالة القرآن على حجية السنة من وجوه:

الوجه الأول: الآيات القرآنية التي فيها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من عصيانه. ويظهر وجه الدلالة منها بالتأكيد على مقدمتين ونتيجة.

فالمقدمة الأولى هي: أن الله أنزل القرآن حجة على جميع هذه الأمة، لا على الذين كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم – فقط–، ولا على العربي دون الأعجمي، وإنما على الجميع، فما كان في القرآن من أمر أو نهي أو تحذير عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم فنحن مخاطبون به، كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبين به، فنحن من أمة محمد، كما هم من أمة محمد، ونحن مأمورون باتباعه، كما هم مأمورون باتباعه، فلا خصوصية.

المقدمة الثانية: أن الألفاظ الواردة في الآيات الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت مطلقة غير مقيدة، أعني ليست مقيدة بما بلغه الرسول من القرآن فقط.

فإذا تأسست هاتين المقدمتين، فالنتيجة هي: أن امتثالنا لهذه الآيات لا يتحقق إلا باتباع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، كما قال الشافعي رحمه الله في كتابه «جماع العلم»: «فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عز وجل في اتباع أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أحد قبلك أو أحد بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» (١)

فإن نازع منازع في ثبوت هذه الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم، فردنا عليه تقدم في مراحل العناية، وسيأتي في فصل إقامة البرهان على صحة علم الحديث ما هو أظهر دلالة من مراحل العناية – بإذن الله – (١) جماع العلم للشافعي (ص ٢١-٢٢).

٣٩ الوجه الثاني: النصوص القرآنية التي فيها الأمر برد التنازع إلى الله والرسول.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]. فقوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول﴾ يشمل كل شيء، والمراد بالرد إلى الله: الرد إلى كتابه - وهذا واضح لكل أحد - وكذلك فإن الرد إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته، وإلى سنته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم.

قال ابن حزم رحمه الله تعالى: «والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يخلق، ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجن والناس» (١).

وقال ابن القيم رحمه الله: «الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته» (٢).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموا فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] فكل شيء يشجر بين المؤمنين - أي يتنازعون فيه - فإنهم مأمورون في هذه الآية بأن يتبعوا حكم الرسول في هذا التنازع. وقد نقل الثقات لنا أقضية الرسول وأحكامه في كثير من قضايا النزاع؛ فهل حكم الرسول صلى الله عليه وسلم يبطل بموته؟!

ونستفيد من هذه النصوص - أيضاً - أن السنة لا تقتصر على معاني الأدب والأخلاق والأذكار فقط، بل هي شاملة؛ لأنه إذا لم يكن فيها فصل النزاع في كل ما نختصر فيه، لم يأمرنا الله بالرد عند التنازع إليها وإلى القرآن!

الوجه الثالث: ما جاء في كتاب الله من أن للقرآن بياناً، وهذا البيان هو السنة.

قال الله سبحانه: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩] وحمل ذلك جماعة من العلماء على بيان السنة للقرآن؛ فإن بيان الأمور المجملة في القرآن إنما عرفناه عن طريق السنة، كتفصيلات أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج.

(١) الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/٩٧).

(٢) إعلام الموقعين، لابن القيم (١/٣٩).

٤٠

20

حزم (١/٩٧).

(٢) اعلام الموقعين، لابن القيم (١/٣٩).

قال ابن حزم رحمه الله «الوحي ينقسم من الله عز وجل الي رسوله صلي الله عليه وسلم علي قسمين: احدهما وحي متلو مؤلف تاليفا معجز النظام وهو القران، والثاني وحي مروي منقول، غير مؤلف ولا معجز النظام، ولا متلو لكنه مقروء؛ وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا. قال الله تعالي: ﴿اثنان للناس ما نزل اليهم﴾ [النحل : ٤٤] «انتهي».

قال الله تعالي: ﴿اثنان للناس ما نزل اليهم﴾ [النحل : ٤٤] «انتهي». فالله سبحانه وتعالي ذكر الفرائض في كتابه، واوقف صحه اداء هذه الفرائض علي ما جاء في السنه. فلا يمكن ابدا ان نقيم فرض الصلاه علي الصوره التي تقبل بها، الا عن طريق ادائها علي صفتها التي جاءت في السنه؛ اذ لم يذكر في القران عدد ركعاتها ولا اوقاتها، وفي الزكاه لم يذكر النصاب، ولا قدر ما يخرج من المال.

فهل نخرج كل المال! ام نصفه؟ ام عشره؟ ، ام اقل من ذلك؟ ما المقدار الذي تبرا به الذمه؟ وما الجزء الذي اذا اخرجه المسلم لا يعد داخلا في هذا الوعيد: ﴿والذين يكبرون الذهم والفضه ولا ينفقونهم باستعال اليوم﴾ [التوبه : ٣٤].

فنقول: ان الله قد رضي للسنه من المنزله ان جعل صحه الفرائض متوقفه علي ما جاء في تفصيلها وبيانها. وبهذا نعرف ان من يدعي انه قراني ولا ياخذ بالسنه فهو كاذب؛ لان القران كله يدعو الي اتباع المصطفي صلي الله عليه وسلم.

الوجه الرابع: ان الله سبحانه وتعالي امتن علينا بالسنه. وهذا الامتنان في امر ديني؛ فهل يكون بعد ذلك ليس له قيمه وشان؟

ويظهر ذلك في قول الله سبحانه وتعالي: ﴿لقد من الله علي المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من اعينهم يتلوا عليهم اياته ويرسخهم ويعلمون الكتاب والحصصه وان كانوا من قبل لفي صلال مبين﴾ [ال عمران : ١٦٤]. وقد ذكر جماعه من اهل العلم؛ ان المراد بالحكمه اذا جاءت بهذا السياق: السنه.

ومن اشهر من قال ذلك الامام الشافعي - رحمه الله -، ولم يقله عن رايه فقط، وانما قال: «فسمعت من ارضي من اهل العلم بالقران يقول: الحكمه سنه رسول الله» (١) ثم (١) الرساله، للشافعي (٣٤). رجح هذا القول.

21

سنه رسول الله» (١) ثم (١) الرساله، للشافعي (٣٤). رجح هذا القول. وقال ابن كثير رحمه الله : « وقوله تعالي: ﴿ويعلمون الكتاب﴾ يعني القران، و ﴿والحكمه﴾ يعني السنه. قاله الحسن، وقاده، ومقاتل بن حيان، وابو مالك وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاه»(1).

ومقاتل بن حيان، وابو مالك وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاه»(1). كما قد تقدم في اول الكتاب في بيان ان السنه من عند الله سبحانه كلام ابن جرير رحمه الله، ونص اخر لابن كثير، ولم ارد الاكثار في النقول. كما ان من وجوه الدلاله في ذلك ان الله سبحانه وتعالي قال ﴿وانزل الله عليك الكتاب والحكمه﴾ وهذا يقتضي ان الحكمه من الوحي.

قال ﴿وانزل الله عليك الكتاب والحكمه﴾ وهذا يقتضي ان الحكمه من الوحي. ومن المهم التنبيه اننا لا نقول بان كل (حكمه) في القران، فهي السنه، وانما نقول، انما السنه منها ما كان معطوفا علي الكتاب مما كان في شان نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، والعطف يقتضي المغايره في الاصل، -اي ان عطف الحكمه علي الكتاب يقتضي ان تكون الحكمه امرا اخر غير الكتاب- .

ان عطف الحكمه علي الكتاب يقتضي ان تكون الحكمه امرا اخر غير الكتاب- .

**النوع الثاني: اثبات حجيتها من السنه النبويه.**

قد ينشا سؤال هنا قبل ذكر الادله، وهو: ما الفائده من اثبات حجيه السنه من السنه، مع ان المخالف ينكر السنه من اصلها؟ فكيف نستدل بمحل النزاع علي محل النزاع؟! والجواب، ان الفائده تظهر في عدد من الامور:

1الاول: اي لم اوجه كلامي في هذا الكتاب لمنكري السنه والمشككين فيها -فقط-، بل حتي من يؤمنون بالسنه، فان كثيرا منهم ربما تغيب عنهم الادله التفصيليه التي تجعلهم علي يقين بصحه ما يعتقدون، وتاسيس اليقين هو القاعده الاولي في الانطلاق لنقاش المخالفين.
2الثاني: ان كثيرا ممن لديهم اشكالات تجاه السنه، ليس عندهم مذهب مطرد فيما ياخذون و يدعون منها؛ فحين تسال احدهم ما الذي تقبله من السنه وما الذي تتركه؟ لا (1) تفسير ابن كثير (1/ ٢٧٥). ٤١ ٤٢ يكون عنده جواب محدد، وليس له مذهب واضح. فقد ياخذ بشيء ويترك شيئا. ومثل هذا قد ينفع معه ذكر الدلائل علي حجيه السنه من السنه ذاتها لانه لا ينكرها كلها.
3الثالث: ان كثيرا من المجادلين والمخاصمين فيما يتعلق بقضايا السنه؛ ياخذون من السنه ما يوافق اقوالهم في انكارها! ! وهذا مع غرابته الا انه منتشر جدا! ! فنحن نخاصمهم بالسنه ايضا، ونذكر لهم النصوص التي نحتج بها، فمثلا: من يقول منهم ان السنه ليست بحجه؛ لان النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن كتابتها؛
4الرابع: ان كثيرا من المنكرين لحجيه السنه يقولون: نحن نؤمن من السنه بما وافق القران، فيقال لهم: ان الاحاديث الداله علي حجيه السنه توافق القران فيلزمكم الاخذ بها!!.

ولاجل ذلك كله؛ فهذا اثبات حجيه السنه من السنه: ويتحقق الاثبات من وجوه:

**الوجه الاول:** النصوص الامره بحفظ الحديث وتبليغه فقد خطب النبي صلي الله عليه وسلم في اصحابه خطبه ثم قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب (١) وهذا فيه حث ظاهر علي البلاغ.»

قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب (١) وهذا فيه حث ظاهر علي البلاغ.» وثبت في سنن الترمذي من حديث زيد بن ثابت – رضي الله عنه – عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: «نصر الله امرا سمع منا شيئا، فبلغه كما سمع، فرب مبلغ اوعي من سامع» (٢). ووجه الدلاله: ان الحث علي تبليغ امر ديني انما هو لاعتبار منزلته ومكانته لا للتحذير منه قطعا!

**الوجه الثاني:** النصوص التي فيها اقرار النبي صلي الله عليه وسلم وتشجيعه لمن اعتني (١) صحيح البخاري (١٠٥)، صحيح مسلم (١٦٧٩). (٢) سنن الترمذي (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. بالسنه في حياته.

22

سنن الترمذي (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. بالسنه في حياته. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال - بابي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه».

(١) وهذا فيه تشجيع واضح لأبي هريرة على المواصلة في طريق الحديث. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «لما رأيت من حرصك على الحديث» وقارنه بدعوى بعض الطاعنين في أبي هريرة بأنه إنما لزم النبي صلى الله عليه وسلم؛ حرصا على الطعام!.

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود، من طريق جيد، أن عبد الله بن عمرو كان يكتب كل ما يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلامه بعض الناس على ذلك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق».

(٢) الوجه الثالث: النصوص التي جاء فيها التحذير من رد شيء من السنة، وهذا الوجه هو أكثر الوجوه صراحة.

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري؛ مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» وهذا حديث رواه الشافعي في كتاب «الرسالة» (٣) ورواه غير واحد من أصحاب السنن، (٤) من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث إسناده صحيح.

(١) صحيح البخاري (٩٩).

(٢) سنن أبي داود (٣٦٤٦).

(٣) الرسالة (٤٠).

(٤) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن أبي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣).

وهذا الحديث نص في المسألة دال على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما زاد على القرآن.

وروي الحديث من وجه آخر، من طريق المقدام بن معدي كرب (رضي الله تعالى عنه)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرم الله»(١).

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»(٢)، وإسناده لا بأس به.

صدق رسول الله، فإنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فما زادنا هؤلاء المنكرون إلا يقينا.

النوع الثالث: إثبات حجة السنة من عمل أصحاب رسول الله ﷺ

لا يشك المستقرئ لأقوال الصحابة أنهم يعتمدون السنة حجة ومصدرا للتشريع، ويبنون أقضيتهم وأحكامهم وتعاملاتهم على ضوء ذلك، وأنهم بلغوها لمن بعدهم كما بلغوا القرآن.

ونحن نقول لمنكري السنة، الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن: قد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعلم منكم بالقرآن، وأكثر حبا لرسول الله، وأغير عليه، فكيف كان موقفهم من السنة؟

لقد ذكرت في هذا الكتاب في المرحلة الثانية من مراحل العناية بالسنة صورا كثيرة لعناية الصحابة بالسنة، واعتبارهم إياها حجة تشريعية، وسأذكر - هنا - مواقف لم تذكر في الموضع السابق: إلا موقفا واحدا أبدأ به؛ وأكرره لأهميته: إنه موقف أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قضية الميراث.

(١) أخرجه الترمذي (٢٦٦٤).

(٢) سبق تخريجه.

23

## الميراث

(١) اخرجه الترمذي (٢٦٦٤).

(٢) سبق تخريجه.

قال الله سبحانه وتعالي: ﴿يوسيم الله ان اولاد الله للذكر مثل حظ الانثيان﴾ [النساء: ١١]. هذه الايه عامه؛ تقتضي ان المال ينتقل من الاباء الي الابناء بالموت. فجاءت فاطمه رضوان الله عليها الي ابي بكر؛ تطلب ميراثها من ابيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وطلبها يوافق ظاهر القران.

وكان عند ابي بكر نص من رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الانبياء لا يورثون. وان ما تركوه من مال فهو صدقه. - وهذا النص ثابت في صحيحي البخاري ومسلم (١) -، فلم يعطها اياه لاجل ذلك. ولولا انه راي في نفسه ان السنه حجه ملزمه ومصدر تشريعي؛ لما تمسك بهذا القرار، في مقابل اصرار فاطمه رضوان الله تعالي عليها، وقال مبينا اهميه النص النبوي وعدم جواز مخالفته: «اني اخشي ان تركت شيئا من امره ان ازيغ» (٢).

وكان عمر (رضي الله) عنه لا يورث المراه من ديه زوجها حتي اخبره الضحاك بن سفيان ان النبي صلي الله عليه وسلم «كتب اليه ان يورث امراه اشيم الضبابي من ديه زوجها. فعدل عمر عن رايه الي هذا النقل» (٣).

وكان عمر (رضي الله) عنه يشدد في النهي عن اداء صلاه التطوع، في الاوقات المنهي عنها (٤)، وكان يضرب علي ذلك بالدره. مع ان هذا النهي انما ثبت بسنه رسول الله صلي الله عليه وسلم وليس في كتاب الله.

وقال علي بن ابي طالب رضي الله تعالي عنه: «لو كان الدين بالراي لكان باطن الخف اولي بالمسح من ظاهره». حسنا، وما المانع اذن - يا ابا الحسن - من المسح علي باطنه؟ قال: «ولكني رايت رسول الله صلي الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه» (٥). فعلي رضي الله عنه ترك القياس العقلي؛ الذي راه في هذه المساله وقدم عليه فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهذا يدل علي اعتباره الشديد لهذه القضيه.

(١) ينظر: صحيح البخاري (٣٠٩٢)، صحيح مسلم (١٧٥٩).

(٢) صحيح البخاري (٣٠٩٣)، صحيح مسلم (١٧٥٩).

(٣) سنن ابي داود (٢٩٢٧)، سنن الترمذي (١٤١٥)، سنن ابن ماجه (٢٦٤٢).

(٤) ينظر: موطا مالك (٥٩٠)، مصنف عبدالرزاق (٣٩٦٤).

(٥) ينظر: مسند احمد (٧٣٧)، سنن ابي داود (١٦٢).

ومواقف الصحابه في احتجاجهم بالسنه اشهر من ان يستدل عليها؛ الا انه حين تغيرت المفاهيم، وكثرت الشبهات، صار الانسان محتاجا الي ذكر الادله والشواهد علي ذلك!

24

وكثرت الشبهات، صار الانسان محتاجا الي ذكر الادله والشواهد علي ذلك! والقضيه المنهجيه المهمه - هنا - والتي احب للقارئ الكريم ان يتنبه لها هي ان يجعل هذه المواقف الكثيره هي الاصل في فهم منهج اصحاب رسول الله ﴿صلي الله عليه وسلم﴾ من السنه، وان يرد المواقف المجمله الي هذه المواقف المفصله الواضحه، التي تظهر اعتبارهم السنه حجه ملزمه.

الي هذه المواقف المفصله الواضحه، التي تظهر اعتبارهم السنه حجه ملزمه. فلو وقف علي اي روايه تتعارض في فهمه هذه المواقف؛ فانه يتاني، ولا يضرب الروايات ببعض، وانما يحاول فهم المتشابه علي ضوء المحكم.

النوع الرابع: اقامه حجيه السنه عن طريق اجماع العلماء. ان درجات الاجماع المنقول عن اهل العلم تتفاوت، ونستطيع معرفه مرتبه الاجماع عن طريق عدد من القرائن، منها:

1ان يتوارد علي نقله جماعه من اهل العلم، من مختلف المذاهب، دون معرفه مخالف لذلك بعد البحث والاستقراء.
2ان يكون في سياق النقل عنهم بيان ضلال المخالف في هذه المساله وانحرافه.
3ان يكون في سياق النقل عنهم بيان ضلال المخالف في هذه المساله وانحرافه، ومن باب اولي لو كان في السياق بيان كفر المخالف فيها، فهذا يدل علي ان المساله قد اخذت صوره من القطعه عند اهل العلم.

فالعلماء لا يكفرون المنكر لاي مساله شرعيه؛ ما لم تاخذ صوره القطعه اضافه الي كونها من الامور الظاهره المتواتره، كوجوب الصلاه والزكاه، وتحريم السحر والربا والزنا ونحو ذلك.

وفي قضيه السنه نجد انه قد نقل الاجماع علي حجيتها غير واحد من اهل العلم وفي سياق نقل بعضهم للاجماع تشديد علي المخالف وتضليل له، بل وتكفير كذلك، مما يدل علي ان هذا الامر قد اخذ صوره القطعه عندهم. واستقصاء الاجماعات في ذلك يطول، وهذا شيء منها:

١ - في سياق مناظره الامام عبد العزيز الكناني - رحمه الله تعالي - لبشر المريسي (راس المبتدعه في ذلك الوقت)، قال الكناني معلقا علي قول الله سبحانه وتعالي: ﴿فان نترجلم في حق وفردوه الي الله والاستقل ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ [النساء: ٥٩] قال: «هذا ما لا خلاف»

فيه بين المؤمنين واهل العلم، ان رددناه الي الله فهو الي كتابه، وان رددناه الي رسوله بعد وفاته؛ فانما هو الي سنته، وانما يشك في هذا الملحدون» ا.ه. (١) فتامل قول الكناني: «لا خلاف فيه بين المؤمنين»، وقوله: «وانما يشك في هذا الملحدون».

25

الكناني: «لا خلاف فيه بين المؤمنين»، وقوله: «وانما يشك في هذا الملحدون».

٢ - وفي هذه الآية أيضاً يقول ابن حزم - رحمه الله -: «الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس». (٢) وذكر أن المراد بها القرآن والخبر عن رسول الله.

٣ - وفي ذات الآية يقول ابن القيم - رحمه الله -: «الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته». (٣)

٤ - وقال ابن عبد البر القرطبي المالكي - رحمه الله تعالى - في مقدمة التمهيد: «أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار - فيما علمت - على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً». أ. هـ. (٤). وهذا إجماع على حجيّة خبر الواحد فضلاً عن المتواتر.

٥ - وقال الشوكاني - رحمه الله تعالى - في «إرشاد الفحول»: «إن ثبوت حجيّة السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام». (٥). وتأمل قوله: «لا حظ له في الإسلام»؛ فمثل هذه الجملة لا تقال في المسائل الفقهية المختلفة فيها.

٦ - ويؤكد المعلمي - رحمه الله - في «الأنوار الكاشفة» حين تكلم عن حجيّة خبر الأحاد، (١) الحيدة والاعتذار (ص ٦٩). (٢) الأحكام في أصول الأحكام (١/ ٩٧). (٣) إعلام الموقعين، لابن القيم (١/ ٣٩). (٤) التمهيد، لابن عبد البر (٢/ ٢). (٥) إرشاد الفحول، للشوكاني (١/ ٩٧). ٤٧ قال: «والحجج في هذا الباب كثيرة، وإجماع السلف على ذلك محقق»(1). وقوله: «محقق» يدل على حتمية ثبوت هذا الإجماع عنده.

٧ - بل إن الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - نقل الإجماع على ما هو أكبر من ذلك، حيث ذكر في الجزء السابع من أبحاث الهيئة(2): «إن ما تفوه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب، ومن أنكرهما، أو أحدهما، فهو كافر بالإجماع». فهذا النص فيه نقل الإجماع على كفر منكرها!.

وإذا تأملت سياق هذه الإجماعات، فإنك ترى وضوح قضية حجيّة السنة عند علماء المسلمين، وقطعيتها، وأنها ليست من مسائل الخلاف المعتبر. فهذا منهج أهل العلم، وهذه طريقتهم وهديهم، وقد عرفنا طريقة مخالفيهم من المبتدعة والمستشرقين، والله يحب المؤمنين.

(1) الأنوار الكاشفة، للمعلمي (1/٦٧). (2) أبحاث هيئة كبار العلماء (٧/١٤٢).

٤٨ ٤٩ الطريقة الثالثة لبناء حجيّة السنة: إقامة البرهان على صحة علم الحديث.

26

## الطريقة الثالثة لبناء حجيّة السنة:

إقامة البرهان على صحة علم الحديث، ما أكثر ما شكك المنكرون للسنة في علم الحديث، وزهدوا فيه، واستنقصوا علماءه؛ إذ هو الطريق الموصل إلى معرفة السنة. ولقد رأيت في مناقشة هؤلاء المشككين عجبًا، ولا أذكر أنه – إلى ساعتي هذه – ناقشني مشكك في علم الحديث، وله معرفة به، وما أسرع الناس إلى إنكار ما لا علم لهم به، ولذلك؛

سأبرهن في هذا الفصل على صحة هذا العلم الشريف، وصلاحيته لأن يكون ميزانًا لتمييز المنقول من الأخبار عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾. إن الله سبحانه وتعالى أمرنا برد النزاع إلى كتابه وإلى سنة رسوله، كما سبق بيانه وتقريره، وهذا يدل على أمرين جليلين عظيمين:

الأول: أن الله سيحفظ كتابه وسنة رسوله حتى نستطيع رد النزاع إليهما.

الثاني: شمولية الكتاب والسنة؛ إذ فيهما الفصل لكل نزاع.

قال ابن القيم (رحمه الله تعالى): «قوله: ﴿فإن تتنازعوا في شيء﴾، نكرة في سياق الشرط، تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقة وجلة، جلية وخفية، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا لم يأمر بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع» (١).

وإذا تقررت بذلك شمولية السنة، فها هنا مقدمة أخرى، وهي أن من المعلوم وجود أخبار نسبت إلى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ليست تصح نسبتها إليه؛ أما لأنها مكذوبة؛ أو لوجود علة فيها. فكيف لنا أن نميز بين ما ثبت، مما لم يثبت، حتى نستطيع أن نرد التنازع إلى السنة؟ وحتى نؤمن بها ونبني عليها أحكامًا؟

لدينا طريقان:

1الطريق الأول: أن يعتمد كل إنسان في سبيل تمييز ذلك على ذوقه ورأيه الشخصي، وكل منا يحكم على الحديث بما يراه مناسبًا. وهذا الطريق لا يجعل للسنة قيمة حقيقية، ولا تكون عندئذ مرجعًا في النزاع، لأنه إذا أراد شخص أن يستدل بشيء منها، فقد يقول الطرف الآخر: إن هذا الحديث ليس صحيحًا، بناءً على ذوقه، وهكذا تضيع سنة النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بين أذواق الناس.
2الطريق الثاني: أن يكون هناك ميزان علمي موضوعي، يصلح لأن يكون حكمًا بين المتخاصمين في إثبات شيء من المنقول عن النبي أو رده. ولا شك أن وجود الميزان العلمي المعتبر الذي تثبت قوته وحياديته، خير من العبثية والفوضى في الحكم على الأخبار المنقولة.

ومن ثم فإن هذا الميزان: إما أن نستحدثه، وإما أن ننظر في ميزان قائم مجرب معتبر مشهود له من أهل العلم والخبرة والاختصاص؛ بأنه ميزان يبلغ الغاية في تمييز ما ينقل من الأخبار.

فأما الخيار الأول وهو استحداث ميزان جديد، ففيه عدد من الصعوبات، وذلك أنه ينقصنا كثير من المعطيات التي كانت موجودة في وقت المحدثين الكبار، كمعاصرة الرواة، ووجود أصول الكتب التي كانت عند الشيوخ والتلاميذ، والجو العام للرواية آنذاك. فمعاصرة الرواة والسماع منهم، والقدرة على اختبارهم، ونحو ذلك؛ يعطي معرفة تجريبية، لا تحصل لمن فاتته هذه الأمور، كما أن من الصعوبات في هذا الأمر: قلة المختصين الكبار ذوي الخبرة والمعرفة والإتقان بالعلل والرجال ودقائقهم، مقارنة بعصور الرواية، وخاصة القرن الثالث؛ الذي اجتمع فيه من ذوي الخبرة بهذا العلم، ما لم يجتمع في عصر بعده البتة، كالامام أحمد والبحاروي وابن معين وعلي بن المديني ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي وغيرهم.

فلم يبق إلا الخيار الثاني، وهو النظر في الميزان المجرب القائم الذي هو: علم الحديث. فهل هذا العلم كاف في تمييز المنقول من الأخبار صحيحها من سقيمها؟

سأقدم الإجابة ثم أبرهن على صحتها، فأقول بكل طمأنينة ويقين: إن هذا العلم هو صمام الأمان للسنة، وهو كاف تمام الكفاية في تمييز المنقول من الأخبار صحة وضعفها.

وقد أجمع العلماء – من أهل السنة – على اعتبار هذا العلم مأمونًا على سنة النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، وذلك أن أهل العلم قديمًا وحديثًا على اختلاف تخصصاتهم، يحيلون إلى موازين علم الحديث في صحة الأخبار؛ وذلك عبر نقل كلام أئمة هذا العلم. فقولهم: أخرجه البخاري في صحيحه، أو سكت عنه أبو داود،

(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (١/٤٩).

27

هذا العلم. فقولهم: «اخرجه البخاري في صحيحه»، او «سكت عنه ابو داود»، او «صححه الامام احمد»، او «حسنه الترمذي»، او «ضعفه العقيلي»، هو اعتراف منهم بهؤلاء المحدثين ومنهجهم وطريقتهم في الجمله. كما انهم يستعملون قواعد ومصطلحات هذا العلم، كقولهم: «هذا حديث مرسل»، و«هذا منكر»، و«ذا راو متروك»، و«الاخر صدوق»، وهكذا. . .

هذا حديث مرسل، وهذا منكر، وذا راو متروك، والاخر صدوق، وهكذا. . . وايضا فقد اجمعوا علي صواب نتاج هذا العلم، فقد اتفق العلماء علي صحه جمهور احاديث صحيحي البخاري ومسلم، والامامان البخاري ومسلم انما حكما علي الاحاديث التي اخرجاها بالصحه بناء علي موازين علم الحديث، فالتناج المترتب علي هذا العلم – اذا – اجمعت الامه علي صحته.

الحديث، فالتناج المترتب علي هذا العلم – اذا – اجمعت الامه علي صحته. واقامه البرهان علي كفايه علم الحديث، وصحته، وموضوعيته يكون بدراسه هذا العلم دراسه تفصيليه، والنظر في قواعده وقوانينه. وسالقي الضوء علي عدد من القضايا التفصيليه في هذا الفن، والتي تدل علي ما وراءها من الدقه والاتقان، وساذكر عناوينها اولا ليحسن تصور ما سياتي من تفصيلات تحت هذه العناوين:

عناوينها اولا ليحسن تصور ما سياتي من تفصيلات تحت هذه العناوين:

١ - موازين المحدثين في الجرح والتعديل.

٢ - اشتراط المحدثين اتصالا اسانيد الروايات؛ ليحكموا عليها بالصحه.

٣ - انهم يدخلون الروايات في معامل اختبار دقيقه؛ لاستخراج العلل الخفيه.

٤ - دقتهم في رصد الاشكالات العارضه.

٥ - ان المحدثين عرفوا تلاميذ كل راو وميزوا المتفقين عنه ومراتبهم (مراتب الثقات).

عرفوا تلاميذ كل راو وميزوا المتفقين عنه ومراتبهم (مراتب الثقات).

القضيه الاولي: موازين المحدثين في الجرح والتعديل:

السته نقلت الينا عن طريق سلسله من الرواه، تبدا بالصحابه فالتابعين فتابعهم، الي اصحاب الكتب والمصنفات الحديثيه: كاصحاب الكتب السته، ولا بد من معرفه احوال هؤلاء الرواه قبل قبول اخبارهم؛ فنعلم عن راوي الحديث اتقنه هو ام ضعيف؟ اعدل ام فاسق؟ ولعلماء الحديث في تمييز احوال الرواه، ومعرفه ثقتهم من ضعيفهم، موازين دقيقه، وشروط صارمه، فمن ذلك:

اولا: اشتراط العداله: والعداله هي السلامه الدينيه، فاشترطوا لقبول خبر الراوي ان يكون صالحا في دينه لا يعرف بفسق؛ لان الذي يتجرا علي الحرام ويتهاون في ارتكابه، قد يتجرا ويكذب علي رسول الله ﴿صلي الله عليه وسلم﴾. ومن احتياطهم؛ انهم لا يحتجون بحديث الراوي اذا كان مجهولا لا يعرف بفسق ولا بصلاح.

فان قال قائل: قد يتلبس انسان بالصلاح ظاهرا ويكون في باطنه فاسدا، وربما يضع الحديث ويكذب علي رسول الله ﴿صلي الله عليه وسلم﴾ مستغلا مظهره الزائف! . فنقول: ان هناك موازين اخري عند المحدثين، لا يفوت منها شيء، فلذلك: تجدهم يقولون في بعض الغباذ الكبار ذوي الصلاح الحقيقي: لا تقبلوا احاديثهم! لماذا؟

لانهم اختبروها وعرضوها علي احاديث الثقات فوجدوا انهم لم يضبطوا الحديث؛ فاذا كانوا قد اكتشفوا اخطاء هؤلاء مع صلاحهم الحقيقي، فكيف لا يكتشفون كذب اولئك مع صلاحهم المزيف؟

ثانيا: اشتراط الضبط والاتقان.

قد يكون الراوي صالحا معروفا بالعباده والزهد والتقشف والجهاد والخير ولكنه لا يضبط الحديث، وهذا مشاهد -ايضا- خارج الروايه الحديثيه، فقد ياتيك انسان تعرف صلاحه باخبار غريبه لا يشاركه فيها احد، ولا تطمئن لصحتها، وحين يكثر ذلك منه؛ فانك تتهم حفظه لا دينه؛ لانك تعرف انه لا يتعمد كذبا.

والمحدثون لهم وسائل في معرفه ضبط الرواه: - فقد يختبرون الراوي اختبارا مباشرا ويسالونه. ومثال ذلك: اختبار حماد بن سلمه.

28

اختبارا مباشرا ويسالونه. ومثال ذلك: اختبار حماد بن سلمه ٥٣ لشيخه ثابت البناي، فقد قال له: كيف حديث انس في كذا وكذا؟ (وثابت لم يرو هذا الحديث عن انس، وانما يرويه عن عبد الرحمن بن ابي ليلي. وحماد يخلط له متعمدا؛ لانه يريد ان يعرف هل يميز ثابت بين ما روي عن انس، وما روي عن عبد الرحمن بن ابي ليلي؟ فاذا لم يعرف، علم ان حفظه ليس بذاك، واذا تنبه، علم انه متقن يقظ).

ونص كلام حماد بن سلمه هو: «كنت اظن ان ثابتا البناي لا يحفظ الاسانيد، كنت اقول له لحديث ابن ابي ليلي: كيف حديث انس في كذا وكذا؟ فيقول: لا انما حدثناه ابن ابي ليلي، واقول له: كيف حديث فلان في كذا، فيقول: لا، انما حدثناه ابن ابي ليلي، واقول له: كيف حديث فلان في كذا، فيقول: لا، انما حدثناه فلان» وهذا في كتاب «العلل ومعرفه الرجال» للامام احمد (١)، فعلم بهذا الامتحان انه متقن يقظ.

ويعرفون ضبط الراوي باختبار مروياته –أي الأخبار التي رواها–، وهذه الطريقة هي العمدة في الجرح والتعديل، فيختبرون أحاديثه، وقد يحكمون عليه بالكذب بناء على ذلك، بل وربما حكموا عليه وهم لا يعرفون شخصه، وإنما بناء على ما روي. وهذه بعض الأمثلة:

هناك راوٍ اسمه: أحمد بن إبراهيم الحلبي، وهذا الراوي قد روي حديثا منكرا، معناه: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يناعي القمر وهو صغير، فيشير له إلى اليمين فيذهب يمينا، وإلى الشمال فيطيعه، فذكر النبي صلي الله عليه وسلم أن القمر كان يلهيه حين يبكي وهو صبي!

فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم والده الإمام أبا حاتم قائلا: «سألت أبي عنه (أحمد الحلبي)، وعرضت عليه حديثه، فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب» ا. ه (٢).

وقال المروزي للامام أحمد عن راوٍ اسمه: جابر الجعفي: «يتهم في حديثه بالكذب؟ قال الإمام أحمد: من طعن فيه، فإنما يطعن بما يخاف من الكذب. قال المروزي: الكذب؟! فقال الإمام أحمد: أي والله وذلك في حديثه بين» (٣).

(١) العلل ومعرفه الرجال، للامام احمد روايه ابنه عبد الله (٣٤٧٨).

(٢) الجرح والتعديل لابن ابي حاتم (٢ / ٤٠).

(٣) ينظر: العلل ومعرفه الرجال، للامام احمد روايه المروزي (٤٦٦).

29

العلل ومعرفه الرجال، للامام احمد روايه المروزي (٤٦٦).

قال ابن معين - امام الجرح والتعديل - عن روح بن عباده: «ليس به باس صدوق، حديثه يدل علي صدقه»(١). ولذلك؛ قيل للامام شعبه - رحمه الله تعالي - : من اين تعلم ان الشيخ يكذب؟ قال: «اذا روي عن النبي صلي الله عليه وسلم لا تاكلوا القرعه حتي تذبحوها، علمت انه يكذب»(٢). يقصد ان امثال هذه الاحاديث من الواضح انها كذب.

والامثله كثيره تركتها لحال الاختصار، وفيما سبق رد علي من يقول ان المحدثين لا ينقدون المتن، فهاهم يحكمون علي عدد من الرواه بناء علي المتون التي رووها!.

ثالثا: يعد المحدثين عن المحاباه في الجرح والتعديل.

جاء في «تهذيب التهذيب» لابن حجر - رحمه الله - في ترجمه ابان ابي عياش - وهو شديد الضعف، وكان الامام شعبه - رحمه الله - شديد القول فيه - قال عباد المهلبي: «اتيت شعبه انا وحماد بن زيد، فكلمناه في ابان ان يمسك عنه، (اي: يترك الكلام في تضعيفه) فامسك، ثم لقيته بعد ذلك فقال: ما اراني يسعني السكوت عنه». ا.ه. وكان ابان مشهورا بالصلاح، ولكنه سيء الحفظ.

والامام علي بن المديني ضعف والده. والامام ابو داوود صاحب السنن تكلم في ابنه واتهمه بالكذب. وهذا يدل علي انهم كانوا اهل تدين وصيانه للسنه، وليسوا ارباب مصالح.

رابعا: ان المحدثين كانوا يروون عن مخالفيهم من اهل المذاهب المبتدعه؛ تقديما لمصلحه السته والروايه.

واجه المحدثون في زمن الروايه اشكاليه انتشار الفرق التي تخالف طريقه الصحابه والتابعين في ابواب الاعتقاد، كالقدريه والخوارج والشيعه والنواصب، وكان كثير من المنتمين لهذه الفرق يطلبون الحديث ويحضرون مجالسهم ويجتهدون في تحصيله، ويعرفون بالضبط والاتقان، فاختلف المحدثون في الموقف من هؤلاء الرواه، هل يروون عنهم، ويحكمون بثقتهم وقبول ما عندهم، ام يتركون الروايه عنهم وينهون الناس عن سماع الحديث منهم؟

فالذين منعوا الروايه عن هؤلاء راوا ان هجرهم هو الوسيله الانجع لتقليل شرهم؛ وعودتهم الي الصواب والسنه. كما ان بعضهم يري ان المبتدع لا يؤمن جانبه، حيث يخاف ان ينتصر لمذهبه الخاطئ بروايه يضعها وينسجها، اضافه الي ان بعض هذه البدع قد تصل بالانسان الي الكفر بالله، كما في بعض اقوال الجهميه.

بينما تجاوزت طائفه اخري من نقاد الحديث هذه السلبيات وقدموا مصلحه الروايه والسنه، حيث عرف بعض هؤلاء المبتدعه بجوده الحفظ، وكثره ما عندهم من الروايات الصحيحه.

واشترط النقاد لقبول روايه هؤلاء ان يكونوا معروفين بالصدق والسلامه الدينيه؛ بحيث لا يعرف عنهم الفسق في العمل والسلوك، كما ان بدعتهم لا تصل بهم الي حد الكفر بالله. واشترط كثير منهم مع ذلك؛ الا يكونوا من رؤوس المبتدعه الداعين الي بدعتهم.

وعلي هذا الراي استقر عمل اكثر المحدثين. واذا تاملت في صحيحي البخاري ومسلم تجد ان عددا غير قليل ممن احتجا بهم من الرواه عرفوا بشيء من البدعه.

فهذه امور اربعه تلقي الضوء علي شيء من منهجيه المحدثين في الجرح والتعديل، وتطمئن الي نتائج هذا العلم الدقيق. وهذا كله في اول قضيه من القضايا التفصيليه التي تثبت لنا صحه علم الحديث.

القضيه الثانيه: اشتراط المحدثين اتصالا اسانيد الروايات؛ ليحكموا عليها بالصحه.

يحرص المحدثون علي التاكد من اتصال الروايه التي يراد الحكم عليها، فاذا وجدوا انقطاعا فيها فانهم يحكمون عليها بالضعف -في الجمله-.

فاذا وجدوا انقطاعا فيها فانهم يحكمون عليها بالضعف -في الجمله-. والانقطاع في الروايه قد يكون ظاهرا، كان يروي راو عن شيخ توفي قبل مولده، وهذا النوع من الانقطاع معرفته لا عناء فيها.

وقد يكون الانقطاع في الروايه خفيا، كان يكون بالتدليس (وهو ان يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغه محتمله؛ ك«قال) و «عن»، فان قوله: «قال فلان» و «عن فلان» لا تقتضي الاتصال بحد ذاتها، كما لا تقتضي الانقطاع)، ولان الراوي المدلس لا يريد ان يكذب كذبا صريحا ٥٦ فانه يجتنب الالفاظ الصريحه في السماع نحو «سمعت وحدثني» فيقول «قال فلان» وهو لم يسمعه منه مباشره، وللمحدثين في كشف التدليس طرق يضيق هذا المقام المختصر عن بيانها.

30

وللمحدثين في كشف التدليس طرق يضيق هذا المقام المختصر عن بيانها. والمراد من هذه القضية أن من مميزات منهج المحدثين أنهم يدققون في اتصال الأسانيد وانقطاعها، ويشترطون لصحة الحديث أن يكون متصلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

القضية الثالثة: أنهم يدخلون الروايات في معامل اختبار دقيقة؛ لاستخراج العلل الخفية:

إن المحدثين لا يكتفون باتصال الإسناد مع عدالة روايته وضبطهم؛ ليحكموا عليه بالصحة، فقد قال ابن القيم -رحمه الله- كما في كتابه «الفروسية»: «وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث؛ وليست موجبة لصحة الحديث؛ فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وأن لا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذ عنهم» (١).

ولذلك؛ فإن الناقد إذا أراد الحكم على رواية فإنه يجمع أسانيدها، ويقارن بينها متأملاً بعين الخبير، ويستعمل قرائن كثيرة؛ ليرجح بعض هذه الأسانيد على بعض حال اختلافها. وبطريقة المقارنة هذه يكتشف علماء الحديث أخطاء الثقات، وهنا تظهر عظمة علم الحديث، ودقته.

مثال ذلك: ما حصل للراوي جرير بن حازم -وهو ثقة-، فقد كان في مجلس ثابت البناني، وكان الراوي: حجاج الصواف حاضراً ذاك المجلس -أيضاً-، فروى حجاج حديثاً عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٢).

وبعد انقضاء المجلس، صار جرير يحدث بهذا الحديث عن ثابت البناني (صاحب البيت) فيقول: حدثنا ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة. . . » مع أن ثابتا لا دخل له في هذه الرواية، ولكن لأن جريراً سمع الحديث في مجلس ثابت فارتبط في ذهنه اسم ثابت مع هذا الحديث، ولأن ثابتا أكثر ما يروي عن أنس، فقال جرير: عن ثابت عن أنس!

والحديث إنما يعرف من رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. فاكتشف المحدثون هذا الخطأ، وعرفوا سببه، مع أن ظاهر الإسناد الصحة! (١)

القضية الرابعة: دقتهم في رصد الإشكالات العارضة:

إذا حكم المحدثون على راو بأنه ثقة، فالاصل في رواياته الصحة، غير أن هناك حالات عارضة تعتري بعض الرواة أو الروايات؛ فتجعلها ضعيفة. وقد رصد المحدثون هذه الحالات العارضة بدقة عجيبة.

مثال ذلك: تغير ذهن الراوي بسبب كبر سنه، أو لمصيبة أو كارثة أصابته؛ فاضعفت من قدراته الذهنية. كقولهم في بعض الرواة: مات أخوه فتغير حفظه، أو فلان احترقت كتبه فساء حفظه.

وكثيراً ما يعبر المحدثون عن التغير الطارئ على ذهن الراوي بلفظ: الاختلاط، ولهم دقة في تمييز المختلطين ودرجة الاختلاط، وتمييز من روى عنه قبل اختلاطه وبعده، فتجدهم يقولون عن بعض الرواة: فلان اختلط عام كذا فكل من روى عنه قبل هذا العام فروايته عنه صحيحة، ومن روى عنه بعد هذا العام فروايته عنه ضعيفة.

مثال ذلك: عطاء بن السائب الكوفي، وهو من المشهورين وهو صدوق لا بأس به، إلا أنه اختلط في آخر عمره، قال ابن رجب -رحمه الله- في «شرح علل الترمذي»: «ذكر الترمذي في باب كراهية التزعفر والخلوق للرجال، من كتاب الأدب من جامعه هذا قال: يقال إن عطاء بن السائب كان في آخر عمره قد ساء حفظه، وذكر عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد قال: من سمع من عطاء بن السائب قديماً فسماعه صحيح، وسماع شعبة وسفيان من عطاء بن السائب صحيح، إلا حديثين عن عطاء بن السائب عن زاذان قال شعبة: سمعتهما منه بآخره: أه» (١).

وهذا نص بديع، فزيادة على تمييز المحدثين لمن روى عن (عطاء) قديماً قبل اختلاطه – ومنهم شعبة –؛ إلا أنهم لم يغفلوا كذلك عن حديثين رواهما عنه شعبة بعد اختلاطه!

31

الا انهم لم يغفلوا كذلك عن حديثين رواهما عنه شعبه بعد اختلاطه! ومن الامور الدقيقه في الاحوال العارضه: ان المحدثين رصدوا تغير جوده روايه الراوي في بعض البلدان دون بعض!

وقد ينشا سؤال في ذهن القارئ الكريم: كيف تتغير جوده روايه الراوي في بلد دون الاخر؟ دعونا نتامل هذا النص: جاء في كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب – رحمه الله – متحدثا عن طائفه من الرواه فقال:

«النوع الثاني: من ضعف حديثه في بعض الاماكن دون بعض، وهو علي ثلاثه اضرب: الضرب الاول: من حدث في مكان لم تكن معه فيه كتب فخلط، وحدث في مكان اخر من كتبه فضبط، او من سمع في مكان من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضع اخر فضبط، فمنهم معمر بن راشد، حديثه في البصره فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد، قال احمد في روايه الاثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر احب الي من حديث هؤلاء البصريين (وعبد الرزاق في اليمن)؛ كان يتعاهد كتبه وينظر – يعني باليمن – وكان يحدثهم بخطا بالبصره. وقال يعقوب بن شيبه: سماع اهل البصره من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لان كتبه لم تكن معه»(٢) اه.

فتامل هذه الدقه العجيبه. ثم ابتدا ابن رجب – رحمه الله – بذكر بعض الاحاديث؛ التي اختلتفت فيها روايه معمر ما بين اليمن والبصره، فقال: فمما اختلف فيه باليمن والبصره حديث: «ان النبي الله – صلي الله عليه وسلم – كوي اسعد بن زراره من الشوكه». رواه باليمن عن الزهري عن ابي امامه بن سهل مرسلا، ورواه بالبصره عن الزهري عن انس – رضي الله عنه –. وقال: والصواب مرسل، ومنه حديث: «انما الناس كابل مائه» رواه باليمن عن الزهري عن سالم عن ابيه مرفوعا، ورواه بالبصره مره كذلك، ومره عن الزهري عن سعيد عن ابي هريره» اه.

وهذا رصد دقيق جدا للحالات العارضه التي تعتري الراوه ، او الروايات. ثم ياتي من يشكك في هذا العلم بمجرد الدعاوي!

القضيه الخامسه: ان المحدثين عرفوا تلاميذ كل راو، وميزوا المتقنين عنه ، ومراتبهم (مراتب الثقات):

وهذه القضيه يجهلها عامه المشككين في علم الحديث، مع انها من اهم وادق مباحث هذا القن الشريف، وهي تظهر بحق علو كعب ائمه المحدثين وتبرز قيمه هذا العلم. ويشرح القضيه نقف عند هذا النص: «اصحاب الزهري – اي تلاميذه – : خمس طبقات، وهم خلق كثير يطول عددهم، واختلفوا في اثبتهم واوثقهم فقالت طائفه: مالك، قاله احمد في روايه، وابن معين. وذكر الفلاس انه لا يختلف في ذلك قال احمد في روايه ابنه عبد الله: مالك ثم ابن عيينه، قال: واكثرهم عنه روايه يونس وعقيل ومعمر. . . وقال ابو حاتم الرازي: مالك اثبت اصحاب الزهري، فاذا خالفوا مالكا من اهل الحجاز حكم لمالك. وهو اقوي في الزهري من ابن عيينه، واقل خطا منه. واقوي من معمر، وابن ابي ذئب».

ويواصل صاحب النص في كلامه موضحا دقتهم حين يقولون: فلان احفظ لحديث هذا الشيخ من فلان؛ وذلك برصدهم عدد اخطاء كل راو منهم عن هذا الشيخ؛ فالاقل خطا عنه هو الاثبت، فقال: «وقالت طائفه : اثبتهم ابن عيينه، قاله: ابن المديني، وتناظر هو واحمد في ذلك، وبين احمد ان ابن عيينه اخطا في اكثر من عشرين حديثا عن الزهري. واما مالك فذكر له مسلم في كتاب التمييز عن الزهري ثلاثه اوهام: اه.

من شرح العلل لابن رجب (1) قد يكون في الكلام السابق نوع من الصعوبه علي من ليس له اطلاع علي علم الحديث، ولعل خلاصه القول ان المحدثين من دقتهم عرفوا درجات الرواه في الضبط والاتقان، حتي بين الثقات انفسهم.

32

من دقتهم عرفوا درجات الرواه في الضبط والاتقان، حتي بين الثقات انفسهم، ومعرفتهم هذه مبنيه علي دراسه احاديثهم، كما في كلام الامام احمد حين ذكر عدد اخطاء سفيان بن عيينه في روايته عن الزهري.

(1) شرح علل الترمذي، لابن رجب (2/ ٦٧١).

المحور الثاني: معالجه اصول الاشكالات المثاره علي حجيه السنه النبويه

الاشكالات المثاره حول حجيه السنه والاجابه عنها بعد ان اجتهدنا في اقامه البنيان جاء الوقت لنبعد عنه ما اثير حوله من اشكالات.

واود ان اقدم بذكر نقاط مهمه، ينبغي ان تراعي عند نقاش المشككين في السنه، الا وهي:

النقطه الاولي: البراهين المذكوره سابقا في هذا الكتاب هي الاصل في الموقف من السنه، ومنها نستقي الردود علي الشبهات، وفيها الاثبات القاطع علي حجيه السنه، وصحه علم الحديث.

فاي اشكال او سؤال يثار بعد ذلك، فانه يجب الا يعود علي ذلك الاصل بالابطال؛ لانه ثبت بيقين. وعلي ذلك؛ فلا بد ان يكون عند من يتصدي للدفاع عن السنه يقين بهذا الاصل.

ذلك؛ فلا بد ان يكون عند من يتصدي للدفاع عن السنه يقين بهذا الاصل.

وان من ضعف الشخصيه والعزيمه والراي ان يهدم المرء ما تقرر لديه باصول شرعيه كثيره بسبب اشكال يسير لا يعرف الاجابه عنه، فيشك في الاصل!

والموقف الاكثر نضجا امام الاشكالات الجزئيه التي تعارض ما تقرر بالاصول الشرعيه المتظافره ان لم يعرف عنها جوابا، هو الاخذ بالاصول الواضحه المحكمه، ورد المتشابه اليها.

فان عدم معرفه المرء بالجواب ليس لانه لا يوجد جواب، اذ ان عدم العلم ليس علما بالعدم! بل لان هذا الشخص تنقصه المعرفه التامه.

ولذلك؛ ذكر الله – سبحانه وتعالي – ان اهل الزيغ يتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، بينما اهل الحق ياخذون المحكم، ويردون المتشابه اليه.

النقطه الثانيه:

ان المشككين في السنه يتناسون قدر الاشكالات التي ستواجههم حال انكارهم لها، فلئن كانوا انكروا السنه لاستشكالهم خمس روايات او عشره ترد عليهم حال الاثبات فان عشرات النصوص والاحكام ستشكل عليهم بسبب الانكار.

ولمعرفه مقدار الشذوذ والانحراف الذي يلزم القائلين بعدم الاخذ باي حكم لم يذكر نصا في القران فان لك ان تستعرض العبادات التي يقوم بها المسلمون في اليوم، والاسبوع، والشهر، والعام، لتري قدر الاشكالات التي تواجه المنكرين؛ والامثله اكثر من ان تحصر في هذا المقام المحدود.

هل ابدا باركان الاسلام؟ فمن اين عرفنا ان للاسلام اركانا خمسه؟

اترك لهم الاجابه وان كنت لا اتعجب من بعضهم لو انكر ان اركان الاسلام خمسه!

وان انتقلنا للصلاه؛ فالاشكالات التي ستواجههم كثيره: عدد الصلوات، ركعاتها، مواقيتها، صفتها، اذكارها، التشهد، سجود السهو.

وان انتقلنا للزكاه، فالسؤال الاكبر الموجه لهم: ما القدر الذي اذا اخرجه المرء من ماله تكون قد برئت ذمته وامتثل الاوامر القرانيه بايتاء الزكاه؟

فالذي يملك مليار ريال مثلا، وزكي منها مائه ريال فقط، هل تبرا ذمته؟ ان قالوا لا؛ فما الدليل؟

وان قالوا نعم فهذا مشكل، فباي قدر يكون الاجزاء؟ ؛ اذ ان الناس يتفاوتون في مقدار ما يملكون من الاموال.

وقبل ذلك هل كل من ملك شيئا من المال تجب عليه الزكاه؟ ام ان هناك نصابا معينا اذا بلغه المال تجب زكاته؟

فالذي يملك غراما واحدا من الذهب هل تجب عليه زكاته؛ لئلا يدخل في الوعيد الوارد في القران علي الذين يكنزون الذهب والفضه؟

وما المقدار الذي يجب اخراجه من الحبوب والثمار؟ وهل هناك فرق بينما سقي بالنضح وبينما سقته السماء؟

وان انتقلنا للصيام: فهل علي الحائض صوم؟ وما الدليل من نص القران؟

وهل علي من جامع اهله في رمضان كفاره؟ ما الدليل؟

وهل تشرع صدقه الفطر في نهايه شهر رمضان؟ ما الدليل؟ وما مقدارها؟

كل هذه الاسئله ستشكل علي من لا ياخذ بالسنه!

وان انتقلنا للحج، فهل هناك مواقيت مكانيه لا يتجاوزها الحاج الا باحرام؟ سموا لنا هذه المواقيت، ومن الذي وقتها؟ وما الدليل؟

وكيف تؤدي الصلاه يوم عرفه؟ وما الدليل من القران علي رمي الجمرات؟

وهل هناك طواف للوداع؟

33

وما الدليل من القرآن على رمي الجمرات؟ وهل هناك طواف للوداع؟

لكم أن تتخيلوا الإسلام دون كل الأحكام المذكورة في الأسئلة الماضية والتي لم يأت النص عليها في القرآن وإنما جاءت في السنة؟! فهل يستقيم بعد ذلك قول من قال: «السنة إنما هي ركام من المرويات، والأخذون بها عابدون للأسانيد»؟!

النقطة الثالثة: المنكرون للسنة والمشككون فيها، غالبًا ما يقعون في إشكالات ظاهرة في سياق احتجاجهم على عدم حجية السنة! من أبرزها:

١- الاستدلال بالسنة! إذ يستدلون بما لا يرونه حجة على عدم حجته! كاستدلالهم بالنهي عن كتابة الحديث على إسقاط الاحتجاج به! وهذا تناقض.

فإن قالوا: إنما نستدل عليكم بما تؤمنون به. قلنا لهم: إننا نؤمن بمجموع النصوص في الباب، وأنتم تمارسون عملية انتقائية لا منهجية ثم تدعون أنكم تستدلون علينا بما نؤمن به.

٢- الانتقاء من بين الأدلة المتساوية دون أي معيار للاختيار سوى موافقة قولهم! فينتقون حديث النهي عن الكتابة -مثلاً-، من بين الأحاديث التي فيها الرخصة بالكتابة، دون محاولة للجمع بينها! ويتحاشون الأحاديث الدالة صراحة على الحجة! أليس الذي نهي عن الكتابة هو الذي نهي أيضًا عن رد شيء من حديثه بحجة أنه لم يأت في القرآن؟

٣- إنهم يبنون قولهم على تصور ناقص لحقيقة ما يتحدثون عنه، ومن أبرز الأمثلة على ذلك: كلامهم عن تدوين السنة، وعن علم الحديث. إذ هو مبني على تصورات ناقصة لا تصف الحقيقة.

٤- عدم تمييز الصحيح من السقيم. ومثال ذلك: استدلالهم بموقف عمر من صحف الحديث، وهو غير ثابت. واستدلالهم بضرب عمر لأبي هريرة على إسقاط مكانته الثانية.

أصول الإشكالات والشبهات المثارة حول السنة من خلال التأمل في الإشكالات المعاصرة المتعلقة بالسنة، رأيت أنها تعود إلى هذه الأصول:

- الأصل الأول: إشكالات راجعة إلى أصل حجيتها وأساسها.

- الأصل الثاني: إشكالات راجعة إلى نقل السنة (رواية الأحاديث).

- الأصل الثالث: إشكالات راجعة إلى تاريخ السنة وتدوينها.

- الأصل الرابع: إشكالات راجعة إلى روايات بعينها لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها.

- الأصل الخامس: إشكالات راجعة إلى طريقة نقل السنة وإلى علم الحديث.

وسأذكر الإجابات عن هذه الأصول بشيء من التفصيل مع أني أؤكد على أن ما سبق تأسيسه في هذا الكتاب تحت موضوع (إقامة البرهان على حجية السنة) هو الأساس في الموقف من السنة، وفيه أصول الإجابات عن كل هذه الأسئلة والاستشكالات.

34

## الموقف من السنة

وفيه أصول الإجابات عن كل هذه الأسئلة والاستشكالات.

**الاصل الأول:** إشكالات راجعة إلى أصل حجية السنة. يزعم منكرو السنة، المتسمون - زوراً - بالقرآنيين أنه لا حاجة في أي أمر ديني إلى شيء خارج نص القرآن الكريم، لأنه تبيان لكل شيء.

هذا الكلام فيه حق وباطل؛ فأما الحق الذي فيه فهو أن القرآن الكريم تبيان لكل شيء، لكن الشأن في تحرير وجه البيان والتبيان الذي جاء به القرآن؟ هل هو بطريق النص على كل حكم بعينه؟ أم بطريق النص تارة، وبطريق الإشارة والإحالة تارة أخرى؟

لا شك أن طريقة القرآن ليست هي النص على كل حكم بعينه، وإنما بالنص في مواضع، وبالإحالة إلى الرسول وأحكامه وأوامره ونواهيه في مواضع أخرى. وبذلك يظهر لنا وجه الباطل في الكلام السابق.

كما أن في قولهم تعطيلًا لكل الآيات القرآنية التي أحالت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه، وهذا يكشف عدم صدق تسميتهم أنفسهم بالقرآنيين؛ فإن الآيات القرآنية الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم قد تكررت عشرات المرات في القرآن، هم عطلواها كلها بدعوى غير متماسكة عند التحقيق.

فمن أشهرها: دعواهم أن كلمة (الرسول) الواردة في آيات الأمر بطاعته، إنما تعني الرسالة لا الشخص المرسل، ثم يقولون إن الرسالة هي القرآن - وحده -، وأن كل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يذكر في نص القرآن إنما فعله بمقتضى النبوة لا الرسالة! والنبوة لا يصدر عنها شيء ملزم شرعًا،

ويفرقون بين الرسول والنبي بهذا الاعتبار، وليس عندهم على ذلك دليل فصل ينتهض بهذه الدعوى الكبيرة. بل إن في سياق الآيات ما يبطل هذه الدعوى، ويمنع التفرقة المزعومة؛ ألم يقل الله سبحانه ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾؟

فالكاف في أرسلناك ظاهرة في أن المراد بالرسول هنا الشخص المرسل لا الرسالة، وهي آية صريحة في الأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم.

35

لا الرساله، وهي آية صريحة في الأمر بطاعته صلي الله عليه وسلم.

٦٨ وكذلك فقد جاء في القرآن جمع الكلمتين (الرسول) و (النبي) في سياق واحد، وهو سياق امتداح الاتباع، فقال سبحانه ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ كيف يقولون بعد ذلك إن محمداً صلي الله عليه وسلم لا يتبع بوصف النبوة؟

إن كشف زيف دعوى عدم دلالة آيات الأمر بطاعة الرسول علي اتباع سنته لا يحتاج إلي أكثر من تأمل يسير في تلكم الآيات، فذلك كفيل في إبطال الدعوى ونقضها لمن كان له عقل، وسلم من اتباع الهوى!

فذلك كفيل في إبطال الدعوى ونقضها لمن كان له عقل، وسلم من اتباع الهوى! فعلي سبيل المثال لو تأملنا في سياق أشهر آية يستدل بها علي حجيّة السنة، وهي آية سورة الحشر: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ سنجد أن الرسول هنا لا يحتمل معنى الرسالة، وإنما الرسول المرسل، ففي أول الآية ذكر للرسول بما لا يلتبس معناه بشيء آخر، قال الله سبحانه:

الآية ذكر للرسول بما لا يلتبس معناه بشيء آخر، قال الله سبحانه: ﴿ما أفاء الله علي رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربي واليتامي والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾

بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" وهذا يظهر عدم عنايتهم بسياق الآيات، وقلة فقههم في معانيها.

ومن الأمور التي يذكرها هؤلاء كثيراً: أن اتباع السنة ليس مجرد اتباع لأمر غير شرعي! بل إنهم يرون اتباعها شركاً بالله، وضلالة واتباعاً للآباء والأجداد والسادة والكبراء، وهذا ما يقوله كثير منهم، ويجهرون به واثقين من صحة قولهم واستقامته، وهذا من أعجب العجب!

منهم، ويجهرون به واثقين من صحة قولهم واستقامته، وهذا من أعجب العجب! ونحن نقول لهم: ألم يكن ترك الناس - إذن - بلا قرآن أسلم لدينهم؟ لأنهم إنما أشركوا بالله رسوله - في زعمكم - بسبب فهمهم للآيات التي أمر الله فيها بطاعة رسوله! فإن قالوا: إن الناس أخطؤوا في فهم القرآن.

التي أمر الله فيها بطاعة رسوله! فإن قالوا: إن الناس أخطؤوا في فهم القرآن. قلنا لهم: إن هذه دعوى قد سبق بيان بعض ما فيها من خلل، ثم هل تجتمع أمة محمد صلي الله عليه وسلم من وقت أصحاب نبيها ثم تابعيهم، ثم فقهائها ومحدثيها ومفسريها ومتكلميها ومتصوفتها علي الشرك بالله ثم لا يسلم منه إلا طائفتكم التي ليس فيها معروف بالفقه والإمامة في الدين؟

أليس في مجموع الأمة التي تخالفكم من أئمة اللغة العربية

والإمامة في الدين؟ أليس في مجموع الأمة التي تخالفكم من أئمة اللغة العربية ٦٩ والتفسير وعلوم القرآن ممن لا ينقصهم صلاح النية والقصد من هم أكثر منكم علماً باللغة وسياقاتها وبالقرآن وتفسيره؟

36

والقصد من هم أكثر منكم علماً باللغة وسياقاتها وبالقرآن وتفسيره؟ فإن قالوا: إن الله يقول: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾، قلنا لهم: وهو قد قال سبحانه ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، أي عدولاً خياراً، فكيف يكون جل هذه الأمة الوسط على مر قرونها قابعين في الشرك، كافرين بالله سبحانه!

جل هذه الأمة الوسط على مر قرونها قابعين في الشرك، كافرين بالله سبحانه! وبعيداً عن ذلك كله فإن واقع الأمر يثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بكثير من القضايا الدينية مما لم يذكر نصه في القرآن؛ فمن أين جاء به؟ وما الغرض من قوله؟ وهل كان يفتري على ربه؟ أم يجتهد برأيه؟ فإن قلتم إنه يفتري على ربه فقد كفرتم بإجماع المسلمين.

فإن قلتم إنه يفتري على ربه فقد كفرتم بإجماع المسلمين. وإن قلتم يجتهد برأيه، فهل سيقره الله على خطأ -لو أخطأ-؟ ألم يأمرنا سبحانه بالتأسي به؟ فهل يكون من تأسي به إلا ممتلئاً بالأمر الإلهي؟

ألم يأمرنا سبحانه بالتأسي به؟ فهل يكون من تأسي به إلا ممتلئاً بالأمر الإلهي؟ بل إن رأيكم في مقابل رأي واحد من أئمة الفقه والدين لا يعادل ضوء شمعة -لو كان فيه نسبة ضوء- أمام شمس مشرقة تملأ الدنيا نوراً، ولا زلت -والله- أذكر قول أحد هؤلاء القرآنيين عندما قال: إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في غير نص القرآن إنما هو رأي، في منزلة رأي الغزالي وغيره!

إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في غير نص القرآن إنما هو رأي، في منزلة رأي الغزالي وغيره! وهذا والله أعلم هو سبب ما ابتلوا به من ضيق الأفهام، وسفاهة الحلم والرأي؛ التقليل من شأن النبي صلى الله عليه وسلم وسنته.

وسفاهة الحلم والرأي؛ التقليل من شأن النبي صلى الله عليه وسلم وسنته. ثم إن كثيراً من هؤلاء إن أوقف على حقيقة قوله، وأدرك أوله وآخره ومالاته فإنه قد يعود على القرآن فيكذب به، لأن واقع المسلمين من وقت نبيهم صلى الله عليه وسلم معتمد في الأحكام الشرعية الأساسية على تفصيل السنة وبيانها، بل في أظهر حكم عملي وهو الصلاة، من جهة مواقيتها وعددها وكيفيتها،

بل في أظهر حكم عملي وهو الصلاة، من جهة مواقيتها وعددها وكيفيتها. فأما أن يلتزم هؤلاء المنكرون بمبدئهم ويطردوا عليه؛ فلا يقولوا بوجوب خمس صلوات؛ ولا بالكيفية المعروفة التي يقوم بها المسلمون؛ لأن ذلك لم يذكر في القرآن نصاً! وهذا في حد ذاته يولد نوعاً من الصراع النفسي لمن بقيت منهم فيه حياة!

وهذا في حد ذاته يولد نوعاً من الصراع النفسي لمن بقيت منهم فيه حياة! وأما أن يشكوا في القرآن نفسه؛ لأن عدم ذكر أهم حكم في الإسلام فيه يتعارض تماماً مع فهمهم لقول الله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾!

37

الاسلام فيه يتعارض تماما مع فهمهم لقول الله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾! واما ان يتناقضوا فيقروا بوجوب خمس صلوات مبررين ذلك بان تحديدها جاء عن طريق التواتر العملي وليس عن طريق السنه! وهذا الخيار الثالث تدليس، لان الصلوات الخمس وان كانت متواتره تواترا عمليا الا ان السؤال يبقي قائما عليهم:

الخمس وان كانت متواتره تواترا عمليا الا ان السؤال يبقي قائما عليهم: هل عدم ذكرها في القران يتوافق مع فهمهم لقول الله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾؟ وامر اخر، وهو ان هناك احكاما شرعيه لا يختلف المسلمون في العمل بها، مع ان مستندها السنه لا القران؛ فما موقف المنكرين للسنه من هذه الاحكام؟

ان مستندها السنه لا القران؛ فما موقف المنكرين للسنه من هذه الاحكام؟ وقد ضربنا امثله كثيره علي ذلك قريبا، وازيد هنا مثالا اخر، وهو: تحريم الجمع في التكاح بين المراه وعمتها وبين المراه وخالتها، فهذا التحريم مستنده السنه، ليس مذكورا في القران، وقد اجمع المسلمون عليه، قال ابن قدامه - رحمه الله - في بيان المحرمات في التكاح: «والجمع بين المراه وعمتها، وبينها وبين خالتها».

قال ابن المنذر: اجمع اهل العلم علي القول به، وليس فيه - بحمد الله - اختلاف، الا ان بعض اهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافا، وهم الرافضه والخوارج، لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنه الثابته عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -.

وممن نقل الاجماع في هذه المساله: ابن عبد البر في الاستذكار، وابن العربي في العارضه، والقرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم، وابن تيميه في الفتاوي، والعيني في عمده القاري، وغيرهم. قال الشافعي - رحمه الله -: «وبهذا ناخذ، وهو قول من لقيت من المفتين، لا اختلاف بينهم فيما علمته».

فهؤلاء العلماء يبينون ان قضيه تحريم الجمع في النكاح بين المراه وعمتها، وبين المراه وخالتها، مجمع عليه، مع ان مستند التحريم السنه، وليس للمشككين حيال ذلك الا احد ثلاثه امور:

1اما ان يستقيموا كما استقام هؤلاء العلماء، ويحرموا هذا النوع من النكاح، معترفين بانه مبني علي السنه. وهذا هو الصواب.
2واما ان يخالفوا في تحريم هذا النوع من النكاح. وهذا فساده ظاهر لكل من ينتمي للعلم الشرعي بصله!
3واما ان يقروا بتحريمه ولكن يهربون من نسبه مستند هذا التحريم الي السنه، وهذا اعراض صريح عن الدلاله الظاهره لمستند هذا الاجماع الذي هو حديث رسول الله، وقد وقفت علي بعض التكلفات التي يراد منها نسبه تحريم هذا النكاح الي القران، ولكن بطريقه ملتويه في الاستدلال!

الاصل الثاني: شبهات راجعه الي نقله السنه (رواه الاحاديث).

من السهوله بمكان ان يخادع المرء نفسه في قضيه عدم الاحتجاج بالسنه ليقول: انه لا يرد علي النبي صلي الله عليه وسلم قوله، ولكنه لا يثق بالرواه الذين اوصلوا لنا الاخبار عنه، لا من الصحابه ولا ممن بعدهم، وممن حمل لواء الطعن في الصحابه ونقله السنه في العصر الحديث: طائفه من المستشرقين، ومن تاثر بهم كمحمود ابي ريه.

ونجد تركيزهم واهتمامهم في الطعن علي اكثر الصحابه روايه للحديث كبيرا، وقد تولي الرد عليهم غير واحد من العلماء، من اشهرهم: مصطفي السباعي في كتابه (السنه ومكانتها في التشريع الاسلامي)، والمعلمي في كتابه (الانوار الكاشفه)، وعبد المنعم العزي في كتابه (دفاع عن ابي هريره) ويجاب عن هذه الاشكاليه من وجوه:

1الوجه الاول: ان علم الجرح والتعديل هو الميزان في هذا الباب، وقد اثبتنا في هذا الكتاب موضوعيته وصحته، فليراجع.
2الوجه الثاني: كثير من القصص التي طعن علي الصحابه او الرواه الثقات بسببها، لا تثبت من جهه الاسناد!
38

التي طعن علي الصحابه او الرواه الثقات بسببها، لا تثبت من جهه الاسناد! وذلك مثل الطعن علي ابي هريره بانه انما لزم النبي صلي الله عليه وسلم من اجل الطعام، وان النبي تضايق من كثره دخوله عليه لاجل ذلك، فقال له: «يا ابا هر: زر غبا تردد حبا»، ولم اجد روايه واحده صحيحه او ضعيفه فيها ربط حديث (زر غبا) بقضيه الطعام! ! علي ان حديث زر غبا من اصله لا يثبت.

حديث (زر غبا) بقضيه الطعام! ! علي ان حديث زر غبا من اصله لا يثبت. فقد قال البزار: «لا يعلم في «زر غبا تردد حبا» حديث صحيح»(١). وذكر العقيلي انه ليس في هذا الباب عن النبي صلي الله عليه وسلم شيء يثبت(٢). ولذلك؛ فان من المهم قبل النقاش في ملابسات خبر معين عن صحابي او راو ان يطلب ممن اتي به اثباته!

النقاش في ملابسات خبر معين عن صحابي او راو ان يطلب ممن اتي به اثباته!

الوجه الثالث: نحن في هذه الطعون بين قولين: قول اهل السنه من العلماء والفقهاء والمحدثين والمفسرين، الذين اجمعوا علي عداله الصحابه رضي الله عنهم - وليس علي عصمتهم- واعتمدوا جمله الرواه المعدلين تحت مظله علم الحديث، وبنوا الاحكام علي نقولهم، وبين قول مخالف لهم، غير مختص في هذه العلوم، فايهم احق بالتقديم؟

وبين قول مخالف لهم، غير مختص في هذه العلوم، فايهم احق بالتقديم؟

الوجه الرابع: كثير من الطعون في هؤلاء الرواه تقفز علي الاصول وتتعلق بالاشكالات. فان تاسيس ثقه راو او جرحه لا يكون بالانتقاء غير المنهجي من سيرته واخباره، وانما ببناء منهجي يعتمد علي قواعد وضوابط في الجرح والتعديل.

واخباره، وانما ببناء منهجي يعتمد علي قواعد وضوابط في الجرح والتعديل.

ففي شان معاويه (رضي الله عنه) - مثلا - يتركون ثقه الصحابه به، وعدم انكارهم عليه في الروايه، ويتركون توليه عمر بن الخطاب له، وابقاءه اياه علي الولايه، مع انه عزل عدد من ولاته، ويتركون تنازل الحسن له، وهذا وان كان لحقن الدماء؛ الا انه لا يتنازل لمنافق.

تنازل الحسن له، وهذا وان كان لحقن الدماء؛ الا انه لا يتنازل لمنافق.

وقد امتدح الرسول صلي الله عليه وسلم هذا التنازل حين قال عن الحسن: «ابني هذا سيد، ولعل الله ان يصلح به بين فئتين من المسلمين» - والحديث اخرجه البخاري-(٣)،

(١) كشف الاستار، للهيتمي (٢/٣٩٠).

(٢) الضعفاء الكبير، للعقيلي (٢/١٣٨-١٣٩).

(٣) صحيح البخاري (٣٧٤٦).

ويتركون قول ابن عباس - رضي الله عنه - فيه: «انه فقيه»(١)، كما في صحيح البخاري ايضا. فيتركون كل هذه الحقائق، ويتعلقون بروايات كثير منها لا تثبت، وما ثبت منها فانه من الخطا الذي يقع فيه الصحابه وغيرهم من الناس.

فاننا لا نقول بعصمه معاويه ولا غيره، ولا نقول انه كان مصيبا في قتاله لعلي - رضي الله عنه -،

معاويه ولا غيره، ولا نقول انه كان مصيبا في قتاله لعلي - رضي الله عنه -، ولكن لا نتهمه بالنفاق، ولا بالكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ونعتقد ان معاصريه من الصحابه هم اعلم به.

الاصل الثالث: شبهات راجعه الي تاريخ السنه وتدوينها. ان الاسئله والاستشكالات حول تاريخ السنه وتدوينها حاضره بقوه في الخطاب التشكيكي، ونستطيع ان نرجع الشبهات في هذا الباب الي امرين:

بقوه في الخطاب التشكيكي، ونستطيع ان نرجع الشبهات في هذا الباب الي امرين:

الاول: ما يتعلق بالنهي عن كتابه السنه.

الثاني: تاخر تدوينها.

فاما الامر الاول: فانهم يقولون: ان النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن كتابه اي شيء سوي القران، وهذا يدل علي ان السنه ليست بحجه؛ لانها لو كانت حجه لما نهي عن كتابتها، والرد علي هذه الشبهه من وجوه:

لانها لو كانت حجه لما نهي عن كتابتها، والرد علي هذه الشبهه من وجوه:

الوجه الاول: ما الرابط بين النهي عن كتابه السنه وبين حجيتها؟، وهل الحجه مرتبطه بقضيه الكتابه فقط؟، فاذا نهي عن كتابه شيء تسقط حجيته تماما؟ ام نلتزم بما ورد في حدود النص الذي هو في النهي عن الكتابه؟ وهل لا توجد وسيله لحفظ الاخبار الا الكتابه فقط؟!

في النهي عن الكتابه؟ وهل لا توجد وسيله لحفظ الاخبار الا الكتابه فقط؟!

الوجه الثاني: ان الذي نهي عن كتابه السنه - صلي الله عليه وسلم - هو الذي امر بحفظها وتبليغها، ونهي عن رد ما زاد منها علي القران، كما في حديث الاريكه(٢)،

افثونون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ ، اتتنتقون من السنه ما يوافق اراءكم، وتتركون ما لا يوافقها؟ ، اتاخذون من السنه حديث النهي عن الكتابه؛

وتتركون ما لا يوافقها؟ ، اتاخذون من السنه حديث النهي عن الكتابه؛ لانه يوافق ما تريدون الوصول اليه - مع انه في الحقيقه لا يوافق- وتتركون ما هو اوضح دلاله علي حجيه السنه؟ ، انكم اذن

(١) صحيح البخاري (٣٧٦٥).

(٢) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن ابي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣).

لمتناقضون!

39

سنن ابي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣). لمتناقضون!

الوجه الثالث: النهي عن كتابة السنة قد قوبل بنصوص أخرى ترخص في كتابتها، منها قوله صلى الله عليه وسلم مجيبًا طلب أبي شاه في كتابة خطبته: «اكتبوا لأبي شاه»(1)، ومنها أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأيده النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»(2)،

علي ذلك بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»(2)، وأشار إلى فيه. وكل ما جاء من النصوص في النهي عن الكتابة ضعيف، إلا حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج»(3)، فهذا نص في مقابله نصوص أخرى في الرخصة في الكتابة فما وجه الجمع بينها؟

فهذا نص في مقابله نصوص أخرى في الرخصة في الكتابة فما وجه الجمع بينها؟ لأهل العلم مسالك في الجمع بين هذه النصوص أو الترجيح بينها:

1فمنهم من قال: إن النهي عن الكتابة لا يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الصواب فيه الوقف على أبي سعيد الخدري (أي أنه من كلام أبي سعيد). وهذا المسلك هو طريقة الإمام البخاري - رحمه الله -، وقد ذكر ذلك ابن حجر - رحمه الله - في «فتح الباري»(4)، وبعض طرق هذا الموقوف ذكرها ابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله.
2ومنهم من ذهب إلى أن النهي عن الكتابة منسوخ بأحاديث الرخصة في الكتابة، وأنه إنما نهي عن الكتابة أول الأمر خشية اختلاط السنة بالقرآن، فلما أمن ذلك رخص فيها.
3ومنهم من قال إنه لم يأت النهي عن الكتابة المفردة المفرقة، وإنما جاء النهي عن التدوين العام، قالوا: ولو كلفهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لكلفهم بأمر شاق جدًا، خاصة وأن الكتاب في وقته قليل.

(1) سبق تخريجه.

(2) سبق تخريجه.

(3) صحيح مسلم (٣٠٠٤).

(4) فتح الباري، لابن حجر (١/٢٠٨).

- ومنهم من ذكر أنه وقع الحث على كتابة القرآن؛ لأنه متعبد بألفاظه وحروفه؛ فاحتيج إلى كتابته لفظًا ونصًا؛ بخلاف السنة التي يجوز روايتها بالمعنى بشروط وضوابط يذكرها أهل العلم.

- وقيل: إن ذلك؛ لإبقاء سنة الحفظ التي كانت عند العرب.

- وقيل: غير ذلك.

- فهذه مجموعة من المسالك لأهل العلم في التوفيق بين النصوص، وقد وقع في بداية الأمر خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم زال الخلاف واستقر الإجماع. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله -: «ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته»(1)

وأما الأمر الثاني من الشبهات في هذا الباب، فهو ما يتعلق بتأخر تدوين السنة: والإجابة الوافية عن هذه الشبهة تقدمت تحت عنوان (مراحل العناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم)، وخلاصة الرد بثلاثة أمور:

أولًا: إن التوثيق لا ينحصر في الكتابة، ولذلك فإن توثيق القرآن لم يكن بالكتاب فقط، بل بالتلقين والنقل الشفهي أيضًا، وكان ذلك من أهم وسائل تثبيته، وهذا قد حصل في السنة وإن لم يكن على سبيل الكثرة كالقرآن.

ثانيًا: إن التدوين كان موجودًا من وقت النبي صلى الله عليه وسلم؛ بشكل مفرق إلى وقت التدوين الشامل، فدعوى تأخر التدوين مطلقًا غير دقيقة.

ثالثًا: إن الرواة قد اعتنوا بالحفظ، وملازمة الشيوخ، وضبط أحاديثهم، ثم جاء النقاد ونخلوا كل المرويات وميزوا بين الصحيح والضعيف، وقد أثبتنا شيئًا من ذلك في إقامة البرهان على صحة علم الحديث.

(1) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص 138).

الاصل الرابع: شبهات راجعة إلى روايات بعينها؛ لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها.

40

شبهات راجعة إلى روايات بعينها؛ لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها. وهذا الأصل هو الذي تنبثق منه أكثر الشبهات والاستشكالات المعاصرة، ولذلك؛ فإنك تجده حاضراً في خطاب جميع من يطعن في السنة، فإما أن يزعم أن في السنة الصحيحة روايات تخالف العقل، أو تخالف القرآن، أو العلم التطبيقي، أو تخالف روايات أخرى أصح منها، ومن ثم يتوصلون بذلك إلى رد السنة أو التشكيك فيها.

وسأذكر قواعد في التعامل مع كل نوع من هذه الأنواع على حده، ولكن قبل ذلك هنا تنبيهان مهمان:

التنبيه الأول: يغفل كثير من المستشكلين أن جل استشكالاتهم قد أجاب عنها أهل العلم قديماً وحديثاً، ولكن أكثرهم لا يقرؤون هذه الكتب، وإنما يكتفون بإيراد الإشكالات!!

وقد اعتنى المحدثون بالأحاديث التي ظاهرها التعارض، وأفردوا لها نوعاً من أنواع علوم الحديث، كما فعل الإمام أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث؛ حيث جعل النوع السادس والثلاثين من أنواع علوم الحديث: (معرفة مختلف الحديث)، بل وأفرد العلماء كتباً مستقلة خاصة بالأحاديث التي ظاهرها التعارض، وبعضهم توسع فأدخل فيها ما يتوهم تعارضه مع العقل أو القرآن.

وأول من ألف في ذلك: الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتاب اسمه: «مختلف الحديث».

ومن الكتب المهمة في هذا الموضوع: كتاب «شرح مشكل الآثار» للإمام الطحاوي - رحمه الله -، ويقع في ستة عشر مجلداً! فهل اطلع عليه هؤلاء المتسرعون في رد الحديث؟ وابن قتيبة له كتاب مشهور في ذلك، وهو «تأويل مختلف الحديث»، والكتب في هذا المجال كثيرة.

ومن الرسائل المعاصرة الجيدة في الباب، كتاب «التعارض في الحديث» للدكتور لطفي الزغير، وهو كتاب نفيس وممتاز.

التنبيه الثاني: إن من الخطأ المنهجي ما يقع فيه بعض المتسرعين، من رد الستة كلها أو جلها؛ بسبب عدد من الروايات التي استشكلوها، ويتركون الآلاف من الروايات الصحيحة التي لا يتوهم تعارضها مع شيء مثلها، أو أرجح منها. فلو توقف الإنسان في حديث أو حديثين، لكان موقفاً معتدلاً إزاء رد الستة كلها.

كما أني أحب أن أشير إلى أن الاهتمام بالقواعد المنهجية أمر أهم من الإجابة عن الاستشكالات التفصيلية، ولا شك أن جمع الأمرين أكمل، غير أن الذي يضبط علمه بقواعد منهجية؛ فإنه يستطيع التعامل مع جميع التفصيلات، ومع أي شبهة جديدة.

النوع الأول: توهم تعارض الحديث مع العقل

قواعد منهجية في التعامل مع هذا النوع:

1القاعدة الأولى: التثبت من صحة إسناد الرواية. إن أول خطوة ينبغي التأكد منها عند النظر في الأحاديث التي يدعي أنها معارضة للعقل: هي التثبت من صحة الحديث، فإن كان ضعيفاً، فلا داعي للتكلف في الجمع بينه وبين العقل، فالذين يطعنون في السنة بناءً على روايات ضعيفة تخالف العقل، لا شك أن تصرفهم غير عادل.
2القاعدة الثانية: إذا كان الحديث صحيحاً ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه - قطعاً - لن يعارض العقل، فيتأكد من سلامة فهم الحديث. كما أن الله سبحانه هو الذي خلق العقل وأرشدنا إلى العمل به؛ فهو - أيضاً - من أمرنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن حينئذ أن يوجد تعارض بين العقل والنقل، وفي ذلك كتب ابن تيمية رسالته العظيمة «درء تعارض العقل والنقل» وقال فيها: «فلا يعلم حديث واحد على وجه الأرض يخالف العقل أو السمع الصحيح، إلا وهو عند أهل العلم ضعيف بل موضوع»(١).
3القاعدة الثالثة: التفريق بين ما يخالف العقل، وبين ما لا يدرك بمجرد العقل.
41

الثالثه: التفريق بين ما يخالف العقل، وبين ما لا يدرك بمجرد العقل. قال الامام الشاطبي - رحمه الله تعالي -: «إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب»(١).

عدم فهم هذه القضية أوقع كثيراً من الناس في خطأ كبير، وهو ردهم لأحاديث صحيحة زاعمين أنها تخالف العقل! وهي في الحقيقة من عالم الغيب الذي لا ندركه بمجرد العقل.

مثال ذلك: حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله(٢).

فاعترض بعض المعاصرين (أبو ريه) على صحة هذا الحديث! والصواب أنه لا مجال لاعتراض العقل هنا؛ لأن عالم الغيب لا تقاس فيه الأشياء بحدود المحسوسات في هذه الدنيا، فإذا أدركنا هذه القاعدة؛ تنحل كثير من الإشكالات التي يثيرونها على الأحاديث الغيبية الصحيحة، مثل حديث سجود الشمس؛ إذ إن طريقة سجودها، وكيفية العرش، واستئذانها لله سبحانه، كل ذلك من عالم الغيب.

القاعدة الرابعة: إدراك اختلاف الأفهام.

إن الإشكالات التي تثار تجاه الروايات الصحيحة بزعم أنها تخالف العقل، هي في حقيقة الأمر لا تخالف العقل الصريح وإنما قد تخالف فهم الشخص المستشكل وأمثاله؛ فإن معايير استيعاب وقبول الناس للأخبار تختلف من شخص لآخر، بحسب طريقة تربيته وظروف نشأته ومحيطه ومجتمعه.

فما قد يراه الشخص الذي يعيش في عمق أدغال أفريقيا مخالفاً للعقل، يراه غيره ممن نشأ وتقلب في المدنية الحديثة من مقبولات العقول. بل وربما من مسلماتها!

فإن استشكل مستشكل حديثاً صحيحاً بدعوى معارضته للعقل فإننا نقول له: أنت تظن أن هذا يعارض العقل، وهو إنما يعارض مسلماتك وتصوراتك، وإلا فكيف قبلته آلاف العقول الحرة المفكرة غير المقلدة؟

القاعدة الخامسة: عند اختلاف العقول في قبول حديث؛ فالحكم: الميزان العلمي.

قد تصل في النقاش مع من يدعي بأن حديثاً من الأحاديث الصحيحة يعارض العقل، إلى أن تقول له: حسناً، هذا الحديث يخالف العقل في قول طائفة، ولا يخالفه في قول طائفة أخرى، فما العمل؟ وعقل من أولى بالتقديم؟

إننا -هنا- نحتاج إلى محكم خارجي مستقل، نميز عن طريقه -بموضوعية- ما يخالف العقل مما لا يخالفه، وهذا الميزان هو: علم الحديث، وقد سبق التفصيل في إثبات صحة هذا العلم وموضوعيته.

النوع الثاني: توهم تعارض الحديث مع القرآن.

قواعد منهجية في التعامل مع هذا النوع:

القاعدة الأولى: التأكد من ثبوت الحديث.

فإن كان الحديث ضعيفاً، فلا داعي لادعاء التعارض، وتكلف الإجابة، إلا إذا كان الضعف يسيراً.

القاعدة الثانية: التأكد من دلالة الآية وتفسيرها: كثيراً ما ترد أحاديث صحيحة بدعوى تعارضها مع القرآن، ويكون منشأ الإشكال من الخطأ في فهم الآية القرآنية.

مثال على ذلك: هناك من يقول إن عقوبة الردة تعارض قول الله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾(٢٥٦). ثم يرد الأحاديث الواردة في عقوبة الردة نظراً لاكتشافه هذا التعارض الذي لم يكن معروفاً قبل ظهور هذا العلامة! وكان العلماء حين اجمعوا على عقوبة المرتد لم يعلموا بوجود هذه الآية! والذي لا شك فيه أنهم يعلمون هذه الآية؛

(١) الاعتصام، للشاطبي (١/٨٣١). (٢) صحيح البخاري (٦٥٥٢)، صحيح مسلم (٢٨٢٧).

42

بوجود هذه الآية! والذي لا شك فيه أنهم يعلمون هذه الآية؛ ﴿ولن أتين بمنجزة فمنهن نصف ما على المحصنات من المداب﴾ [النساء: ٢٥]، ولكن تفسيرهم لها يختلف عن هذا الفهم الحادث، فقد فسروها على نفي إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام، وليس على من التزم بأحكام الإسلام، ثم ارتد عنها!

مثال آخر: ينكر بعض المعاصرين أحاديث حد الرجم، زاعمين أنها تعارض قول الله: ﴿ولن أتين بمنجزة فمنهن نصف ما على المحصنات من المداب﴾ [النساء: ٢٥]. حيث فهموا أن المراد بالمحصنات في الآية: المتزوجات، والرجم لا يتنصف؛ فهذا يدل على أنه لا رجم على المتزوجات، وأما غير المتزوجات فيتفق الجميع على أنه لا رجم عليهن.

والصواب أن المراد بالمحصنات في الآية (الحرائر) حيث إن سياق الآية في نكاح الإماء، فإن في أول الآية الحث على نكاح المحصنات: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾، فلا يكون معنى المحصنات هنا المتزوجات، وأما قوله سبحانه ﴿ولن أتين بمنجزة﴾ أي الإماء، ﴿فمنهن نصف ما على المحصنات﴾ أي الحرائر. فالحرائر إن زنين فحدهن: إما الجلد، وإما الرجم، والجلد يتنصف، والرجم لا يتنصف؛ فالاماء إذن حدهن نصف حد ما يتنصف من عقوبة الحرائر.

القاعدة الثالثة: مراجعة كتب شروح السنة لمعرفة معنى الحديث، وتوجيهه، وأقوال أهل العلم فيه.

لقد اعتنى أهل العلم عناية كبيرة بشرح السنة، وتوضيح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلوا في ذلك جهودًا كبيرة، فعلى سبيل المثال: شرح ابن عبد البر لموطأ الإمام مالك - رحمه الله - استغرق مدة زمنية قدرها ثلاثين سنة، وشرح ابن حجر - رحمه الله - لصحيح البخاري استغرق ربع قرن من الزمان، وغيرهم بذلوا جهودًا كبيرة أيضًا في سبيل توضيح معاني أحاديث رسول الله، وحل ما قد يشكل منها، فهذا شرح السنة للإمام البغوي، وشرح صحيح مسلم للإمام النووي، وشرح سنن أبي داود لشرف الحق العظيم آبادي، وشرح الترمذي للمباركفوري، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين، وغيرها الكثير مما حفلت به المكتبة الإسلامية.

والمراد: أن المسارعة إلى رد الحديث الذي تتوهم معارضته للقرآن الكريم دون مراجعة أقوال أهل العلم في شرحه وبيان معناه؛ استعجال خاطئ يقع فيه الكثير.

القاعدة الرابعة: الرجوع إلى قواعد التعارض بين الأدلة.

43

## القاعدة الرابعة: الرجوع إلى قواعد التعارض بين الأدلة

يذكر العلماء في كتب أصول الفقه والحديث قواعد التعامل مع الأدلة المتعارضة، والتي تبدأ بمحاولة الجمع بين الدليلين على مقتضى السياقات اللغوية: من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد ونحو ذلك، وعلى مقتضى السياقات الشرعية أيضاً؛ لأن أعمال النصين أولى من إهمال أحدهما، فينظر في العموم والخصوص والإطلاق والتقييد ونحو ذلك.

فإن لم يمكن الجمع فينظر في النسخ، فإن لم يمكن الجمع ولم يثبت النسخ فالتوقف. ويعمد بعض أهل العلم إلى الترجيح بعد ذلك، فيرجح القرآن على الحديث؛ لأنه أقوى من جهة الثبوت.

ولعل هذه القضية نسبية؛ بمعنى أنه قد يتعذر الجمع على بعض المجتهدين، فيعمدون إلى الترجيح، وبعضهم لا يرجح وإنما يتوقف. والبعض الآخر يستبين له وجه الجمع. كما حصل بين المجتهدين من الصحابة في حديث «من نبح عليه يعذب بما نبح عليه» (١) وحديث «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٢).

حيث ذهبت عائشة - رضي الله عنها - إلى أن هذا الحديث يعارض قول الله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فرجحت الآية على الحديث، وخطأت الراوي (٣). ولم ير غيرها من مجتهدي الصحابة كعمر - رضي الله عنه - أن في ذلك تعارضاً، وعلي ذلك سار أغلب شراح الحديث، وحملوا الحديث على محامل ليس هذا مجال البسط فيها.

وقولهم مقدم؛ لأن فيه أعمالاً للنصين. وأما وجود مثال لتعارض حقيقي بين حديث صحيح وآية قرآنية من كل وجه فلا أعلم شيئاً من ذلك، لأنه لا يكاد يوجد شيء ظاهره التعارض إلا وقد أجيب عنه من قبل أهل العلم، ولكن قد يتعذر الجمع في نظر مجتهد، فيرجح الآية على الحديث إن لم يتيقن صحته، وأما إن تيقن ولم يستطع الجمع فيتوقف.

(١) صحيح البخاري (١٢٩١). (٢) صحيح البخاري (١٢٨٦). (٣) ينظر: صحيح البخاري (١٢٨٨).

## النوع الثالث: توهم تعارض الحديث مع الحس أو العلوم الطبيعية والتطبيقية

قواعد منهجية في التعامل مع هذا النوع:

### القاعدة الأولى: التأكد من ثبوت الحديث

44

## قواعد منهجية في التعامل مع هذا النوع:

### القاعدة الأولى: التأكد من ثبوت الحديث

قد يطعن البعض في سنة النبي ﷺ بسبب حديث ضعيف، يعارض ما ثبت بالعلم، وقد يتكلف من يدافع عن السنة الجواب عن هذا الحديث، محاولاً التوفيق بينه وبين العلوم التطبيقية، وهذا غلط.

مثال ذلك: حديث: «عليكم بالبان البقر وسمنانها، واياكم ولحومها، فان البانها وسمنانها دواء وشفاء، ولحومها داء»(١)، قد يقال: إنه حديث مخالف لما ثبت بالطب، ومن ثم يتم ادعاء وجود أحاديث صحيحة تخالف العلم! وهذا خطأ؛ لأن الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ.

### القاعدة الثانية: التأكد من دلالة النص ومعناه

من الظلم الطعن في السنة بدعوى تعارضها مع الحس أو العلم، ثم نجد أن السبب في ادعاء التعارض هو خطأ الفهم للنص!

مثال ذلك: ما ذكره كاتب مشهور في إحدى الصحف المحلية تحت عنوان «لو كان البخاري بيننا»، قال فيه: «كيف نوفق بين أحاديث تعارض الجغرافيا والتاريخ والاكتشافات الميدانية - فضلاً عن صور الأقمار الصناعية - مثل حديث خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من الجنة».

والحديث الذي يقصده الكاتب هو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة»(٢).

وهذا الفهم السطحي للحديث بأن الأنهار متصلة اتصالاً حسياً بالجنة، ومن ثم ادعاء تعارض ذلك مع ما ترصده الأقمار الصناعية = خطأ لا يتحمله الحديث ولا رواته.

وقد ذكر (١) المستدرك للحاكم (٨٢٣٢). (٢) صحيح مسلم (٢٨٣٩).

ابن حزم - رحمه الله - في كتابه المحلى هذا الحديث، وحديث: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»(١) ثم قال: «وهذان الحديثان ليسا على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة، وأن هذه الأنهار مهبط من الجنة، هذا باطل وكذب؛ لأن الله تعالى - يقول في الجنة: ﴿إنك لا تحرج فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] فهذه صفة الجنة بلا شك، وليست هذه صفة الأنهار المذكورة ولا تلك الروضة، ورسول الله ﷺ لا يقول إلا الحق.

فصح أن كون تلك الروضة من الجنة، إنما هو لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة، كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة؛ وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة»(٢).

مع ملاحظة أن في كلام ابن حزم إنكاراً على ما هو دون فهم الكاتب، فإن كلام الكاتب يفهم منه الاتصال الحسي، بينما ينكر ابن حزم مجرد كون هذه البقعة وهذه الأنهار قد اقتطعت من الجنة!

ولا أريد - هنا - ذكر أقوال شراح الحديث، ولا تحرير المعنى الأرجح؛ لكن الذي لا ريب فيه ولا شك أن معنى الاتصال الجسدي غير مقصود! فلماذا يلصق هذا المعنى بالحديث ومن ثم يتم إنكاره بناءً على ذلك؟!

### مثال آخر: التكذيب بحديث آخر

أخرجه الإمامان البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى - عن أنس رضي الله عنه: أن رجلاً من أهل البادية، أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال: «ويلك وما أعددت لها؟»، قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: «إنك مع من أحببت». فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم»، ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً، فمر غلام للمغيرة وكان من أقراني، فقال: «إن أخرج هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»(٣).

فيقول المشكك: ها قد عاش هذا الغلام حتى مات، ومات أبناؤه أو من في سن أبنائه، ولم تقم الساعة! فهذا حديث يخالف الحس؛ فيجب رده!.

(١) صحيح البخاري (١١٩٥)، صحيح مسلم (١٣٩١). (٢) المحلي بالآثار، لابن حزم (٧/٢٨٣). (٣) صحيح البخاري (٦١٦٧)، ومسلم (٢٦٣٩).

45

(٣) صحيح البخاري (٦١٦٧)، ومسلم (٢٦٣٩).

وقبل أن أجيب عن هذا الكلام، أود أن أقول: إن الامامين البخاري ومسلم وغيرهما من أهل العلم؛ ممن أخرجوا هذا الحديث أو شرحوه، قد عاشوا بعد هرم ذاك الغلام، وهرم من هم في سن أحفاده، وهم جميعا يعلمون أن الساعة لم تقم، فليس اكتشافا جديدا ما أتى به هذا المشكك!!.

يعلمون أن الساعة لم تقم، فليس اكتشافا جديدا ما أتى به هذا المشكك!!. ثم: أليس من احترام هؤلاء العلماء أن ننظر في تعليقهم وشرحهم على هذا الحديث، ما دام أنهم عاشوا بعد انقضاء ما فيه من مدة؟!!.

وشرحهم على هذا الحديث، ما دام أنهم عاشوا بعد انقضاء ما فيه من مدة؟!!. إن العلماء قد بينوا المراد بهذا الحديث ووضحوه، وكلامهم في هذا كثير جدا، فعلى سبيل المثال: قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - في «النهاية في الفتن والملاحم» بعد أن ذكر روايات وألفاظ مختلفة للحديث: «وهذه الروايات تدل على تعداد هذا السؤال والجواب، وليس المراد تحديد وقت الساعة العظمى إلى وقت هرم ذاك المشار إليه،

وإنما المراد أن ساعتهم - وهو انقراض قرنهم وعصرهم - قصاراه أنه إلى مدة عمر ذلك الغلام...، وفي الحديث: «تسألونني عن الساعة! فإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة». ويؤيد ذلك رواية عائشة: «قامت عليكم ساعتكم»، وذلك

أن من مات فقد دخل في حكم القيامة، فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة، وفيه من الدنيا أيضا، ولكن هو أشبه بالآخرة، ثم إذا تناهت المدة المضروبة للدنيا، أمر الله بقيام الساعة، فيجمع الأولون والآخرون لموعد يوم معلوم» (١).

(ه) القاعدة الثالثة: قبل ادعاء تعارض الحديث مع العلم، تأكد من حقيقة القول العلمي وثبوته!.

قبل ادعاء تعارض الحديث مع العلم، تأكد من حقيقة القول العلمي وثبوته!. يدعي البعض مخالفة شيء من الأحاديث الصحيحة للاكتشافات والحقائق العلمية، وعند التحقيق لا تجد صحة نسبة ما ادعوه إلى العلم القطعي، فعند البحث قد تجد أن المختصين في هذا الموضوع العلمي؛ سواء كانوا أطباء أم فلكيين أم غيرهم مختلفون في إثبات هذه القضية، أو تجدهم ينفون وجود دليل علمي عليها.

(١) النهاية في الفتن والملاحم (١/١٩٧).

(1) صحيح البخاري (٣٣٢٠).

46

في الفتن والملاحم (١/١٩٧).

(1) صحيح البخاري (٣٣٢٠)

مثال: سارع البعض الي رد الحديث الصحيح الذي اخرجه البخاري من طريق ابي هريره - رضي الله عنه -، قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: «اذا وقع الذباب في شراب احدكم فليغمسه، ثم لينزعه؛ فان في احدي جناحيه داء والاخري شفاء» (١).

وهذا نص كلام الكاتب المشار اليه سابقا في مقال «لو كان البخاري بيننا» حيث انكر هذا الحديث بقوله: «لم يعد مقبولا طبيا بعد اكتشاف مسؤوليه الذبابه عن نقل ٤٢ مرضا خطيرا - ولا تصدق من يدعي وجود مضاد خارق علي جناحها الاخر -! ! ».

وكلامه هذا يناقش من وجوه:

1يدعي وجود مضاد خارق علي جناحها الاخر -! ! ». وكلامه هذا يناقش من وجوه:

الأول: ان في اثبات العلم حمل الذباب للمرض، تصديقا لما جاء في هذا الحديث، الذي استفدنا منه هذه المعلومه قبل اكتشافات المختبرات الطبيه.

الثاني: اين البرهنه العلميه علي انتفاء وجود «دواء» في احدي جناحي الذباب؟ هل يستطيع الكاتب نفي ذلك علميا؟ ام انه مجرد استبعاد عقلي؟

هل يستطيع الكاتب نفي ذلك علميا؟ ام انه مجرد استبعاد عقلي؟

الثالث: قدم الاستاذ الدكتور: مصطفي ابراهيم حسن - استاذ الحشرات الطبيه/ جامعه الازهر، ومدير مركز ابحاث ودراسات الحشرات الناقله للامراض- بحثا علميا مختبريا دقيقا اثبت فيه اعجاز هذا الحديث، وموافقته لواقع البحث العلمي، وله ماده مرئيه في ذلك.

فقول الكاتب: «لا تصدق من يدعي وجود مضاد خارق علي جناحها الاخر» ليس مقدما علي قول دكتور مختص في مجال الحشرات الطبيه، بل قول المختص مقدم بلا شك!.

النوع الرابع: توهم تعارض الاحاديث الصحيحه بين بعضها:

هنا اترك للقارئ الفهم استنتاج القواعد المنهجيه للتعامل مع هذا النوع، فهي لا تخرج عن القواعد المذكوره في الانواع السابقه، وخاصه ما ذكر في النوع الثاني.

٨٥ ٨٦

الاصل الخامس : اشكالات راجعه الي طريقه نقل السنه والي علم الحديث وتعود الاشكالات في هذا الاصل الي عدد من الامور، ابرزها:

1التقليل من وثوقيه نقل الاحاد، ورد جمهور احاديث السنه لانها نقلت كذلك.

وقبل الرد علي هذا الكلام فانني اود ان اوضح بان قائله لا ينضبط مع قوله من الناحيه العمليه؛ فانك تجد هؤلاء المنكرين لاخبار الاحاد يستدلون بها وقت الحاجه اليها، كاستدلالهم بخبر النهي عن كتابه الحديث!.

واما الرد علي الشبهه فمن وجوه:

الوجه الاول: ان حصر قبول الاخبار النبويه في التواتر امر مبتدع في دين الله سبحانه.

فان اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم كانوا يتلقون عنه الحديث، ثم يتلقي بعضهم عن بعض ما فاتهم سماعه من النبي صلي الله عليه وسلم مباشره، ويحتجون به دون اشتراط التواتر، ويقيمون دينهم واعتقاداتهم بناء علي ذلك،

فلا نجد احدا من اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم او من علماء التابعين وتابعيهم من ائمه القرون المفضله؛ من اذا اخبر بخبر عن رسول الله رده علي صاحبه؛ حتي ياتيه بتسعه شهود معه؛ ليبلغ خبره حد التواتر!

نعم، قد يتثبت بعضهم في الروايه اذا قام في قلبه ما يدل علي الحاجه للثبت، ولكنه لا يجعل التثبت مرتبطا بعدد التواتر!

فمن يستدل بقصه تثبت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما جاءه ابو موسي - رضي الله عنه - بخبر الاستئذان، فطلب منه عمر ان ياتيه بشخص اخر يوافقه علي هذا الحديث (١).

فنقول له: ان روايه شخص اخر لهذا الحديث مع ابي موسي لم تخرج الحديث من حد الاحاد، اذ ليس المقصود بحديث الاحاد: هو ما رواه شخص واحد فقط.

وانما هو ما لم يبلغ حد التواتر من الاخبار - مع اختلافهم في ادني حد المتواتر، فقيل: عشره، وقيل سبعين، وقيل: بل ما افاد العلم (اي اليقين) بلا حد -

والشاهد من الكلام ان في قصه عمر مع ابي موسي حجه علي من لا يحتج بخبر الاحاد، وهذا من باب قلب الادله؛ لان قناعه عمر بقول من وافق ابا موسي علي الخبر = قبول منه لخبر الاحاد.

مع (١) ينظر: صحيح البخاري (٦٢٤٥)، صحيح مسلم (٢١٥٣).

٨٧

47

ينظر: صحيح البخاري (٦٢٤٥)، صحيح مسلم (٢١٥٣).

٨٧ التأكيد على أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد أخذ بخبر الشخص الواحد في مواطن أخرى، كأخذ الجزية من المجوس استنادًا إلى خبر عبد الرحمن بن عوف وحده عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ملاحظة: ذكر الإمام أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - صاحب الكتاب المشهور جدًا «علوم الحديث» والمعروف بـ «المقدمة»، خمسة وستين نوعًا من أنواع علوم الحديث، ولم يذكر منها المتواتر! وإنما ذكر نوع المشهور، ثم قال: «ومن المشهور: المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله».

وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص؛ وإن كان الحافظ الخطيب قد ذكره؛ ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث. ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم.

(١) وتعليقًا على هذا الكلام فإن تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد؛ بتعريفيهما المشهورين في كتب الأصول؛ وكتب الحديث المتأخرة، لم يكن عند علماء الحديث في العصر الذهبي. وهذا ما دفع ابن الصلاح إلى القول بأن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وقد سبق أن القرن الهجري الثالث كان الذروة في المعرفة بعلوم الحديث.

الوجه الثاني من وجوه الرد على شبهة عدم الأخذ بالأحاد: هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وسنته العملية، التي تدل على الاحتجاج بأخبار الآحاد في سائر أبواب الدين؛ في العقائد والأعمال وغيرها.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يبعث آحادًا من أصحابه إلى الأقطار؛ ليقيموا الحجة على الخلق، فيبعثهم بأصل الدين كله وليس بالأحكام العملية فقط. ولو كان خبرهم لا تقوم به الحجة؛ لكان للفرس والروم وغيرهم أن يعترضوا عليهم، ويقولوا: إنما أنتم آحاد لا تقوم بخبركم الحجة، ولا يفيد اليقين!

ومن الأدلة على بعث النبي صلى الله عليه وسلم آحادًا من أصحابه إلى الناس لإقامة الحجة عليهم، ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى أهل اليمن، وقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن أطاعوا لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوا لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم».

(١) علوم الحديث، لابن الصلاح (٢٦٧).

48

الله افترض عليهم صدقه تؤخذ من اغنيائهم فترد علي فقرائهم ﴿1﴾. ومن حوادث الاخذ باحاديث الاحاد في وقت النبي صلي الله عليه وسلم ما حصل في حادثه تحويل القبله، وذلك ان النبي صلي الله عليه وسلم اول ما قدم المدينه نزل علي اخواله من بني النجار، وانه «صلي قبل بيت المقدس سته عشر شهرا، او سبعه عشر شهرا، وكان يعجبه ان تكون قبلته قبل البيت،

عشر شهرا، او سبعه عشر شهرا، وكان يعجبه ان تكون قبلته قبل البيت، وانه صلي اول صلاه صلاها صلاه العصر، وصلي معه قوم، فخرج رجل ممن صلي معه، فمر علي اهل مسجد وهم راكعون، فقال: اشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قبل مكه، فداروا كما هم قبل البيت» ﴿2﴾. وهذا فيه انتقال الصحابه من امر يقيني الي خبر احاد!

كما هم قبل البيت» ﴿2﴾. وهذا فيه انتقال الصحابه من امر يقيني الي خبر احاد! حيث ان توجههم الي الشام كان مبنيا علي امر قطعي يقيني، وهو الجس، اذ كانوا يرون رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يصلي الي بيت المقدس، ثم استداروا الي الكعبه وهم في الصلاه، وانتقلوا من الامر المبني علي الحس والمشاهده، الي الامر المبني علي الخبر من شخص واحد، وهذا من اظهر الادله علي حجيه خبر الاحاد.

الامر المبني علي الخبر من شخص واحد، وهذا من اظهر الادله علي حجيه خبر الاحاد.

الوجه الثالث: ان اصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - كانوا يبنون احكام الشرع علي اخبار الاحاد. ولهم في ذلك قصص كثيره، ذكرنا نبدا منها في ثنايا هذا البحث.

الوجه الرابع: ان المسلمين اجمعوا علي بعض الاحكام العمليه، التي انما نقلت الينا من طريق الاحاد.

اجمعوا علي بعض الاحكام العمليه، التي انما نقلت الينا من طريق الاحاد. كما تقدم في تحريم الجمع بين المراه وعمتها وبين المراه وخالتها.

الوجه الخامس: ان العلماء اجمعوا علي الاخذ بخبر الاحاد. قال ابن عبد البر - رحمه الله -: «اجمع اهل العلم من اهل الفقه والاثر في جميع

الامصار – فيما علمت – علي قبول خبر الواحد العدل، وايجاب العمل به اذا ثبت ولم ينسخه غيره : من اثر او اجماع. علي هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابه الي يومنا هذا، الا الخوارج وطوائف من اهل البدع، شرذمه لا تعد خلافا ﴿1﴾.

يومنا هذا، الا الخوارج وطوائف من اهل البدع، شرذمه لا تعد خلافا ﴿1﴾. وقال ابن حزم – رحمه الله – : «فصح بهذا اجماع الامه كلها علي قبول خبر الواحد الثقه، عن النبي صلي الله عليه وسلم. وايضا فان جميع اهل الاسلام كانوا علي قبول خبر الواحد» ﴿2﴾.

عليه وسلم. وايضا فان جميع اهل الاسلام كانوا علي قبول خبر الواحد» ﴿2﴾.

الوجه السادس : الاستدلال بنصوص القران التي تدل علي شموليه السنه كقول الله : ﴿فان تنترعم في حتي وهو الازقار والارسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ ﴿النساء : ٥٩﴾.

والارسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ ﴿النساء : ٥٩﴾. ووجه الدلاله منها علي حجيه اخبار الاحاد دقيق، وهو ان المرجع في فصل النزاع، لا بد ان يكون شاملا لامور النزاع، وهذا ما لا نجده في السنه المتواتره وحدها. اذ ان اكثر ما يختلف فيه المسلمون من امور الاحكام والعقائد، يكون الفصل فيه – مع القران – بالسنه الاحاديه، واما السنه المتواتره فهي قليله،

الفصل فيه – مع القران – بالسنه الاحاديه، واما السنه المتواتره فهي قليله، بل ان من المحدثين من ينص علي ان السنه كلها احاد، كابن حبان – رحمه الله –، حيث ذكر ذلك في مقدمه صحيحه ﴿3﴾. والامام ابن الصلاح يقول عن المتواتر : «لا يكاد يوجد في رواياتهم»، وايضا يقول في المقدمه : «ومن اراد مثالا لذلك (اي للمتواتر) اعياء تطلب» ﴿4﴾.

يقول في المقدمه : «ومن اراد مثالا لذلك (اي للمتواتر) اعياء تطلب» ﴿4﴾. ولذلك؛ فان حقيقه الطعن في اخبار الاحاد انما هو الطعن في السنه؛ لان الاحاديث المتواتره قليله. ومن الامور التي تدخل تحت هذا الاصل:

٢ – التشكيك في صحه صحيح البخاري، ورد ما فيه تعلقا بعدم الثقه بمنهجه ومنهج المحدثين. ويقولون مبررين طعونهم : «ان البخاري ليس معصوما».

ومنهج المحدثين. ويقولون مبررين طعونهم : «ان البخاري ليس معصوما». وفي الحقيقه فان هذه كلمه حق اريد بها باطل، وهي تشغيب بالعبارات البراقه في وجه ﴿1﴾ التمهيد، لابن عبد البر (٢/١٢). ﴿2﴾ الاحكام في اصول الاحكام لابن حزم (١١٣/١-١١٤). ﴿3﴾ صحيح ابن حبان (١/١٥٦). ﴿4﴾ ينظر : علوم الحديث، لابن الصلاح (٢٦٨-٢٦٩).

49

(٤) ينظر: علوم الحديث، لابن الصلاح (٢٦٨-٢٦٩).

الحقيقة، فإننا نعلم جميعًا أن البخاري ليس بمعصوم، وليست قيمة صحيح البخاري راجعة إلى شخصه فقط، بل إن صحيحه اكتسب مكانته من مجموع خمسة أمور:

1إمامته جامعًا.
2أنه طبق منهجًا علميًا في جمع أحاديثه.
3شهادة أهل الاختصاص لعمله بالإتقان.
4مراجعة الحفاظ لعمله وتسجيل ملاحظاتهم ونقدهم.
5قبول الأمة لعمله.

فالذي يتجاهل مجموع هذه الأمور، ثم يدندن على أن البخاري بشر يصيب ويخطئ، وكان قيمة صحيحه راجعة إلى شخصه وعلمه فحسب، فهو متغافل عن مجموع الحقيقة.

لكي تتضح الصورة وتكمل؛ فلو أن طبيبًا أجرى بحثًا على مادة من المواد فأثبت أن فيها علاجًا لمرض معين، وكان طبيبًا من أكبر وأمهر وأشهر أطباء العالم، واستعمل في بحثه ذلك قواعد علمية صحيحة، ثم قدم بحثه لجامعات عالمية ومراكز بحثية معتمدة فشهدوا له جميعًا بصحة نتائج بحثه، فلا شك أن ذلك يعطيه قيمة أكبر من مجرد كونه بحثًا عاديًا!

وهكذا الأمر بالنسبة لصحيح البخاري.

٩١ إشارة إلى كتب مهمة في باب حجيّة السنة:

هذا ذكر مختصر لبعض الكتب المفيدة في باب حجيّة السنة ورد الشبهات عنها، مع التأكيد على أني لم أرد الاستقصاء في تسمية الكتب، وإنما الإشارة إلى شيء منها.

أولًا: كتب العلماء السابقين:

تناول أهل العلم قديمًا الكلام على منزلة السنة ومكانتها وحجيتها، وردوا على المشككين والمشككين فيها، وكثير من كلامهم منثور متفرق في كتبهم، وليس في كتاب خاص بهذا الموضوع، ومن ذلك:

- كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي - رحمه الله -.

- كتاب «جماع العلم» للإمام الشافعي.

- كتاب «اختلاف الحديث» للشافعي.

- «مقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم - رحمه الله -.

- «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة - رحمه الله -.

- «شرح مشكل الآثار» للطحاوي - رحمه الله -.

- «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر - رحمه الله -.

- «الأحكام في أصول الأحكام» لابن حزم - رحمه الله -.

- كتاب «الكفاية» للخطيب البغدادي - رحمه الله -.

- كتاب «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي.

- «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» للإمام ابن القيم - رحمه الله -.

- «إعلام الموقعين» للإمام ابن القيم.

ثانيًا: كتب المعاصرين:

نظراً لشدة الحملة التي قادها المستشرقون في الطعن على السنة، ولكثرة المتأثرين بهم من المستغربين ممن حمل رايتهم؛ فقد كثرت البحوث والدراسات في رد شبهاتهم، ونقد أقوالهم، وفي إثبات حجية السنة ومكانتها، ويطول الكلام في سرد الكتب المعاصرة في هذا المجال، وهذا طرف منها مع تعريف مختصر:

٩٢

50

الكتب المعاصره في هذا المجال، وهذا طرف منها مع تعريف مختصر:

١كتاب «السنه ومكانتها في التشريع الاسلامي» لمصطفي السباعي - رحمه الله -، ويقع في مجلد واحد، وهو مفيد ونافع. ورد فيه علي المستشرقين، وعلي محمود ابي ريه، الذي يعد من رؤوس المنكرين لكثير من الاحاديث الصحيحه، والف كتابا في ذلك، وهو «اضواء علي السنه المحمديه». وأطال السباعي في الرد علي الشبهات المثاره حول ابي هريره رضي الله عنه.
٢كتاب «الانوار الكاشفه» للامام المعلمي اليماني - رحمه الله -، وقد رد فيه علي كتاب ابي ريه بحجج علميه محكمه، ونقض بنيانه من اساسه.
٣كتاب «دفاع عن السنه» للدكتور محمد ابو شهبه - رحمه الله -، وهذا الكتاب ذكر مؤلفه: انه خلاصه اهتمام لمده ثلث قرن بالسنه النبويه والشبهات المثاره حولها. وهو كتاب مفيد ونافع. وفيه تتبع ايضا لشبهات ابي ريه والرد عليها.
٤كتاب «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه» في مجلدين للدكتور محمد مصطفي الاعظمي، وهو كتاب نفيس في مجال تدوين السنه.
٥ومن الكتب المشهوره في مرحله ما قبل التدوين: كتاب محمد عجاج الخطيب وهو «السنه قبل التدوين»، وبذل فيه مؤلفه جهدا كبيرا.
٦كتاب «تدوين السنه النبويه» لمحمد مطر الزهراني - رحمه الله -، وفيه مقدمات في حجيه السنه، ثم تناول تاريخ السنه علي مراحل، ويتميز الكتاب بالترتيب.
٧كتاب "حجيه السنه"، لعبد الغني عبد الخالق، وأطال البحث في موضوع عصمه النبي صلي الله عليه وسلم وجعله جوهر قضيه حجيه السنه، كما اجاب عن الاعتراضات الاساسيه دون تتبع افراد الاشكالات.
٨كتاب (بدعه دعوي الاعتماد علي الكتاب دون السنه) لخليل ملا خاطر، وأطال فيه النفس في سرد الادله علي حجيه السنه، حيث ذكر خمسه وثلاثين دليلا من القران.
٩كتاب (السنه وحي) للمؤلف نفسه.
١٠كتاب (نصره الحديث في الرد علي منكري الحديث) لحبيب الرحمن الاعظمي، تتبع فيه شبهات احد القرائين الهنود، وفيه مباحث مفيده.
١١كتاب «حجيه السنه» للدكتور حسين شواط، وهو علي طريقه كتب المدارس؛ مرتبا ترتيبا واضحا، ومقسما تقسيما لطيفا.
١٢كتيب «الحديث حجه بنفسه في العقائد والاحكام» للالباني - رحمه الله -، وهو رساله مختصره في خبر الاحاد وحجيته.
١٣كتاب (دفاع عن السنه-شبهات وردود) د. محمد الندوي.
١٤كتاب «اراء محمد رشيد رضا في قضايا السنه من خلال مجله المنار» لمحمد رمضان رمضاني، وهو كتاب مفيد في هذا الباب، ونافع.
١٥كتاب: «الاتجاه العقلي و علوم الحديث» لخالد ابا الخيل، وفيه معالجه متميزه للشبهات المثاره حول منهج المحدثين.
١٦كتاب «الاتجاه العلماني المعاصر في دراسه السنه النبويه» لغازي حمود الشمري، وفيه تتبع متميز لاقوال العلمانيين وشبهاتهم في باب السنه ونقدها.
١٧كتاب (الحداثه وموقفها من السنه) للحارث فخري عيسي. تتبع فيه اقوال الحداثيين واشكالاتهم حول السنه، وتميز بطول باعه في معرفه اقوالهم.
51

واشكالاتهم حول السنه، وتميز بطول باعه في معرفه اقوالهم.

٩٤ المراجع

1القران الكريم.
2ابحاث هيئه كبار العلماء، عدد الاجزاء: ٧ اجزاء.
3الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لمحمد بن حبان بن احمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي، ابو حاتم، الدارمي، البستي، بترتيب الامير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، بتحقيق وتخريج وتعليق شعيب الارنؤوط، مؤسسه الرساله، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ ه - ١٩٨٨م.
4الاحكام في اصول الاحكام، لابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم الاندلسي القرطبي الظاهري، بتحقيق الشيخ احمد محمد شاكر، دار الافاق الجديده، بيروت، بدون طبعه.
5ارشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمن، الشيخ احمد عزو عنايه، دمشق-كفر بطنا، قدم له: الشيخ خليل الميس والدكتور ولي الدين صالح فرفور، دار الكتاب العربي، ط: ١، ١٤١٩ ه - ١٩٩٩م.
6الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الامصار وعلماء الاقطار فيما تضمنه الموطا من معاني الراي والاثار وشرح ذلك كله بالايجاز والاختصار، لابي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد الله البر النمري القرطبي، دار الكتب العلميه، بيروت-لبنان، بدون طبعه.
7الاعتصام، لابراهيم بن موسي بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، تحقيق: سليم بن عبد الهلالي، دار ابن عفان، السعوديه، ط: ١، ١٤١٢ ه - ١٩٩٢م.
8اعلام الموقعين عن رب العالمين، لمحمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد شمس الدين بن قيم الجوزيه، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل-بيروت، ط ١٩٧٣م.
9الام، لمحمد بن ادريس الشافعي، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، المنصوره، ط: ٣، ١٤٢٦ ه - ٢٠٠٥م.
10الانوار الكاشفه لما في كتاب اضواء علي السنه من الزلل والتضليل والمجازفه، لعبد الرحمن بن يحيي بن علي المعلمي اليماني، المطبعه السلفيه ومكتبتها / عالم الكتب-بيروت، ١٤٠٦ ه - ١٩٨٦م.
11تفسير الطبري المسمي جامع البيان في تاويل القران، لابي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلميه، بيروت-لبنان، ط ١، ١٤١٢ ه - ١٩٩٢م.
12تفسير القران العظيم، لابي الفداء ابن كثير، كتب هوامشه وضبطه: حسين ابراهيم زهران، دار الفكر، بيروت-لبنان، ١٤٠٨ ه - ١٩٨٨م.
13تقييد العلم، لابي بكر احمد بن علي بن ثابت بن احمد بن مهدي الخطيب البغدادي، احياء السنه النبويه-بيروت.
14التمهيد لما في الموطا من المعاني والاسانيد، لابي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد الله البر بن عاصم النمري القرطبي، بتحقيق مصطفي بن احمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزاره عموم الاوقاف والشؤون الاسلاميه-المغرب، ١٣٨٧ ه.

٩٥

52

وزاره عموم الاوقاف والشؤون الاسلاميه-المغرب، ١٣٨٧ ه. ٩٥ ١٥. تهذيب التهذيب، لابي الفضل احمد بن علي بن محمد بن احمد بن حجر العسقلاني، مطبعه دائره المعارف النظاميه، الهند، ط ١: ١٣٢٦ه.

مطبعه دائره المعارف النظاميه، الهند، ط ١: ١٣٢٦ه.

١٦تهذيب الكمال في اسماء الرجال، لجمال الدين ابي الحجاج يوسف المزي، تحقيق د. بشار عواد معروف، مؤسسه الرساله-بيروت، ط ٢: ١٤١٣ه-١٩٩٢م.

معروف، مؤسسه الرساله-بيروت، ط ٢: ١٤١٣ه-١٩٩٢م.

١٧الجامع لاحكام القران والمبين لما تضمنه من السنه واي الفرقان، لابي عبد الله محمد بن احمد بن ابي بكر القرطبي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الرساله، بيروت- لبنان، الطبعه الاولي: ١٤٢٧ه-٢٠٠٦م.

الرساله، بيروت- لبنان، الطبعه الاولي: ١٤٢٧ه-٢٠٠٦م.

١٨الجرح والتعديل، لابي محمد عبد الرحمن بن محمد بن ادريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي ابن ابي حاتم، دار احياء التراث، بيروت-لبنان، الطبعه الاولي، ١٤٠٨ه/١٩٨٨م.

التراث، بيروت-لبنان، الطبعه الاولي، ١٤٠٨ه/١٩٨٨م.

١٩جماع العلم، للشافعي ابو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي، تعليق: احمد محمد شاكر، مكتبه ابن تيميه، بدون طبعه.

المكي، تعليق: احمد محمد شاكر، مكتبه ابن تيميه، بدون طبعه.

٢٠درء تعارض العقل والنقل، لتقي الدين ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن ابي القاسم بن محمد بن تيميه الحراني الحنبلي الدمشقي (ت: ٧٢٨ه)، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، جامعه الامام محمد بن سعود الاسلاميه، المملكه العربيه السعوديه، الطبعه الثانيه، ١٤١١ه-١٩٩١م.

العربيه السعوديه، الطبعه الثانيه، ١٤١١ه-١٩٩١م.

٢١الرساله التدميريه، لشيخ الاسلام تقي الدين ابي العباس احمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيميه، تحقيق د. محمد بن عوده السعوي، الناشر مكتبه العبيكان-الرياض، الطبعه السادسه ١٤٢١ه-٢٠٠٠م.

مكتبه العبيكان-الرياض، الطبعه السادسه ١٤٢١ه-٢٠٠٠م.

٢٢الرساله، للشافعي ابو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي، بتحقيق رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، المنصوره، الطبعه الثالثه، ١٤٢٦ه-٢٠٠٥م.

دار الوفاء، المنصوره، الطبعه الثالثه، ١٤٢٦ه-٢٠٠٥م.

٢٣سنن ابن ماجه، لابن ماجه ابو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجه اسم ابيه يزيد، بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء الكتب العربيه - فيصل عيسي البابي الحلبي.

فؤاد عبد الباقي، دار احياء الكتب العربيه - فيصل عيسي البابي الحلبي.

٢٤سنن ابي داود، لابي داود سليمان بن الاشعث بن اسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الازدي السجستاني، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبه العصريه، صيدا-بيروت.

بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبه العصريه، صيدا-بيروت.

٢٥سنن الترمذي، لمحمد بن عيسي بن سوره بن موسي بن الضحاك، الترمذي، ابو عيسي، بتحقيق وتعليق: احمد محمد شاكر (ج ١، ٢)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج ٣)، وابراهيم عطوه عوض المدرس في الازهر الشريف (ج٤-٥)، شركه مكتبه ومطبعه مصطفي البابي الحلبي-مصر، الطبعه الثانيه، ١٣٩٥ه-١٩٧٥م.

البابي الحلبي-مصر، الطبعه الثانيه، ١٣٩٥ه-١٩٧٥م.

٢٦شرح علل الترمذي، لزين الدين عبد الرحمن بن احمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، تحقيق همام عبد الرحيم سعيد، مكتبه الرشد، الرياض، الطبعه الثانيه، ١٤٢١ه، ٢٠٠١م. ٩٦
53

الرشد، الرياض، الطبعه الثانيه، ١٤٢١ه، ٢٠٠١م.

٩٦

﴿صحيح البخاري / الجامع المسند الصحيح المختصر من امور رسول الله صلي الله عليه وسلم وسننه وايامه، لمحمد بن اسماعيل ابو عبدالله البخاري الجعفي، دار السلام-الرياض.﴾
28﴿صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعه المصريه بالازهر، الطبعه الاولي: ١٣٤٧ه-١٩٢٩م.﴾

المطبعه المصريه بالازهر، الطبعه الاولي: ١٣٤٧ه-١٩٢٩م.

29﴿صحيح مسلم / المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل الي رسول الله صلي الله عليه وسلم، لمسلم بن الحجاج ابو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء التراث العربي - بيروت.﴾

تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء التراث العربي - بيروت.

30﴿الضعفاء الكبير، لابي جعفر محمد بن عمرو بن موسي بن حماد العقيلي المكي، بتحقيق عبد المعطي امين قلعجي، دار الكتب العلميه- بيروت، ط ١: ١٤٠٤ه - ١٩٨٤م.﴾

دار الكتب العلميه- بيروت، ط ١: ١٤٠٤ه - ١٩٨٤م.

31﴿عارضه الاحوذي بشرح صحيح الترمذي، لابي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي، دار الكتب العلميه، بيروت- لبنان، ط ١: ١٤١٨ه-١٩٩٧م.﴾

الكتب العلميه، بيروت- لبنان، ط ١: ١٤١٨ه-١٩٩٧م.

32﴿العلل ومعرفه الرجال، لابي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن اسد الشيباني، روايه ابنه عبد الله، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، دار الخاني، الرياض الطبعه الثانيه، ١٤٢٢ ه-٢٠٠١م.﴾

عباس، دار الخاني، الرياض الطبعه الثانيه، ١٤٢٢ ه-٢٠٠١م.

33﴿العلل ومعرفه الرجال، لاحمد بن حنبل ابو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن اسد الشيباني، روايه: المروزي وغيره، تحقيق: الدكتور وصي الله بن محمد عباس، الدار السلفيه، بومباي- الهند، ط ١: ١٤٠٨ه-١٩٨٨م.﴾

الدار السلفيه، بومباي- الهند، ط ١: ١٤٠٨ه-١٩٨٨م.

34﴿العلل، لابن المديني علي بن عبد الله بن جعفر، تحقيق: حسام محمد بو قريص، دار غراس، الكويت، ط ١: ١٤٢٣ه-٢٠٠٢م.﴾

بو قريص، دار غراس، الكويت، ط ١: ١٤٢٣ه-٢٠٠٢م.

35﴿علوم الحديث، لابي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، تقي الدين المعروف بابن الصلاح، بتحقيق نور الدين عثر، دار الفكر- سوريا، دار الفكر المعاصر- بيروت، ١٤٣٤ ه-٢٠١٣م.﴾
36﴿عمده القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين ابو محمد محمود بن احمد العيني، دار الفكر، بدون طبعه.﴾

لبدر الدين ابو محمد محمود بن احمد العيني، دار الفكر، بدون طبعه.

37﴿فتح الباري شرح صحيح البخاري، لاحمد بن علي بن حجر ابو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفه- بيروت، ١٣٧٩، رقم كتبه وابوابه واحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، اخرجه وصححه واشرف علي طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.﴾

محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

38﴿الفروسيه المحمديه، لمحمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد شمس الدين بن قيم الجوزيه، تحقيق: زائد بن احمد النشيري، دار عالم الفوائد.﴾
39﴿كشف الاستار عن زوائد البزار، لعلي بن ابي بكر الهيثمي، تحقيق الاعظمي، مؤسسه الرساله.﴾

البزار، لعلي بن ابي بكر الهيثمي، تحقيق الاعظمي، مؤسسه الرساله.

40﴿الكفايه في علم الروايه، لابي بكر احمد بن علي بن ثابت بن احمد بن مهدي الخطيب البغدادي، دائره المعارف العثمانيه.﴾
41﴿لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن علي، ابو الفضل، جمال الدين ابن منظور الانصاري الافريقي، دار صادر - بيروت، ط ٣، ١٤١٤ ه.﴾

٩٧

54

منظور الانصاري الافريقي، دار صادر - بيروت، ط ٣، ١٤١٤ ه.

مجموع الفتاوي، لاحمد بن تيميه، مجمع الملك فهد لطباعه المصحف الشريف، المدينه المنوره، بدون طبعه، ١٤٢٥ه- ٢٠٠٤م.

المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، لابي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي الفارسي، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر - بيروت، ط ٢، ١٤٠٤م.

المحلي بالاثار، لابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم الاندلسي القرطبي الظاهري، تحقيق: احمد محمد شاكر، دار التراث - القاهره.

المستدرك علي الصحيحين، لابي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري، تحقيق: مصطفي عبد القادر عطا، دار الكتب العلميه- بيروت، ط ١: ١٤١١ه- ١٩٩٠م.

مسند الامام احمد بن حنبل، لابي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن اسد الشيباني، بتحقيق شعيب الارنؤوط، عادل مرشد، واخرون، اشراف د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسه الرساله، ط ١، ١٤٢١ه- ٢٠٠١م.

المصنف، لابي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الاعظمي، المكتب الاسلامي، بيروت، الطبعه الثانيه: ١٤٠٣ه- ١٩٨٣م.

المغني، لموفق الدين ابي محمد عبدالله بن احمد بن قدامه، ومعه الشرح الكبير لابي الفرج عبد الرحمن بن ابي عمر ابن قدامه، دار الفكر بيروت- لبنان، الطبعه الاولي ١٤٠٤ه.

الموطا، للامام مالك بن انس بن مالك بن عامر الاصبعي المدني، روايه يحيي بن يحيي الليثي، حققه وخرج احاديثه د. بشار عواد معروف، دار الغرب الاسلامي- بيروت، ط ١، ١٤١٦ه- ١٩٩٦م.

الموطا، للامام مالك بن انس بن مالك بن عامر الاصبعي المدني، صححه ورقمه وخرج احاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ١٤٠٦ه- ١٩٨٥م.

نزهه النظر في شرح نخبه الفكر في مصطلح اهل الاثر، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الكريم الفضيلي، المكتبه العصريه، صيدا- بيروت.

النهايه في الفتن والملاحم، لابي الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، خرج احاديثه: خليل مامون شيحا، وعلق عليه: محمد خير طعمه حلبي، دار المعرفه، بيروت - لبنان، ط ٢: ١٤٢٠ه- ٢٠٠٠م.

دار الوعي للنشر والتوزيع المملكه العربيه السعوديه – الرياض ص. ب ٢٤٢١٩٢ الرمز البريدي ١١٢٢٢ هاتف ٠٠٩٦٦١٤٥٣٩٨٨٣ فاكس ٠٠٩٦٦١٤٥٣٢١٥٧ daralwae@gmail.com جوال ٠٠٩٦٦٥٩١١٠٤٤٩٢