الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
البناء العقدي للجيل الصاعد

البناء العقدي للجيل الصاعد

الشيخ أحمد السيد 170 صفحة 557 مقطع 57 قسم

كتاب يسعى لتقديم العقيدة الإسلاميّة بصورة واضحة ومبرهنة للجيل الصاعد

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## البناء العقدي

أحمد بن يوسف السيد [حقوق الطبع والنشر محفوظة] الطبعة الخامسة ١٤٤٥ - ٢٠٢٤ منار الفكر الترقيم الدولي: 978-625-94198-1-7 KAYABAŞI MAH. ARMAĞAN SK. NO:1N BAŞAKŞEHİR / İSTANBUL [QR Code] +905556600088 [QR Code] www.manarfikir.com [QR Code] info@manarfikir.com MATBAA: STEP AJANS MATBAA LTD. ŞTİ, GÖZTEPE MAH. BOSNA CAD, NO11 BAĞCILAR, İSTANبُل TELEFON: 0212 446 88 46 MATBAA SERTIFICA NO: 45522

البناء في المجتدين

NO11 BAĞCILAR, İSTANBUL TELEFON: 0212 446 88 46 MATBAA SERTIFICA NO: 45522

البناء في المجتدين (جمك: بين يوسف السيد)

٥ جدول المحتويات

| --- | --- | | --- | --- | | ١٥ | القسم الأول: مقدمات عقدية منهجية مهمة | | ١٧ | أهمية العقيدة وقيمتها وميزات عقيدتنا الإسلامية | | ٢٧ | ما الفائدة المترتبة على وجود العقيدة الصحيحة الثابتة؟ | | ٣٣ | القرون المفضلة | | ٣٩ | القسم الثاني: أركان الإيمان وركائزه وبراهينه | | ٤١ | أركان العقيدة والإيمان – مقدمة: | | ٤٩ | الركن الأول: الإيمان بالله | | ٥٠ | أولاً: وجود الله ﷺ وكياله وربوبيته | | ٥٧ | ثانياً: أسماء الله وصفاته | | ٦٤ | ثالثاً: الألوهية | | ٦٩ | من ثمرات التوحيد: التعلق بالله وحده وعدم التعلق بالخرافات | | ٧٣ | الركن الثاني: الإيمان بالملائكة | | ٨١ | الركن الثالث: الإيمان بالكتب | | ٨٤ | القرآن: خاتمة الكتب الإلهية للبشر والمعجزة الكبرى | | ٨٥ | إعجاز القرآن | | ٩١ | الركن الرابع: الإيمان بالرسل | | ٩٤ | دلائل نبوة النبي ﷺ | | ٩٨ | تنوع وتكامل دلائل النبوة | | ١٠٣ | الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر | | ١٠٦ | القبر: فتنته ونعيمه وعذابه | | ١١١ | النفخ في الصور | | ١١٢ | البعث والحشر | | ١١٥ | الحوض | | ١١٧ | طلب الشفاعة لبدء الحساب | | ١٢٤ | الصراط | | ١٣٠ | دخول الجنة | | ١٣٤ | جهنم | | ١٣٧ | الركن السادس: الإيمان بالقدر خبره وشره | | ١٣٩ | ثمرات الإيمان بالقدر | | ١٤٣ | الاحتجاج بالقدر | | ١٤٥ | القسم الثالث: ما يضاد الإيمان | | ١٤٧ | الأبواب المضادة للإيمان | | ١٤٨ | الكفر والشرك والنفاق | | ١٥٧ | الرياء والعمل لغير الله | | ١٥٩ | موالاة الكفار | | ١٦٥ | الخاتمة |

عقيدة المسلم ليست نصوصًا تحفظ، ولا أقوالًا يجادل بها وإنما هي إيمان وخشوع وإخبات وعمل وفاعلية وحياة ويقين وطمأنينة ورضا.

## مقدمة الطبعة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فإن كتاب «البناء العقدي» من الكتب الدراسية الأساسية التي تم تقريرها في برامج الجيل الصاعد، وفائدته في الحقيقة غير محصورة في المراحل العمرية الشبابية الناشئة، بل هي عامة لمختلف الأعمار.

وقد يسر الله لي تقديم سلسلة محاضرات مفصلة في العقيدة تعد كالشرح لهذا الكتاب، تحت عنوان: «الحقيبة الشرعية للجيل – مادة العقيدة» وهي مكونة من خمس عشرة محاضرة، يحسن متابعتها مع هذا الكتاب لتزداد الفائدة وتكمل بإذن الله تعالى، وفيها زيادات على موضوعات الكتاب.

ويأتي إخراج هذا الكتاب في دار منار الفكر ضمن مشروع إعادة طباعة كتبي السابقة بعد التنقيح والمراجعة والتصحيح، وقد زدت في هذه الطبعة زيادات مهمة.

أسأل الله سبحانه التوفيق والسداد والقبول.

أحمد بن يوسف السيد إسطنبول ٩-٥-١٤٤٥ هـ ٢٣-١١-٢٠٢٣ م

2

## مقدمة

ينسب الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنه قد ارتبط في أذهان كثير من الطلاب أن العقيدة علم جامد، صعب، نظري بحت، لا يلامس الإيمان، ولا يغذي الروح، وأنه مليء بأسماء الفرق والطوائف والخلافات التي إنما تهم المتخصصين أو طلاب العلم المتقدمين، بينما كانت العقيدة التي تلقاها الصحابة عن النبي ﷺ سهلة، واضحة، متينة، راسخة، عذبة، شفافة.

وهي على سهولتها ووضوحها: فاعلة حية شمولية تملأ الروح وتغذيها، وتخاطب العقل وتنميه، وتؤثر على السلوك والعمل ولا تبقي حبيسة الأذهان، حتى جعلت نفوسهم كالجبال ثباتًا، وكالشمس ضياء، وكالسهم سدادًا.

وتشتد الحاجة -اليوم- إلى تثبيت العقيدة الإسلامية الصافية الواضحة في نفوس الجيل الصاعد، وغرس قواعد الإسلام الكبرى وأصوله في عقولهم وقلوبهم؛ لما لا يخفي على أحد من واقع التحديات الهائلة التي تهدد إيمانهم وأفكارهم، والشبهات التي تنبعث لهم من كل مكان، والشهوات والفتن الداعية إلى الانحلال والانحطاط.

ونحن إذا اعتنينا ببناء العلم الصحيح المبرهن - وخاصة أصول العقيدة - فإن هذا بحد ذاته يزاحم التصورات والأفكار الفاسدة، ولو لم يتم الرد على جميع تفاصيلها، فإن الحق التام يزهق الباطل، والصواب يقضي على الخطأ، وإذا ثبتت عظمة الإسلام ومتانة عقيدته لدى الشاب فإن من الصعب أن تؤثر عليه شبهة جزئية، أو أن تقضي على إيمانه فكرة باطلة، أو نزوة عابرة.

هذا؛ وقد كان من أجمل ما جمعني من مجالس العلم مع أحبتي طلاب الجيل الصاعد: دروس «البناء العقدي» والتي تناولت فيها مبادئ العقيدة الإسلامية بطريقة سهلة واضحة مبرهنة، لتثبيت الإيمان، وتوضيح قواعده، وللبناء سور واقٍ من الشبهات والانحرافات الفكرية؛ وقد كان لها بفضل الله تعالى أثر حسن وتفاعل مثمر.

(١) قام أحد الأساتذة الأفاضل بتدريس المادة لطلابه في الجامعة في مادة الثقافة الإسلامية، وأخبرني عن مدى الاستفادة والأهمية التي لمسها، ويؤكد على أهميتها لعمر طلاب الجامعة. ومما علق في ذهني مما هو مرتبط بالمادة أن فتيين عراقيين وهما: حذيفة وعز الدين، وهما من طلاب الجيل الصاعد المميزين - حفظهما الله وثبتهما وأحسن نباتهما - كانت والدتهما قد درستهما المادة كاملة (عبر المقاطع المرئية) بعناية بالغة، فسألتهما عن المادة وطلبت من أحدهما أن يقوم بعرضها وتلخيص بعض أفكارها - عمره ١٢ سنة - فوجدت استحضارًا وحسن استفادة وتصور لأبواب العقيدة بفضل الله تعالى.

فعزمت على كتابة المادة وتحريرها وتنسيقها وأضفت إليها موضوعات جديدة، وفوائد كثيرة، لم أطرحها في الدروس حتى خرجت بهذا الشكل في هذا الكتاب الذي أسأل الله أن يجعله مباركًا ونافعًا وأن يتقبله مني.

3

الشكل في هذا الكتاب الذي أسأل الله أن يجعله مباركًا ونافعًا وأن يتقبله مني. وهذا الكتاب يأتي ضمن سلسلة كتب بنائية منهجية موجهة إلى الجيل الصاعد: صدر منها كتابان، وهما: (إلى الجيل الصاعد) و(التفكير الناقد للجيل الصاعد) والسلسلة مستمرة بإذن الله تعالى، والمرجو أن تغطي احتياجًا لدى المراكز والحلقات والمعاهد المعنية بفتيان الجيل الصاعد وفتياته.

لدي المراكز والحلقات والمعاهد المعنية بفتيان الجيل الصاعد وفتياته. مع التنبيه إلى أن هذه المادة وإن كانت قد جعلت ضمن سلسلة الجيل الصاعد إلا أنها تصلح لمن فوقهم كذلك، وأرجو ألا تحول هذه التسمية دون الاستفادة منها لمن تجاوزوا مرحلة الجيل الصاعد.

١٣ البناء الحفني

هذا وقد قسمت الكتاب إلى ثلاثة أقسام:

- القسم الأول: مقدمات عقدية منهجية مهمة.

- القسم الثاني: أركان الإيمان وركائزه.

- القسم الثالث: ما يضاد الإيمان ويناقضه.

وأسأل الله سبحانه أن يبارك في هذه المادة وينفع بها قارئها ومدرسها وكاتبها إنه سميع قريب.

القسم الأول: مقدمات عقدية منهجية مهمة

١٧ أهمية العقيدة وقيمتها وميزات عقيدتنا الإسلامية

معنى العقيدة:

أهمية العقيدة وقيمتها وميزات عقيدتنا الإسلامية

معنى العقيدة: كلمة العقيدة في أساسها اللغوي تدل على معنى الشد والتوثيق والعقد والإلزام، ولذلك قالوا فيها إنها الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، وأن كل ما عقد الإنسان قلبه عليه فهو عقيدة.

لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، وأن كل ما عقد الإنسان قلبه عليه فهو عقيدة. وبناءً على ذلك فيمكننا أن نعرف العقيدة الإسلامية بأنها: الإيمان الجازم المؤكد - الذي لا يدخله الشك ولا الريب - بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبكل ما أخبر الله ورسوله عنه من تحليل الحلال وتحريم الحرام وأمور الغيب وأصول الإسلام.

أخبر الله ورسوله عنه من تحليل الحلال وتحريم الحرام وأمور الغيب وأصول الإسلام. فالإيمان بالجنة والنار من العقيدة «وهو من الإيمان باليوم الآخر». والإيمان بنبوة نوح عليه السلام من العقيدة «وهو من الإيمان بالرسل». والإيمان بأن جبريل نزل على محمد ﷺ بالوحي من العقيدة أيضًا «وهو من الإيمان بالملائكة».

١٨ البثاء العقائي - ما الذي يميز العقيدة الإسلامية عن بقية العقائد؟

البثاء العقائي - ما الذي يميز العقيدة الإسلامية عن بقية العقائد؟ إذا كان لدى اليهود والنصارى وغيرهم عقيدة، فما الفرق بين عقائدهم وبين عقيدة أهل الإسلام؟ ولماذا نحن أولى بأحق والصواب منهم؟ هل لأننا ولدنا في بيئة مسلمة فحسب؟! أم لأن لدينا من الدلائل والبراهين والحجج التي تثبت صحة عقيدتنا مما لا يمتلكونه هم لعقيدتهم؟

والحجج التي تثبت صحة عقيدتنا مما لا يمتلكونه هم لعقيدتهم؟ الجواب وبلا شك ولا ريب هو: لأننا نمتلك من الدلائل والبراهين والحجج التي تثبت صحة عقيدتنا مما لا يمتلكونه هم لعقيدتهم. حسنًا.. فلنذكر إذا شيئًا من الفروق التفصيلية التي تبين تميز عقيدتنا وصحتها على بقية العقائد.

- الفرق الأول: امتلاك الأدلة الواضحة على صحة (أصول العقيدة):

العقائد.

- الفرق الأول: امتلاك الأدلة الواضحة على صحة (أصول العقيدة): إن الأدلة التي يستدل بها المسلمون لإثبات أن الإسلام صحيح لا تقارن أبدًا بالأدلة التي يستدل بها اليهود أو النصارى على صحة أديانهم، وإن من أعظم ما يفتخر به المسلمون أنه بإمكانهم إثبات ١٩ البناء العقد الدليل على صحة كل أصل من أصول اعتقادهم دون أن يستطيع الآخرون ذلك، فعلى سبيل المثال:

4

كل اصل من اصول اعتقادهم دون ان يستطيع الاخرون ذلك، فعلي سبيل المثال: نحن نعلم ان القران الكريم هو كتاب الاسلام، وان الانجيل هو كتاب النصاري، وان التوراه هي كتاب اليهود، فالذي يميز كتابنا (القران) عن سائر الكتب السماويه الاخري هو ان اثبات نسبته ﴿كاملا بكل سوره واياته﴾ الي محمد ﷺ تم عن طريق التواتر المتصل، اي انه نقل ليس عن طريق واحد عن واحد عن واحد، بل عن جماعات كثيره عن جماعات كثيره عن مثلهم، بسند متصل الي النبي ﷺ.

بينما لا تمتلك الديانات الاخري هذه الوسيله لاثبات نسبه كتبهم الي انبيائهم، بل يوجد انقطاع كبير في الاسناد والاتصال، ومن اراد الاستزاده في هذا الباب فيمكنه الرجوع الي كتاب متخصص في مخطوطات كتب النصاري وهو كتاب «استعاده النص الاصلي للعهد الجديد» للدكتور سامي عامري (١)،

يمكن كذلك متابعه الدكتور منقذ السقار الذي يذكر دائما في محاضراته الدلائل الكثيره علي عدم صحه كتب الاديان الاخري. (١) الكتاب علمي متخصص يفيد من يمكنه قراءه الكتب العلميه المتقدمه وليس المبتدئ.

ثم بعد ذلك نحن نمتلك الادله الواضحه علي ان القران لم يات به النبي ﷺ من عنده، وانما اتي به من عند الله تعالي بواسطه جبريل عليه السلام، وسياتي التفصيل في ذلك في ثنايا هذا الكتاب ان شاء الله تعالي. فهذا هو الفرق الاول وهو امتلاك الدلائل علي صحه اصول الاسلام.

- الفرق الثاني: البرهان الذاتي «اي: مضمون القران ودلالته علي صحه الاسلام» بعكس الكتب الاخري: كتب الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله كتابا في غايه الروعه والجمال، عنوانه «النبا العظيم» وهدفه ان يشرح لماذا القران كلام الله وليس كلام البشر؟ وما الدليل علي انه لا يمكن ان يكون بشر قد اتي به؟

بطبيعه الحال قد ذكر ادله كثيره جدا متعلقه بشخص النبي ﷺ، وانه لا يمكن ان يكذب، وهو كلام جميل ادعوكم جميعا للرجوع اليه، ولكن الذي يعنينا في هذه النقطه انه استدل علي صحه القران من مضمونه، بغض النظر عن الدلائل الاخري التي تثبت صدق النبي ﷺ، ومما قال في ذلك: «هذا الكتاب الكريم يابي بطبيعته ان يكون من صنع البشر، وينادي بلسان حاله انه رساله القضاء والقدر، حتي انه لو وجد ملقي في صحراء لايقن الناظر فيه ان ليس من هذه الارض منبعه ومنبته، وانما كان من افق السماء مطلعه ومهبطه»(١)

ثم اخذ يفصل الادله التي نستدل بها من بلاغه القران علي انه خارج قدره البشر، وحين تقرا له يقشعر جلدك من الدلائل والبيئات والبراهين.

واذا كان الدكتور دراز رحمه الله قد ركز علي الجانب البلاغي؛ فان دلاله القران من جهه مضمونه علي انه رباني المصدر كثيره، ليست منحصره في الجانب البلاغي، بينما اذا اطلعت علي مضامين كتب الديانات الاخري فستجد اشياء غريبه مستنكره تدل علي ان هناك تحريفا طال شيئا منها،

مع العلم باننا نؤمن بان الله انزل التوراه علي موسي والانجيل علي عيسي عليهما السلام ولكننا نعتقد كذلك بانها قد حرفا، والادله علي تحريفهما كثيره جدا، وقد استدل علماء المسلمين قديما علي تحريف كتب اليهود والنصاري من خلال دراسه النص نفسه واثبات الاشكالات الموجوده فيه، سواء من جهه سوء الحديث عن الله تعالي،

او من جهه الطعن في انبيائه وتشويههم، او من جهه الاخطاء التاريخيه، وغير ذلك، ومن ابرز العلماء المتقدمين.

5

التاريخيه، وغير ذلك، ومن ابرز العلماء المتقدمين ٢٢ البتاء العقلي الذين تناولوا هذا الموضوع: الامام ابن حزم رحمه الله تعالي في كتابه «الفصل في الملل والاهواء والنحل»، وقد كتب الشيخ رحمت الله الهندي رحمه الله كتابا كبيرا في ذلك سماه «اظهار الحق» وهو كنز كبير في الرد علي النصاري، وربما لا يعلم الكثير من القراء ان الشيخ احمد ديدات رحمه الله سلك طريقه في محاوره النصاري بعد ان قرا كتاب اظهار الحق للهندي عليه رحمه الله.

في محاوره النصاري بعد ان قرا كتاب اظهار الحق للهندي عليه رحمه الله. ومن الكتب المعاصره في ذلك، كتاب: «هل العهد الجديد كلمه الله؟» للدكتور منقذ السقار.

مثال علي التناقض: هناك موضعان في الكتاب المقدس -الذي يجمع التوراه والانجيل- يتكلمان عن رجل واحد -واسمه (اخزيا)- بمعلومين مختلفتين متناقضتين؛ الموضع الاول فيه: ان عمر هذا الرجل اثنتان وعشرون سنه»(١)، والموضع الثاني عن نفس الرجل وعلي نفس الحدث، وفيه ان «عمره اثنتان واربعون سنه»(٢) وهذا تناقض غير محتمل، ومن اشهر الاقوال عند

(١) سفر الملوك الثاني (٨: ٢٦) «وكان اخزيا ابن اثنتين وعشرين سنه حين ملك، وملك سنه واحده في اورشليم، واسم امه عظمه بنت عمري ملك اسرائيل».

(٢) سفر اخبار الايام الثاني (٢٢: ٢) «كان اخزيا ابن اثنتين واربعين سنه حين ملك، وملك سنه واحده في اورشليم، واسم امه عظمه بنت عمري».

٢٣ البناء العقد النصاري في حل هذه المشكله هو ان الناسخ اخطا وهو يكتب في احد الموضعين، هكذا بكل بساطه! انا لا اتحدث عن طبعه معينه فيها هذا الخطا، وانما في الاصل.

تخيل ان يحصل عندنا مثله في القران فنقول: الصحابه وهم يكتبون المصحف غلطوا في كتابه الايه الاولي ولم يكتبوها بشكل صحيح! هل ستثق بالقران؟!

- الفرق الثالث: وضوح العقيده وموافقتها للعقل والفطره:

حين يؤمن النصراني بان الله ثلاثه وواحد في نفس الوقت! فان هذا امر لا يمكن تصديقه الا باكراه العقل علي قبول المستحيل! وحين يقول اليهودي: ان الله واحد ولكن صفاته منافيه للالوهيه كما نجد في كتابهم ان الله تعالي اخذ يبحث عن ادم عليه السلام بعد ان اختبا في الجنه حين اكل من الشجره! وينادي عليه اين انت يا ادم! (١) تعالي الله عن ذلك – فان هذا يدل كذلك علي تحريف كتابهم.

(١) سفر التكوين (٣/ ٩).

البتاء العقل ٢٤ ولكن.. حين تسال عن صفات الله في القران فستجد الشفاء والعظمه والكمال، تجد الوضوح والبهاء والجمال، اقرا معي:

﴿الله لا اله الا هو الحق القيوم لا تاخذ، سته ولا نوم له ما في السماوات وما في الارض من دا الذي يشفع عنده الا باذنه يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السماوات والارض ولا يطوء، حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقره: ٢٥٥].

وهذه من سمات العقيده الاسلاميه وخصائصها؛ انها عقيده واضحه فطريه تجعلك تعظم هذا الدين وتطمئن اليه، وقد ذكرت في كتابي «محاسن الاسلام» شيئا يخص هذا الموضوع، قلت فيه: «لا يوجد تراث لامه من الامم المتدينه فيه تعظيم للاله الخالق سبحانه وتنزيه له عن النقائص وعيا لا ينبغي ان يكون عليه، كما يوجد في القران الكريم وفيما صح عن النبي محمد ﷺ من الاحاديث.

ولذلك فان الاسلام قد تميز علي سائر الديانات بوضوح العقيده في (الاله) من جهه الكمالات المتعلقه به، ولذا فان العقل لا يجد تكلفا في قبول الاعتقاد الاسلامي في الله سبحانه، بخلاف الخرافات والاساطير الموجوده في تصورات كثير من البشر تجاه الاله، وهذه ٢٥ البناء العقد

6

والأساطير الموجودة في تصورات كثير من البشر تجاه الإله، وهذه ٢٥ البناء العقد القضية من أظهر القضايا في دين الإسلام، والاستدلال عليها لا يحتاج إلى كبير عناء، فالقرآن من أوله إلى آخره تمجيد وتعظيم وتنزيه لله ﷺ، والسورة التي أخبر النبي ﷺ أنها أعظم سورة في القرآن هي السورة التي تبدأ بحمد الله والاعتراف بأنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين،

السورة التي تبدأ بحمد الله والاعتراف بأنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين، وتبين العلاقة بين المخلوق وبين الخالق بالتعظيم الذي ينبغي للخالق، بأنه لا يعبد إلا هو، ولا يستعان إلا به، فهذه أعظم سورة. وكذلك أعظم آية في القرآن، كلها متعلقة بالإله من أولها إلى آخرها، وهي آية الكرسي، ولا يوجد عند أمة من الأمم المتدينة تعظيم للإله بمثل ما في آية الكرسي.

ولا يوجد عند أمة من الأمم المتدينة تعظيم للإله بمثل ما في آية الكرسي. ثم إنه قد صح عن النبي ﷺ أن في القرآن سورة تعدل ثلث القرآن، وهي سورة الإخلاص (١)، وإذا تأملت فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيم وتنزيه لله ﷺ.

وإذا تأملت فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيم وتنزيه لله ﷺ. بينما إذا نظرت فيما جاء عن الخالق في سائر الأديان فلن تحتاج إلى كبير جهد لتدرك الفارق بين الإسلام وبين غيره، بل إن المقارنة بين الإسلام وغيره في هذا الباب ظالمة» انتهى. (١) انظر البخاري (٥٠١٤) ومسلم (٨١١).

٢٦ البثاء العقلاني

انظر البخاري (٥٠١٤) ومسلم (٨١١). ٢٦ البثاء العقلاني وأما الإلحاد فهو أولى بالخطأ والتناقض والإشكال ومناقضة الفطرة من الأديان الأخرى، وهل يوجد عاقل يصدق أن عقله وجد بدون خالق؟ فضلاً عن بقية أجزاء جسده، فضلاً عن روحه ومشاعره، فضلاً عن خلاياه وجيناته، فضلاً عن بصمته وبنانه، فضلاً عن بقية البشر والكائنات، فضلاً عن السماوات والمجرات والنجوم ... الخ، فالإلحاد في الحقيقة ضرب من الجنون والانتحار العقلي.

والنجوم ... الخ، فالإلحاد في الحقيقة ضرب من الجنون والانتحار العقلي.

* * *

ما الفائدة المترتبة على وجود العقيدة الصحيحة الثابتة؟

هذا السؤال مهم جداً، ولا بد أن نفهمه جيداً حتى ندرك نعمة الإسلام، وحتى نفهم أن بأيدينا شيئاً عظيماً فنحرص على الاستمساك به، وإذا كان هناك من يقرأ هذا الكلام من المشرفين التربويين أو المعلمين أو الآباء فليدركوا جيداً أن غرس محاسن العقيدة الإسلامية،

أو المعلمين أو الآباء فليدركوا جيداً أن غرس محاسن العقيدة الإسلامية، وبيان محاسن الإسلام بشكل عام = من أهم ما يمكن أن يقدم لهذا الجيل، وهو أولى من المعلومات التفصيلية، فإذا اجتمع مع بيان المحاسن توضيح الأصول العقدية وتثبيتها فهنا نكون قد بنينا الأسوار الوقائية للجيل على خير ما يمكن أن تبني بإذن الله تعالى.

أولاً: سعادة العبودية لله:

للجيل على خير ما يمكن أن تبني بإذن الله تعالى. أولاً: سعادة العبودية لله: إن أول شيء يبدأ به في محاسن العقيدة الإسلامية أنها تجعل صاحبها يعيش سعادة العبودية لله تعالى، فإن أجمل شيء في هذا الوجود هو تذوق لذة التعبد لخلق كل شيء، وهذه اللذة لا تشبهها لذة أخرى أبداً، لا لذة المال ولا لذة الملك ولا لذة الشهوات عموماً، ولذلك قال من قال من عباد المسلمين: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف»، يقصد ما هم فيه من لذة التعرف.

الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف)، يقصد ما هم فيه من لذة التعرف ٢٨ البتاء العقلي.

7

عليه بالسيوف)، يقصد ما هم فيه من لذه التعرف

٢٨ البتاء العقلي علي الله والتعبد له، كما قال ابن القيم رحمه الله: «فانه لا نعيم له ولا لذه ولا ابتهاج ولا كمال الا بمعرفه الله ومحبته، والطمانينه بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق الي لقائه؛ فهذه جنته العاجله، كما انه لا نعيم له في الاخره ولا فوز الا بجواره في دار النعيم في الجنه الاجله؛ فله جنتان لا يدخل الثانيه منهما ان لم يدخل الاولي.

في الجنه الاجله؛ فله جنتان لا يدخل الثانيه منهما ان لم يدخل الاولي. وسمعت شيخ الاسلام ابن تيميه قدس الله روحه يقول: ان في الدنيا جنه من لم يدخلها لم يدخل جنه الاخره. وقال بعض العارفين: انه ليمر بالقلب اوقات اقول: ان كان اهل الجنه في مثل هذا اتهم لفي عيش طيب.

بالقلب اوقات اقول: ان كان اهل الجنه في مثل هذا اتهم لفي عيش طيب. وقال بعض المحبين: مساكين اهل الدنيا! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا اطيب ما فيها. قالوا: وما اطيب ما فيها؟ قال: محبه الله والانس به، والشوق الي لقائه، والاقبال عليه، والاعراض عما سواه، او نحو هذا من الكلام. وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقا»(١).

(١) مدارج السالكين: (٢/ ٨٨ - ٨٩).

ويعرفه ذوقا»(١).

(١) مدارج السالكين: (٢/ ٨٨ - ٨٩).

٢٩ البتاء الحقادي

ثانيا: الصبر علي مصائب الدنيا وكوارثها ومصاعبها:

حين تكون حدود الانسان ضيقه؛ كان يكون كل هدفه في الحياه اكتساب المال او البقاء مع حبيب؛ فانه اذا اصيب بمصيبه متعلقه بالمال او الحبيب؛ فانه سيفقد كل شيء، لان حدوده متعلقه باشياء محدوده صغيره قريبه، فما الذي سيصبره؟ وما الامل الباقي لديه؟

ولكن حين تكون حدوده عاليه سماويه تتطلع الي عرش الرحمن ومصاحبه الرسول ﷺ في الجنه فان تاثير المصائب الدنيويه عليه - مهما كان مؤلما - فسيبقي محدودا؛ لانه لم يفقد كل شيء، وقد قال الله تعالي: ﴿ما اصاب من مصيبه الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله يحكل شيء عليم﴾ [التغابن: ١١].

أي: ان الذي يكون عنده ايمان وتوكل وعقيده؛ فان الله يهدي قلبه للرضا حين تصيبه المصيبه.

ثالثا: معرفه النفس والخالق والغايه:

أي ان يعرف الانسان من هو؟ ومن خالقه؟ ولماذا هو موجود؟ والي اين المصير؟

٣٠ البتاء العقلي

وهذه الاسئله علي انها بديهيه سهله الا انها من اصعب الاسئله علي من لا يمتلك العقيده، كالملحد مثلا. فهو لا يدري من هو؟ نعم يعرف انه انسان وان اسمه كذا، ولكن ما الذي يميز الانسان؟ لماذا يختلف عن بقيه الكائنات بالاراده الحره وبالعقل؟ لماذا الانسان يستطيع الاستفاده مما في الارض والجو؟

لماذا الحيوانات مسخره له؟ لماذا ولماذا؟ لا يستطيع الجواب باكثر من ان الانسان مكون من مجموعه من الخلايا-لطخه كيميائيه-موجود في طرف الكون في كوكب رئيس وهو جزء من الحيوانات ولكنه تطور عنها وصار ارقي منها قليلا!

حسنا.. ولماذا هو موجود؟ والي اين سينتهي؟ وما الذي ينتظره بعد الموت؟ كل هذا في ظل الالحاد لا يمكن الجواب عنه ولا الاهتداء الي شيء يطمئن النفس فيه، بينما بالعقيده تستطيع الجواب والاهتداء الي ما يطمئن الروح ويريح العقل ويسكن النفس.

رابعا: ضبط الاخلاق:

ان الانسان الذي يؤمن ايمانا جازما بان الله سيحاسبه علي اقواله وافعاله، وسيجازيه علي نيته وقصده، فانه سيضبط تصرفاته، ويحسب اعماله، ويعرف اين يضع خطواته، بينما يقل الوازع عند غير المؤمن، فلا يحسب تصرفاته كثيرا.

٣١ البناء الحفاض

8

الوازع عند غير المؤمن، فلا يحسب تصرفاته كثيرا.

٣١ البناء الحفاض

فاذا كان كثير من اللصوص والمجرمين يمارسون جرائمهم حتي مع وجود القوانين في الدول القويه؛ لانهم قادرون علي تجاوز القوانين بحيل كثيره؛ فان المؤمن الصادق يخاف الله اكثر من القانون، ويمتنع عن الظلم خشيه من خالقه، ويحسن الي الناس رغبه في التقرب الي ربه.

ويمتنع عن الظلم خشيه من خالقه، ويحسن الي الناس رغبه في التقرب الي ربه. انظر وتلفت حولك لتري كيف يكون الانسان طائشا مجرما سفاكا حين يمتلك السلاح والقوه ولكن لا يمتلك الايمان الصحيح. انظر الي اله الحرب الغاشمه التي تسحق بنيرانها بيوت الضعفاء، وتشرد الملايين، وتيتم الاطفال دون ادني ضمير.

بنيرانها بيوت الضعفاء، وتشرد الملايين، وتيتم الاطفال دون ادني ضمير. ثم انظر الي من تعرفه من اهل الايمان والصلاح والخشيه، من المستنين بسنه النبي ﷺ، والمستنيرين بنور هديه، المتبعين له، كيف تجدهم؟ كيف تري صدقهم واحسانهم ونظافه ايديهم؟ دعك ممن يدعي الايمان والصلاح ولا يكون في حقيقه امره كذلك.

ايديهم؟ دعك ممن يدعي الايمان والصلاح ولا يكون في حقيقه امره كذلك. بل انظر الي نفسك، واسالها سؤالا صادقا: لو التزمت بهدي المصطفي ﷺ، واتيحت لي فرصه ان انهب مالا عظيما دون ان يراني احد؛ فهل ساقوم بهذا النهب ام ساخاف الله؟ انت تعلم ان الجواب هو: ما دام اني متبع للنبي، مؤمن بربي، فلا يمكن ان افعل ذلك.

البتاء العقلي ٣٢

للنبي، مؤمن بربي، فلا يمكن ان افعل ذلك.

البتاء العقلي ٣٢

حسنا: والملحد؟ ما الذي سيمنعه؟ لو قلت: القانون؛ فكثير منهم قادرون علي تجاوز القانون والاحتيال عليه. ولو قلت: القيم الاخلاقيه العامه فالسؤال هو: ما الذي يجعل هذه القيم صحيحه في نظره؟ المجتمع؟ ما الذي يعطي المجتمع قيمه؟

هذه القيم صحيحه في نظره؟ المجتمع؟ ما الذي يعطي المجتمع قيمه؟ وهكذا يفقد الملحد كل مرجعيه؛ لانه قطع العلاقه بمن يضفي علي كل ذي لون لونه، وعلي كل حقيقه حقيقتها. وتامل معي: ﴿ أرهيت الذي يحذث بالذين ﴾ ﴿ فدلك الذي يدع اليتيم ﴾ [الماعون: ١-٢].

القرون المفضله

﴿ فدلك الذي يدع اليتيم ﴾ [الماعون: ١-٢].

القرون المفضله «السلف الصالح» مصطلح يطلق علي اهل القرون المفضله الذين نص النبي ﷺ علي تفضيلهم وعلي خيريتهم، فقد ثبت عنه ﷺ انه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلومهم، ثم الذين يلومهم»(١).

انه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلومهم، ثم الذين يلومهم»(١). وقد اختلف العلماء في المقصود بالقرن في هذا الحديث، هل هو المائه سنه ام دون ذلك مما يقارب متوسط اعمار الجيل الواحد، والذي يقدر ما بين الاربعين الي السبعين او نحو ذلك.

الجيل الواحد، والذي يقدر ما بين الاربعين الي السبعين او نحو ذلك. ولعل الاقرب والله تعالي اعلم ان المقصود بالقرن الاول هم الصحابه، والمقصود بالقرن الثاني التابعون، والمقصود بالقرن الثالث تابعو التابعين، قال ابن حجر رحمه الله:

التابعون، والمقصود بالقرن الثالث تابعو التابعين، قال ابن حجر رحمه الله: «والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابه، واما قرن التابعين فان اعتبر من سنه مائه كان نحو سبعين او ثمانين، واما الذين بعدهم فان اعتبر منها كان نحوا من خمسين، فظهر بذلك ان مده القرن تختلف باختلاف اعمار اهل كل زمان والله اعلم، واتفقوا ان اخر من كان من اتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش الي حدود

اعلم، واتفقوا ان اخر من كان من اتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش الي حدود (١) البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣).

البتاء العقليه ٣٤

العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا»(١).

9

العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا»(١).

وأما من جاء بعد اتباع التابعين في زمن الإمام أحمد رحمه الله فهم ليسوا من القرون المفضلة وإن كان الخير فيهم أكثر من غيرهم، والعلماء الذين اجتمعوا في تلك المرحلة أكثر من العلماء الذين اجتمعوا بعد ذلك، وظهور الستة فيهم أكثر، إلا أنه لم يأت نص في تفضيلهم كما جاء فيمن قبلهم.

وقد يطلق عليهم اسم «السلف» بالاعتبار النسبي، أي: هم سلف لمن جاء بعدهم، وهذا لا ينحصر في زمن الإمام أحمد الذي جاء بعد اتباع التابعين مباشرة بل يمتد، ولكن القرون الثلاثة المنصوص عليها لها من الاختصاص بالنص الشرعي ما ليس لغيرهم، وعليه؛ فهم المقصودون بإطلاق اسم السلف ابتداء.

وقد رتب النبي ﷺ خير القرون بحسب الأفضلية كما يلي:

١- قرنه ﷺ أولا - وهو جيل الصحابة -.

٢- ثم القرن الذي يليه - وهو جيل التابعين -.

٣- ثم القرن الذي يليه - وهو جيل اتباع التابعين -.

فالقضية هكذا بالترتيب، الصحابة أولا ثم من بعدهم، بينما نجد بعض المنتسبين للسلف يعكسون القضية - على المستوى العملي.

بينما نجد بعض المنتسبين للسلف يعكسون القضية - على المستوى العملي (١) فتح الباري (٧/٦) باختصار.

البناء العقدي والاستدلالي - فتابعو التابعين عندهم أولا، ثم التابعون، ثم الصحابة (وبالكاد تجدهم يستدلون بآثار الصحابة) وذلك لأن هؤلاء المنتسبين للسلف يجعلون معيار الانتماء: الأمر العقدي في القضايا التي وقعت فيها البدع في القرون الأولى، ولا شك أن عقيدة خير القرون هي العقيدة الصحيحة التي كان عليها الصحابة.

ولكن ونظرا لكون الذين كثر كلامهم في الأبواب العقدية المفصلة هم القرن الثالث فقد اعتنى كثير من المنتسبين للسلف بكلام القرن الثالث عناية لم يفعلوا مثلها بكلام الصحابة وهديهم.

بل إنك تجد من بعضهم عناية بكلام أصحاب القرن الرابع ما يفوق عنايتهم بهدي الصحابة والتابعين (مع كون من جاء بعد اتباع التابعين ليس داخلا في الحديث ابتداء)؛ وذلك لأنهم لا ينظرون إلا إلى الأبواب العقدية التي وقع فيها الاختلاف وفارق المبتدعة بها أهل السنة، فهذا وإن كان من المعايير الصحيحة في الانتماء للسلف - إذا أخذ بفقه وفهم - إلا أنه ليس الوحيد.

فهؤلاء لم يذهبوا إلى قرن الصحابة ابتداء فينظروا ما الذي ميزهم وما الذي فصلوا به حتى يكون اتباعهم في ذلك هو اتباع السلف؛ بل دخلوا بالمعيار العقدي وحده وتتبعوا ما جاء عن السابقين عموما في ذلك وعدوه معيار منهج السلف لا غير. (1) الشبه الحفني

10

عموما في ذلك وعدوه معيار منهج السلف لا غير.

(1) الشبه الحفني وبناء علي ذلك كله اختلت الموازين في اتباع السلف، فاهدرت معالم وابواب وموضوعات كانت تميز جيل الصحابه تمييزا واضحا - وخاصه في عصر الخلافه الراشده - كسعيهم الدائم في نصره الدين وحمايته بالجهاد والسياسه والاماميه وانكار المنكرات علي مختلف المستويات، وغير ذلك، وهذا كله تجده غائبا عند من يحصر الاتباع للسلف في القضايا الاعتقاديه المعرفيه.

تجده غائبا عند من يحصر الاتباع للسلف في القضايا الاعتقاديه المعرفيه. وقد اشار ابن رجب رحمه الله الي شيء من ذلك حين قال: «اكل الحلال من اعظم خصائل السنه التي كان عليها النبي ﷺ واصحابه رضي الله عنهم»، ثم صار في عرف كثير من العلماء المتاخرين من اهل الحديث وغيرهم: السنه عباره عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصه في مسائل الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر،

خاصه في مسائل الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابه، وصنفوا في هذا العلم باسم السنه لان خطره عظيم والمخالف فيه علي شفا هلكه، واما السنه الكامله فهي الطريق السالمه من الشبهات والشهوات).

(1) هذا وان من اعظم الانحراف الذي وقع في زماننا من بعض الفئات المنتسبه للسلف انهم عظموا من بعض القضايا الفرعيه

من بعض الفئات المنتسبه للسلف انهم عظموا من بعض القضايا الفرعيه

(1) كشف الكربه في وصف اهل الغربه: (٣٢).

٣٧ البتاء العقلي وجعلوها اصلا من اصول السلف يوالون عليها ويعادون، وذلك مثل قضيه (الانكار العلني علي ولي الامر) حيث يجعلون من فعل ذلك مخالفا للسلف الصالح متبعا للخوارج، وهذا مشكل جدا من جهتين:

١- ان هذه القضيه فرعيه وليست من المعالم المركزيه للسلف.

من جهتين:

١- ان هذه القضيه فرعيه وليست من المعالم المركزيه للسلف.

٢- ان اكثر الوارد عن السلف وخاصه الصحابه هو الانكار العلني علي الامير والحاكم اذا كان خطؤه ظاهرا.

الصحابه هو الانكار العلني علي الامير والحاكم اذا كان خطؤه ظاهرا.

هذا فضلا عن تنزيلهم النصوص الوارده في «طاعه ولي الامر» علي كل من حكم ممن انتسب ظاهرا للاسلام ولو كان محاربا للدين مظاهرا للكافرين علي المسلمين نابذا شرع رب العالمين محكما القوانين الوضعيه، ومثل هؤلاء غير داخلين في نصوص الطاعه يقينا فهي نصوص مقيده بالحكم بكتاب الله وبعدم ارتكاب الكفر، كما في حديث ام الحصين رضي الله عنها قالت:

الله وبعدم ارتكاب الكفر، كما في حديث ام الحصين رضي الله عنها قالت: «حججت مع رسول الله ﷺ حجه الوداع، قالت: فقال رسول الله ﷺ قولا كثيرا، ثم سمعته يقول: «ان امر عليكم عبد مجدع» حسبتها قالت: «اسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له واطيعوا» (١)

(١) مسلم (١٨٣٨).

٣٨ البثاء العقلي

له واطيعوا» (١) (١) مسلم (١٨٣٨).

٣٨ البثاء العقلي والكلام في هذه القضيه يطول، وقد حرصت علي بيان هدي السلف مفصلا في سلسله «خير القرون» باستخراج المعايير التي ميزتهم في العقيده وغيرها. والله المستعان.

القسم الثاني: اركان الايمان وركائزه وبراهينه

اركان العقيده والايمان مقدمه: معالم الدين مكونه من ثلاث دوائر اساسيه، وهي:

١- دائره الاسلام.

٢- دائره الايمان.

ثلاث دوائر اساسيه، وهي:

١- دائره الاسلام.

٢- دائره الايمان.

٣- دائره الاحسان.

وهذه الدوائر مستفاده من حديث النبي ﷺ في قصه جبريل المشهوره، وساذكره ثم اذكر بعض الفوائد منه، ثم ابدا بعد ذلك باركان الايمان مع ركائزها ودلائلها باذنه تعالي.

نص الحديث:

عن عمر ﷺ قال: «بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه منا احد. حتي جلس الي النبي ﷺ، فاسئد ركبتيه الي ركبتيه، ووضع كفيه علي فخذيه، وقال: يا محمد اخبرني عن الاسلام. فقال رسول الله ﷺ: الاسلام: ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، وتقيم الصلاه، وتؤتي الزكاه،

11

وان محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فاخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فاخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال:

الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فاخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فاخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق، فلبث مليا، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم(١).

قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم(١). قال الإمام ابن رجب رحمه الله عن هذا الحديث: (هو حديث عظيم جداً يشتمل على شرح الدين كله ولهذا قال النبي ﷺ في آخره: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم») (٢)، وهو حديث يبين أسس الإسلام وقواعده العظام بطريقة جميلة، وأسلوب حسن، وحدث مشوق، وهو يدل على عناية الإسلام بأسلوب الخطاب، وطرائق التعليم،

وحدث مشوق، وهو يدل على عناية الإسلام بأسلوب الخطاب، وطرائق التعليم، فقد كان بالإمكان أن تعرض المعلومات التي في الحديث بأسلوب خطابي عادي، ولكنه حصل بهذا المشهد وتلك القصة والحدث، ليرسخ في الأذهان، ويثبت في العقول، ويستقر في القلوب.

(١) مسلم: (٨).

(٢) جامع العلوم والحكم: (١/٩٧).

البناء العقلي الإيمان قول وعمل واعتقاد:

هذا الحديث يبين أركان الإيمان، ومعالم الإسلام، وصفة الإحسان، وقد تقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ولكن قد أشكل على بعض الناس أن الإيمان المذكور في الحديث قد ربط بالاعتقاد وليس بالعمل، وذلك بقول النبي ﷺ: «أن تؤمن بالله، وملائكته. . »

وليس بالعمل، وذلك بقوله ﷺ: «أن تؤمن بالله، وملائكته. . » بينما ربط الإسلام بالعمل، وذلك بقوله: «تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة. . » فهل تدخل الأعمال في الإيمان؟ أم أن الإيمان مجرد اعتقاد؟

الزكاة. . » فهل تدخل الأعمال في الإيمان؟ أم أن الإيمان مجرد اعتقاد؟ وللإجابة عن هذا الاستشكال فلا بد أولاً من النظر إلى مجموع الأدلة القرآنية والنبوية وليس إلى دليل واحد، وهذه من أهم المنهجيات لفهم الشريعة الإسلامية، فإذا نظرنا في أدلة الباب سيتبين لنا أن الأعمال داخلة في الإيمان، وأنه ليس اعتقاداً فقط، وهذه بعض الأدلة على ذلك:

داخلة في الإيمان، وأنه ليس اعتقاداً فقط، وهذه بعض الأدلة على ذلك:

١- قول الله: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ﴿٢﴾ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴿٣﴾ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴿٤﴾ [الأنفال: ٢-٤]. ف(يقيمون الصلاة) عمل، والإنفاق عمل.

﴿٤﴾ [الأنفال: ٢-٤]. ف(يقيمون الصلاة) عمل، والإنفاق عمل.

البناء العقلي

٢- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وستون شعبة(١)، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»(٢) فذكر منها إماطة الأذى عن الطريق، وإماطة الأذى: عمل وليست اعتقاداً.

12

فذكر منها إماطة الأذى عن الطريق، وإماطة الأذى: عمل وليست اعتقادًا.

٣ - حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة وفد عبد القيس - وقد أخرجه البخاري ومسلم - وفيه: أن النبي ﷺ أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: «الله ورسوله أعلم». قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» ﴿٣﴾ فعرف الإيمان في هذا الحديث بأمور عملية مقاربة لما عرف به الإسلام في حديث جبريل.

إذاً؛ فالأدلة صريحة على أن العمل من الإيمان، فما توجيه الحديث الذي فيه قصة جبريل؟ الجواب: إنه إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد، فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالاعتقاد، وذلك

(١) وفي رواية: «بضع وسبعون شعبة».

(٢) البخاري (٩) مسلم (٣٥).

(٣) البخاري (٥٣) ومسلم (١٧).

٤٥ البناء العقلاني كما في حديث جبريل، وإذا ذكر أحدهما منفردًا فإنه يشمل الاعتقاد والعمل، فإذا اجتمعا في موضع واحد افترقا من جهة المعنى، وإذا افترقا في الموضع اجتمعا من جهة المعنى، وهذا معنى قول العلماء عن الإسلام والإيمان: (إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا).

علاقة الكتاب بحديث جبريل: هذا؛ وإن حديث جبريل مليء بالفوائد والعبر، ولا يسع المقام في هذا الكتاب للتعليق عليها كلها، وعلى شرح دوائر الدين الثلاثة بالتفصيل، وإنما سأركز على الدائرة الثانية، وهي دائرة الإيمان مع التعرض لشيء مما له علاقة بالدوائر الأخرى، ومن أراد الاستزادة من فوائد الحديث فليرجع إلى كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب، شرح الحديث الثاني، وللمتخصصين يمكنهم مراجعة كتاب (شرح حديث جبريل «الإيمان الأوسط») لابن تيمية رحمه الله تعالى.

* * *

٤٩ البناء الحفاض

الركن الأول: الإيمان بالله

رحمه الله تعالى.

* * *

٤٩ البناء الحفاض

الركن الأول: الإيمان بالله

الإيمان بالله تعالى هو أصل الأصول، وما يليه من الأركان إنما هو فرع عن الإيمان به ﷺ، فهو الذي أخبرنا بالملائكة والرسل واليوم الآخر والقدر، فبدون الإيمان به لا يمكن الإيمان ببقية الأركان، ولذلك؛ فإن الحديث عن الله تعالى سيكون أطول موضوع في الكتاب، وسأتناوله من عدة جهات:

فإن الحديث عن الله تعالى سيكون أطول موضوع في الكتاب، وسأتناوله من عدة جهات:

١ - وجود الله وكماله ﷺ وربوبيته وعظمته.

٢ - أسماء الله وصفاته.

٣ - ألوهيته ﷺ.

ثم ننتقل إلى الحديث عن بقية الأركان بمشيئة الله تعالى.

* * *

البناء العقلية

٥٠ أولًا: وجود الله ﷺ وكماله وربوبيته:

13

* * *

## البتاء العقليه

٥٠

أولا: وجود الله ﷺ وكماله وربوبيته:

إن المعرفة بوجود خالق للإنسان لا تتطلب استدلالا طويلا، ولا فلسفة معقدة، ولا طرائق مشتبكة، بل إن «إثبات وجود الله ﷺ» أمر فطري عقلي قريب لا يجهد العقل في الوصول إليه؛ إذ إنه قائم على مبدأ يجده الإنسان مركوزا في عقله بحيث لا يمكنه التخلي عنه البتة، وهو مبدأ: (الاستدلال بالاثر على المؤثر).

لا يمكنه التخلي عنه البتة، وهو مبدأ: (الاستدلال بالاثر على المؤثر)، بل إن عامة الملحدين الذين يتنكرون لوجود الخالق سبحانه يطبقون هذا المبدأ في سائر أمور حياتهم وإن أنكروه في باب الألوهية.

إن البحث فيما وراء الآثار والأفعال والأحداث عن المؤثرين والفاعلين والمحدثين لا يمكن أن يتخلى عنه البشر - مطلقا - إلا في حالة فقدانهم عقولهم،

إذ لا يمكن للبشر أن يتصوروا حدوث الأشياء بعد عدمها دون وجود أسباب لذلك تناسب طبيعة تلك الحوادث» (١).

والإنسان هو واحد من هذه الأشياء التي حدثت بعد أن لم تكن شيئا: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ [الإنسان: ١].

فيستحيل وجوده دون خالق ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥].

هذا إذا نظرنا لمجرد وجوده بعد العدم، فكيف إذا نظرنا إلى اتقانه، (١) كامل الصورة، أحمد السيد (١٤).

٥١

البناء العقلي

إلى اتقانه، (١) كامل الصورة، أحمد السيد (١٤).

٥١

البناء العقلي وحسن قوامه، ودقيق صنعه، وعجيب تكوينه؟ فإنه «كلما كان الأمر الحادث الناشئ أكثر اتقانا وتعقيدا؛ اشتدت الضرورة في النفس للبحث عما وراء ذلك الأمر المحدث المتقن من السبب الذي يناسب هذا الاتقان والتعقيد، فإن العقل لا يقنع - عند النظر في الأمور الحادثة - بمجرد وجود سبب وراءها، بل لا بد أن يكون السبب مناسبا للصفة التي نشأ عليها هذا الأمر الحادث» (١).

لا بد أن يكون السبب مناسبا للصفة التي نشأ عليها هذا الأمر الحادث» (١).

فإذا تأمل الإنسان في نفسه فإنه لا يحتاج – عقلا - إلى دليل آخر على وجود الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: ٢١].

مع أن السماوات والأرض فيها من الآيات ما هو أكبر وأعجب وأعظم من خلق الإنسان، كما قال الله ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [غافر: ٥٧].

وإذا جمع الإنسان بين التأمل في آيات النفس والآفاق فإن هذا يزيده إيمانا ويقينا: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣].

حين تفكر في جهاز التخزين للمعلومات: (USB) فإنك تتعجب كيف استطاع الإنسان أن يصنع شيئا صغيرا يمكنه تخزين معلومات (١) كامل الصورة، أحمد السيد (١٤-١٥).

٥٢

البثاء العقلي

14

(١) كامل الصوره، احمد السيد (١٤-١٥).

٥٢ البثاء العقلي هائله؟ وكلما زاد صغر الجهاز وسعه تخزينه فان الانسان يزداد تعجبا ودهشه، ويزداد اعترافا لصانع الجهاز بالعلم والخبره والاتقان، ولو لم يعرف اسماء المصنعين ولا الشركه المنتجه.

حسنا، هل تعلم ان في جسمك اجهزه تخزين معلومات هي اصغر بالاف المرات من ال (USB)، وفي نفس الوقت تخزن اضعاف اضعاف المعلومات التي تخزنها تلك الاجهزه التي من صنع البشر؟! اقرا في علم الاحياء عن الجينات وما تحويه داخلها وما يمكن تخزينه في ﴿DNA﴾ لتتعجب وتسبح بحمد الله وتشهد الا اله الا هو!

واذا تاملنا في صناعه الرجل الالي (الروبوت) فاننا نجد منها ما هو متطور جدا، يحاكي حركات الانسان، وكلما ازدادت المحاكاه اكثر؛ كان هذا ادل علي زياده علم صانع الروبوت الذي لا يكون في العاده شخصا واحدا وانما علماء متعددون من اختصاصات متنوعه.

حسنا، وماذا عن الانسان نفسه؟! اذا كان هذا -الرجل الالي- يحاكي بعض حركات الانسان ويحتاج لكل هذا الجهد والوقت ليخرج بهذه الصوره، فالانسان نفسه يتطلب قدره اعظم وعلما اكبر حتي يمكن ان يوجد، ومن الجنون ان يقال: ان الماده الجامده اوجدته!

٥٣ البناء الحفني فوا عجبا كيف يعصي الاله ام كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له ايه تدل علي انه الواحد (١) ولمن اراد الاستزاده في باب وجود الله واياته في الانسان والكون؛ فليطالع ما يلي:

- كتاب: «براهين وجود الله» للدكتور سامي عامري.

- وكتاب: «الصنع المتقن» لمصطفي قديح.

- وكتاب: «شموع النهار»، لعبد الله العجيري.

- وكتاب: «الله يتجلي في عصر العلم»، لمجموعه من المتخصصين الامريكان في عدد من العلوم الطبيعيه.

- وكتاب: «الكوكب المميز» لغيير مو غونز اليز وجاي ريتشاردز.

- وكتاب: «سته ارقام فقط»، لمارتن ريس، وغيرها الكثير.

(١) بيتان شعريان منسوبان الي ابي العتاهيه، انظر المستطرف في كل فن مستطرف للابشيهي ١/١٠ طبعه عالم الكتب ١٤١٩ه

البتاء العقلي ٥٤ - دلاله الفطره علي وجود الله:

وبعد ما سبق ذكره من دلاله العقل علي وجود الله، فان لدينا نوعا اخر من الادله التي نستدل بها علي وجوده ﷺ، الا وهو: الفطره؛ فالله تعالي ركز في الانسان معني الافتقار اليه، فهو ينشا علي هذه الفطره، فطره الشعور باعترافه بخالقه واحتياجه اليه، وقد ذكرت في كتابي سابغات شيئا من دلاله الفطره علي وجود الله تعالي، سانقله هنا – مختصرا–:

(تدل الفطره البشريه علي وجود الخالق ﷺ من ثلاث جهات:

الجهه الاولي: ان هناك معارف اوليه ضروريه حاصله لكل البشر، لم يتعلموها في مدرسه، ولم يتلقوها في جامعه، وانما ولدت معهم، وعرزت في عقولهم؛ كمعرفه ان الحادث لا بد له من محدث، وان الجزء اصغر من الكل، وهذه المعارف يستدل بها علي وجود الله سبحانه من طريقين:

الطريق الاولي: من جهه النظر والاستدلال، وذلك بان ينظر في الكون والانسان والمخلوقات، فيعلم بانها حادثه، ثم نستدل بالمعرفه الفطريه القائله بان لكل حادث محدثا علي ان للكون والمخلوقات محدثا خالقا وهو الله ﷺ.

٥٥ البناء العقلي

15

ان للكون والمخلوقات محدثا خالقا وهو الله ﷺ.

٥٥ البناء العقلي

الطريق الثانية: ان تجرد وجود هذه الغرائز المعرفية الفطرية يدل على ان هناك من أودعها في نفس الإنسان؛ لأنها لم تحصل عن اكتساب ولا عن تعلم، وهذا دليل على وجود الخالق ﷺ.

الجهة الثانية من دلالة الفطرة: ضرورة الافتقار والتعبد، أو الاعتراف النفسي الضروري بالحاجة إلى الخالق سبحانه؛ إذ ان في فطرة الإنسان افتقارا ذاتيا إلى قوة غيبية كاملة غنية يرجو منها الإنسان النفع، ويستدفع بها الضر، ويتذلل لها، وخاصة عند الشدائد؛

ولذلك تجد أن الأمم كلها من قديم الزمان وفي مختلف البلدان لها أماكن للعبادة، حتى عبدوا الشمس والكواكب والنار والأحجار ملتمسين بذلك جلب النفع ودفع الضر، وما ذلك إلا لافتقار الإنسان بطبيعته إلى الإله الذي يملأ تطلعات روحه وحاجاته؛ غير أن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان قد تساهم في تشويش الغاية الصحيحة،

فبدل أن يتوجه للإله الحق، يتوجه إلى آلهة باطلة يعلم بالعقل قبل الشرع بطلانها، ولذلك فإن الرسل حين بعثوا إلى أقوامهم لم يكن محور رسالتهم إثبات وجود الخالق؛ لأن الأمم كانت تقر بذلك في الجملة، وإن كان بعض الناس قد يجتاح إلى تذكير بهذه الحقيقة الفطرية.

البناء العقلي ٥٦

وإنما كان محور رسالتهم: الدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، والتخلص من عبادة كل ما سواه، ولذلك نجد أسلوب خطاب الرسل عند الحديث عن هذه الحقيقة الفطرية تذكيريا لا تأسيسيا، كأنه يحيي الفطرة في النفوس، أو يوقظها، لا أنه يغرسها أو يبنيها، فتأمل مثلا قول الله تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي البه شك فاطر السماوات والأرض﴾؟ ! [إبراهيم: ١٠]. فهذا أسلوب من يذكر لا من يؤسس معنى كان مجهولا. وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته فيحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة(١).

الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته فيحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة(١).

الجهة الثالثة: الغرائز والأخلاق، وذلك أننا نرى في الإنسان والحيوان غرائز فطرية غير مكتسبة من المجتمع ولا من البيئة، وإنما هي مما أودع فيه بغير كسب منه، فأنت تشاهد بعض الحيوانات عند ولادتها تتجه مباشرة إلى الصدر باحثة عن اللبن، من غير أن تكون الأم هي التي توجهها إليه،

وأنت ترى الرضيع إذا أقمته أمه ثديها عرف كيف يمصه ويستخرج الطعام منه، وكذلك غريزة ميل الجنسين أحدهما إلى الآخر، وغريزة النكاح، وحب الولد، وغير ذلك من الغرائز الكثيرة جدا.

(١) مجموع الفتاوي (١٦/١٨٩)

٥٧ البناء الحقدي

ومن الغرائز التي أودعت في الإنسان: القيم الأخلاقية الفاضلة؛ كاستحسان الصدق، والعدل، واستبشاع الظلم والقتل وتعذيب الأطفال، ونحو ذلك. إن وجود الخير في نفس الإنسان لا يمكن أن يفهم في دائرة العبثية والعشوائية، وإنما يتم فهمه باتساق وانتظام تحت مظلة الإيمان بوجود الخالق المدبر ﷺ، الذي خلق النفوس وأهمها فجورها وتقواها (١).

بوجود الخالق المدبر ﷺ، الذي خلق النفوس وأهمها فجورها وتقواها (١).

وخلاصة الكلام في الإيمان بوجود الله وكماله: أننا نستدل على ذلك بالعقل والفطرة، فالعقل يدلنا على ضرورة وجود خالق له صفات الكمال من خلال التفصيل السابق، والفطرة تدلنا على وجود الخالق أيضا من الجهات التي سبق بيانها كذلك؛ فاللهم ارزقنا تعظيمك وخشيتك وحسن العمل بالعلم يا رب العالمين.. آمين.

ثانيا: أسماء الله وصفاته: تقدم معنا أن الحديث عن الله ﷺ سيكون تحت ثلاثة عناوين:

١ - وجود الله وكماله وربوبيته.

٢ - أسماء الله وصفاته.

٣ - ألوهيته سبحانه وبحمده.

وقد تكلمنا عن العنوان الأول، وها نحن ننتقل إلى العنوان الثاني.

(١) سابغات (٧٠-٧٣)

٥٨ البناء العقلي

16

## العنوان الثاني

(١) سابغات (٧٠-٧٣) باختصار ٥٨

البتاء العقلي لنتحدث عن اسماء الله وصفاته، وفي الحقيقة، فإن الحديث عن اسماء الله وصفاته يعد داخلاً في الحديث عن كمال الله وعظمته، ولكنني أفردتها بعنوان خاص لأنني أريد الإشارة إلى مسائل وتنبيهات متعلقة بالاسماء والصفات بشكل خاص، فافردتها.

معاني الاسماء الحسني:

إن الحديث عن اسماء الله وصفاته حديث عظيم جميل؛ لأنه يعرفنا بالله ﷺ، وإن من المهم لشباب الجيل الصاعد أن يتعرفوا على معاني الاسماء الحسني، ويحفظوها، ويتأملوا فيها؛ ليتعبدوا الله تعالى بها، فتزيدهم له حباً، ومنه قرباً.

والله سبحانه أرشدنا إلى أن ندعوه بها فقال ﴿وله الاسماء الحسني فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ومن سبل إحسان الدعاء بها: أن نعرف معانيها، وأن نعرف استعمالات الأنبياء لها، فالأنبياء إذا دعوا الله تعالى فإنهم يدعونه بأسمائه وصفاته، وهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بطريقة استعمال الاسماء الحسني في الدعاء.

فإذا أردنا أن ندعو الله دعاءً نرجو إجابته فلنتعلم هدي الأنبياء في الدعاء ولنتأس بهم، فإن ذلك مظنة الإجابة.

٥٩ البناء الحقاء

ولقد كتب كثير من العلماء والدعاة في معاني الاسماء الحسني، ومن أسهل الكتب في ذلك مما يناسب الجيل الصاعد - وقد قررته على نخبة منهم فأعجبتهم جداً -: كتاب "لأنك الله"، للأستاذ: علي الفيفي. ومن الكتب المفيدة: "النهج الاسمي في شرح اسماء الله الحسني"، لمحمد النجدي.

حفظ الاسماء الحسني واحصاؤها:

ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله سماه ويسمعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة»، والحديث صحيح أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.

(١) قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه "المنهاج" - وهو شرح لصحيح الإمام مسلم -: (وأما قوله ﷺ): «من أحصاها دخل الجنة» فاختلفوا في المراد بإحصائها:

- فقال البخاري وغيره من المحققين: معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر؛ لأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى: «من حفظها».

- وقيل: أحصها: عدها في الدعاء بها.

(١) البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧).

٦البتاء العقليه

- وقيل: أطلقها، أي: أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها..، وهو ضعيف، والصحيح الأول). (١) ومن العلماء من رجح معنى العمل بمقتضاها بالإضافة إلى حفظها. وعليه حال فيستحسن حفظ هذه الأسماء لما ورد من الفضل في الحديث المذكور.

تعيين الاسماء الحسني:

لم يصح عن النبي ﷺ عد الاسماء التسعة والتسعين، وإنما اجتهد العلماء في استخراجها، وأما ما ورد في بعض روايات الحديث عند الترمذي من عد الاسماء ونسبته إلى النبي ﷺ فليس بصحيح، قال ابن تيمية رحمه الله: «تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه». (٢)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن اسماء الله تعالى ليست محصورة في هذا العدد كما ذكر العلماء، وإنما هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، فقد ثبت أن النبي ﷺ حين يأتي يوم القيامة مستشفعاً إلى ربه فإنه يجمد الله بمحامد لم يفتح فيها على أحد من قبله، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه).

(١) المنهاج، النووي (١٧ / ٥ - ٦) (٢) مجموع الفتاوي: (٦ / ٣٨٣).

٦١ البتاء الحفلك

17

٥ - ٦) (٢) مجموع الفتاوي: (٦ / ٣٨٣).

٦١ البilt الحفلك حصر لاسمائه ﷺ، فليس معناه: انه ليس له اسماء غير هذه التسعه والتسعين، وانما مقصود الحديث ان هذه التسعه والتسعين من احصاها دخل الجنه، فالمراد الاخبار عن دخول الجنه باحصائها لا الاخبار بحصر الاسماء، ولهذا جاء في الحديث الاخر: «اسالك بكل اسم سميت به نفسك او استاثرت به في علم الغيب عندك». (١)

الاخر: «اسالك بكل اسم سميت به نفسك او استاثرت به في علم الغيب عندك». (١)

الاختلاف بين المذاهب في تاويل الاسماء والصفات:

ها هنا ملاحظه في غايه الاهميه، الا وهي ان الكلام في الاسماء والصفات قد اخذ منحي جدليا عند كثير من الطوائف في التاريخ الاسلامي بتاثر من ثقافات وعلوم اخري خارجه عن الصفاء الاسلامي بعد ان تمت ترجمه الفلسفه والثقافه اليونانيه علي وقت المامون-الخليفه العباسي-،

ترجمه الفلسفه والثقافه اليونانيه علي وقت المامون-الخليفه العباسي-، فصار اول ما يقفز في الذهن اذا ذكر باب الاسماء الحسني هو الخلافات العقديه الجدليه الواقعه في هذا الباب بين الطوائف الاسلاميه، وهذا بلا شك خلاف المقصد الشرعي الذي لاجله ذكر الله اسماءه وصفاته في كتابه العزيز. (١) المنهاج، النووي، شرح الحديث رقم (٢٦٧٧).

٦٢ البثاء العقلاني

المنهاج، النووي، شرح الحديث رقم (٢٦٧٧).

٦٢ البثاء العقلاني ونحن اذا رجعنا الي وقت النبي ﷺ واصحابه نري انهم لم يتعاملوا مع الاسماء والصفات بغير مبدا التعظيم والتسليم، ولم يضعوا قوانين معارضه للنصوص، سواء سميت قوانين عقليه او غير ذلك.

وانما تعاملوا مع هذه النصوص كما يتعاملون مع سائر نصوص القران الكريم الوارده في الاحكام والتشريعات والاخبار،

مع سائر نصوص القران الكريم الوارده في الاحكام والتشريعات والاخبار، فلم يكونوا يتكلفون في معانيها اشياء غير ما يدل عليه كلام العرب، ولم يقولوا ان نصوص الصفات الالهيه من المتشابه الذي لا يفهم، ولم يقولوا اننا نحتاج ان ناتي بمعان خفيه لنفسر بها ظاهر الايات، وذلك انهم يعلمون ان القران بيان للناس، وانه جاء ليعرفهم بخالقهم،

وذلك انهم يعلمون ان القران بيان للناس، وانه جاء ليعرفهم بخالقهم، وليس ليضع الالغاز والاحجيات في العقيده لياتي المتاخرون فيحاولون حلها!

وليس ليضع الالغاز والاحجيات في العقيده لياتي المتاخرون فيحاولون حلها!

ويقولون كذلك ان الرسول ﷺ جاء مبينا للقران، مفسرا له، شارحا للناس ما يريده الله منهم، وهو في نفس الوقت حريص علي المؤمنين، يريد هدايتهم وارشادهم وتعليمهم، مع امتلاكه لادوات البيان والقدره علي ايصال الحق، فلو كان يريد منا ان نتعامل مع نصوص الاسماء والصفات بطريقه تاويليه خاصه لارشدنا الي ذلك، خاصه وان نصوص الصفات كثيره جدا في القران الكريم.

خاصه لارشدنا الي ذلك، خاصه وان نصوص الصفات كثيره جدا في القران الكريم.

٦٣ البilt الحفني فاذا جاء في القران-مثلا-قوله تعالي: ﴿ان الله يحب التوبين﴾ [البقره: ٢٢٢] فنحن نفهم من هذا النص ما فهمه الصحابه وبلغوه، وهو اثبات المحبه لله، وانها محبه تليق بجلاله لانه سبحانه لا يشبهه شيء، وهذا هو المعني العربي الواضح الموافق للشريعه.

18

سبحانه لا يشبهه شيء، وهذا هو المعني العربي الواضح الموافق للشريعه. بينما نجد ان بعض الفرق والطوائف وقفت من هذا النص وامثاله موقفا متكلفا جدا، فقالوا: «المحبه؟ ! المحبه لا يمكن ان ننسبها الي الله كصفه، لانها ميل القلب الي المحبوب، وهذا لا يليق بالله! فنؤولها الي غير ذلك»

وتجدهم في نفس الوقت يثبتون لله صفه الاراده! ويقولون: نثبت اراده لا تشبه اراده المخلوقين، ونحن نقول لهم: كذلك محبه الله لا تشبه محبه المخلوقين، فلا نقول فيها غير ما قال الله فيها بدلاله اللسان العربي، فالله يجب التوابين، فمن كان توابا احبه الله، والمحبه معروفه لا تحتاج الي تفسيرات متكلفه منفره للتصديق بها!

وهكذا في بقيه نصوص الاسماء والصفات، مع الاعتراف الدائم باننا لا ندرك كيفيه هذه الاسماء والصفات في حق الله تعالي، لان الله اعظم من ان يحيط احد بحقيقه ذاته او حقيقه اسمائه وصفاته، ومع الاعتراف الدائم بان اثبات الصفات لله محكوم بقانون ذكره الله في القران وهو: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشوري: ١١].

فالله سبحانه يسمع ويبصر ويتكلم وله صفات الجلال، ولا يشبه شيئا من خلقه جل في ٦٤ البتاء العقلي علاه، واما الذي لا يسمع ولا يبصر فهو اله المشركين وليس رب العالمين، الم يقل ابراهيم عليه السلام «يتابتي لرصد مالا يسمع ولا يضر ولا يغني عنك شيئا» [مریم: ٤٢].؟!

ثالثا: الالوهيه:

تقدم معنا ان الحديث عن الله ﷺ يتضمن ثلاثه عناوين: ١- وجود الله وکماله وربوبيته. ٢- اسماء الله وصفاته. ٣- الوهيته سبحانه وبحمده.

المقصود بالالوهيه هنا اي افراد الله تعالي بالتعبد، بالا يعبد الا هو، ولا يسجد الا له، ولا يستغاث الا به، ولا يتوكل الا عليه، فاذا كان توحيد الربوبيه هو افراد الله تعالي بالملك والخلق والتدبير؛ فان توحيد الالوهيه هو افراد الله تعالي بالعباده، وهو متمحور حول كلمه (لا اله الا الله) وهي اعظم كلمه في هذا الوجود، ومعناها انه لا يوجد احد يستحق العباده الا الله وحده.

والقران الكريم يعزز معني توحيد الالوهيه في النفس عبر التاكيد علي توحيد الربوبيه، اي اننا اذا اعترفنا ان الله هو الخالق وحده لا شريك له فهذا يستلزم انه لا ينبغي ان يعبد الا هو، كما قال تعالي: ﴿وانا ربكم فاعبدون﴾ [الانباء: ٩٢] ونري في الايه تلازما بين الربوبيه والعبوديه.

ضروره فهم معني التعبد في الاسلام:

ان العباده في الاسلام ليست مجرد ركوع وسجود وامساك عن الطعام، بل العباده في حقيقتها محبه وذل وانقياد لله تعالي، العباده في حقيقتها: تسليم للخالق، واستعداد لقبول واتباع كل ما يامر به، ومن جمله ذلك: الصلاه، والزكاه، والصيام والحج.

ولا شك ان هذه العبادات العمليه عظيمه ومهمه، بل هذه الامور المذكوره هي اركان الاسلام، ولكنها لا تقبل ولا تنفع اذا لم يصاحبها اخلاص قلبي لله تعالي، فاصل العباده الذي تنشا عنه الاعمال الظاهره هو الاعتراف القلبي والانقياد الباطني والتسليم لله تعالي.

ومن اهم صور العباده لله تعالي: الحب، حب الخالق العظيم، حبه لكماله وجلاله وجماله، وحبه لربوبيته وعظمته، وحبه لانعامه علينا، وحبه لارساله الرسل الينا وبيان الغايه من وجودنا، وكلما ازداد العبد محبه لربه؛ طاب قلبه به واستغني به عن غيره وذاق لذه الايمان.. تلك اللذه التي لا تعدها لذه.

وقد نقلت في كتابي «محاسن الاسلام» تجربه للشيخ فريد الانصاري رحم الله يحكي فيها عن هذه اللذه العجيبه التي وجدها حين فهم حقيقه التعبد لله، وقبلها ذكرت مقدمه في هذا المعني، وهذا نص الكلام:

19

## حقيقه التعبد لله

وقبلها ذكرت مقدمه في هذا المعني، وهذا نص الكلام:

(إن للعبودية في الإسلام جمالاً يوقف الإنسان على شاطئ الكون مندهشاً بأنوار الحقائق الكبرى التي تنفتح له، وإن عدم تذوق جمالية التعبد والخضوع والمحبة لله سبحانه لمن أكبر أسباب التأثر بالشبهات المثارة ضد وجوده وكماله سبحانه، ومن ثم الوصول إلى الإلحاد والإنكار.

وهاهنا تجربة فريدة في هذا المجال لعالم فريد كاسمه، وهو الشيخ: فريد الأنصاري رحم الله في كتابه «جمالية الدين» استعرض فيها مراحل فهمه للتدين والتعبد، وكيف أنها بدأت بالتصور المختصر، ثم انتقل إلى إدراك بعض المفاهيم الحركية الإسلامية والدفاع عنها.

ومع ذلك يقول إنه لم يصل إلى اللذة الحقيقية للإيمان حتى أوقفه أحد مشايخه وأساتذته على حقيقة معنى الإله والتأله، يقول: «بدأت المراجعة في حياتي كلية، واكتشفت حقيقة أن هناك شيئاً اسمه (حلاوة الإيمان)، ذوقاً لا تصوراً، وحقيقة لا تخيلاً! ثم بدأت أعود إلى القرآن،

فوجدت أني كنت بعيداً جداً عن بشاشته وجماله، وبدأت أعود إلى السنة، فوجدت أني كنت أجهل الناس بأخلاق محمد عليه الصلاة والسلام، وبدأت أراجع ما قرأته عن العقيدة، فوجدت صفحات مشرقة مما كتب السلف الصالح قد مررت عليها مرور الأعمى - لا مرور الكرام - بسبب ما غطى بصري من فهوم سابقة، حتى كأني لم أقرأ قط!

قلت: لم تكن مفاجآتي علمية بقدر ما كانت وجدانية، لقد كنت أقرأ عبارات (المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء) ولكن دون أن أجد لها شيئاً من نبض الحياة بقلبي»(١).

لقد بين د. فريد رحمه الله في كلامه بأنه لا يتهم المفاهيم التي كان عليها سابقاً، وإنما يقول إن ظروف التلقي كانت سيئة للغاية، ولكيلا يكون الأمر غامضاً، فسانقل لكم كلامه في شرح مفهوم الإله والتأله والتعبد، يقول:

«كلمة (إله) في أصل استعمالها اللغوي كلمة قلبية وجدانية، أعني أنها لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب، كالحب والبغض والفرح والحزن والأسى والشوق والرغبة... الخ. أصلها قول العرب: (إله الفصيل ياله أهلاً) إذا ناح شوقاً إلى أمه. والفصيل: ابن الناقة إذا فطم وفصل عن الرضاعة، يحبس في»(١) جماليات الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري (٤٠).

20

## معارج القلب إلى حياة الروح

لفريد الأنصاري (٤٠).

٦٨ البتاء العقلي

الخيمة وتترك أمه في المرعى حتى إذا طال به الحال ذكر أمه وأخذه الشوق والحنين إليها وهو آنئذ حديث عهد بالفطام، فناح وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء، فيقولون: ﴿اله الفصيل﴾، فأمه إذن هنا هي (إلهه) بالمعنى اللغوي، أي: ما يشوقه. ومنه قول الشاعر: «الهت إليها والركائب وقفس» (١).

أي: ما يشوقه. ومنه قول الشاعر: «الهت إليها والركائب وقفس» (١) ثم يقول: «وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين (إله) و(وله) هو على معان قلبية ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب، فيكون قول المؤمن: ﴿لا إله إلا الله﴾ تعبيراً عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملا عليه عبارة قلبه إلا قصد الله.

إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير، الذي ناح شوقاً إلى أمه إذ أحس بالم الفراق ووحشة البعد، إن المسلم إذ يشهد ﴿لا إله إلا الله﴾، يقر شاهداً على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله، رغبة ورهبة وشوقاً ومحبة. وتلك لعمري شهادة عظيمة وخطيرة، لأنها إقرار واعتراف بشعور، لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلا الله، ثم الشاهد نفسه. ومعاني القلب لا تحد بعبارات، ولا تحصرها إشارات. ومن هنا كانت شهادة ﴿لا إله إلا الله﴾ من اللطافة بمكان، بحيث لا تدرك على تمام حقيقتها إلا ذوقاً» (٢) انتهى.

(١) المرجع السابق (٣٤).

(٢) المرجع السابق (٣٥-٣٦).

٦٩ البناء العقد

النقل عن «محاسن الإسلام».

والنظر إلى العقيدة بهذا الاعتبار يجعلها حية فاعلة، تملأ القلب فتفيض على الجوارح، تجعل الإنسان يستقيم في أفعاله وأقواله، فهو معظم للرب مستسلم له ممتلئ ذلاً ومحبة له، ثم هو مع ذلك ملتزم بالأعمال التي شرعها الله على عباده، من الصلاة والزكاة ورحمة الناس والإحسان إلى الفقراء وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هكذا تكون العقيدة حية فاعلة، شاملة لشؤون الحياة، غير محبوسة في جدران المسجد فإذا خرج المصلي منه نزع قيمه ومبادئه!

من ثمرات التوحيد: التعلق بالله وحده وعدم التعلق بالخرافات:

إذا آمن الإنسان بأن الله هو الخالق المالك المدبر، المتصف بكل صفات العزة والكمال والعظمة، ثم آمن به إلهاً واحداً لا يستحق العبادة إلا هو، فإن هذا يدفعه إلى عدم التعلق بالبشر، سواء كانوا أحياء أم أمواتاً، فالله ﷺ هو القادر على إغاثة الملهوف وإجابة سؤال السائلين.

فالتوجه بالدعاء لغير الله ﷺ إنما هو ضعف في الاعتراف بقدرة الله ورحمته وقربه من عباده، والذين يدعون من دونه إنما هم عباد أمثالنا لا يملكون النفع ولا الضر، وبذلك نعلم حجم الظلم.

٧البتاء العقلي
21

لا يملكون النفع ولا الضر، وبذلك نعلم حجم الظلم.

٧البتاء العقلي الذي يقع فيه من تنزل بهم الكربات والشدائد ثم يتوجهون للأموات في قضائها بدلاً من أن يتوجهوا لله في رفعها، يتوجهون للأموات منادين بأسمائهم مستغيثين بهم قائلين: يا حسين! يا علي! يا عبد القادر! الخ.

وهل الله تعالى لا يسمع الإنسان؟ وهل جعل الله لأحد من عباده صلاحية سماع كل ما في الكون والقدرة على الإجابة عن كل السائلين؟! سبحان الله وتعالى عما يصف الواصفون.

ويستثني من ذلك ما لو استغاث الإنسان أو استعان بإنسان حي قادر يسمع الصوت ويكون مستطيعاً لفعل شيء، وذلك ضمن دائرة الأسباب المعروفة كما جاء في قوله تعالى: ﴿فاستغث اللهم لين من شيعتهم على الله من عدوه﴾ [القصص: ١٥]. استغاثة: طلب أن يغيثه. لماذا؟ لأنه موجود في نفس المكان، وهو قادر على إغاثته فلا مانع حينئذ من طلب السبب منه.

ومن علامات ضعف العقيدة والإيمان في القلب: التعلق في جلب النفع ودفع الضر بأشياء لم يجعلها الله تعالى أسباباً لذلك، مثل تعليق مجسمات عليها صورة عين في البيوت والمحلات التجارية لدفع العين، أو تعليق التمائم (مثل القلادة) على الرقبة للحماية والوقاية، وهذا من الشرك – إلا إذا كانت من القرآن ففيها خلاف والأفضل اجتنابها.

وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (١) عن عقبة بن عامر الجهني ﷺ أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة، وتركت هذا؟ قال: «إن عليه تميمة». فدخل يده، فقطعها، فبايعه، وقال: «من علق تميمة فقد أشرك».

ومن علامات ضعف العقيدة والإيمان في القلب: الحلف بغير الله تعالى، فإن هذا مناف لتهام التعظيم لله تعالى، فعن ابن عمر ﷺ عن النبي ﷺ قال: «ألا من كان حالفاً فلا يخلف إلا بالله». فكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: «لا تخلفوا بآبائكم» (٢).

فهذا كلام واضح صريح من النبي ﷺ في أنه لا يجوز للمسلم أن يحلف إلا بالله تعالى وحده. فلا يجوز الحلف بالشرف، أو العرض، أو الحياة، أو السيف، أو العلم، أو النبي والصالحين.

(١) مسند أحمد (١٧٤٢٢).

(٢) مسلم (٣٨٣٦).

٧٣البتاء الحقدي الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة.

الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو من جملة الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالغيب يدخل فيه كل ما يغيب عن الإنسان رؤيته، ومن ذلك (الملائكة).

وقد امتدح الله تعالى المؤمنين بالغيب فقال ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ ﴿١﴾ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴿٢﴾﴾ [البقرة: ٢-٣].

والإيمان بالغيب مبني على مقدمات وأدلة قطعية تقول: إن الله تعالى هو خالق السماوات والأرض، وهو يعلم الأشياء التي خلقها مما غاب عنا رؤيته ومشاهدته، ولذلك أخبر سبحانه عن نفسه بأنه ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ ثم أخبرنا عن طريق رسله بأمور من الغيب الذي غاب عنا ملاحظته بالحس، واستأثر بأمور من الغيب لم يجبر بها أحداً، مثل موعد قيام الساعة.

فإذن: نحن نؤمن بالملائكة لأننا آمنا بالله ﷺ، وقد أخذنا سابقاً الأدلة التي تثبت لنا وجود الله وعظمته، وسيأتينا أيضاً فيما يلي: «الأدلة والبراهين على صدق النبي ﷺ وأنه رسول من عند الله» حتى نعلم أن ما يجبرنا به فإنه حق. هكذا تكون معرفتك ناضجة ومرتبة ومنهجية.

البتاء العقلية. ٧٤

22

هكذا تكون معرفتك ناضجة ومرتبة ومنهجية.

البتاء العقلية ٧٤

من هم الملائكة وما صفاتهم؟ هم خلق من خلق الله وجند من جنوده، كثير عددهم، لا يحصيهم إلا هو سبحانه، مخلوقون من نور، لهم وظائف كثيرة كلفهم الله بها، وهم يسبحون بالليل والنهار ويواصلون التعبد بلا فتور.

قال ﷺ: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾ ﴿١﴾ ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠]

وقال ﷺ: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]

وقال ﷺ: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ويحمدون ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: ٧]

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١).

(١) مسلم (٢٩٩٦)

البتاء العقلية ٧٥

من صفاتهم الخلقية:

١ - أنهم مخلوقون من نور - كما تقدم -.

٢ - أن لهم أجنحة متفاوتة العدد، فمنهم من له جناحان، ومنهم أكثر من ذلك، قال الله ﷺ: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾ [فاطر: ١]

وقال عبد الله بن مسعود ﷺ إن النبي ﷺ رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح (١).

(١)

٣ - أنهم لا يأكلون ولا يشربون، كما في قصة مجيء الملائكة إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، وفيها: ﴿فلما رأوا أيديهم لا تصل إليهم نكيرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾ [هود: ٧٠].

- ما وظائف الملائكة؟

الملائكة لهم وظائف كثيرة جداً، وتربطهم بالمؤمنين من البشر علاقة محبة واهتمام، فمن وظائفهم:

١ - الاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم، كما قال الله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: ٧].

٢ - ومنهم ملائكة يتتبعون مجالس الذكر ويحضرونها ويتزاحمون عليها ويتنادون، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن الله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا﴾ (١).

(١)

٣ - ومنهم ملائكة يحضرون صلاة المسلمين ويشهدونها فيؤمنون مع الإمام ويستمعون القرآن ويسجلون الداخلين إلى الجمعة، فقد قال الله تعالى: ﴿إن صلاة الفجر كانت مشهودة﴾ [الإسراء: ٧٨] أي بالملائكة.

وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنوبه﴾ (٢).

وثبتت عنه أحاديث أخرى في شهود الملائكة لصلاة المؤمنين لا نطيل المقام بذكرها.

(١) مسلم (٢٦٨٩).

(٢) البخاري (٧٨٠) ومسلم (٤١٠) من حديث أبي هريرة ﷺ.

البتاء العقلية ٧٧

23

(٧٨٠) ومسلم (٤١٠) من حديث أبي هريرة ﷺ.

٧٧ البذاء العقل

٤ - ومن وظائف الملائكة: نصر المؤمنين وتأييدهم، فالرسول ﷺ حين أغضبه قومه، وانطلق وهو مهموم على وجهه من مكة حتى وصل إلى منطقة قرن الثعالب؛ أتاه جبريل عليه السلام وقال: «إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم»(١).

وقد قال الله تعالى في سورة المدثر بعد أن ذكر الملائكة ﴿وما يعلم جود ربك إلا هو﴾ [المدثر: ٣١].

ومن هؤلاء الجنود من أنزلهم الله في نصر المؤمنين في معركة بدر، حيث قال سبحانه: ﴿إذ تستعيذون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال: ٩].

٥ - ومن الملائكة من هو موكل بأنزال الوحي من الله إلى أنبيائه، قال تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ [البقرة: ٩٧].

وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين ۝١٣﴾ قل قلبك لتكون من المنذرين ۝١٤﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤].

٦ - ومنهم الموكلون بقبض الأرواح عند حلول آجالها، كما قال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [السجدة: ١١].

وقال سبحانه: ﴿حقا إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١]. (١) البخاري (٣٢٣١).

وقال تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة بضرب وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠].

٧ - ومن أهم أعمال الملائكة: كتابة ما يعمله البشر من أعمال وأقوال وتسجيلها في صحف وكتب لتكون شاهداً على الإنسان يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين ﷻ كراما كاتبين﴾ [الانفطار: ١٠-١٢].

وقال تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ﷲ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٧-١٨].

٨ - ومن الوظائف الشريفة لبعض الملائكة: حمل عرش الرحمن ذي العزة والجلال، كما قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر: ٧].

وقال تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧].

٩ - ونختم بعمل من أكثر الأعمال إسعاداً للمؤمنين، ألا وهو تبشيرهم عند الموت برحمة الله وجنته، كما قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ [فصلت: ٣٠].

لا تخافوا: أي مما تقدمون عليه بعد مماتكم. ولا تحزنوا: على ما فاتكم من ورائكم.

٧٩ البذاء الحقدي

24

بعد مماتكم. ولا تحزنوا: علي ما فاتكم من ورائكم. ﴿79 البثاء الحقدي﴾ وله ما اجمل تلك اللحظه واسعدها.

تخيل انك في تلك اللحظه الرهيبه المرعبه: لحظه الموت، واهلك من حولك يبكون، ولا احد ممن حولك يفهمك او يستطيع ان يقدم لك المساعده؛ في هذه اللحظه تتنزل الملائكه، اما بالبشري واما بالعذاب، فتقول للعبد المؤمن المستقيم: «لا تخف، ولا تحزن» - وليس ذلك فقط- بل وتبشره بالجنه ايضا: ﴿والبشروا بالجنه الق كشر موعدون﴾ (1) ﴿فصلت: 30﴾.

فاي راحه واي سعاده تتغشي العبد المؤمن في تلك اللحظه؟ !

* * *

٨١ البناء العقد الركن الثالث من اركان الايمان: الايمان بالكتب

* * *

٨١ البناء العقد الركن الثالث من اركان الايمان: الايمان بالكتب من شموليه الاسلام وخصائصه وتميزه علي ما سواه: انه يجعلك تصطلح مع كل رسل الله وكتبه وليس كبقيه الاديان، بل ان الاسلام يخبرك بانك ان لم تؤمن بالانبياء الذين بعثوا لاهل الكتاب-اليهود والنصاري-فانك لا تكون مسلما.

قارن هذا بضيق الافق الذي تجده عند اهل الكتاب الذين يفرقون بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، يؤمنون بموسي وعيسي ويكفرون بمحمد ﷺ، يؤمن بعضهم بالتوراه ويكفرون بالانجيل والقران، ويؤمن اخرون بالتوراه والانجيل ويكفرون بالقران،

بينما نحن نؤمن بموسي وعيسي ومحمد وسائر الانبياء عليهم الصلاه والسلام، ونؤمن بالتوراه والانجيل والقران-وان كنا نعتقد ان التوراه والانجيل الموجودين اليوم قد تم تحريفهما-.

وقد عبر احد العائدين الي الاسلام من النصرانيه بتعبير جميل واصفا هذه الحاله الشموليه في الاسلام بقوله: «ربحت محمدا ولم اخسر المسيح» وجعلها عنوانا لكتاب الفه في ذلك، اي انه حين اسلم فانه لم يخسر حبه ولا تعظيمه للمسيح عليه السلام لانه في نظر الاسلام نبي من افضل الانبياء، وفي نفس الوقت ربح الايمان بمحمد ﷺ، الذي جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب والرسل ومنهم عيسي عليه السلام.

كيفيه الايمان بالكتب: الايمان بالكتب يكون عبر مقامين اثنين:

1التصديق المجمل.
2التصديق المفضل.

فاما التصديق المجمل فهو الايمان بان الله انزل كتبا علي رسله وانبيائه، كما قال ﷺ: «لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الحيات والمبرات لبغوه القاس بالقسط» ﴿الحديد: 25﴾.

واما المفضل، فهو: التصديق بتفاصيل ما اخبر الله عنها في القران من اسمائها وما يتعلق بها من حفظ او تحريف ونحو ذلك، فالله اخبرنا انه انزل التوراه علي موسي والزبور علي داود والانجيل علي عيسي عليهم السلام واخبرنا عن صحف نبي الله ابراهيم، فيجب علينا الايمان بكل ذلك.

٨٣ البتاء العقليه

25

نبي الله ابراهيم، فيجب علينا الايمان بكل ذلك.

﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكتبون﴾ [البقرة: 79] ولكن هذا لا يعني أنه لم يبق فيه شيء صحيح، بل هناك أمور باقية من الوحي الإلهي لا تزال محفوظة.

ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في سورة الأنبياء قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: 105]. ونحن نعلم أن الزبور أنزل على داود عليه السلام، وإذا راجعنا سفر المزامير في «الكتاب المقدس» وهو السفر المتعلق بداود عليه السلام سنجد هذا النص مكتوباً: «الصديقون منا يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد» (1).

وأنت ترى أن هذا يتوافق مع ما أخبر القرآن أنه مكتوب في الكتب السابقة، هذا بالإضافة إلى النصوص الموجودة لديهم والتي تتحدث عن النبي ﷺ وتبشر به، ويمكن مراجعة «هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ؟» للدكتور منقذ السقار في هذا الموضوع لتقف على النصوص الموجودة في الكتاب المقدس المتعلقة بهذا المعنى.

(1) سفر المزامير (37: 29).

القرآن: خاتمة الكتب الإلهية للبشر والمعجزة الكبرى:

أما القرآن الكريم – وهو آخر كتاب أنزله الله تعالى ولا كتاب بعده – فهو الكتاب العظيم المحفوظ من التحريف والنقص، ومن عظمته أن الله ﷺ وصفه بقوله: ﴿أو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ [الحشر: 21].

وقال الله تعالى: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد﴾ [الرعد: 31].

والجواب في الآية محذوف تقديره: «لكان هذا القرآن»، فتقدير الآية: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ = (لكان هذا القرآن). ولك أن تتخيل العظمة بعد ذلك.

وجاء الحذف هنا لتظهر عظمته، كقول القائل مثلاً: (لو رأيت فلاناً وهو يخطب) دون أن يكمل الجواب – أي دون أن يقول: لرأيت... – فالذي سيأتي في بال السامع أنه خطيب بارع ومؤثر، وهو أبلغ من قوله (لو رأيت فلاناً وهو يخطب لرأيت خطيباً بارعاً) فهذا سيقلل فخامة الجملة وشأنها.

إعجاز القرآن:

إن من أعلى جوانب عظمة القرآن: إعجازه؛ وذلك أن النبي ﷺ لما نزل عليه القرآن، وكذبه قومه، أتاهم بآية قاهرة، ومعجزة بينة من عند الله ﷺ، وهي متعلقة بهذا القرآن، وذلك أنه تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بل بسورة منه!

وحتى تتصور عظمة هذا التحدي فاستحضر المعطيات التالية:

1نوع الخصوم: عرب أقحاح، بضاعتهم البيان، وميدانهم اللغة والفصاحة.
2عددهم: لا يحصى لأن التحدي كان عاماً لهم ولأنصارهم بل وحتى للجن الذين معهم.
3صيغة التحدي: قوية واضحة مستفزة للطرف الآخر، فلو كان قادراً فلا يمكنه إلا أن يجيب.
4الإغراء: لو استطعتم الإتيان بسورة مثل القرآن ينتهي الإسلام وتنتصرون أنتم.
5المحفزات: لا تحتاجون إلى قتال ولا إلى سفك دماء ولا إجراء معارك وحروب، فقط تكلموا بالسنتكم وأتوا بمثل هذا القرآن.

ومما يزيد التحدي استفزازاً لهم: إخبارهم بأنهم لن يستطيعوا - البتة - أن يكسبوا هذا التحدي، وأن من الخير لهم أن يتقوا النار عوضاً عن ذلك.

26

يكسبوا هذا التحدي، وان من الخير لهم ان يتقوا النار عوضا عن ذلك.

- النتيجه: عجز العرب، وانتصار القران، وشموخ الاسلام.

عوضا عن ذلك.

- النتيجه: عجز العرب، وانتصار القران، وشموخ الاسلام. قال الله تعالي ﴿وان كنتم في ربي مما نزلنا علي عبدنا فاتوا بسوره من مثله﴾ وادعوا شهداءه كم من دون الله ان كنتم صادقين ﴿١﴾ فان لم تفعلوا ولم تفعلوا فاتقوا النار الي وقودها الناس والحجاره اعدت للكافرين ﴿٢﴾﴾ [البقره: ٢٣-٢٤]

وكتب الدكتور محمد دراز رحمه الله معلقا علي الايه: «فانظر اي الهاب، واي استفزاز، لقد اجهز عليهم بالحكم الباث المؤبد في قوله: ﴿ولم تفعلوا﴾، ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالاحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الاعداء الالداء، واباه الضيم الاعزاء،

لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الاعداء الالداء، واباه الضيم الاعزاء، وقد اصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم. ولكنهم لم يجدوا ثغره ينفذون منها الي معارضته، ولا سلما يصعدون به الي مزاحمته، بل وجدوا انفسهم منه امام طود شامخ، فما اسطاعوا ان يظهروه وما استطاعوا له نقابا، حتي اذا استياسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم الا ان ركبوا متن الحتوف،

من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم الا ان ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك حيله يلجا اليها كل مغلوب في الحجه والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعا بالقلم واللسان.

ومضي عصر القران والتحدي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفي الباديه واطرافها اقوام لم تختلط انسابهم، ولم تنحرف السنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا ان ياتوا هذا الدين من اساسه، ويثبتوا انهم قادرون من امر القران علي ما عجز عنه اوائلهم؛ لفعلوا،

انهم قادرون من امر القران علي ما عجز عنه اوائلهم؛ لفعلوا، ولكنهم ذلت اعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل باشياعهم من قبل، ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغه عن اهلها الوارثون، غير ان هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا اشد عجزا، واقل طمعا في هذا المطلب العزيز فكانت شهادتهم علي انفسهم مضافه الي شهاده التاريخ علي اسلافهم، . . . ،

فكانت شهادتهم علي انفسهم مضافه الي شهاده التاريخ علي اسلافهم، . . . ، ولا يزال هذا داب الناس والقران حتي يرث الله الارض ومن عليها»(١)

ان هذا النوع من العظمه جعل علماء المسلمين يتساءلون: مالذي اعجز العرب في هذا القران؟! فنتج عن بحثهم في الجواب عن ذلك: علم ضخم فخم من علوم المسلمين اسمه: (علم اعجاز القران) وهو علم يبحث في ثبوت اعجاز القران وبيان وجه اعجازه.

(١) النبا العظيم، محمد دراز، طبعه دار طيبه (ص: ١٠٥-١٠٦).

وقد تحدثت عنه في محاضره مطوله علي موقع «يوتيوب» بعنوان: اعجاز القران عند المتقدمين، شرحت فيه تفاصيل هذا العلم وموضوعاته واهم كتبه.

27

عند المتقدمين، شرحت فيه تفاصيل هذا العلم وموضوعاته واهم كتبه. هذا، وان من اهم ما الف في هذا الباب: كتاب «بيان اعجاز القران» للخطابي، وكتاب «اعجاز القران الكريم» للباقلاني، وكتاب «دلائل الاعجاز» للجرجاني، وكتاب «النبا العظيم» لمحمد عبد الله دراز.

ولعل من المناسب ان اختم الحديث عن اعجاز القران الكريم بما ختم به الامام الخطابي كتابه «بيان اعجاز القران» متحدثا عن اثر القران علي النفوس وعظمته في التوغل لاعراق الروح، قائلا: «قلت في اعجاز القران وجها اخر، ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه الا الشاذ من احادهم؛ وذلك اخذه بالقلوب، وتاثيره في النفوس، فانك لا تسمع كلاما غير القران، منظوما ولا منثورا، اذا قرع السمع خلص له الي القلب من اللذه والحلاوه في حال، ومن الروعه والمهابه في اخري، ما يخلص منه اليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتي اذا اخذت حظها منه عادت مرتاعه قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتزعج له القلوب، يجول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخه فيها.»

فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها اقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا ايات من القران، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم ان يتحولوا عن رايهم الاول، وان يركنوا الي مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوته موالاه، وكفرهم ايمانا.

بعث الملا من قريش عتبه بن ربيعه الي رسول الله ﷺ ليوافقوه علي امور ارسلوه بها، فقرا عليه ايات من حم السجده، فلما اقبل عتبه وابصره الملا من قريش، قالوا اقبل ابو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

(١) الخطابي، بيان اعجاز القران: ٧٠.

الركن الرابع من اركان الايمان: الايمان بالرسل

كما سبق في الايمان بالكتب من ان الاسلام يجعلك في حاله تصالح مع كتب الله، فانه يجعلك كذلك تجاه الانبياء والمرسلين، فنحن نؤمن بكل الرسل الذين قص الله علينا خبرهم في القران، فما اخبرنا به مفصلا امنا به مفصلا، وما اخبرنا به مجملا امنا به مجملا.

فالايمان المفصل يتعلق باسمائهم وصفاتهم وكتبهم واخبارهم -كل ذلك يجب الايمان به كما اخبر الله ورسوله- والايمان المجمل، مفاده: ان هناك رسلا ارسلهم الله وان كنا لا نعلم عنهم شيئا، ولكننا نصدق بوجودهم، كما قال تعالي: ﴿ولقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم يفصص عليك﴾ ﴿غافر: ٧٨﴾.

وقال سبحانه: ﴿وان من امه الا خلا فيها نذير﴾ (١) ﴿فاطر: ٢٤﴾.

وفي هذه الايه الرد علي من يزعم ان وجود الانبياء انحصر فيما يعرف بمنطقه الشرق الاوسط، فهي خبر صادق بوجود الانبياء في كل الامم.

البتاء العقليه

دين الانبياء واحد وشرائعهم مختلفه:

28

في كل الامم. البتاء العقليه ٩٢ دين الانبياء واحد وشرائعهم مختلفة:

- يجبرنا القرآن بأن الأنبياء كلهم كانوا مسلمين لله تعالى، أديانهم قائمة على التوحيد كما في قوله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ [آل عمران: ٦٧].

وقوله سبحانه: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٦].

- ويجبرنا القرآن كذلك بأن الأنبياء وإن كانوا يشتركون في التوحيد وأصل الرسالة إلا أن شرائعهم تختلف ما بين نبي وآخر كما قال: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨].

- ويجبرنا القرآن أيضاً بأن النبي ﷺ بعث مصدقاً للأنبياء في أصل هذه الرسالة، وأن شريعته جاءت ناسخة لكل الشرائع السابقة ومهيمنة عليها، كما قال: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾ [المائدة: ٤٨].

٩٣ البثاء الحفلي أصناف المكذبين بالرسل والنبوات:

المكذبون بالرسل أصناف:

- فمنهم الملحدون، الذين لا يعترفون بوجود الله أصلاً، وهؤلاء لا يكون النقاش معهم في تفاصيل النبوة بل في إثبات وجود الله، لأنهم ينكرونها من ناحية الإمكان، فإذا أثبتنا أن الله موجود لم يعد هناك وجه للقول بأن النبوة مستحيلة، لأن الذي خلق الكون غير عاجز - سبحانه - عن إرسال رسول، والذي خلق الكون وجعل له قوانين غير عاجز - جل شأنه - عن تأييد أنبيائه بمعجزات تخالف بعض ما اعتاده الناس من قوانين كونية.

- ومنهم الربوبيون الذين يؤمنون بوجود الخالق وينكرون كل الأديان، فهؤلاء يكون النقاش معهم من مبدأ أهمية النبوة وضرورتها وتوافقها مع الحكمة الإلهية، ثم بإثبات نبوة النبي ﷺ.

- ومنهم أصحاب الأديان الذين يؤمنون بأنبياء ويكفرون بآخرين، كاليهود والنصارى، فهؤلاء يكون النقاش معهم بإثبات نبوة محمد ﷺ، وأنه لا فرق بين الرسل من جهة أصول رسالاتهم، وأن رسالة النبي ﷺ مصدقة لرسالات الأنبياء وليست مكذبة لها.

٩٤ البلاء العقلاني دلائل نبوة النبي ﷺ:

29

وليست مكذبه لها.

٩٤ البلاء العقلاني

دلائل نبوه النبي ﷺ: ان الدلائل والبراهين التي تثبت لنا ان محمدا عليه الصلاة والسلام نبي مرسل من عند الله تعالى كثيرة جدا، وقد أوصلها بعض العلماء إلى ألف دليل، وكتب العلماء في ذلك وألفوا، وجمعوا وحققوا، فمنهم الذي ركز على دلائل العقل، ومنهم من اهتم بدلائل الخبر، ومنهم من اعتنى بجانب المعجزات الحسية.

ومن اجمع الكتب المتقدمة: كتاب دلائل النبوة للبيهقي، ومن أفضل الكتب المعاصرة: كتاب براهين النبوة لسامي عامري، وكتاب النبأ العظيم لمحمد دراز، ومن أراد شيئا مسهلا لطيفا فيمكنه مشاهدة سلسلة حلقات للدكتور منقذ السقار بعنوان: براهين النبوة.

وسأعرض شيئا من دلائل النبوة على طريقة جدول بعنوان (التنوع والتكامل في دلائل النبوة) ولكن قبل ذلك، سأشير إلى قضية مهمة جدا، ألا وهي أن النبوة خبر من الأخبار، أي أن النبي يجبر بأنه نزل عليه الوحي، والمخبر إما أن يكون صادقا أو كاذبا، وتمييز الصادق من الكاذب في الأمور الكبيرة - مثل النبوة - سهل جدا،

لأن الذي يدعي أنه نبي ولا يكون كذلك فإنه يكون من أشد المخلوقات كذبا، وتمييز هذا النوع من البشر في غاية اليسر، حتى الجاهل يمكنه معرفة كذب من يدعي النبوة وهو غير صادق فيها.

٩٥ البilt الحفلي

ولذلك قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: «النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالها تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟»

وهو كلام في غاية النفاسة، وقد ذكره قبله الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى وذلك في شرحه للعقيدة الأصبهانية، وسأذكر الكلام بنصه مع اختصار يسير، قال –رحمه الله تعالى-: «ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم،

فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم؟! وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز. وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز،

فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورا؛ والكذاب يظهر في نفس ما يأمر به، وما يخبر عنه، وما يفعله ما يسين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله = ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة.

(١) شرح الطحاوية، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد (ص: ١٠٩).

٩٦

30

طبعه وزاره الشؤون الاسلاميه والدعوه والارشاد (ص: ١٠٩).

٩٦ والناس يميزون بين الصادق والكاذب بانواع من الادله حتي في المدعين للصناعات والمقالات كالفلاحه والنساجه والكتابه، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، فما من احد يدعي العلم بصناعه او مقاله الا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيره،

وكذلك من اظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانه والامانه والنصيحه والمحبه وامثال ذلك من الاخلاق فانه لا بد ان يتبين صدقه وكذبه من وجوه متعدده.

والنبوه مشتمله علي علوم واعمال لا بد ان يتصف الرسول بها، وهي اشرف العلوم، واشرف الاعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيره؟ لا سيما والعالم لا يخلو من اثار نبي من لدن ادم الي زماننا،

وقد علم جنس ما جاءت به الانبياء والمرسلون وما كانوا يدعون اليه ويامرون به، ولم تزل اثار المرسلين في الارض ولم يزل عند الناس من اثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل.

٩٧ البتاء الحقك

فلو قدر ان رجلا جاء في زمان امكان بعث الرسل وامر بالشرك وعباده الاوثان واباحه الفواحش والظلم والكذب، ولم يامر بعباده الله ولا بالايمان باليوم الاخر هل كان مثل هذا يحتاج ان يطالب بمعجزه او يشك في كذبه انه نبي؟ « الي اخر كلامه رحمه الله (١)

(١) شرح الاصبهانيه، مكتبه دار المنهاج، باختصار من (٥٣٩-٥٤٤).

تنوع وتكامل دلائل النبوه

| نوع الدليل | أمثلة من أحاد الدليل | | --- | --- | | - شهاده قومه له بالامانه والصدق: | 1 - موقف وضع الحجر الاسود في الكعبه في زمن الجاهليه. 2 - عند البعثه حين قال: «ارايتكم لو اخبرتكم ان خيلا بالوادي تريد ان تغير عليكم، اكنتم مصدقي؟ »، قالوا: نعم (1). 3 - موقف ابي سفيان حين ساله هرقل وهو رئيس الروم: «هل كنتم تتهمونه بالكذب؟ » فاجابه ابو سفيان: لا. فقال له هرقل: «وسالتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ان يقول ما قال فذكرت ان لا فقد اعرف انه لم يكن ليذر الكذب علي الناس، ويكذب علي الله» (2) | | - تسليم امانات المشركين قبل الهجره. | - تبليغ الايات التي فيها عتاب له، مثل ﴿عبس وتولي﴾ [عبس: 1] ومثل: ﴿وتخففي في نفسك ما الته مبديه﴾ [الاحزاب: 37]. ومثل ﴿عفا الته عنك لرايات لهم﴾ [التوبه: 43]. - حادثه الافك: حيث تربص شهرا كان شديدا عليه جدا، لم يقل فيه شيئا من عنده، حتي نزل الوحي بعد ذلك بدروس الموقف وعبره. |

| الكمال الاخلاقي (الصدق والامانه) | (1) مسلم (٢٠٨). (2) البخاري (٧). |

٩٩) البذاء الحقاري

31

والأمانة) | (1) مسلم (٢٠٨). (2) البخاري (٧).

٩٩) البذاء الحقاري (١) البخاري (١٠٤٣) ومسلم (٩٠٢).

حين كسفت الشمس في اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي ﷺ قال الناس: «كسفت الشمس لموت إبراهيم» فقام فيهم خطيبًا مصححًا هذا الاعتقاد الخاطئ، معظّمًا ربه وخالقه ومولاه قائلاً: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» (١).

والأمثلة كثيرة بالغ الكثرة لا يمكن سردها كلها ولا نصفها هنا، وهذا فقط في نوع واحد من الأدلة.

- أعظمها: 1. عجز العرب عن معارضة الكتاب الذي جاء به. 2. نبع الماء من بين أصابعه. 3. الشفاء بريقه وبمسحه يده. 4. تكثير الطعام بين يديه. 5. انشقاق القمر.

الأيات الحسية

- الأخبار بدخول مكة «لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين» ﴿الفتح: ٢٧﴾. - الأخبار بمقتل قادة مؤتة. (البخاري ١٢٤٦). - الأخبار بمقتل عمار على يد مسلمين بغوا عليه: «تقتل عمارًا الفئة الباغية» (البخاري ٤٤٧). - الأخبار بخروج الخوارج: «تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين» (مسلم ١٠٦٤).

الأخبار الغيبية

- الأخبار بأن الحسن بن علي سيصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وقد حصل ذلك عام الجماعة. (البخاري ٢٧٠٤). - الأخبار بفتح فارس «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى» (البخاري ٣٥٩٥). - حديث أن من علامات الساعة: «أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (١).

إلى آخره من النصوص الغيبية الكثيرة جدًا.

ووجوه دلالة القرآن على صدق النبي ﷺ كثيرة جدًا سبق الحديث عن شيء منها في مبحث الإيمان بالكتب، وهو موضوع: الإعجاز القرآني ولكن القرآن يدل بأكثر من ذلك، ففيه الأخبار الغيبية أيضًا - غير أخبار السنة التي سبق ذكرها -، مثل: ﴿الم. بلع الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ ﴿١﴾ في بضع سنين ﴿١٠٠﴾ (الروم: ١-٤) وهذا من أعظم الأخبار الغيبية لمن تأمله.

وفيه العلوم العالية التي لم يعرفها العرب ولا يستطيعونها مع أن النبي ﷺ نشأ بينهم.

غير ذلك.

32

وغير ذلك | القران الكريم |

(١) مسلم رقم (٨) ١٠١ البثاء الحفلي |

- جاء في انجيل يوحنا/ الاصحاح السادس عشر، ان عيسي عليه السلام قال: «واما الان فانا ماض الي الذي ارسلني، وليس احد منكم يسالني: اين تمضي؟ لكن لابي قلت لكم هذا قد ملا الحزن قلوبكم. لكني اقول لكم الحق: انه خير لكم ان انطلق؛ لانه ان لم انطلق لا ياتيكم «المعزي»، ولكن ان ذهبت ارسله اليكم» . .

ان لم انطلق لا ياتيكم «المعزي»، ولكن ان ذهبت ارسله اليكم» . . «ان لي امورا كثيره ايضا لاقول لكم، ولكن لا تستطيعون ان تحتملوا الان. واما متي جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم الي جميع الحق؛ لانه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بامور اتيه. ذاك يمجدني؛ لانه ياخذ مما لي ويخبركم». انتهي.

- وهذه بشاره بمن ياتي بعده صفته انه لا يتكلم من نفسه بل يتكلم بما يسمع، ويخبر بامور اتيه، وهذه صفه تذكرنا بقول الله عن محمد ﷺ: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣-٤] وقوله سبحانه: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨]

- هذا غير ما ذكره عدد من الباحثين ومنهم د: منقذ السفار - وهو متخصص في هذا الباب - في معني كلمه (المعزي) وانها ترجمه غير دقيقه للنص الاصلي باليونانيه (باراقليط) وان المعني الادق للكلمه اليونانيه هو: الذي له الحمد الكثير، فيكون الاسم الدال علي ذلك (احمد) |

اخبار الكتب السابقه |

--- | --- |

١٢ البثاء العقلاني

علي ذلك (احمد) |

اخبار الكتب السابقه |

--- | --- |

١٢ البثاء العقلاني |

او (محمد) او (الحامد) وليس المعزي (١) فيكون ذلك - لو صح - من جمله تحريفاتهم.

(٢) - وهناك نصوص اخري لمن اراد التوسع يراجع كتاب: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ؟ وكتاب: تباشير الانجيل والتوراه بالاسلام ورسوله ﷺ لنصر الله ابو طالب. وكتاب: يجدونه مكتوبا عندهم. لفيصل علي الكاملي.

|

--- | --- |

طالب. وكتاب: يجدونه مكتوبا عندهم. لفيصل علي الكاملي. |

--- | --- |

وهذا غيض من فيض، ونقطه من بحر، فالعاقل حين يري هذه الدلائل، ويجعل بينها تكاملا، فانه لا يسعه الا ان يقول: اشهد الا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله!

(١) ذكره دكتور منقذ السقار في مقطع مرئي له في اليوتيوب بعنوان: بشاره النبي محمد ﷺ في التوراه والانجيل علي هذا الرابط وغيره: https://www.youtube.com/watch?t=347&v=KSdXkfGHRAI

(٢) كتاب سابغات، احمد السيد (١١٣–١١٤).

١٠٣ البناء الحقاري

الركن الخامس من اركان الايمان: الايمان باليوم الاخر

لحظه الموت والانتقال الي الدار الاخره:

من اركان الايمان: الايمان باليوم الاخر لحظه الموت والانتقال الي الدار الاخره: يبدا اليوم الاخر بالنسبه للانسان عند لحظه موته؛ حيث ينتقل من عالم الدنيا الي عالم اخر، عالم محجوبه حقائقه عن حواسنا، وان كنا نعلمها بالخبر الصادق عن النبي ﷺ.

محجوبه حقائقه عن حواسنا، وان كنا نعلمها بالخبر الصادق عن النبي ﷺ. ولئن كان يوم القيامه يسمي في القران الكريم (الساعه) وذلك في ايات كثيره، فان النبي ﷺ قد جعل لحظه موت الانسان ساعه بالنسبه اليه، كما في صحيح البخاري عن عائشه رضي الله عنها قالت: كان رجال من الاعراب جفاه ياتون النبي ﷺ فيسالونه: متي الساعه؟ فكان ينظر الي اصغرهم فيقول: «ان يعش هذا لا يدركه المرم حتي تقوم عليكم ساعتكم». قال هشام: يعني موتهم (١).

لا يدركه المرم حتي تقوم عليكم ساعتكم». قال هشام: يعني موتهم (١). قال الامام ابن كثير رحمه الله معلقا علي الحديث: (وذلك ان من مات فقد دخل في حكم القيامه، فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامه، وفيه من الدنيا ايضا، ولكن هو اشبه بالاخره، ثم اذا تناهت المده المضروبه للدنيا، امر الله بقيام الساعه، فيجمع الاولون والاخرون لميقات يوم معلوم) (٢).

(١) البخاري (٦٥١١).

(٢) النهايه في الفتن والملاحم (١/١٩٧).

١٠٤ البتاء العقليه

33

(٢) النهايه في الفتن والملاحم (١/١٩٧).

١٠٤ البتاء العقليه

وعند تلك اللحظه الرهيبه العظيمه تأتي البشري للمؤمن برضوان الله وجنته، فيقال له: لا تخف مما أمامك، ولا تحزن علي ما وراءك. وهي اللحظه التي يكون فيها أهله حوله يبكون ويتألمون لفراقه، وهم لا يعلمون أنه فرح سعيد مبتهج مطمئن، مشتاق للقاء الله ﷺ.

وهم لا يعلمون أنه فرح سعيد مبتهج مطمئن، مشتاق للقاء الله ﷺ، فعن عباده بن الصامت ﷺ عن النبي ﷺ قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه».

قالت عائشة، أو بعض أزواجه: أنا لنكره الموت! قال: «ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه،

فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه». (١)

فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه». (١) فهذا من أعظم المبشرات وقد أخبر الله تعالى عن ذلك في سورة فصلت، بقوله: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وانشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ (١) [فصلت: ٣٠].

ولا تحزنوا وانشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ (١) [فصلت: ٣٠]. وكما أن هذه اللحظه هي البشري الكبري بالنسبة للمؤمن - ولا تنافسها بشري إلا حين يستلم كتابه بيمينه يوم القيامة -، (١) البخاري (٦٥٠٧)

١٠٥ البتاء العقلي

بيمينه يوم القيامة -، (١) البخاري (٦٥٠٧).

فإنها - في نفس الوقت - لحظة عصيبة مؤلمة شديدة على المنافق والكافر والفاجر، فهو في تلك الحال التي يحتاج الإنسان فيها إلى أدنى بصيص ضوء أو أمل، تأتيه النذارة بأن الله سخط عليه وأن ما أمامه هو العذاب! كما قال تعالى:

النذارة بأن الله سخط عليه وأن ما أمامه هو العذاب! كما قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ (الأنعام: ٩٣).

فالملائكة تقول لهم عند الموت: اليوم تجزون العذاب! يا إلهي! بل إن الأمر أشد من ذلك، فمعنى قول الله: ﴿باسطوا أيديهم﴾ أي: بالضرب، والعذاب، كما قال المفسرون، وكما شهد له القرآن في مواضع أخرى.

فيضرب المجرم عند الموت، ويبشر بالعذاب، مع حزنه على ما فاته من الدنيا، وقلقه أصلاً من الموت. أي لحظة تلك! أي شدة وأي صعوبة وأي بؤس وأي شقاء؟!

ولذلك فإن العباد والصالحين كانوا يعملون لتلك اللحظة وما بعدها كثيراً،

ولذلك فإن العباد والصالحين كانوا يعملون لتلك اللحظة وما بعدها كثيراً، ويقومون لأجلها بالليل يصلون قانتين لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الزمر: ٩].

١٠٦ البتاء العقلي

34

﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الزمر: ٩].

اللهم ارحمنا يا رب واحسن ختامنا يا حليم يا كريم.

ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً، فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً.

هذه بداية رحلة الروح، في عالم البرزخ.. القبر: فتنته ونعيمه وعذابه:

من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإنسان بعد موته وقبل بعثه - أي في مرحلة البرزخ حين يكون في قبره - فإنه لا يعيش مرحلة فراغ، بل إنه يمر برحلة طويلة للروح إما نعيم وإما شقاء، وأنه أول ما يوضع في قبره يتعرض للسؤال والامتحان من جهة ملائكة مخصصة لذلك، وأنه سيجيب بحسب سيره في الحياة الدنيا، وأنه بناءً على هذا الجواب سيعيش بقية حياته البرزخية في القبر.

وقد يظن الإنسان أن الأمر سهل لأنه يعرف الأسئلة مسبقاً ويحفظ الجواب، ولكن الحقيقة أن الإجابة هناك لن تكون بالحفظ، بل بما كان يعتقده ويؤمن به.

وفي تلك اللحظة حين يسأل الإنسان، يكون الأهل والأصحاب والاقارب والأحباب قد نفضوا أيديهم من تراب القبر، وتحققوا حوله يبكون ويدعون، هذا في العالم الظاهر فوق الأرض، أما في العالم الباطن تحت الأرض فهنالك أمور وأحوال أخرى، هم رأوا جثماناً وتراباً ولحداً وكفناً، رأوا أن ذلك نهاية المشهد، ولكن في الحقيقة إنما هو البداية، بداية رحلة أبدية خالدة، أولها سؤال وفتنة وامتحان، ثم إما نور وفسحة ونافذة إلى الجنة، وإما ظلام وضيق ونافذة إلى النيران، فالمرء – بعد سؤال الملكين – يظل إلى يوم البعث إما منعماً وإما معذباً. نسأل الله العافية.

وعند ذلك، وفي تلك البقعة الضيقة المظلمة تحت التراب، يتمنى الإنسان أن يجد بصيص أمل لأي شيء، يتمنى أن يرى أي أثر لعمل صالح، يتمنى أن يكون قد بقي له شيء يدر عليه الحسنات، فإن كان من أصحاب الصدقات الجارية – كحفر الآبار، أو بناء المساجد، أو إنشاء المدارس التي تربي الناس على الصلاح والأخلاق –، أو كان ممن ترك علماً نافعا – كالكتب أو الدروس المسجلة، أو الدعاة الذين علمهم ورباهم – أو ترك ولداً صالحاً يدعو له، فيا لسعادة وهنائه، وهذا هو الذي خطط لمستقبله جيداً.

ومن هنا ندرك جانباً من جوانب أهمية: (الولد الصالح) إذ في ذكره لفتة مهمة في الرد على الداعين إلى ترك الزواج ونبذه، حيث لا يرون في الزواج سوى مسؤوليات وأعباء، ويدعون في الوقت ذاته إلى إقامة العلاقات خارج إطار الزواج، لأنها تحقق اللذة بدون مسؤوليات.

وهذه نظرة تختلف مع المبدأ الإسلامي في الزواج تماماً، الذي ينظر إلى الأسرة على أنها لبنة أساسية في المجتمع وأن صلاحها فيه صلاح للمجتمع، وتختلف مع نظرته للأبناء على أنهم مشروع عظيم يستمر إلى ما بعد موت الإنسان. نسأل الله تعالى أن يرزقنا من هذه الأعمال الثلاثة أوفر الحظ والنصيب.. آمين.

(١) لعلهم يدخلون في العلم النافع الموزع أو في الصدقة الجارية.

من أدلة الكتاب والسنة على فتنة القبر ونعيمه وعذابه وما ينفعه:

35

العقل من أدلة الكتاب والسنة على فتنة القبر ونعيمه وعذابه وما ينفعه: وبعد العرض السابق لمرحلة القبر وفتنته سأستعرض مجموعة من الأدلة على ما ذكرت، لأن هناك من أهل البدع من تعود الجحود حتى جحدوا مثل هذه المعاني التي جاءت بها الشريعة:

من أهل البدع من تعود الجحود حتى جحدوا مثل هذه المعاني التي جاءت بها الشريعة:

١ - قال الله سبحانه ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقد فسر النبي ﷺ هذه الآية وبينها، كما أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن البراء بن عازب ﷺ عن النبي ﷺ قال: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ قال: «نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبي محمد ﷺ، فذلك قوله عز وجل ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾».

٢ - أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﷺ، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتى ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل - لمحمد ﷺ -؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة. فيراهما جميعا». قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيع صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين».

٣ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﷺ قال: «إذا خرجت روح المؤمن؛ تلقاها ملكان يصعدانها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك، وعلى جسد كنت تعمرينه. فينطلق به إلى ربه عز وجل، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، قال حماد: وذكر من نتنها، وذكر لعنا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فرد رسول الله ربطه كانت عليه على أنفيه هكذا».

36

علي انفيه هكذا». (١) مسلم (٢٨٧٢).

١١١ البناء العقلي

٤ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة ﷺ، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

النفخ في الصور:

إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». النفخ في الصور: في لحظة لا يعلم زمانها إلا الله ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ [الأعراف: ١٨٧] بعد رحلة طويلة في البرزخ: ينفخ في الصور بصوت عال مهيب صاخ صارخ، فيبعث الله معه الناس من قبورهم، ويحشر الأجساد، ويحييها بعد الموت كما يحيي الأرض بعد موتها:

قبورهم، ويحشر الأجساد، ويحييها بعد الموت كما يحيي الأرض بعد موتها: ﴿ومن آياتهم أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩] وكما خلق الإنسان أول مرة من العدم فإنه يعيد إحياءه وخلقه مرة أخرى:

وكما خلق الإنسان أول مرة من العدم فإنه يعيد إحياءه وخلقه مرة أخرى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾ [يس: ٧٨-٧٩]. وهذه النفخة التي يبعث الله بها الناس ليست الأولى، بل الثانية، وأما الأولى فهي نفخة يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض، يعني من بقي من الناس حيا في وقت نهاية الدنيا فسيموت بالصدفة:

ومن في الأرض، يعني من بقي من الناس حيا في وقت نهاية الدنيا فسيموت بالصدفة (١) مسلم (١٦٣١).

البناء العقلي

١١٢ الأولى، ثم يمكثون ما شاء الله ثم تأتي النفخة الثانية وهي التي سماها الله تعالى (الصاخة) أي إنها من قوتها تصم الآذان أو تكاد. قال الله ﷺ: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هو قيام ينظرون﴾ [الزمر: ٦٨].

البعث والحشر:

نفخ فيه أخرى فإذا هو قيام ينظرون﴾ [الزمر: ٦٨] البعث والحشر: يخرج الناس من قبورهم ينظرون: ما هذا؟ من بعثنا من مرقدنا؟ ما الذي جرى؟ يا إلهي! إنه لحق! إنه لصدق! هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. ثم يلتفتون إلى أنفسهم فإذا هم كما خلقهم الله أول مرة: حفاة عراة، غرلا - غير مختونين - كما ثبت في الصحيح عن عائشة ﷺ، قالت: سمعت رسول الله ﷺ، يقول:

- كما ثبت في الصحيح عن عائشة ﷺ، قالت: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا». قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض، قال ﷺ: «يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض» (١).

وكل شيء حينذاك مهول مخوف، فالأرض غير الأرض، والنجوم متناثرة، والسماء منشقة، والبحار مشتعلة، والأرض تزلزل، (١) مسلم (٢٨٥٩).

منشقة، والبحار مشتعلة، والأرض تزلزل، (١) مسلم (٢٨٥٩).

١١٣ البناء العقلي

الحيوانات والسباع والأسود تحشر، والجبال الشم الرواسي تفتت: ﴿ولستلونك عن الجبال فقل ينسفها رقا نسفا﴾ [طه: ١٠٥-١٠٧].

37

لاتري فيها عوجا ولا امتا ﴿طه: ١٠٥-١٠٧﴾. فيكون الناس كالفراش المبثوث، ويفر الاخ من اخيه وامه وابيه، لان لكل منهم يومئذ شان يغنيه.

ثم يسمعون الداعي الذي يقودهم الي ساحه الحشر، فيسيرون خلفه كانهم جراد منتشر «مهطعين الي الداع» ﴿القمر: ٨﴾ اي مسرعين اليه «يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له» ﴿طه: ١٠٨﴾ فيجمع الناس ليوم عظيم «يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا يله الواحد القهار» ﴿ابراهيم: ٤٨﴾.

يبرزون للواحد القهار ويقومون له؛ في ساحه لا جبال فيها ولا حفر، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، ولا مساكن فيها ولا اعلام، بل هي كما روي سهل بن سعد ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامه علي ارض بيضاء عفراء كفرصه النقي، ليس فيها علم لاحد» (١).

ومعني ليس فيها علم لاحد اي: هي مستويه ليس فيها سكن ولا بناء ولا اثر لبشر. فيجمع الناس في ساحه الحشر، كل الناس من لدن ادم عليه السلام الي نهايه الدنيا، فيقومون طويلا في موقف صعب، حيث تدنو الشمس، ويشتد الحر، فيكثر العرق الذي يرشح من الجسم، كما روي ابن عمر عن النبي ﷺ: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ ﴿المطففين: ٦﴾ قال: «يقوم احدهم في رشحه الي انصاف اذنيه»(١).

الامنون من الفزع الاكبر: في ذلك المقام الذي يجتمع فيه الخوف والفزع والحر وطول المقام والعطش، تفيء ثله من الناس الي ظل يظلهم الله به، ظليل بعيد عن هذه الشده والهول، فعن ابي هريره عن النبي ﷺ قال: «سبعه يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله: الامام العادل، وشاب نشا في عباده ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله؛ اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امراه ذات منصب وجمال فقال: اني اخاف الله، ورجل تصدق اخفي حتي لا تعلم شياك ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»(٢).

وفي مسلم عن النبي ﷺ: «من انظر معسرا او وضع عنه؛ اظله الله في ظله». (١) مسلم (٢٨٦٢). (٢) البخاري (٦٦٠). (٣) مسلم (٣٠٠٦).

38

البخاري (٦٦٠). (٣) مسلم (٣٠٠٦).

١١٥ البناء الحقار

وقد ذكر الله في كتابه العزيز أن من عباده من سيجنب الفزع في ذلك اليوم، كما قال سبحانه: ﴿من جاء بالحسنه فله خير منها وهم من فرع يؤمنون وامنون﴾ [النمل: ٨٩] وقال: ﴿لا يحزنهم الفرع الاحسر﴾ [الانبياء: ١٠٣] وقال: ﴿افمن يلقي في البار خير ام من ياتي وامنا يوم القيامه﴾ [فصلت: ٤٠] فاللهم اجعلنا منهم يا ارحم الراحمين.

الحوض:

في مقام الشده ذاك، هناك موعد شريف للمؤمنين من اعظم المواعيد واجلها، الا وهو: موعد لقاء النبي ﷺ علي الحوض، موعد اللقاء باشرف الخلق عند مورد الماء الصافي العذب في يوم العطش الاكبر، كم هو جميل ذلك اللقاء، وكم تتقطع النفوس شوقا اليه، وهو ﷺ كان يبشر اصحابه بذياك اللقاء، ويمنيهم به في بعض حديثه حين يذكر شيئا من الشده التي ستلاقيهم، كما في قوله للانصار: «اصبروا حتي تلقوني علي الحوض»(١) وقوله حين زار شهداء احد: «ان موعدكم الحوض»(٢) فيا لله كيف سيكون ذاك اللقاء؟ !

(١) البخاري (٣٧٩٢).

(٢) البخاري (٤٠٤٢).

١١٦ البتاء العقل

واما صفات الحوض، فقد اخبر بها النبي ﷺ وبشر، فمن ذلك ما يلي:

- عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ: «حوضي مسيره شهر، ماؤه ابيض من اللبن، وريحه اطيب من المسلك، وكيرانه كنجوم السماء من شرب منها، فلا يظما ابدا»(١).

- وعن ثوبان ان نبي الله ﷺ سئل عن شراب الحوض، فقال: «اشد بياضا من اللبن، واحلي من العسل، يغت (٢) فيه ميرابان، يمدانه من الجنه؛ احدهما من ذهب، والاخر من ورق»(٣).

- وعن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ انه قال عن الحوض: «من ورده فشرب منه لم يظما بعدها ابدا»(٤).

- وقال القاضي عياض رحمه الله: احاديث الحوض صحيحه، والايمان به فرض، والتصديق به من الايمان، وهو علي ظاهره عند اهل السنه والجماعه، لا يتاول، ولا يختلف فيه، قال القاضي: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابه»(٥).

(١) البخاري (٦٥٧٩).

(٢) اي: يصب.

(٣) مسلم (٢٣١٠).

(٤) مسلم (٢٢٩٩).

(٥) النووي رحمه الله، شرح صحيح مسلم (١٥/٥٣) احياء التراث.

١١٧ البثاء الحفاء

طلب الشفاعه لبدء الحساب:

39

## احيا التراث

١١٧ البثاء الحفاء

طلب الشفاعه لبدء الحساب:

نعود الي المشهد العام العسر الصعب الشديد المرهق، فان الناس يطول المقام بهم في ساحه الحشر ويبلغ الكرب بهم مبلغا لا يطيقونه ولا يحتملونه، فيلتفتون باحثين عمن يمكن ان يشفع لهم الي ربهم ليبدا الحساب، ويفصل لهم في امرهم، فيعلمون حينذاك ان اسيادهم وملوكهم وكبراءهم في الدنيا لا حظ لهم في الاخره.

حينذاك ان اسيادهم وملوكهم وكبراءهم في الدنيا لا حظ لهم في الاخره، وان الذين لهم الحظ الاوفر هم الانبياء، فيتوجهون اليهم طالبين اياهم ان يشفعوا الي ربهم لا في دخول الجنه، وانما فقط لينتهي وقوفهم الطويل ذاك، وقد بين النبي ﷺ ما الذي سيجري حينها علي وجه التفصيل، كما اخرج الامام البخاري في صحيحه عن ابي هريره ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «انا سيد الناس يوم القيامه».

عن ابي هريره ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «انا سيد الناس يوم القيامه، وهل تذرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس؛ الاولين والاخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من العم والكرب ما لا يطيقون، ولا يحتملون، فيقول الناس: الا ترون ما قد بلغكم؟ الا تنظرون من يشفع لكم الي ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بادم. فياتون ادم عليه السلام،

فيقولون له: انت ابو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وامر الملائكه فسجدوا لك، اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما نحن فيه؟ الا تري البتاء العقلي ١١٨ الي ما قد بلغنا؟ فيقول ادم: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانه مباني عن الشجره، فعصيته،

قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانه مباني عن الشجره، فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا الي غيري، اذهبوا الي نوح. فياتون نوحا، فيقولون: يا نوح، انك انت اول الرسل الي اهل الارض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما نحن فيه؟ فيقول: ان ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن

فيقول: ان ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانه قد كانت لي دعوه دعوتها علي قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا الي غيري، اذهبوا الي ابراهيم. فياتون ابراهيم، فيقولون: يا ابراهيم، انت نبي الله، وخليله من اهل الارض، اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما نحن فيه؟ فيقول لهم: ان ربي قد غضب

اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما نحن فيه؟ فيقول لهم: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، واني قد كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا الي غيري، اذهبوا الي موسي. فياتون موسي، فيقولون: يا موسي، انت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه علي الناس، اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما

فضلك الله برسالته وبكلامه علي الناس، اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما نحن فيه؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، واني قد قتلت نفسا لم اومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا الي غيري، اذهبوا الي عيسي ابن مريم، فياتون عيسي، فيقولون: يا عيسي، انت رسول الله وكلمته القاها الي مريم،

فياتون عيسي، فيقولون: يا عيسي، انت رسول الله وكلمته القاها الي مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا، الا تري الي ما ١١٩ البذار العقلي.

40

الناس في المهد صبيا، اشفع لنا، الا تري الي ما ﴿ ١١٩ ﴾ البذار العقلي نحن فيه؟ فيقول عيسي: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله – ولم يدكر ذنبا – نفسي نفسي نفسي، اذهبوا الي غيري، اذهبوا الي محمد ﷺ.

فياتون محمدا ﷺ، فيقولون: يا محمد، انت رسول الله، وحاتم الانبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر، اشفع لنا الي ربك، الا تري الي ما نحن فيه؟ فانطلق، فاتي تحت العرش، فاقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه علي احد قبل، ثم يقال: يا محمد، ارفع راسك، سل تعطه، واشفع تشفع.

فارفع راسي، فاقول: امتي يا رب، امتي يا رب. فيقال: يا محمد، ادخل من امتك من لا حساب عليهم من الباب الايمن من ابواب الجنه. وهم شركاء الناس فيها سوي ذلك من الابواب. ثم قال: والذي نفسي بيده، ان ما بين المصراعين من مصاريع الجنه كما بين مكه، وجئتر، او كما بين مكه وبصري ﴿ ١٠ ﴾.

(١) البخاري (٢/٤٧١) البتاء العقلي ﴿ ١٢٠ ﴾

بدء الحساب والقضاء بين الناس وعرض الاعمال والموازين والصحف: يوم الحساب يوم طويل مليء بالاحداث والاهوال، فيه السوء علي الكافرين، والخير للمؤمنين، فيه البكاء والعويل والتغابن والثبور، وفيه كذلك الفرح والسعاده والهناء والحبور.

يجيء الله تبارك وتعالي بعد شفاعه النبي ﷺ ليقضي بين العباد: ﴿ كلا اذا ذكر الارض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجايت يومئذ يجهز يومئذ يتذكر الانسان وافل له الذكري ﴾ [الفجر: ٢١-٢٣]

وقال سبحانه ﴿ والملك علي ارضائها ويجهل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمنيه ﴾ [الحاقه: ١٧].

- يؤتي بجهنم تجرها الملائكه فيراها الخلق ﴿ وجايت يومئذ يجهز ﴾ وقال النبي ﷺ: «يؤتي بجهنم يومئذ لها سبعون الف زمام، مع كل زمام سبعون الف ملك يجرومها»(١).

- يحاسب الله البشر فردا فردا، كما قال سبحانه ﴿ فورثاك لنستلتهم اجمعين وما كانوا يعملون ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وثبت عن النبي ﷺ انه قال: «ما منكم احد الا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجعون، فينظر ايمن منه، فلا يري الا ما قدم من عمله، وينظر اشام منه فلا يري الا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يري الا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرؤ»(١).

(١) مسلم (٢٨٤٢)

41

بين يديه فلا يري الا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرؤ (١).

- والحساب انواع: فمنه الحساب اليسير – وهو العرض – فما من أوق كنبه بسمينه - فسوق يحاسب حسابا يسيرا ﴿الانشقاق: ٧-٨﴾. وهناك حساب عسير، تعرض فيه الأعمال ويتم نقاشها، كما روت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك»، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فما من أوق كنبه بسمينه - فسوق يحاسب حسابا يسيرا﴾ ﴿الانشقاق: ٨﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (٢).

- ويكذب بعض الناس في النقاش مع ربهم ظانين أنهم سينجون منه! فقد أخرج مسلم في صحيحه (٣) من حديث أبي هزيرة رضي الله عنه في سياق وصف النبي ﷺ للنقاش بين الله وعبده، قال: «فيلقي العبد فيقول: أي قل (٤)، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك تراس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفطنت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني».

ثم يلقي الثاني، فيقول: أي فلان، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك تراس وتربع؟ فيقول: بلى، أي رب. فيقول: أفطنت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.

ثم يلقي الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب، أمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت. ويشيب بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه وكفه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه وكفه وعظامه بعمله، وذلك ليغذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه» (١).

قال الله: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ ﴿النور: ٢٤-٢٥﴾، وقال سبحانه: ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون﴾ ﴿فصلت: ٢١﴾. وفي موضع ثالث: ﴿يوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ ﴿يس: ٦٥﴾.

- يوضع الميزان فتوزن أعمال الإنسان؛ حسناته وسيئاته، كما قال (١) مسلم (٢٩٦٨).

42

وسيئاته، كما قال (١) مسلم (٢٩٦٨).

١٢٣ البتاء العقلي سبحانه: ﴿وتصبح الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال سبحانه: ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ [الأعراف: ٨-٩].

يفاجأ الإنسان بأن كل شيء من عمله مكتوب، ألفاظه وأعماله ومعتقداته، خطواته ونظراته، سعيه وكده، هزله وجده، كل شيء يجده أمامه، كما قال الله سبحانه: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال سبحانه: ﴿وتوزع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧].

ثم يعطي الإنسان كتابه، فإن أخذه بيمينه فيا له من نعيم وسعادة وفلاح وفوز، ينطلق فرحًا، مناديًا مسرورًا: ﴿هاؤم اقرأوا كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩] وإن أُعطي بشماله فقد خسر كل شيء، وانتهى بالنسبة إليه كل شيء، كما قال: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يـليتني لم أوت كتابيه﴾ ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ ﴿يـليتها كانت القاضية﴾ ﴿ما أغنى عني ماليه﴾ ﴿هلك عني سلطانيه﴾ [الحاقة: ٢٥-٢٩].

ثم يؤخذ بأهل النار إلى النار، نسأل الله العافية.

البثاء العقل ١٢٤

الصراط: بعد ساحة الحشر، وفي طريق التوجه إلى الجنة، وبعد أن يُلقي بأهل النار الذين هم أهلها في النار، يجتاز البقية من فوق الصراط الذي سيكون آخر تصفية وغربلة، وهو جسر مضروب على جهنم، يمر الناس فوقه كل بحسب عمله وإيمانه، حتى يسقط بعضهم ممن لم يسعفه عمله للإجازة والعبور.

فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «يضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟» قالوا: نعم. قال: «فإنما مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخرج ثم ينجو». (١) (١) البخاري ٦٥٧٣

١٢٥ البناء العمل

43

ثم ينجو».

(١) البخاري ٦٥٧٣

١٢٥ البناء العمل

وعن أبي هريرة وحذيفة ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: «وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق». قال: قلت: بابي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: «الم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفه عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب، سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى نجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا». قال: «وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به، فمأخوذ ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن فعر جهنم لسبعون حريفا»(١).

في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن فعر جهنم لسبعون حريفا»(١).

(١) مسلم (١٩٥).

البناء العقلي ١٢٦

الشفاعه في الخروج من النار:

(١) مسلم (١٩٥).

البناء العقلي ١٢٦

الشفاعه في الخروج من النار: لا يستطيع أحد أن يشفع عند الله كشفاعه أتباع الملوك عند الملوك لمجرد وجود جاه عندهم يشفعون! لا، وإنما الشفاعه يوم القيامة تكون أولًا بإذن الله ﷺ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴿البقرة: ٢٥٥﴾، ثم تكون فيمن ارتضى الله ﷺ وهم أهل التوحيد ﷺ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴿الأنبياء: ٢٨﴾ وأما غير الموحد فلا تنفعه الشفاعه، ولا يأذن الله ﷺ في الشفاعه لهم.

وأما غير الموحد فلا تنفعه الشفاعه، ولا يأذن الله ﷺ في الشفاعه لهم. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله سيخرج من أهل النار أقوامًا ممن في قلوبهم خير من أهل التوحيد، ممن استحقوا النار بذنوبهم، ممن لم تكن لهم حسنات كافية في الدنيا فيطهرون في جهنم، ثم يخرجون منها، ويدخلون الجنة، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ بقوله:

«حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبثون تحته كما تنبت الجبة في حيل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، هو آخر أهل النار دخولًا الجنة، فيقول: أي رب، أصرف وجهي عن النار؛ فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها. فيدعو الله بما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعرتك، لا أسألك غيره. ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدمني إلى باب الجنة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدًا، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك؟ فيقول: أي رب. ويدعو الله حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعرتك، لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة،

لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام إلى باب الجنة، انفتحت له الجنة، فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة. فيقول الله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟ فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب، لا أكونن أشقى خلقك. فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه،

فيقول: أي رب، لا أكونن أشقى خلقك. فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له: أدخل الجنة، فإذا دخلها، قال الله له: تمنه. فسأل ربه وتمنى، حتى إن الله ليذكره، يقول كذا وكذا حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك ومثله معه».

أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما (١).

(١) البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).

١٢٨ البناء العقلي

44

(١) البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).

١٢٨ البتاء العقلي

وهذه الشفاعه ليست خاصه بالنبي ﷺ، بل هي لكثير من المؤمنين، واما الخاصه به - وهي المقام المحمود الذي وعده - فهي للامم كلها في الفصل والقضاء والحساب بعد طول الموقف والهول كما مر معنا.

وهنا ياتي شيء من اثر الصحبه الصالحه في الدنيا، فان اناسا من المؤمنين سيشفعون لمعارفهم واصدقائهم - من اهل التوحيد باذن الله تعالي - كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في صحيحي البخاري ومسلم من حديث ابي سعيد الخدري رضي الله تعالي عنه حين ذكر المصطفي نجاه من نجا من المؤمنين علي الصراط، قال: «واذا راوا انهم قد نجوا في اخوانهم يقولون: ربنا اخواننا، كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا».

فيقول الله تعالي: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من ايمان فاخرجوه. ويحرم الله صورهم علي النار، فياتونهم وبعضهم قد غاب في النار الي قدمه، والي انصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فاخرجوه.

فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذره من ايمان فاخرجوه. فيخرجون من عرفوا - قال ابو سعيد: فان لم تصدقوني فاقرؤوا: ﴿ان الله لا يظلم مثقال ذره وان تك حسنه يصنعفها﴾ [النساء: ٤٠].

فيشفع النبيون والملائكه والمؤمنون، فيقول الجبار: ١٢٩ البذاء العقلاتي بقيت شفاعتي. فيقبض قبضه من النار، فيخرج اقواما قد امتحشوا، فيلقون في مهر بافواه الجنه، يقال له: ماء الحياه.

فينبثون في حافتيه كما تنبت الجنه في حيل السيل، قد رايتموها الي جانب الصخره الي جانب الشجره، فما كان الي الشمس منها كان اخضر، وما كان منها الي الظل كان ابيض، فيخرجون كانهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنه، فيقول اهل الجنه: هؤلاء عتقاء الرحمن، ادخلهم الجنه بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه. فيقال لهم: لكم ما رايتم ومثله معه(١).

(١) البخاري (٧٤٣٩).

البتاء العقليه

١٣ دخول الجنه:

وعد الله عباده المؤمنين بالجنه، والايمان بها ايمان بالغيب، كما قال الله سبحانه: ﴿جنت عدن القي وعد التمن عباده بالغيب انه كان وعده ماتيا﴾ [مريم: ٦١]، ثم اعدها وهياها وزينها وعرفها لهم، حتي اصبحت علي صوره لا يمكن لبشر ان يصفها،

ففيها من النعيم ما لم يخطر-حتي في الخيال-علي قلب انسان، كما ثبت في الحديث الصحيح عن ابي هريره ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله: اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رات، ولا اذن سمعت، ولا خطر علي قلب بشر. فاقرءوا ان شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قره اعين﴾ [السجده: ١٧].

وقد ذكر الله في كتابه كثيرا من الايات في وصف الجنه، وكذلك النبي ﷺ في عشرات او مئات الاحاديث، وكتب العلماء في وصف الجنه كتبا خاصه، منها: كتاب حادي الارواح الي بلاد الافراح للامام ابن قيم الجوزيه رحمه الله، ولان المقام هنا مختصر ولا يمكنني استيفاء صفات الجنه، ولا كثيرا منها،

فساكتفي بثلاثه احاديث صحيحه فقط، لعلها تقرب شيئا من الصوره، نسال الله تعالي ان يرزقنا الجنه ويجعلنا من اهلها.

(١) صحيح البخاري (٣٢٤٤).

١٣١ البتاء العقلاء

45

من اهلها.

(١) صحيح البخاري (٣٢٤٤).

١٣١ البتاء العقلاء

١ - عن انس عن ابن مسعود ﷺ ان رسول الله ﷺ قال: «اخر من يدخل الجنه رجل، فهو يمشي مره، ويكبو مره، وتسفعه النار مره، فاذا ما جاوزها التفت اليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد اعطاني الله شيئا ما اعطاه احدا من الاولين والاخرين، فترفع له شجره، فيقول: اي رب، اذنني من هذه الشجره، فلا استطل بظلها، واشرب من مائها. فيقول الله عز وجل: يا ابن ادم، لعلي ان اعطيتكها سالنني غيرها، فيقول: لا يا رب، ويعاهده ان لا يساله غيرها، وربه يعذره، لانه يري ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستطل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجره هي احسن من الاول، فيقول: اي رب، اذنني من هذه لاشرب من مائها، واستطل بظلها لا اسالك غيرها، فيقول: يا ابن ادم، الم تعاهدني ان لا تسالني غيرها، فيقول: لعلي ان اذنيتك منها تسالني غيرها، فيعاهده ان لا يساله غيرها، وربه يعذره، لانه يري ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستطل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجره عند باب الجنه هي احسن من الاولين. فيقول: اي رب، اذنني من هذه؛ لاستطل بظلها، واشرب من مائها، لا اسالك غيرها. فيقول: يا ابن ادم، الم تعاهدني ان لا تسالني غيرها؟ قال: بلي يا رب، هذه لا اسالك غيرها، وربه يعذره؛ لانه يري ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فاذا اذناه منها، فيسمع البتاء العقلي ١٣٢

عليها، فيدنيه منها، فاذا اذناه منها، فيسمع البتاء العقلي ١٣٢ اصوات اهل الجنه. فيقول: اي رب، ادخلنيها. فيقول: يا ابن ادم، ما يصريني منك، ابرضيك ان اعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب اتستهزئ مني وانت رب العالمين؟ »

فضحك ابن مسعود، فقال: الا تسالوني مم اضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ. فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «من ضحك رب العالمين حين قال: اتستهزئ مني وانت رب العالمين؟ فيقول: اني لا استهزئ منك ولكني علي ما اشاء قادر» (١).

وفي روايه في الصحيح لحديث ابن مسعود من طريق عبيده عنه: قال رسول الله ﷺ: «اني لاعرف اخر اهل النار خروجا من النار رجل يخرج منها رحفا، فيقال له: انطلق، فادخل الجنه. قال: فيذهب، فيدخل الجنه، فيجد الناس قد اخذوا المازل. فيقال له: اتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم. فيقال له: تمن، فيتمني. فيقال له: لك الذي تمنيت، وعثره اضعاف الدنيا. قال: فيقول: اتسخر بي وانت الملك؟ » قال: فلقد رايت رسول الله ﷺ ضحك حتي بدت نواجذه.

(٢) (١) مسلم (١٨٧).

(٢) مسلم (١٨٦).

١٣٣

46

(٢) (١) مسلم (١٨٧). (٢) مسلم (١٨٦).

١٣٣ البناء العقلي

(١) مسلم (١٨٧). (٢) مسلم (١٨٦).

١٣٣ البناء العقلي

٢ - عن انس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتي بانعم اهل الدنيا من اهل النار يوم القيامه، فيصبغ في النار صبغه، ثم يقال: يا ابن ادم، هل رايت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتي باشد الناس بؤسا في الدنيا من اهل الجنه، فيصبغ صبغه في الجنه، فيقال له: يا ابن ادم، هل رايت بؤسا قط؟ هل مر بك شده قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رايت شده قط»(١).

شده قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رايت شده قط»(١).

٣ - عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «اذا دخل اهل الجنه الجنه يقول الله تبارك وتعالي: تريدون شيئا اربدكم؟ فيقولون: الم تبيض وجوهنا؟ الم تدخلنا الجنه، وتنجنا من النار؟»، قال: «فيكشف الججاب، فما اعطوا شيئا احب اليهم من النظر الي ربهم عز وجل». وفي روايه: ثم تلا هذه الايه: ﴿للذين احسنوا المستي وزياده﴾ [يونس: ٢٦] (٢).

هذه الايه: ﴿للذين احسنوا المستي وزياده﴾ [يونس: ٢٦] (٢). ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورشنا الارض نتبوا من الجنه حيث لشاه فنعم اجر العملين ﴿١٢﴾ [الزمر: ٧٤]، واقبل بعضهم علي بعض يتساءلون ﴿١٣﴾ قالوا انا كنت قبل في اهلنا مشفقين ﴿١٤﴾ فمن الله علينا ووقتنا عذاب السموم ﴿١٥﴾﴾ [الطور: ٢٥-٢٧].

علينا ووقتنا عذاب السموم ﴿١٥﴾﴾ [الطور: ٢٥-٢٧].

(١) مسلم (٢٨٠٧). (٢) مسلم (١٨١).

البناء العقلي

١٣٤ جهنم:

(٢٨٠٧). (٢) مسلم (١٨١).

البناء العقلي

١٣٤ جهنم: للطغاه يوم ينالون فيه العقوبه، وللعاصين مكان يذوقون فيه جزاءهم، وهو مكان مهول مخيف، عذابه لا يطاق، وجحيمه لا يتحمل: ﴿فيؤمن لا يعذب عذابه احد ﴿١٢﴾ ولا يوثق وثاقه احد ﴿١٣﴾﴾ [الفجر: ٢٥-٢٦].

ولا يوثق وثاقه احد ﴿١٣﴾﴾ [الفجر: ٢٥-٢٦].

وهي ليست نارا عاديه، بل حرارتها مضاعفه، وقعرها بعيد، وظلمتها شديده، فعن ابي هريره ﷺ، ان رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي يوقذ ابن ادم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم». قالوا: والله ان كانت لكافيه يا رسول الله. قال: «فانما فضلت عليها بتسعه وستين جزءا، كلها مثل حرها»(١).

قال: «فانما فضلت عليها بتسعه وستين جزءا، كلها مثل حرها»(١).

وفيها اصناف من النكال والعذاب، كما قال سبحانه: ﴿ان لدينا انكالا وجحيما ﴿١٤﴾ وطعاما ذا غصه وعذابا اليما ﴿١٥﴾﴾ [المرمل: ١٢-١٣] ولذلك سماها الله باسماء متعدده كل اسم منها يدل علي معني ووصف واثر لها، فمن اسمائها في القران: سقر، ولظي، والسعير، والحطمه، والجحيم، وجهنم، والنار.

في القران: سقر، ولظي، والسعير، والحطمه، والجحيم، وجهنم، والنار.

(١) البخاري (٢٨٤٣).

١٣٥ البناء العقد

47

وجهنم، والنار.

(١) البخاري (٢٨٤٣).

١٣٥ البناء العقد ويجعل الله اجسام الكفار فيها اكبر من المعتاد لكي يذوقوا العذاب، بالاضافه الي انه يبذل جلودهم كلما احترقت، كما قال سبحانه ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما﴾ [النساء: ٥٦].

ويتمني من فيها الموت بكل وسيله لكي ينجو من العذاب، ولكن هيهات فقد فات الاوان، ولا مجيب لهم ولا مغيث، ولا يكلمهم الله ﷺ.

فنسال الله العافيه، هذا؛ وان الموفق حقا من رزقه الله الاهتمام بمعرفه ما يسبب دخول النار من الظلم والشرك والغش وترك الصلاة ومن القول علي الله بلا علم ومن ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من المنكرات، ثم رزقه العمل علي اجتنابها.

* * *

١٣٧ البثاء الحفاض

الركن السادس من اركان الايمان: الايمان بالقدر خيره وشره لا يقدر الله شرا محضا: اخبر النبي ﷺ في حديث جبريل ان من اركان الايمان: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره» والسؤال هنا: هل يكون من اقدار الله ما هو شر؟

الجواب: انه قد يكون شرا بالنسبه لمن وقع عليه القدر لا انه شر خالص من كل الجهات، فلله تعالي الحكمه البالغه، وهو يعلم ما لا نعلم، فقد يقدر شيئا ظاهره الشر ولكن ينبغي عليه خير كثير.

مثال: حين يفقد الانسان حبيبا او قريبا، فانه بتقديره قد يتساءل لماذا؟ وقد يعترض، وقد يري ذلك شرا خالصا، بينما ذلك في تقدير الله له معان كثيره: منها الابتلاء، ومنها تكفير السيئات، ومنها رفع الدرجات، ومنها العقوبه، ومنها القدر المحض والاجل، ومنها ما لا نعلم. فلا يصح للانسان-المحدود العلم-ان يعترض علي الله الذي له العلم الكامل التام الشامل سبحانه.

مثال اخر: يحرص احدنا علي عمل معين، او زواج، او حتي لعبه بالنسبه للاطفال، ونبذل كل شيء لنظفر بها نريد، ثم قد نكتشف بعد مده ان هذا الخيار الذي تعبنا لاجله ليس هو الخير، فكيف يعلم الله الذي يعلم المستقبل قبل وقوعه؟!

١٣٨ البتاء العقلي

ماذا يعني الايمان بالقدر؟ ومتي نكون مؤمنين بالقدر؟

اول شيء يجب علينا تجاه الايمان بالقدر ان نؤمن بانه لا يحدث شيء في هذه الدنيا الا وقد قدره الله تعالي وكتبه قبل خلق السماوات والارض، كما ثبت عن النبي ﷺ انه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والارض بخمسين الف سنه، قال: وعرشه علي الماء»(١).

ثم بعد ذلك هناك مقامان تجاه ما يؤلمنا من الاقدار، احدهما واجب، فمن لم يحققه فان ذلك دليل علي ضعف ايمانه بالقضاء والقدر، ويكون مستحقا للعقوبه، والثاني اختلف العلماء في وجوبه وان لم يختلفوا في انه مقام عظيم محبوب عند الله تعالي.

- فالاول الصبر، وفيه معني المنع والحبس، اي ان تمنع وتحبس نفسك عن الجزع والتسخط، وعن شق الجيوب والالبسه، وعن لطم الخدود ونفش الشعور وحلق الرؤوس، ونحو ذلك. فيكتم الصابر اله، ولا يقول الا ما يرضي ربه.

- والثاني الرضا، وهو مبني علي تفويض الامر لله، والتسليم له بان ما يقدره فهو خير، فتجد الراضي منشرح الصدر، مطمئنا مسليا، وهو صابر في نفس الوقت، اي ان مقام الرضا يمر بالصبر ويزيد

(١) اخرجه الامام مسلم في صحيحه (٢٦٥٣).

١٣٩ البناء العقد

48

(١) اخرجه الامام مسلم في صحيحه (٢٦٥٣).

١٣٩ البناء العقد عليه، فكل راض صابر وليس العكس. وفي كلا الحالتين لا يكون دمع العين وحزن القلب معارضا لهما، فهما من الرحمه التي جعلها الله في قلوب عباده.

ما ثمرات الايمان بالقدر؟

١ - الصبر علي المصائب والكوارث: لأنه يؤمن أن المصيبة مقدرة، وأنه لا يستطيع مغالبة القدر، وأن الله حكيم فيما يقضي، ففيم السخط؟!

ولأنه يؤمن بأنه إن صبر فإن له أجرا عظيما، فيحتمل الألم لأجل الأجر. وأما من لا يؤمن بقضاء ولا قدر ولا أجر ولا ثواب ولا عقاب فسيجد صعوبة كبيرة في الصبر.

٢ - السكينة والطمأنينة والرضا: وهذه الطمأنينة هي التي يبحث عنها أكثر أهل الأرض، ولكنها لا تتحقق إلا للمؤمن، المؤمن الذي يعلم أن ما أصابه فهو خير له، فهو لا يكتفي بكف نفسه عن الجزع، وإنما كذلك يرضي ويسلم، فينزل الله عليه السكينة والطمأنينة.

١٤ البتاء العقلي

وتأمل معي هذا الحديث العظيم الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١) عن صهيب ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».

٣ - الأجر والثواب والتعويض: فالمؤمن يفهم جيدا، ويوقن تماما، بأن نعيم الجنة سينسيه كل بؤس وشقاء مر به، كما في صحيح مسلم (٢) عن أنس بن مالك ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.

ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر به بؤس قط، ولا رأيت شدة قط».

كما أن المؤمن يعلم أنه إذا ظلم فلم يستطع أن يأخذ حقه في الدنيا فإنه سيأخذه في الآخرة، وهذا كله يبعث على الطمأنينة واليقين والسكون.

(١) مسلم (٢٩٩٩).

(٢) مسلم (٢٨٠٧).

١٤١ البناء الحقلاتي

٤ - إحسان التصرف واتخاذ القرار وعدم الطيش وقت المصيبة: إذا تحققت الآثار السابقة من اليقين والرضا والطمأنينة فإن المسلم ولو حزن، أو تألم لمصيبة فإنه لا يفقد صوابه، ولا يطيش، أو يرتكب حماقات بسبب المصيبة، فكثير من الناس إذا خسروا شيئا دنيويا مهما ولم يكن لديهم إيمان واحتساب، فإنهم يرتكبون ما لا تحمد عاقبته، أما من الضرب أو التكسر أو الاتلاف أو حتى القتل أو الانتحار.

والمؤمن مسلم مطمئن محتسب.

ما أنواع كتابة الأقدار وقسمها؟ كتب الله ﷺ الأقدار كلها، من قبل أن تخلق السماوات والأرض - كما مر معنا - غير أن هناك أنواع متعددة من الكتابة والتقدير:

١ - الكتابة الشاملة لمقادير الخلائق، وهي السابقة لخلق السماوات والأرض، وهي في اللوح المحفوظ، كما قال الله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال المصطفى عليه الصلاة والسلام: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: «وعرشه على الماء»(١).

(١) مسلم (٢٦٥٣).

البتاء العقليه

49

قال: «وعرشه علي الماء»(١).

(١) مسلم (٢٦٥٣).

البتاء العقليه

٢ - قسم الاقدار المتعلقه بكل سنه وعام وفرقها، كما قال تعالي: ﴿فها يفرق كل امر جكيم﴾ (1) [الدخان: ٤] أي في ليله القدر، قال الامام ابن كثير رحمه الله في تفسير الايه: (أي: في ليله القدر يفصل من اللوح المحفوظ الي الكتبه امر السنه، وما يكون فيها من الاجال والارزاق، وما يكون فيها الي اخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وابي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف) (1)

٣ - كتابه اقدار الجنين في بطن امه، كما في صحيح البخاري (2) عن انس بن مالك ﷺ عن النبي ﷺ قال: «إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفه، يا رب علقه، يا رب مضغه، فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ قبا الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه».

هل يصح لأحد أن يحتج علي ذنوبه بالقضاء والقدر؟ لا يصح لأحد أن يبرر انحرافه ومعصيته بالقدر، لأن الإنسان له إرادة حقيقية يستطيع الاختيار بها كما قال الله تعالي: ﴿من كان يريد حرث الاخره نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاخره من نصيب﴾ (3) [الشوري: ٢٠].

(1) تفسير ابن كثير (٦/٥٩١).

(2) البخاري (٣١٨).

١٤٣ البناء الحقات وهي الإرادة التي لأجلها خلق الله الجنة والنار، وأرسل الرسل بالحجج والبيئات؛ وإلا فإذا لم تكن عند الإنسان إرادة فما الفائدة من إرسال الرسل وإقامة الحجة؟

ونحن جميعا نشعر بقدرتنا علي الاختيار في أمور حياتنا، ولا نرضي ولا نقبل باحتجاج أحد علينا بالقدر، فلو أن أحدا سرق منا شيئا ثم قال: آسف! هذا قضاء وقدر! لما قبلنا، ولأمسكنا به وعاقبناه أو قدمناه إلي الشرطة.

وأما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسي؛ فقال موسي: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسي، اصطفاك الله بكلامه، وحط لك ببده، أتلومني علي أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنه؟» فقال النبي ﷺ: «فحج آدم موسي، فحج آدم موسي».

(١) أي غلب آدم موسي في حجته، فهذا احتجاج بالقدر علي المصيبة وليس علي المصيبة، والمصيبة هنا هي: الخروج من الجنة، وهي ليست من إرادة آدم، وإنما بقدر الله، وأما أكله من الشجرة فهو بإرادته فلذلك قال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (٢٣) [الأعراف: ٤٣]

(١) أخرجه البخاري (٣٤٠٩) ومسلم (٢٦٥٢) واللفظ له.

البتاء العقل

١٤٤ ما الأمور المعينة علي الصبر والرضا بالقدر؟

50

## ما الأمور المعينة على الصبر والرضا بالقدر؟

١ - تذكر العاقبة، وما أعده الله - عز وجل - للصابرين، كما قال: ﴿وأولـئك هم ٱلمهتدون﴾ ﴿١٢﴾ ﴿البقرة: ١٥٥-١٥٧﴾. فالصابرون يرحمهم الله ويصلي عليهم - أي يذكرهم بالثناء في الملأ الأعلى -.

٢ - تذكر محبة الله للصابرين، وأن المصيبة قد تكون هي السبب الموجب لمحبة الله للعبد إذا اتبعها بالصبر والإيمان، قال الله تعالى: ﴿وٱلله يحب ٱلصـبرين﴾ ﴿١٣﴾ ﴿آل عمران: ١٤٦﴾.

٣ - اليقين بأن الله - سبحانه وتعالى - عليم حكيم، فإذا قضى شيئًا فهو خير من جهة تقديره، كما قال: ﴿وٱلله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ ﴿البقرة: ٢١٦﴾.

٤ - الفهم التام بأن الجزع لا يفيد، وأن السخط وبال على الإنسان، يضيق الصدر، ويكدر الخاطر، ويزيد الذنوب، ولا يرد شيئًا، فمن يسخط على قضاء الله فإنه لن يغير في الابتلاء شيئًا، بل يضر نفسه.

***

## الأبواب المضادة للإيمان

من المهم أن يعرف الإنسان الأبواب التي تضاد إيمانه؛ ليستفيد أمرين:

١ - ليحذرها ويجتنبها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه.

٢ - ليزداد بصيرة في معالم الإيمان وحدوده؛ وبضدها تتميز الأشياء.

وهذا من أهم ما تميز به أصحاب رسول الله ﷺ أنهم عرفوا الشرك وحدوده والإيمان وحدوده، فالتزموا بالإيمان على بصيرة، واجتنبوا ما يضاده عن علم وفهم وإرادة.

ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه يسأل رسول الله ﷺ عن الشر ليحذره ويجتنبه ويعرف علاماته ويميزها، كما ثبت في صحيح البخاري.

وتأمل معي هذا الكلام المهم من الإمام ابن تيمية رحمه الله لتدرك أهمية معرفة حدود الشر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف أنه شر، فإما أن يقع فيه، وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي عرفه... ومن نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علمه، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم... ولهذا يوجد الخبير بالشر وأسبابه إذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز عنه ومنع أهله والجهاد لهم ما ليس عند غيره. ولهذا كان الصحابة أعظم إيمانًا وجهادًا ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي... ولهذا يقال: والضد يظهر حسنه الضد» انتهى كلامه رحمه الله.

ولا شك أنه لا يقصد الحث على الوقوع في الشر بغرض التعرف عليه، وإنما غاية ما يريد قوله ابن تيمية في هذا النص هو ضرورة معرفة الشر وحدوده ليتميز الحق وحدوده، وليكون صاحب الحق على بصيرة، وليكون له من بغض الكفر والشر بقدر معرفته بقبحها.

## الكفر والشرك والنفاق

حين نمر على ذكر الشرك والكفر والنفاق ونحن نتلو كتاب الله أو نقرأ سنة نبيه ﷺ، فإننا نتخيل أشياء في غاية البعد عنا، ولا نظن أنها يمكن أن تهددنا في يوم من الأيام، وربما يكون ذلك لجهلنا بكثير من التفاصيل المتعلقة بهذه الأسماء الشرعية.

وفي الحقيقة فإن كلا من الكفر والشرك والنفاق، فيه درجات، فهناك الكفر الأكبر والكفر الأصغر، والشرك الأكبر والأصغر، والنفاق الأصغر والأكبر.

51

الاكبر والكفر الاصغر، والشرك الاكبر والاصغر، والنفاق الاصغر والاكبر. والاصغر من هذه الاسماء ليس خاصا بالكفار، بل يمكن ان يقع فيه المسلمون، وهو يقود الي الاكبر، فالرياء مثلا شرك اصغر وكثيرا ما يقع فيه اناس من المسلمين، واخلاف الوعد والكذب في الحديث وخيانه الامانه من صفات المنافقين، وهي نفاق اصغر وكثيرا ما يقع فيها اناس من المسلمين،

من صفات المنافقين، وهي نفاق اصغر وكثيرا ما يقع فيها اناس من المسلمين، ولذلك فان الصحابه لصدق ايمانهم وتقواهم كانوا يخافون النفاق علي انفسهم مع كل ما لديهم من صلاح وعمل، وتجد احدنا اليوم امنا وكانه قد اخذ مفاتيح الجنه بيديه.

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن ابي مليكه قال: ادركت ثلاثين من اصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق علي نفسه ما منهم احد يقول: انه علي ايمان جبريل وميكائيل (١).

وقال الامام ابن القيم رحمه الله: (ثالثه لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الاولين، لعلمهم بدقه وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتي خشوا ان يكونوا من جمله المنافقين، قال عمر بن الخطاب لخليه ﷺ: يا حذيفه، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله ﷺ منهم؟ قال: لا، ولا ازكي بعدك احدا، عن الحسن البصري: ما امنه الا منافق، (١) قبل حديث رقم (٤٨) في البخاري.

ما خافه الا مؤمن، ولقد ذكر عن بعض الصحابه انه كان يقول في دعائه: اللهم اني اعوذ بك من خشوع النفاق، قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: ان يري البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع.

قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: ان يري البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع. ثالثه لقد ملئت قلوب القوم ايمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز ايماهم حناجرهم، وهم يدعون ان ايماهم كايماين جبريل وميكائيل (١).

فلا بد من معرفه حدود هذه الاسماء والاوصاف، وادراك تفاصيلها وانواعها، لنحذر منها ونجتنبها. وقد وجدت كلاما سهلا ميسرا للامام ابن القيم في اقسام الكفر والشرك والنفاق وذلك في كتابه الجميل: مدارج السالكين، فساعتمده اصلا وانقله باختصار، ثم ازيد بعض التوضيحات والنقولات كذلك.

قال رحمه الله تعالي: (الكفر نوعان: كفر اكبر، وكفر اصغر. فالكفر الاكبر هو الموجب للخلود في النار، والاصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما في قوله ﷺ في الحديث «اثنتان في امتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحه» (٢).

(١) مدارج السالكين (١ / ٦٢٣-٦٢٤) ط: طيبه.

(٢) جاء عند مسلم (٦٧) بلفظ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحه علي الميت».

وقوله ﷺ: «لا تزجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١). واما الكفر الاكبر، فخمسه انواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار واباء مع التصديق، وكفر اعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.

52

وكفر استكبار واباء مع التصديق، وكفر اعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.

فأما كفر التكذيب فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به المعذرة، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وجحدوا بها واستيقتها انفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل: ١٤] وقال لرسوله ﷺ: «فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون» [الأنعام: ٣٣]، وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضاً فصحيح، إذ هو تكذيب باللسان.

وأما كفر الاباء والاستكبار فنحو كفر ابليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالاباء والاستكبار، ومن هذا: كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له اباء واستكبارا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: «فقالوا الومن لشرئ مثلنا وقومهما لنا عبدون» [المؤمنون: ٤٧] وقول الأمم لرسلهم: «إن أنتم إلا بشرا مثلنا» [إبراهيم: ١٠].

(١) البخاري ١٥٢ البتاء العقلي

وقوله: ﴿كذبت تمود بطعوبها﴾ [الشمس: ١١] وهو كفر اليهود كما قال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] وقال: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦].

وأما كفر الأعراض فإنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البته.

وأما كفر الشك فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الأعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها، ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك، لأنها مستلزمه للصدق، ولا سيما بمجموعها، فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.

وأما كفر النفاق فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر، وسيأتي بيان أقسامه إن شاء الله تعالى.

(١٥٣) البناء العقلي

وأما الشرك – ولا يزال الكلام لابن القيم رحمه الله – فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون...

53

اكبر واصغر. فالاكبر لا يغفره الله الا بالتوبه منه، وهو ان يتخذ من دون الله نداء، يجبه كما يجب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسويه الهه المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لالهتهم في النار: ﴿تالله ان حتي الا لي صللي مبين ﴾ ﴿٧﴾ اذ نسويكم برب العالمين ﴾ ﴿٩٨–٩٧﴾ [الشعراء: ٩٧–٩٨] مع اقرارهم بان الله وحده خالق كل شيء، وربه ومليكه، وان الهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت، وانما كانت هذه التسويه في المحبه والتعظيم والعباده كما هو حال اكثر مشركي العالم.

والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم ان الهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد انكر الله عليهم ذلك في كتابه وابطله، واخبر ان الشفاعه كلها له، وانه لا يشفع عنده احد الا لمن اذن الله ان يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، وهم اهل التوحيد، الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فانه سبحانه ياذن لمن شاء في الشفاعه لهم، حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه، فيكون اسعد الناس بشفاعه من ياذن الله له صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله ربه ومولاه.

واما الشرك الاصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي ﷺ انه قال: «من حلف بغير الله فقد اشرك»(١)، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وانا بالله وبك، وما لي الا الله وانت، وانا متوكل علي الله وعليك، ولولا انت لم يكن كذا وكذا.

وقد يكون هذا شركا اكبر، بحسب قائله ومقصده، وصح عن النبي ﷺ: «انه قال لرجل قال له ما شاء الله وما شئت: اجعلتني لله يدا؟ قل: ما شاء الله وحده»(٢) وهذا اللفظ اخف من غيره من الالفاظ. والشرك انواع كثيره، لا يحصيها الا الله.

ولو ذهبنا نذكر انواعه لا تسع الكلام اعظم اتساع، ولعل الله ان يساعد بوضع كتاب فيه، وفي اقسامه، واسبابه ومباديه، ومضرته، وما يندفع به.

واما النفاق: فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئا منه، وهو لا يشعر، فانه امر خفي علي الناس، وكثيرا ما يخفي علي من تلبس به، فيزعم انه مصلح وهو مفسد. وهو نوعان: اكبر، واصغر.

(١) جامع الترمذي (١٥٣٥) وسنن ابي داود (٣٢٥١).

(٢) مسند احمد (٢٥٦١).

54

(٣٢٥١). (٢) مسند احمد (٢٥٦١).

١٥٥ البناء العقلاني فالاكبر يوجب الخلود في النار في دركها الاسفل، وهو ان يظهر للمسلمين ايمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بان الله تكلم بكلام انزله علي بشر جعله رسولا للناس، يهديهم باذنه، وينذرهم باسه، ويخوفهم عقابه ﴿ ﴾. انتهي كلامه رحمه الله.

وهو كلام مهم مع انني اختصرت منه كثيرا، فمن اراد الاستزاده فليراجع مدارج السالكين في الموضع المشار اليه في الحاشيه.

ونلاحظ في كلامه انه لم يذكر النفاق الاصغر بصوره مستقله، فلا بد من ذكره والاشاره اليه، ولكن قبل ذلك، اود ان نزداد تعرفا علي بعض صور النفاق الاكبر، لانه في غايه الخطوره، وكان موجودا علي عهد النبي ﷺ، ولم ينته الي اليوم، وساذكر فيه نصين من كلام شيخ ابن القيم ﷺ: ابي العباس ابن تيميه رحمه الله، ثم انتقل الي بيان النفاق الاصغر:

النص الاول: قال ابن تيميه رحمه الله: «فمن النفاق ما هو اكبر ويكون صاحبه في الدرك الاسفل من النار، كنفاق عبد الله بن ابي وغيره، بان يظهر تكذيب الرسول او جحود بعض ما جاء به، او بغضه، او عدم اعتقاد وجوب اتباعه، او المسره بانخفاض دينه» ﴿ ﴾. (١) مدارج السالكين: (١/٥٧٨ - ٦٠٧) باختصار كثير.

١٥٦ البتاء العقلي او المساءه بظهور دينه ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه الا عدوا لله ورسوله، وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول الله ﷺ، ومازال بعده، بل هو اكثر منه علي عهده ﴿ ﴾. (١) تامل قوله: المسره بانخفاض دين الرسول، او الاستياء بظهور دينه!

النص الثاني: قال ابن تيميه ايضا: «فاما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فانه لا يري وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما اخبر به ولا وجوب طاعته فيما امر به، وان اعتقد مع ذلك ان الرسول عظيم القدر - علما وعملا - وانه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: انه لا يضر اختلاف الملل اذا كان المعبود واحدا، ويري انه تحصيل النجاه والسعاده بمتابعه الرسول وبغير متابعته، اما بطريق الفلسفه والصبو، او بطريق التهود والتنصر» ﴿ ﴾. (٢)

واما النفاق الاصغر فهو راجع الي اختلاف الظاهر والباطن في بعض الاعمال كصدق الحديث والوفاء بالوعد وتاديه الامانه، كما ثبت عن النبي ﷺ انه قال: «ايه المتافق ثلاث: اذا حدث كذب، واذا وعد اخلف، واذا اولمن حان» ﴿ ﴾. (٣)

وثبت عنه ﷺ انه قال كذلك: «اربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصله منهن كانت فيه خصله من النفاق حتي يدعها: اذا اؤتمن خان، واذا حدث كذب، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر» ﴿ ﴾. (١)

55

«أوتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»(١). والمؤمن لا يمكن أن يداوم على كذب الحديث وخيانة الأمانة والغدر بالعهد، فلا يتهاون الإنسان مع نفسه في الوقوع في أفراد هذه الأعمال؛ كي لا ينتقل إلى المداومة عليها والجمع بينها فيكون منافقًا خالصًا كما قال النبي ﷺ.

الرياء والعمل لغير الله:

إن من علامات ضعف التعلق بالله وقوة التعلق بغيره أن يعمل المسلم أعمالًا هي في أصلها من العبادات، ولكنه يقوم بها لا ليرضي من أمر بها، وإنما ليكتسب مكانة عند الناس وسمعة، وهذا في غاية الخطورة.

والناس على الحقيقة لا ينفعون ولا يضرون؛ فلم التصنع لهم؟ والله هو الذي يملك قلوب الناس، وهو قادر على تحبيبك إليهم كلما أخلصت له أكثر، وقادر على تبغيضك إليهم كلما صرفت نيتك عنه، فهو الغني الحميد سبحانه.

(١) البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨).

البثاء العمل والعمل لغير الله له صورتان:

- الأولى: أن يقصد الإنسان بعمله الناس ابتداء وانتهاء، فهذا رياء محض. وهو من صفات المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس، فهم لا يصلون لله وإنما للناس، ولا شك أن هذا من الشرك، فعن أبي هريرة ﷺ عن النبي ﷺ: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغني الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(١).

- الثانية: أن يقصد الله بعمله ولكن بالإشراك مع نية أخرى. فإن شاركه الرياء من أصل العمل، يعني من أوله وابتدائه، كان يكون قصده: وجه الله وثناء الناس، فهذا العمل باطل.

- قال ابن رجب رحمه الله: (لا نعرف عن السلف في هذا خلافًا) (٢)، يعني في بطلان هذا العمل. وهو رياء وشرك.

- وأما إذا كان قد أنشأ العمل لوجه الله، ثم طرأت عليه نية الرياء بعد النية الصالحة، فدافعها ولم يجعلها تستقر، فهذه الحال لا تضر المؤمن ولا تبطل العمل بغير خلاف كما نقل ابن رجب - أيضًا - (٣)،

(١) صحيح مسلم (٢٩٨٥).

(٢) جامع العلوم والحكم (١/٨٢).

(٣) جامع العلوم والحكم (١/٨٤).

هذا ومن أعظم ما يعين الإنسان على الإخلاص: معرفة الله حق المعرفة، والطمع في ثوابه، والخوف من عقابه، وعدم تعظيم الناس فوق مرتبتهم - فإن هذا أصل عظيم من أصول المعاصي والذنوب.

موالاة الكفار:

من الأصول العقدية المهمة في دين الإسلام والتي هي تابعة لمحبة الله ورسوله: موالاة أحباب الله وأوليائه ونصرتهم، ومعاداة أعدائه والبراءة منهم. وهي قضية محكمة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، وربما غابت الحقائق فيها عن كثير من المسلمين في هذا الزمن بسبب كثرة الشبهات وتغير الأحوال.

ومن الأدلة على الشق الأول منها الذي هو الولاء، والمتضمن للمحبة والنصرة للمؤمنين: قول الله ﷺ: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله ﷺ: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، وقوله ﷺ: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ [المائدة: ٥٥].

ومن الأدلة على الشق الثاني وهو البراءة، والمتضمن عدم اتخاذ الكافرين أنصارًا وأعوانًا وأحبابًا، والبراءة منهم ومما يعبدون من البتاء العقلي.

56

واعوانا واحبابا، والبراءه منهم ومما يعبدون من البتاء العقلي ١٦٠ دون الله: قوله سبحانه وتعالي: ﴿قد كانت لكم اسوه حسنه في ابراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برءهم وامناكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبذا بيننا وبينكم العدوه والبعضاء ابدا حتي تؤمنوا بالله وجده﴾ [سوره الممتحنه: ٤].

وقوله: ﴿يا ايها الذين امنوا لاستخدوا اليهود والتصري اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولاهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [المائده: ٥١].

قال القرطبي: في تفسيرها: (قوله تعالي: ﴿ومن يتولاهم منكم﴾ اي يعضدهم علي المسلمين ﴿فانه منهم﴾ بين تعالي ان حكمه كحكمهم، وهو يمنع اثبات الميراث للمسلم من المرتد).

وقال ابن حزم: (صح ان قوله تعالي: ﴿ومن يتولاهم منكم فانه منهم﴾ انما هو علي ظاهره بانه كافر من جمله الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين).

وقد بين الله تعالي لنا ان من ابرز صفات المنافقين انهم يسارعون في اعداء الله ويتخذونهم اولياء من دون المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿بير المنفقين بان لهم عذابا اليما﴾ ﴿الذين يتخذون الكافرين اولياء﴾ (١) تفسير القرطبي (٦/٢١٧). (٢) المحلي (١١/١٣٨).

١٦١ البثاء العقدي من دون المؤمنين ايبتعون عندهم العزه فان العزه لله جميعا ﴿١٣٨﴾ [النساء: ١٣٨-١٣٩].

وقال ﴿فتري الذين في قلوبهم مرض يسرعون فيهم يقولون مختنين ان تصيبنا دابره﴾ [المائده: ٥٢].

وهؤلاء المنافقون لم يكونوا في زمن النبي ﷺ فقط، بل هم موجودون في كل زمان، ويكثر ظهورهم في ازمنه الصراع بين الحق والباطل، فتجدهم همازين لمازين للمؤمنين، مداحين ناصرين للكافرين، وما اكثرهم في زماننا هذا، نسال الله العافيه.

ومن الادله المهمه كذلك قوله سبحانه وتعالي: ﴿لابتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تشقوا منهم ثقنه﴾ [ال عمران: ٢٨].

قال ابو جعفر الطبري ﷺ: وهذا نهي من الله عز وجل المؤمنين ان يتخذوا الكفار اعوانا وانصارا وظهورا، ومعني ذلك: لا تتخذوا، ايها المؤمنون، الكفار ظهرا وانصارا توالونهم علي دينهم، وتظاهرونهم علي المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم علي عوراتهم، فانه من يفعل ذلك ﴿فليس من الله في شيء﴾،

يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.

١٦٢ البتاء العقلي

57

وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.

١٦٢ البتاء العقلي

«الا ان تشقوا منهم ثقنه»، الا ان تكونوا في سلطانهم فتخافوهم علي انفسكم، فتظهروا لهم الولايه بالستكم، وتضمروا لهم العداوه، ولا تشايعوهم علي ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم علي مسلم بفعل (١). باختصار.

ويستبين من مجموع هذه الآيات أن القضية متعلقة بالعقيدة وبأساس الإسلام وليست من القضايا الفرعية، بل قد تؤدي بعض صورها إلى الوقوع في الكفر كما تقدم.

وأود التنبيه في الختام إلى أن هذه العقيدة -عقيدة الولاء والبراء- لا تعني الظلم للكفار ولا عدم الإنصاف معهم أو ترك الإحسان إلى من يستحق الإحسان منهم، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة:

«الا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ﴿٢﴾ إنما ينهكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴿٣﴾» [الممتحنة: ٨-٩].

قال الطبري: (١) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، (١) تفسير الطبري (٥/٣١٥) ت التركي.

١٦٣ البناء العقلي

إن الله عز وجل عم بقوله: «الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجكم من دياركم» جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح.

قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمه، وقوله: «إن الله يحب المقسطين» يقول: إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم (١) انتهى.

* * *

(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٧٤).

الخاتمة

لنتذكر أن عقيدة المسلم ليست نصوصا تحفظ، ولا أقوالا تجادل بها، وإنما هي إيمان وخشوع وإخبات، وعمل وفاعلية وحياة، ويقين وطمأنينة ورضا.

وإلى طلاب العلم والقائمين على العمل الدعوي والتربوي، والمشتغلين بالدرس العقدي:

إن علينا أن نغرس أصول العقيدة والثوابت الكبرى في عقول الجيل، وأن نعتني باللغة المقنعة المبرهنة، وأن نحرص على تحقيق الأثر العقدي المرجو من علم العقيدة، ألا وهو الإيمان بالغيب والتسليم لله ورسوله والانقياد لهما، وتحقيق العبودية لله توكلا وإنابة واعتصاما.

كما أن علينا أن ندرك طبيعة التحديات العقدية التي اقتلعت الجذور الإيمانية لدى كثير من أبناء الجيل الصاعد.

وهي تختلف كثيرا عن التحديات المرتبطة بالتراث العقدي الإسلامي، فإشكالات اليوم قد أدت إلى تفكيك الإنسان، وقطعت علاقته بالغيب، وفتت أصوله وقيمه ومرجعياته الأخلاقية الكبرى، أو دعت في أقل أحوالها إلى أن تكون علاقة التدين البشري بالله شخصية في الإطار الفردي للإنسان مع عزله عن أي تأثير عام، فضلا عن أن تكون له الهيمنة والمرجعية الحقيقية.

لذلك فإن فهم المشتغلين بالدرس العقدي للاتجاهات العلمانية والليبرالية والإلحاد والمادية والعلموية والإنسانوية ونحوها لا يقل أهمية عن فهمهم لأقوال المعتزلة والمرجئة والقدرية والخوارج، بل الحاجة إلى فهم أقوال تلك الاتجاهات أمس، والضرورة إلى نقضها أشد.. والله المستعان.

هذا، وأسأل الله المولى القدير، العزيز الغفور، أن يبارك ويتقبل، وأن يغفر الزلل، ويكفر السيئات، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على النبي الكريم محمد.

المؤلف

ليلة السابع من رمضان عام ١٤٤١ ه الموافق ٣٠/٤/٢٠٢٠ م

* * *