انظر للاندياء تاملات في المنهاج الاصلاحي للاندياء بابراهيم وموسي عليهما السلام تاملات في المنهاج الاصلاحي للانبياء ابراهيم وموسي عليهما السلام (جمد رين يوسف السير) هناء جدول المحتويات
تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء
ص1أ. أ. أ
ص5## ابراهيم وموسي عليهما السلام (جمد رين يوسف السير)
### جدول المحتويات
| | | |---|---| | ٧ | توطئه | | ١١ | أولا: أنوار من قصص ابراهيم ﷺ في القرآن (ويتضمن خمسة مقاطع من الآيات القرآنية) | | ١٣ | المقطع الأول من أنوار قصة ابراهيم ﷺ آيات من سورة مريم | | ١٩ | المقطع الثاني من أنوار قصة ابراهيم ﷺ آيات من سورة الأنعام (١) | | ٢٥ | المقطع الثالث من أنوار قصة ابراهيم ﷺ آيات من سورة الأنعام (٢) | | ٣١ | المقطع الرابع من أنوار قصة ابراهيم ﷺ آيات من سورة البقرة | | ٣٥ | المقطع الخامس من أنوار قصة ابراهيم ﷺ آيات من سورة ابراهيم | | ٣٧ | ثانيا: أنوار من قصص موسى ﷺ في القرآن (ويتضمن ستة عشر مقطعاً قرآنياً) | | ٣٩ | المقطع الأول من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة القصص | | ٤٥ | المقطع الثاني من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (١) | | ٤٩ | المقطع الثالث من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (٢) | | ٥٥ | المقطع الرابع من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة القصص (٢) | | ٥٩ | المقطع الخامس من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (٣) | | ٦٣ | المقطع السادس من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (٤) | | ٦٩ | المقطع السابع من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (٥) | | ٧٥ | المقطع الثامن من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (٦) | | ٧٩ | العبر والفوائد من المراحل التالية في قصة موسى ﷺ |
أ. أ. أ
ص6## طه (٦)
٧٩ | العبر والفوائد من المراحل التالية في قصة موسى ﷺ
٨١ | المقطع التاسع من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة الأعراف
٨٩ | المقطع العاشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة يونس
٩٥ | المقطع الحادي عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة الشعراء
٩٩ | المقطع الثاني عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة الأعراف (٢)
٩٩ | المقطع الثاني عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة الأعراف (٢)
١٠٣ | المقطع الثالث عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة المائدة
١٠٩ | المقطع الرابع عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة الأعراف (٣)
١١٣ | المقطع الخامس عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة الكهف
١١٧ | المقطع السادس عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة القصص (٣)
المقطع السادس عشر من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة القصص (٣)
١١٩ | الخاتمة
بسم الله الرحمن الرحيم توطئة
أ. أ. أ
ص7-14## سوره القصص (٣) | | ١١٩ | الخاتمه
بسم الله الرحمن الرحيم
توطئه
الحمد لله الذي اكرم عباده بانزال الوحي علي من اختارهم من انبيائه فهداهم بذلك وانار لهم الطريق، ونساله ان يصلي ويسلم علي خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ، وان يرزقنا الاهتداء بهديه وهدي الانبياء من قبله: ﴿اولئك الذين هدي الله فيهذهم افتده﴾ [سوره الانعام: ٩٠] وان يجمعنا بهم في جنته.
اما بعد، فهذا كتاب سميته ب (انوار الانبياء) جمعت فيه تاملات وفوائد من الايات التي ذكر فيها الانبياء الكرام عليهم من الله الصلاه والسلام، واعتنيت فيها بالمنهج الاصلاحي للانبياء، وبيان السنن الالهيه المتعلقه بنصر دينه واوليائه والتمكين لهم، واهلاك اعدائه وقطع دابرهم بعد الامهال لهم، بالاضافه الي بيان شيء من المنهج التعبدي والتزكوي للانبياء.
بعد الامهال لهم، بالاضافه الي بيان شيء من المنهج التعبدي والتزكوي للانبياء. وبعد ان سرت في هذه الرحله التدبريه لايات الانبياء وما يتعلق بمنهجهم الاصلاحي؛ علمت –علي وجه التفصيل – ان هذا الباب عظيم النفع، وان حاجه المصلحين وعامه المؤمنين اليه كبيره، وان هذا الموضوع مركزي في كتاب الله تعالي، حري بالاهتمام والتامل.
ويعد هذا الكتاب الجزء الاول من سلسله انوار الانبياء المطبوعه، وهو متعلق باثنين من الانبياء، وهما: (ابراهيم وموسي) عليهما صلوات الله وسلامه، وسيكون متبوعا باجزاء اخري باذن الله تعالي متعلقه ببقيه الانبياء بعون الله وتوفيقه، ونساله التيسير، والعون والبركه والقبول.
وهذا الكتاب ياتي ضمن منظومه من الكتب والمواد المرئيه التي قدمتها في مجال التاصيل الاصلاحي، وهي:
١- التزكيه للمصلحين.
٢- معالجه القران لنفوس المصلحين.
٣- السيره النبويه للمصلحين.
٤- بوصله المصلح.
٥- مركزيات الاصلاح.
والمنهج المتبع في هذا الكتاب هو عرض مقاطع الايات القرانيه ثم التعليق عليها بالفوائد علي شكل نقاط متتابعه، واما المنهج الاستنباطي فقد ابتعدت فيه عن التكلف في الاستنباط، واجتهدت للسير فيه علي ما يوافق سياق الايات والفاظها، واحيانا استشهد باقوال المفسرين المعتبرين. والحمد لله رب العالمين اولا واخرا.
رحمص ربن يرسفت السير ٢٦ رمضان ١٤٤٤ ٢٠٢٣/٤/١٧
* * *
اولا: انوار من قصص ابراهيم ﷺ في القران (ويتضمن خمسه مقاطع من الايات القرانيه)
المقطع الاول من انوار قصه ابراهيم ايات من سوره مريم قال الله تعالي: ﴿واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا﴾
اذ قال لابيه: «يتابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يضر ولا يغني عنك شيئا؟ يتابت اني قد جاءني من العلم ما لم ياتك فاشبعني اهدك صرطا سويا. يتابت لا تعبد الشيطان ان الشيطان كان للرحمن عصيا. يتابت اني اخاف ان يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا». قال: «اراغب انت عن ءالهتي يا ابراهيم؟ لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا». قال: «سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا. واعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعوا ربي عسي الا اصحون بدعاء ربي شقيا». فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا﴾ [سوره مريم: ٤١-٥٠].
الفوائد:
أ. قسم يختص بهم؛ وهو النبوه ولوازمها.
ب. قسم يشاركهم فيه غيرهم من المؤمنين؛ كالصديقيه المذكوره عن ابراهيم ﷺ في هذا المقطع.
- والصفات التي امتدح بها الائمبياء مما لا يختصون به هي من اعظم ما يتقرب به الي الله تعالي، فعلي المؤمن والمصلح الذي يتحري هدي الائمبياء ان يحرص علي تحقيق صفه (الصديقيه) التي هي كمال التصديق وكمال الصدق كما تقدم.
أهمية العلم في الدعوة والاتباع
ص15-19## الغلظه والفجاجه
الرابعه: ان العلم معيار اساس في الاتباع: ﴿فد جاءني من العلم ما لم ياتك فاتبعني اهدك﴾ [سوره مريم: ٤٣]. فليس الرشد مرتبطا بكبر السن دائما او بالخبره والتجربه وحدها، فقد يهدي الفتي – بالعلم – الي ما لم يهد اليه الشيخ.
والتجربه وحدها، فقد يهدي الفتي – بالعلم – الي ما لم يهد اليه الشيخ.
الخامسه: في قول ابراهيم لابيه ﴿يتابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يضر ولا يغني عنك شيئا﴾ بيان عجز ما يتعلق به المتعلقون من دون الله في اشاره الي تمام كمال الله الذي هو السميع البصير الذي يغني عن غبر الله من شاء، واستحضار ذلك اثناء العباده والصلاه من اعظم ما يحقق العبوديه لله تعالي، ويقود الي حسن التذلل والافتقار والدعاء.
اعظم ما يحقق العبوديه لله تعالي، ويقود الي حسن التذلل والافتقار والدعاء. وفيه من الفائده الاصلاحيه كذلك: اهميه تعريه ما يتعلق به الناس من غير الله بيان عجزه وضعفه مع بيان تمام قدره الله وغناه واحاطته، وهذا يشمل الدين والشريعه والقوانين كذلك، فبيان قبح الاهواء البشريه مقابل تمام وكمال المنهج الرباني والشريعه الالهيه امر مهم كما قال سبحانه:
مقابل تمام وكمال المنهج الرباني والشريعه الالهيه امر مهم كما قال سبحانه: ﴿افحتم الجهليه يبغون ومن احسن من الله حكما﴾ [سوره المائده: ٥٠].
السادسه: قال ابراهيم ﷺ لابيه: «فاتبعني اهدك صراطا سويا». وفي هذا فائدتان:
(١): ان ثمره العلم: «الهدايه» وليس الاستكثار من المعلومات.
(٢): ان ابراز الثمره للمدعو امر مهم، خاصه وانها تبدد شبهه الاتباع لمجرد الرئاسه والتقدم، وانما الغرض من قول «اتبعني» الهدايه الي الصراط السوي فقط.
السابعه: حينما تخرج من سلطه الاضواء، وتكون عندك مرجعيه صحيحه تحتكم اليها؛ فان الحقائق تنكشف امامك كما انكشفت لابراهيم ﷺ حين قال: ﴿لا يسمع ولا يضر ولا يغني﴾ [سوره مريم:٤٢] بينما كان ابوه يعتقد في الاصنام امرا عظيما.
الثامنه: اظهار الحرص والشفقه علي المدعو من هدي الانبياء «احاف ان يمسك عذاب» [سوره مريم:٤٥].
التاسعه: ان وجود الخطاب اللين، والاسلوب الحسن، والعلم؛ لا يلزم منه استجابه الطرف الاخر، بل قد يزداد عنادا «لا ارجمتك» [سوره مريم:٤٦].
العاشره: القران يبين نفوس اصحاب الباطل، ومقدار كرهها للحق ومعاداتها له، فالقضيه ليست في وجود الاسلوب، وانما في محبه الباطل وكراهيه الحق في ذاته، والحق والباطل لا يجتمعان.
الحاديه عشره: صاحب الحق وان قوبل بالتكذيب فلا يلزم ان يكون موقفه شديدا تجاه ذلك: «سلم عليك ساستغفر لك» [سوره مريم: ٤٧].
الثانيه عشره: المصلح قد تمر به مرحله يحتاج فيها الي الانتقال من وطنه ابتعادا عن الباطل: ﴿واعتري وما تدعون من دون الله﴾ [سوره مريم: ٤٨].
الثالثه عشره: اذا فارق المصلح الاهل والوطن والاحباب في ذات الله؛ فانه يحتاج لما يغنيه من التعلق بالله والاستئناس به، ما يخفف عنه هذا الفراق، كما قال ابراهيم ﷺ في هذه الايات: ﴿واعتري وما تدعون من دون الله وادعوا ربي﴾ [سوره مريم: ٤٨].
الرابعه عشره: ﴿فلما اعتري وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب﴾ [سوره مريم: ٤٩]. الله تبارك وتعالي يعطي عباده الثابتين الصابرين الذين ضحوا في سبيله عطاءات لا تخطر لهم علي بال، وكثيرا ما تكون بعد الابتلاءات، وكثيرا ما يكون هذا العطاء من جنس نوع البلاء.
ما تكون بعد الابتلاءات، وكثيرا ما يكون هذا العطاء من جنس نوع البلاء، فابراهيم ﷺ حين اعتزل اهله وقومه جازاه الله بان وهب له اسحاق ويعقوب وجعلهما انبياء، فاذا ضحيت في سبيل الله، وصبرت في ذلك؛ فاحسن الظن بربك، فان عاقبه البلاء حسنه.
المقطع الثاني من انوار قصه ابراهيم ايات من سوره الانعام (1)
قال الله تعالي: ﴿واذ قال ابراهيم لابيه، انزل اشتخذ اصباما﴾، الهمه: ﴿ان اربك وقومك في ضلال مبين﴾، وكذلك نزن ابراهيم ملكوت اسماوات والارض وليكون من الموقنين﴾، فلما جن عليه اليل رها كوجتنا قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الاخرين﴾،
فلما رها القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لين لر يهدي ربي لاكونن من القوم الضالين﴾، فلما رها الشمس بازغه قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال ينقوم اني بريء مما تشركون﴾، ﴿اني وجهت وجهي للذي فطر اسماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين﴾. [سوره الانعام: ٧٤-٧٩].
الفوائد:
الاولي: ان الذي ينظر ببصر نافذ فانه لا يغتر بما يزين به اصحاب الباطل باطلهم، بل يري حقائق الامور دون بهرج او تلبيس، فالاصنام التي كان يتخذها والد ابراهيم وغيره من قومه، كانوا ينظرون لها علي انها الهه تنفع وتضر وتخشي وترجي وتخاف، بينما صاحب البصيره ابراهيم كان يراها علي حقيقتها، فهي اخشاب
او احجار لا تضر ولا تنفع. ولكل زمان اصنامه وفتنته وتاثيراته، فالذي يريد الوصول الي الحق ينبغي له ان يخترق ببصيرته الحجب الظاهره، وينظر الي حقائق القضايا بالدليل والبرهان.
منهج الأنبياء في مواجهة الباطل
ص20-23ببصيرته الحجب الظاهره، وينظر الي حقائق القضايا بالدليل والبرهان.
الثانيه: منهج الانبياء في التعامل مع العقائد الباطله لا يقتصر علي نقد الفكره وحدها، وانما يكون معها وصف من يتبناها بما يستحق كذلك، فهنا قال ابراهيم ﷺ: «إن ربك وقومك في ضللي مبين» ﴿سورة الأنعام: ٧٤﴾.
قال ابراهيم ﷺ: «إن ربك وقومك في ضللي مبين» ﴿سورة الأنعام: ٧٤﴾.
الثالثه: الله سبحانه وتعالي يجب مواجهه صاحب الحق للباطل، ولذلك يكثر سبحانه من ذكر هذه المقامات في قصص الانبياء.
الرابعه: وكذلك نزن ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين: النظر في المخلوقات واثار صنع الله تعالي من الاسباب التي تؤدي الي زياده الايمان واليقين، فقوله سبحانه وليكون من الموقنين ﴿سورة الأنعام: ٧٥﴾ أي نتيجه رؤيته ملكوت السماوات والارض، وهذا يبين اهميه التفكر في ايات الله الكونيه وانها من اعظم اسباب تحصيل اليقين.
الخامسه: المصلح يحتاج الي اليقين قبل ان ينطلق في دعوته، ومن يتامل كتاب الله تعالي يجد ان الله يهيج لانبيائه من الدلائل والبراهين في بدايه دعوتهم ما يجعلهم علي يقين تام من صحه طريقهم، وسياتي في قصه موسي ﷺ ان الله اراه ابتداء ايه العصا وقال ﴿لبرك من دانتنا الكبري﴾ ﴿سورة طه: ٢٣﴾ قبل ان يامره بالتوجه الي فرعون، وهذا يدل علي اهميه تعزيز اليقين بالنسبه للانسان المصلح.
السادسه: في قول الله تعالي: ﴿قال هذا ربي﴾ وما بعدها من الايات، اختلف العلماء في هذه الايات الثلاث هل كان المقام فيها مقام «مناظره» مع قومه الذين كانوا يعبدون الاصنام والكواكب، او مقام «نظر» للبحث عن الدليل الموصل للايمان ويكون هذا في بدايه امره قبل النبوه، والمقام هنا ليس للتفصيل في هذه المسائل وادلتها، ولكن الفوائد ستنبغي علي ترجيح احد القولين، ولعل الاقرب – والله اعلم – ما رجحه ابن كثير وغيره ان المقام مقام مناظره – وان كان قد قال بالقول الاخر كثير من اهل العلم –، وما يرجح ذلك:
ان هذه الايات مسبوقه بقول الله: ﴿وحدك نزق اسراهيم ملكوت السماوات والارض وليحسود من الموفيقين﴾، وكما قال البغوي رحمه الله في تفسيره: (افتراه اراه الملكوت ليوقن فلما ايفن راي كوكبا قال: «هذا ربي» معتقدا؟ فهذا ما لا يكون ابدا).
السابعه: قد يحتاج الداعيه الي التنزل في الخطاب مع المخالف حتي يصل الي النتيجه الصحيحه في ابطال قول المخالف، كما فعل ابراهيم ﷺ، قال السعدي رحمه الله في تفسيره: «قال هذا ربي» أي: علي وجه التنزل مع الخصم أي: هذا ربي، فهلم ننظر، هل يستحق الربوبيه؟ وهل يقوم لنا دليل علي ذلك؟).
الثامنه: قول ابراهيم ﷺ: «لا احب الاطلوت» تدل علي ان علاقه ابراهيم ﷺ بالربوبيه ليست علاقه معرفيه فحسب، وانما علاقه قلبيه تكون المحبه فيها اساسا ومبدا، وفي هذه الايات الجمع بين العقل والقلب، بين الاستدلال البرهاني وبين الشعور الوجداني.
التاسعه: ابراهيم ﷺ امام الحنفاء المائلين عن الشرك المبرئين منه، المقبلين الي الله اقبال اخلاص وتوحيد، كما قال: «إني بريء مما شروك إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين» ﴿سورة الأنعام: ٧٨-٧٩﴾. ولذلك فان من يستدل باسم «ابراهيم» ﷺ علي التقريب بين الحق والباطل، وبين الاسلام والكفر، ملقبا هذا التقريب بالابراهيميه او الدين الابراهيمي فقد تعلق باسم هو ابعد الاسماء عن هذا المعني، فهو امام الحنفاء الذي يتبرا من الشرك دائما، وهذه البراءه جزء اساسي من تحقيق التوحيد لله تعالي، اذ ان هذا التحقيق لا يكون الا بالجمع بين «النفي» و«الاثبات»، نفي الالوهيه عما سوي الله تعالي، واثباتها له وحده، واما ما يسمي بالدين الابراهيمي فالاولي به ان يسمي دين التلفيق والتحريف، لا دين الامام الحنيف.
العاشره: كان قوم ابراهيم ﷺ لا يرون في الكواكب الا المشهد الجزئي الصغير، فيرونها وحدها مستقله عن خالقها –كما هو حال المنهج المادي اليوم–، واراد ابراهيم ﷺ ان يلفت انتباه قومه الي المشهد الكلي الاعظم، الي ما وراء هذه الكواكب، فقال لهم: «إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض»، فكانه يقول لهم: ان كنتم مبهورين بهذه الكواكب؛ فانا قد وجهت وجهي لخلق هذه الكواكب ومكوكبها.
المقطع الثالث من انوار قصه ابراهيم آيات من سورة الأنعام (٢) قال الله تعالي: ﴿وحاجه، قومه، قال اشتجوني في اله وقد هدي﴾.
حجج الأنبياء في الدعوة والإصلاح
ص25-27(٢) قال الله تعالى: ﴿وحاجه، قومه، قال اشتجوني في اله وقد هدي﴾
ولا أخاف ما أشركتم به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلّا تتذكرون ﴿١﴾ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فاثق الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ﴿٢﴾ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴿٣﴾ ويلك حجتنا أنتينا إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ﴿٤﴾ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ويوسف هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ﴿٥﴾ وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ﴿٦﴾ وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ﴿٧﴾ ومن آياتهم وذريتهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ﴿٨﴾ ذلك هدي الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحظ عنهم ما كانوا يعملون ﴿٩﴾ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ﴿١٠﴾ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألك عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴿٢﴾ [سورة الأنعام: ٨٠-٩٠].
الفوائد:
الأولى: في قوله سبحانه: «وحاجه، قومه» [سورة الأنعام: ٨٠] أن من هدي الأنبياء: الاستماع للناس، والدفاع عن الحق بالحجة والبيان والبرهان، بل والمبادرة إلى عرض الحق بدليله دعوة إلى الله تعالى، ولذلك أكثر الله تعالى من ذكر حوارات الأنبياء مع أقوامهم وجدالهم إياهم.
الثانية: من أعظم ما يثبت المصلح في طريقه أمام حجج الخصوم وكيدهم وشبهاتهم: ما يهبه الله له من الهداية الخاصة، كما قال إبراهيم: «أتحاجوني في الله وقد هدي» قال ابن كثير: (أي: تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه؟ فكيف التفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة؟!) وهذه الهداية تستلزم رؤية أنوار طريق الحق وتذوق حلاوته، وتستلزم الأنس بالله والثقة به، وتستلزم كذلك إبصار نقص طريق الباطل، وهذا كله من أعظم المثبتات، ولا يكفي امتلاك الحجة والقدرة على النقض المعرفي لقول المخالف دون أن يعيش المصلح حقيقة الهداية ونعيم الأنس بالله وبدينه.
الثالثة: أن أصحاب الباطل يخافون آلهتهم ورموزهم، وينسجون حولها الأساطير والخرافات التي تجعل لها الهيبة في النفوس، ومن ثم يخوفون بها أهل الحق، ويهددونهم بقوتهم وقدرتهم على إلحاق الضرر بهم أو إخراجهم من أرضهم، وهذه سنة متوارثة بينهم يهددون بها الأنبياء، وتجد -في المقابل- الأنبياء على تمام الثقة بالله والتوكل عليه والاعتصام به، ومن ثم عدم الاكتراث بهذه التهديدات والتخويفات، وهذا ظاهر في هذا المقطع من قصة إبراهيم ﷺ، وسأذكر لتمام الفائدة بعض المواضع القرآنية المشابهة المتعلقة بغيره من الأنبياء كذلك، فمنها مثلاً: ما قاله قوم هود ﷺ عنه، وما أجابهم به: ﴿أن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون ﴿١٠﴾ من دونه فيكيدوني حميماً ثم لا تنظرون ﴿١١﴾ إني توكلت على الله وعليه ربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴿١٢﴾ [سورة هود: ٥٤-٥٥].
ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه عن الأنبياء في قيلهم لأقوامهم: ﴿وما لنا إلا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولتصبرن على ما آذيتمونا وعلي الله فليتوكل المتوكلون﴾ [سورة إبراهيم: ١٢].
ومن ذلك أيضاً ما ذكره الله في شأن نوح ﷺ: ﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعل الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم عمة﴾
قيم الهداية ودور الأنبياء في الإصلاح
ص28-31لا يكن امركم عليكم عمه ﴿ ٢٨ ﴾
اثمالات في المنهاج الاضلاحي الانهاب ثم افضوا الي ولا تظترون ﴿ ١١٤ ﴾ سوره يونس: ٧١. ثم توصيه الله لنبيه محمد ﷺ بقوله: ﴿ فلا ادعوا شرحاءكم ثم حجدون فلا تظترون ﴾ ﴿ ١١٥ ﴾ ان ولقي الله الذي نزل الحجب وهو يتولي الملحين ﴾ [سوره الاعراف: ١٩٥-١٩٦].
نزل الحجب وهو يتولي الملحين ﴾ [سوره الاعراف: ١٩٥-١٩٦].
الرابعه: كلما تشبع قلب المصلح بالعلم بالله وعظمته وجلاله كان اعلي من المؤثرات الارضيه المحدوده ان تغير مفاهيمه، بل كان قادرا علي ان يقلب علي اصحاب الباطل باطلهم وبجرهم الي مربع الحق ليضعهم فيه عراه امام الحق، وهذا ماخوذ من قول ابراهيم ﷺ:
مربع الحق ليضعهم فيه عراه امام الحق، وهذا ماخوذ من قول ابراهيم ﷺ: ﴿ وكفم اخاف ما اشرحتم ولا تخافون انكم اشرحتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فاكد الفريق ين احق بالامن ان حسنم تعلمون ﴾ [سوره الانعام: ٨١].
الخامسه: في قوله سبحانه: ﴿ وتلك حجتنا اياتها ابراهيم علي قومه نرفع درجات من نشاه ﴾ [سوره الانعام: ٨٣].
اياتها ابراهيم علي قومه نرفع درجات من نشاه ﴾ [سوره الانعام: ٨٣].
ان انجازات المصلح وان بذل فيها الجهد والسبب؛ فان عليه ان يتذكر دائما ان الفضل لله، فهو الذي يؤتي المصلح حجته، وهو الذي يهديه ويسدده ويلهمه رشده.
لله، فهو الذي يؤتي المصلح حجته، وهو الذي يهديه ويسدده ويلهمه رشده.
السادسه: انما علا شان الرسل وكملوا وكانوا محلا للاقتداء؛ لان الله هداهم: ﴿ كلا هدينا ﴾ [سوره الانعام: ٨٤] ومن اعظم ما هددوا اليه: تحقيق الاستسلام لله تعالي وتمام التوكل عليه في تبلغ الرساله والصبر ٢٩ ا. ا. ا. ١٨٨٨/١/٢٩ - ناملات في المنهاج الاصلاحي الانبياء
ا. ا. ا. ١٨٨٨/١/٢٩ - ناملات في المنهاج الاصلاحي الانبياء علي الاذي في سبيل ذلك، وهذه الايات من قوله ﷺ: « كلا هدينا » [سوره الانعام: ٨٤] الي قوله ﷺ: « فبهداهم القتده » [سوره الانعام: ٩٠] من اعظم الايات التي تبرز قيمه الهدايه ومنزلتها وشانها في الاسلام.
٩٠] من اعظم الايات التي تبرز قيمه الهدايه ومنزلتها وشانها في الاسلام.
السابعه: من اعظم ما ينبغي ان يخافه المصلح: ان يتسلل شيء من الشرك الي عمله وقلبه، فان ذلك سبب لسلب النعمه وحبوط العمل، فقد قال الله سبحانه في هذه الايات في حق الانبياء: ﴿ ولو اشركوا لحيط عنهم ما حادوا يعملون ﴾ [سوره الانعام: ٨٨].
ولو اشركوا لحيط عنهم ما حادوا يعملون ﴾ [سوره الانعام: ٨٨].
الثامنه: من اعظم سمات الانبياء انهم يحققون باعماهم ما يدعون اليه باقوالهم، فكانوا نماذج عمليه لا مجرد مقولات نظريه، ولذلك يامر الله باتخاذهم قدوات وائمه، فقال سبحانه: « وفيهداهم القتده »، وهكذا يكون المصلح حين يقتدي بهم، عاملا بعلمه، فيستمد العلم والعمل من الانبياء.
* * *
المقطع الرابع من انوار قصه ابراهيم
فيستمد العلم والعمل من الانبياء.
* * *
المقطع الرابع من انوار قصه ابراهيم ايات من سوره البقره
قال الله تعالي:
* * *
المقطع الرابع من انوار قصه ابراهيم ايات من سوره البقره قال الله تعالي: ﴿ واذ ابتلي ابراهيم ربه بكلمات فاتمعن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذرشي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ واذ جعلنا البيت مثابه للناس وامنا واكخدوا من مقام ابراهيم مصلي وعهدنا الي ابراهيم واسمعيل ان ظهرا بيتي للظالمين والعتكين والزكع السجود ﴾ واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا ءامنا وازرق
والزكع السجود ﴾ واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا ءامنا وازرق اهله من الشمرات من ءامن منهم بالله واليوم الاخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم اضطره الي عذاب النار وبئس المصير ﴾ واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسمعيل ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرشيتنا امه مسلمه لك وارنا مناسكا وثب علينا انك انت التواب الرحيم ربنا
امه مسلمه لك وارنا مناسكا وثب علينا انك انت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم ءاينتك ويعلمهم الحجتب والحكمه وبرحجهم انك انت العزيز الحكيم ومن يرغب عن مله ابراهيم الا من سفه نفسه ولقد اصطفينه في الدنيا وانه في الاخره لمن الصالحين ﴿ ٢٤ ﴾ وقل له ربه: اسلم قال اسامت لرب العالمين ﴾ [سوره البقره: ١٣١-١٢٤].
٣٢
تأملات في منهج الأنبياء الإصلاحي
ص32-36قال اسامت لرب العالمين ﴿سوره البقره: ١٣١-١٢٤﴾.
٣٢ اقوال الائمبياد «تاملات في المنهاج الاصلاحي للادبياء».
الفوائد:
الأولي: ان التكليف الشرعي ابتلاء، وان اولي الناس باتمام متطلبات هذا الابتلاء هم الانبياء ثم من تبعهم من الصالحين المصلحين.
الثانيه: ان حسن الامتثال لما امر الله به من العبادات والتكاليف، واتمام ذلك علي وجهه وتوفيته = من مقدمات الامامه في الدين: «فاتمعن قال اني جاعلك للناس اماما» ﴿سوره البقره: ١٢٤﴾، ولا ينتظر المرء ان يكون اماما بمجرد العلم.
الثالثه: في قول ابراهيم ﷺ: «وهن ذريتق» تنبيه الي اهميه الاهتمام بالاجيال القادمه، والسعي لايجاد الائمه والمصلحين فيها.
الرابعه: لا تجتمع الامامه في الدين مع الظلم «لا ينال عهدي الظالمين» ﴿سوره البقره: ١٢٤﴾، فمن اراد ان يجعله الله اماما فليجتنب الظلم.
الخامسه: اهميه كثره الدعاء في مختلف الاحوال والمقامات، فهذا المقطع يبين مقدار التزام ابراهيم ﷺ للدعاء في جميع احواله، وهذا ظاهر في عامه الايات المتعلقه بابراهيم ﷺ في سوره الشعراء وابراهيم ومريم، ولذلك وصفه الله بانه «اوه» ﴿سوره هود: ٧٥﴾ وقد رجح الامام الطبري بعد ان سرد الاقوال في تفسير كلمه «اوه» بانه الدعاء، اي كثير الدعاء، وهذا من اهم ما ينبغي علي المؤمن ان يقتبسه من انوار الانبياء.
السادسه: عدم الركون الي العمل الصالح وحده مهما بذل الانسان فيه وتعب، بل لا بد من اتباعه بالدعاء بالقبول ﴿ربنا تقبل منه﴾ ﴿سوره البقره: ١٢٧﴾.
السابعه: ان من انوار الانبياء: معرفه الاسماء الحسني التي يحسن استعمالها مع الدعاء المناسب لها، فهنا نجد استعمال ابراهيم ﷺ لاسمي الله ﴿السميع العليم﴾ مع الدعاء بالقبول.
الثامنه: ان من هدي الانبياء الدعاء بتحقيق اصل الاسلام واساس العبوديه لله تعالي، وانه من اهم ما ينبغي التفكير فيه للنفس وللامه وللاجيال القادمه: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امه مسلمه لك﴾ ﴿سوره البقره: ١٢٨﴾.
التاسعه: ان الاعراض عن مله ابراهيم (التي هي الاستسلام لله وحده والبراءه من الشرك واهله) اساس السفه والجهل: ﴿ومن يرغب عن مله ابراهيم الا من سفه نفسه﴾ ﴿سوره البقره: ١٣٠﴾.
العاشره: هذه الايات تبين قيمه الاستسلام لله وحده، وان عليه مدار الفلاح، لانه من اهم ما وصف الله به خليله: ﴿اذ قال له ربه استم قال اسلمت لرب العالمين﴾ ﴿سوره البقره: ١٣١﴾، والمتامل في سوره البقره عموما يجد ان هذه القضيه مركزيه فيها.
المقطع الخامس من انوار قصه ابراهيم ايات من سوره ابراهيم قال الله تعالي:
﴿واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد ءامنا واجتبي وبين ان تعبد الاصنام﴾ رب انهن اضللن حكيرا من الناس فمن تبعثي فانه منه ومن عصابي فانك غفور نحيم ﴿١٢﴾ ربنا اني اسحكت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بينك المحرد ربنا ليقيموا الصلاه فاجعل اقبده من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الشمرات لعلهم يشكرون ﴿١٣﴾ ربنا انك تعلم ما تخفي وما تعلث وما يخفي علي الله من شيء في الارض ولا في السماء ﴿١٤﴾ الحمد لله الذي وهب لي علي الحكير لاسمعيل واسحق ان ربي لسميع الدعاء ﴿١٥﴾ رب اجعلني مقيم الصلاه ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ﴿١٦﴾ ربنا اغفر لي ولولائك وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ﴿١٧﴾ ﴿سوره ابراهيم: ٣٥-٤١﴾.
الفوائد:
الأولي: وصف الله ابراهيم ﷺ بانه ﴿اواه﴾ ﴿سوره هود: ٧٥﴾، ومعني ذلك – كما تقدم – انه كان كثير الدعاء، وهذه الايات انموذج تفصيلي علي ادعيه ابراهيم الخليل ﷺ، فليتاملها المصلح، وليتعلم من افتقاره ﷺ واستكانته لربه، فان من اهم قبسات انوار الانبياء:
ثانيا: انوار من قصص موسي في القران (ويتضمن سته عشر مقطعا قرانيا) المقطع الاول من انوار قصه موسي ايات من سوره القصص.
قصص الأنبياء ودروس من قصة موسى
ص39-42## القواعد:
### المقطع الأول من أنوار قصة موسى آيات من سورة القصص
﴿طسم تلك ءايات الكتاب المبين نشلوا عليك من نبا موسي وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ان فرعون علی في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفه منهم يذبح ابناءهم ويستعدي نساءهم انه كان من المفسدين وتريد ان تمن علي الذين استضعفوا في الارض ويجعلهم ارجه ويجعلهم الوارثين وتمكن لهم في الارض ونري﴾
﴿في الارض ويجعلهم ارجه ويجعلهم الوارثين وتمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما حاتوا يحذرون واوجينا الي ام موسي ان ارضعيه فاذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين فالتقظه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزبا ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين﴾
وقالت امرأت فرعون: «فرط عين لي ولك لا تقتلوه عسي ان ينفعنا او نتخذه ولدا وهم لا يشعرون»
وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ان حادت لنبدي به لولا ان ثبتنا علي قلبها لتكون من المؤمنين.
وقالت لاخته: «قضي فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون»
وحزمنا عليه المراضع من قبل فقالت: «هل ادلكم علي اهل بيت يحفلونه لحم وهم له نصحون»
فرددنه.
﴿ولما بلغ أشده واستوي آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿١٣﴾ [سورة القصص: ١-١٤].
### الفوائد:
٤٣ «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأشياء»
عبر ودروس من قصة موسى عليه السلام
ص43-46ثم كانت نهاية فرعون.
٤٣ «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأشياء»
هذا الطريق الطويل فيه عبر عظيمة، وفوائد جسيمة، ودروس عميقة، سيأتي بيانها في سياق التأمل في قصة موسى ﷺ بإذن الله تعالى، فسبحان الله العلي العظيم، الهادي بكتابه من يشاء إلى صراط مستقيم.
تعالى، فسبحان الله العلي العظيم، الهادي بكتابه من يشاء إلى صراط مستقيم.
الخامسة: هذه الآيات فيها ذكر الألطاف العجيبة من الله تعالى لنبيه موسى ﷺ، فمنها: أنه جعل نجاته في إلقائه في اليم، مع أن هذا الإلقاء مهلكة في أصله، إلا أنه كان لموسى نجاة، ومنها: تسخير زوجة فرعون له، وعطف قلبها عليه: «لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً» ﴿سورة القصص: ٩﴾، ومنها: تحريم المراضع عليه، حتى يعود إلى حجر أمه فيرضع منها وتقر عينها به.
تحريم المراضع عليه، حتى يعود إلى حجر أمه فيرضع منها وتقر عينها به.
وقصة موسى ﷺ عجيبة عظيمة، وسيأتي بيان ما فيها بإذن الله.
السادسة: إن العمر له تأثير على مسيرة المصلح، فالله سبحانه لم يؤت موسى النبوة إلا بعد أن بلغ أشده واستوى، وكذلك قال في يوسف ﷺ.
يؤت موسى النبوة إلا بعد أن بلغ أشده واستوى، وكذلك قال في يوسف ﷺ.
وبلوغ الأشد قال بعض المفسرين إنه بلوغ الأربعين، وقيل عند الثلاثين، وقيل عند الثالثة والثلاثين، وقيل غير ذلك، وكذلك النبي ﷺ لم يبعثه الله إلا بعد أن بلغ الأربعين.
٤٤ أ.ع.ر.ل.ل.ب.ا/١٠٠٠/أ.ع.ر.ل.ل.ب.ا/١٠٠٠
أ.ع.ر.ل.ل.ب.ا/١٠٠٠/أ.ع.ر.ل.ل.ب.ا/١٠٠٠
والمعنى المستفاد من ذلك، أن حضور الدروس والبرامج العلمية والمشاركة في حلقات التحفيظ لا يكفي ليتحمل المصلح الأعباء العظيمة، بل إن مما ينبغي أن يدركه المصلح أن العمر والتجربة لهما أثر في مسيرته، وقد يقوده هذا إلى التأنّي في القرارات الإصلاحية المصيرية.
المقطع الثاني من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (١)
المقطع الثاني من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (١) قال الله تعالى:
المقطع الثاني من أنوار قصة موسى ﷺ آيات من سورة طه (١) قال الله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ إذ رأى ناراً فقال لأهله: امكثوا إني ءانست ناراً لعلي ءاتيكُم منها قبس أو أجد على النار هدى ﴿١٢﴾ فلما أتاها توُدي يتموسي﴾ إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ﴿١٣﴾ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴿١٤﴾ إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ﴿١٥﴾ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى ﴿١٦﴾ فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها وأتبع هواه فتردى﴾ ﴿سورة طه: ٩-١٦﴾.
الفوائد:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ هذا الأسلوب الاستفهامي في الآية فيه لفت للانتباه وتعظيم للحدث، فالحديث الذي سيأتي سيكون عن أمر عظيم، وهذا يفيد بأن الأمور المتعلقة بالأنبياء يجب أن تعطي اهتماماً خاصاً، وقد تكرر هذا في شأن موسى ﷺ مرتين بنفس اللفظ، في سورتي طه والنازعات،
تكرر هذا في شأن موسى ﷺ مرتين بنفس اللفظ، في سورتي طه والنازعات، وهذا يدل على أهمية قصة موسى ﷺ، وهكذا ينبغي للداعية والمصلح أن يستعمل من أساليب الخطاب ما يناسب مقام الحديث.
٤٦ أ. إملاء المبيّات «تأملات في المناهج الإصلاحية للأنبياء»
مقام الحديث.
٤٦ أ. إملاء المبيّات «تأملات في المناهج الإصلاحية للأنبياء»
ثانياً: إن الله تعالى يجعل للأمور العظيمة مقدمات ومعاني تجعل لها في النفس هيبة ومكانة، فلما كان شأن الوحي ثقيلاً عظيماً كانت قصة تلقي موسى للوحي عجيبة عظيمة كذلك، فقد أظهر الله له من الآيات والعجائب ما استدعى من موسى أن يفر حين رأى بعضها من الرهبة والخوف، ثم طمأنه الله تعالى، وبين له وعلمه،
رأى بعضها من الرهبة والخوف، ثم طمأنه الله تعالى، وبين له وعلمه، ويمكن أن نستفيد من هذا على المستوى العام أنه يحسن بمن يسير في طريق شريف يتبع فيه الأنبياء في الدعوة والإصلاح أن يدرك ما يبين له شرف هذا الطريق ومكانته؛ حتى يستقبل ما يتطلبه هذا الطريق من الأعباء ويقدر المسؤولية.
حتى يستقبل ما يتطلبه هذا الطريق من الأعباء ويقدر المسؤولية.
ثالثاً: إن العلم بالله تعالى هو أساس الطريق بالنسبة للمصلح، وأول خطواته؛ فالله سبحانه حين كلم موسى عرفه عليه قبل أن يأمره بالذهاب إلى فرعون ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾.
يأمره بالذهاب إلى فرعون ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾.
رابعاً: إن الثمرة المترتبة على تمام العلم بالله هي عبادته وحده ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾، فليست القضية في العلم المعزول عن العمل، وإنما في العلم الحامل على العمل.
فليست القضية في العلم المعزول عن العمل، وإنما في العلم الحامل على العمل.
خامساً: إن الصلاة من أعظم العبادات التي يحتاجها المصلح لتكون زاداً له في الطريق ﴿فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ ﴿سورة طه:١٤﴾ ومما يؤيد ذلك: أن الله فرض قيام الليل في أول الإسلام على ٤٧ أ. أ. أ. ٢ ٨٨ النبي ﷺ وأصحابه ليكون زاداً لهم في الطريق.
أهمية إدراك مقاصد العبادات
ص47-51ا. ا. ا. ٢ ٨٨ النبي ﷺ واصحابه ليكون زادا لهم في الطريق.
سادسا: اهميه ادراك المقاصد من العبادات، وان اجراء العباده مع وضع العين علي الثمره والمقصد من اهم ما يحتاج المؤمن ان يذكر به، وهذا ماخوذ من قوله سبحانه: ﴿وقم الصلوه ليحيح﴾ [سوره طه: ١٤] قال الطبري رحمه الله: (معناه: اقم الصلاه لتذكرني فيها)، وقال ابن سعدي رحمه الله: (وقوله:
(معناه: اقم الصلاه لتذكرني فيها)، وقال ابن سعدي رحمه الله: (وقوله: ﴿ليحيح﴾ اللام للتعليل اي: اقم الصلاه لاجل ذكرك اياي، لان ذكره تعالي اجل المقاصد، وهو عبوديه القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد انواع العبادات، التي المقصود منها اقامه ذكره، وخصوصا الصلاه).
سابعا: اهميه استحضار الساعه وفناء الدنيا بالنسبه للمصلح، وان ذلك من اهم ما ينبغي ان يستعان به علي الثبات، وعدم الاغترار بشبهات المبطلين واغراءات الفاسدين، قال الله تعالي: ﴿فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واشبع هونه فتردي﴾.
المقطع الثالث من انوار قصه موسي ايات من سوره طه (٢)
قال الله تعالي: ﴿وما تلك بسيميك يموسون قال هي عصاي اتوكوا عليها واهش بها علي عنمي ولي فيها مارب اخري قال الفها يموسون فالقنها فاذا هي حيه تسعي قال خذها ولا تحفث سنعيدها سيرتها الاولي واصمم يدك الي جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ايه اخري ليريك من اياتنا الكبري ادهب الي فرعون انه﴾
﴿طفي قال رب اشرح لي صدري ويبتر لي امري واحلل عقده من لساني يفقهو افولي واجعل لي وزيرا من اهلي هزون اخي اشدد به ارزي واشركه في امري كن سنيحك كثيرا وتذكرك كثيرا انك كنت يا بصيرا قال قد اوتيت سؤلك يموسون﴾ [سوره طه:١٧-٣٦].
الفوائد:
اولا: في جواب موسي عن سؤال الله تعالي: وما تلك بسيميك يموسون؛ قال: «هي عصاي اتوكوا عليها واهش بها علي عنمي ولي فيها مارب اخري؛ ان الانسان الفطن يحاول ادراك مقاصد الالفاظ والاسئله ولا يقف عند ظاهرها فقط، فلو وقف ٥٠ ا. ا. ا. ٢ (الالات) - تاملات في المنهاج الاصلاحي للانبياء موسي ﷺ عند ظاهر السؤال لقال: (عصا) او «عصاك» [سوره] طه: [١٨]، ولكنه فهم من السياق ان السؤال كان متجاوزا للماهيه، فذكر استعمالات العصا كذلك.
ثانيا: المصلح يحتاج الي التدريب والتجربه قبل الانطلاق في المشاريع الاصلاحيه الكبيره الصعبه، فالله سبحانه هيا موسي ﷺ وعلمه كيف يتعامل مع العصا، ويري كيف تستحيل الي حيه ضخمه، ثم كيف ياخذها ويرجعها مره اخري، وهذا سهل عليه فعل نفس الشيء امام فرعون.
ثالثا: المصلح يحتاج الي تثبيت وطمانه، خاصه اذا كثرت المخاوف وصعب الطريق وكثرت اعباؤه، ولذلك نجد في قصه موسي ﷺ تكرارا للطمانه الالهيه له: ﴿خذها ولا تخف﴾ [سوره طه: ٢١] ﴿لا تخف انك انت الاعلي﴾ [سوره طه: ٦٨]، ﴿لا تخف يجوب من القوم﴾ ﴿الاطليمين﴾ [سوره القصص: ٢٥]، ﴿ولا تخف انك من الامنين﴾ [سوره القصص: ٣١].
رابعا: من المهم ان ينطلق المصلح في رسالته وهو موقن بصحتها، فيكون علي بصيره وبينه، وهذا هو ما كان عليه المرسلون الذين تكرر في خطابهم: «ارهيتم ان كنت علي بينه من ذلك» [سوره هود: ٢٨].
٥١ اقوال الائماء «تاملات في المنهاج الاصلاحي للائماء»
وقد كان الله سبحانه يريهم من الايات والبينات ما يجعلهم علي هذا الايمان واليقين، كما قال سبحانه: ﴿وكذلك نزق اسراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين﴾ [سوره الانعام: ٧٥].
وقال الله في شان نبيه محمد ﷺ: ﴿لقد راي من ايات ربه الكبري﴾ [سوره النجم: ١٨].
وهكذا نجد في هذا الموضع من قصه موسي ﷺ ان الله اراه من الايات الكبري كذلك.
والمستفاد من كل ذلك: اهميه العنايه بتعزيز اليقين وتثبيت الايمان في سياق اعداد الدعاه وبناء المصلحين.
خامسا: يؤخذ من تاييد الله انبياءه بالمعجزات انه سبحانه يحب ان يؤيد الحق بالبراهين، وبما ان هذه المعجزات قد انقطعت بانقطاع الوحي من السماء، فان المصلح المتبع للانبياء يحرص علي ان يكون مبينا في دعوته، مستدلا بالحجج الصحيحه، قادرا علي اثبات الحق بدليله، متمكنا من قطع حجه المخالف، فان هذا كله مما يجبه الله تعالي.
٥٢ اقوال الائميناء «تاملات في المنهاج الاضلاحي للانبياء»
سادسا: في قوله سبحانه: ﴿اذهب الي فرعون انه طغي﴾ [سوره] طه: ٢٤. ان الله تبارك وتعالي لا يجعل الطغيان يستمر في الارض دون ان يهيئ الاسباب لازالته، طالت المده في ذلك او قصرت، فالطغيان لا يستمر، لكن ذلك بميزان الله وليس بميزاننا.
أهمية الاستعانة بالله في الإصلاح
ص52-57سابعا: في دعاء موسى: «قال رب اشرح لي صدري ويجزي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، واشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا. قال: فلا أوتيت سؤلك يا موسى» ﴿سورة طه: ٢٥-٣٦﴾. فوائد، منها:
ثامنا: إن الله سبحانه يحب كثرة ذكره وكثرة التسبيح بحمده، ويجب أن يكون هذا الذكر غاية من الغايات التي يسعى المصلح لالتزامها والمحافظة عليها، ولذلك توسل موسى ﷺ إلى ربه بها، فأجاب الله دعاءه.
* * *
المقطع الرابع من أنوار قصة موسى آيات من سورة القصص (٢)
قال الله تعالى: ﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آت من جانب الطور نارا قال لأهله: امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو جذوة من النار لعلكم تصطلون﴾ ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة: أن يا موسى إنني أنا الله رب العالمين﴾ ﴿وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب. قال: يا موسى لا تخف إنك من الآمنين﴾ ﴿أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذلك آية أخرى من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ ﴿قال: رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون﴾ ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إنني أخاف أن يكذبون﴾ ﴿قال: سنشد عضدك بأخيك وتجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ ﴿سورة القصص: ٢٩-٣٥﴾.
الفوائد:
١. التدبر في كتاب الله. ٢. والتفكر في مخلوقاته. ٣. والاعتبار بأقداره وأيامه ومعرفة سننه. ٤. والبصيرة بسبيل أنبيائه. ٥. والعمل المورث المزيد من الهداية.
فإذا تحقق العلم بالله في نفس المؤمن عبر الطرق المذكورة؛ فإنه يكون سببا لثلاثة أصول عظيمة من أصول العبودية، هي القواعد الكبرى لأعمال القلوب، وهي: (اليقين، والمحبة، والخشية).
ونلاحظ في قصة موسى ﷺ أنه تكرر في مواضعها في القرآن ذكر هذا المعنى (أي العلم بالله)، ففي هذا الموضع نودي موسى بقول الله: ﴿إنني أنا الله رب العالمين﴾ ﴿سورة القصص: ٣٠﴾، وورد في سورة طه: ﴿إنك أنا الله لا إله إلا أنا﴾ ﴿سورة طه: ١٤﴾، وفي سورة النمل: ﴿إنني أنا الله العزيز الحكيم﴾ ﴿سورة النمل: ٩﴾.
وفي موضع رابع: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين﴾ ﴿سورة الشعراء: ١٠﴾، وهذا يبين أن وجود هذه الصفات في الناس يعد سببا شرعيا لوجود المصلحين، فعلى المصلحين أن يتنبهوا.
التأملات في المنهج الإصلاحي للأنبياء
ص58-61«تام.لات. في.ل.لم.ع.ج.الاص.لاحي.ل.ل.ن.ب.ا» التبرع به للاسباب الشرعية الموجبة للاصلاح، وان من اهمها وجود الظلم والاستضعاف، وان تحرير المستضعفين مجال اصلاحي من اعظم المجالات.
الرابعه: ان وجود المشاركين للمصلح في طريقه، المؤازرين له، من اهم ما يشد من عضده، ويقويه، ويسهل عليه مواجهة التحديات والمصاعب: «قال سنشد عصبك بأخيك» ﴿سورة القصص: ٣٥﴾.
* * *
المقطع الخامس
«قال سنشد عصبك بأخيك» ﴿سورة القصص: ٣٥﴾.
* * *
المقطع الخامس من انوار قصة موسى آيات من سورة طه (٣)
قال الله تعالى: ﴿ولقد مننت عليك مرة أخرى﴾ ﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى﴾ ﴿أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له، وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني﴾ ﴿إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن. وقتلت نفسا﴾ ﴿فنجيناك من القوم الظالمين وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى﴾ ﴿واصطفيتك لنفسي﴾ ﴿سورة طه: ٣٧–٤١﴾.
الفوائد:
الأولى: ان الرسالة الإصلاحية كلما عظمت متطلباتها، وكانت الأخطار المحدقة بها شديدة؛ فإن ذلك يتطلب مزيداً من التهيئة لحاملها والتربية له، وهذا ما جرى لموسى ﷺ، إذ كانت رسالته فيها مواجهة لفرعون الطاغية الأكبر، فصنعه الله على عينه، وعرضه للابتلاءات والشدائد، ففتنه وامتحنه حتى خلص وصفا: ﴿فتنك فتونا﴾ ﴿سورة طه: ٤٠﴾.
* * *
وامتحنه حتى خلص وصفا: ﴿فتنك فتونا﴾ ﴿سورة طه: ٤٠﴾.
٦٠ أقوال الأئمة «تأملات في المنهج الإصلاحي للأنبياء»
الثانية: مع ان الله سبحانه قال لموسى ﷺ: «ولصبع على عيني» ﴿سورة طه: ٣٩﴾، الا انه تعرض للشدائد والابتلاءات والفتن. والمستفاد من ذلك: ان الانسان وان كان تحت رعاية الله وعنايته؛ فهذا لا يعني انه لن يتعرض للفتن والمصاعب، بل قد تكون تلك الفتن والمصاعب من مقتضى عناية الله بالمؤمن ليصنعه ويربيه ويهيئه.
* * *
الثالثة: اذا وضع الله القبول في الأرض لعبد؛ فلا يمكن لأحد ان يضع حاجزا بينه وبين قلوب الناس، فهذا موسى ﷺ قال الله له: «وألقيت عليك محبة مني» ﴿سورة طه: ٣٩﴾، فلا يراه أحد إلا أحبه، مع ان فرعون سعى بكل أدواته لتشويه سمعة موسى وتشويه رسالته، وقال محذراً منه: «إن أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» ﴿سورة غافر: ٢٦﴾، وقال: «أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين» ﴿سورة الزخرف: ٥٢﴾، ومع ذلك فقد جعل الله موسى المحبة والقبول.
* * *
الرابعة: ان الله سبحانه اذا اراد حفظ عبده فإنه يرعاه ولو أحدقت به الأهوال والمخاطر من كل اتجاه، ولو كان العبد عاجزاً عن دفع الأذى، فهذا موسى ﷺ يرعاه الله وهو في التابوت وحيداً في خضم نهر عريض عميق، ثم يرعاه في قصر الطاغية الجلاد فرعون حتى كمل نموه واشتد.
* * *
٥٩ أ. أ. أ. ١٨٨٨/١/١٤٠٠ - «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء»
الخامسة: سار موسى ﷺ من مدين وهو لا يدري عن القدر الذي ينتظره، واقترب من النار وهو لا يدري ما وراءها، بل كانت غايته الاقتباس منها أو السؤال عندها، وعين الله ترعاه، وكل خطوة يخطوها موسى فهي مكتوبة في القدر: «جئت على قدر يا موسى» ﴿سورة طه: ٤٠﴾، والمستفاد من ذلك ان يدرك المصلح انه اذا قدر الله له الرفعة والسبق وقسم له الخير؛ فإنه سيساق إلى قدره، فليطمئن، وليبذل ما عليه، فالله وليه ومولاه.
* * *
المقطع السادس من انوار قصة موسى آيات من سورة طه (٤)
دعوة الأنبياء وأهمية الرفق في الخطاب
ص63-65## المقطع السادس من أنوار قصة موسى
آيات من سورة طه (٤) قال الله تعالى:
﴿ اذهب أنت وأخوك بما يتقع ولا تبيا في ذكري ﴾ [طه: 42]
﴿ اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ﴾ ﴿ ١ ﴾
قالا: ربنا إننا نخاف أن يفسط علينا أو أن يطغى ﴾ ﴿ ٢ ﴾
قال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ﴾ ﴿ ٣ ﴾
فانتاه فقولا: إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا نعذبهم، قد جئتك بما يُرسل من ربك، والسلام على من اتبع الهدى ﴾ ﴿ ٤ ﴾
إنّا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ ﴿ ٥ ﴾
قال: فمن ربكما يا موسى ﴾ ﴿ ٦ ﴾
قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ ﴿ ٧ ﴾
قال: فما بال القرون الأولى ﴾ ﴿ ٨ ﴾
قال: علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ ﴿ ٩ ﴾
الذي جعل لكم الأرض مِهَادًا وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نباتًا شتى ﴾ ﴿ ١٠ ﴾
[سورة طه: 12-53].
## الفوائد:
الأولى: هذا الدين جاء لإصلاح الناس وهدايتهم، ولم يأتِ للانتقام منهم، حتى فرعون وهو الطاغية المفسد، إذا تاب وتذكر وخشي الله فإن الله يتوب عليه، ويقبل إيمانه، ولذلك فإن على المصلح ألا ينسى أن وظيفته الأولى هي الدعوة إلى الله تعالى، وأن الأم المستضعفين مهما بلغت المتاعب يجب ألا تنسيه هذه الوظيفة الشريفة.
الثانية: إن مقام الدعوة والتذكير يجب أن يكون مصحوبًا بالقول اللين، والخطاب الحسن، فإن الثمرة لا تتحقق إلا بذلك.
الثالثة: إن وجود الخطاب اللين والقول الحسن لا يقتضي استجابة المدعو، فقد يمنعه هواه، أو جاهه وسلطانه.
الرابعة: الأنبياء بشر، ففيهم غريزة الخوف، ولذلك قال موسى وهارون: «إنما تخاف أن يفرط علينا» [سورة طه: 45]، ولكنهم يتغلبون على هذه الغريزة باليقين والتوكل والاعتماد على الله، فحين قال الله لهما: «لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى» [سورة طه: 46] انطلقا غير مترددين، حتى حين ضاق الأمر بعد سنين أمام البحر تذكر موسى هذا الوعد الإلهي فقال: «كلا إن معي ربي سيهدين» [سورة الشعراء: 62].
الخامسة: إن اليقين بمعية الله من أعظم ما يطمئن المصلح في مسيرته ودعوته، وهي رتبة صعبة المنال لغير الأنبياء، ولكن يمكن تحقيقها إذا اجتمع في المصلح هذه الخصال:
١) العلم بالله وشريعته وسننه.
٢) تمام التصديق بأخباره.
٣) الاستحضار الدائم لمراقبته «مرتبة الإحسان».
٤) تمام التوكل عليه سبحانه.
٥) الاستهداء الدائم به.
٦) الصبر وعدم استعجال الثمرة.
السادسة: إن من أعظم ما يعين المصلح على أداء رسالته ومكابدة المصاعب ومواجهة التحديات: (دوام ذكر الله)، فالله سبحانه أمر موسى وهارون إذا انطلقا برسالة الله ألا يفترا ولا يضعفا عن ذكره: «ولا تبيا في ذكري» [سورة طه: 42]. قال الطبري رحمه الله: «ولا تبيا في ذكري» يقول: ولا تضعفا في أن تذكراني فيها أمرتكما ونهيتكما، فإن ذكركما إياي يقوي عزائمكما، ويثبت أقدامكما، لأنكما إذا ذكرتماني، ذكرتما مني عليكم نعماً جمة، ومنة لا تحصى كثرة.
السابعة: إن تحرير المستضعفين من أعظم المقاصد الإصلاحية الشريفة، وذلك لأن رسالة موسى جاءت لأمرين:
أ- دعوة فرعون وقومه إلى توحيد الله تعالى وعبادته، وهي دعوة كل الرسل، ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [سورة النحل: 36].
أقول الله تعالى: «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء».
العناية بمشكلات العصر في دعوة الأنبياء
ص66-69## القواعد:
أقول الله تعالى: «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء»
ب - تحرير المستضعفين من الذل والقهر: ﴿فأتياه فقولا إنا رسول ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم﴾ [سورة طه: ٤٧]. وهذا فيه فوائد مهمة منها:
أولاً: أهمية العناية بمشكلات العصر، وذلك أن كل نبي كان يعتني بمشكلات عصره، فاعتنى لوط ﷺ بمشكلة الفاحشة، واعتنى شعيب ﷺ بمشكلة التطفيف في الميزان، واعتنى موسى ﷺ بمشكلة المستضعفين.
ثانياً: إن وجود مشكلة كبيرة في زمن المصلح لا ينبغي أن تغفله عن المشكلة في أصل الدين وأساسه؛ لأن الأنبياء اعتنوا بكليهما. هذا وإن زماننا فيه مشكلات كثيرة، غير أن من أهمها: (مشكلة الاستضعاف والقهر للمؤمنين في كثير من بقاع الأرض)، ولذلك فإن من الأهمية بمكان علاجها والعناية بها.
الثامنة: في قول موسى ﷺ: ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من حدث وتولى﴾ [سورة طه: ٤٨]: إن الإنذار بذكر العذاب لا يتعارض مع القول اللين، وإن من المهم للمصلح أن يجمع بين الترغيب والترهيب، بل إن الخطاب الذي يكتفي بالترغيب دون الترهيب - أو العكس - فهو خطاب ناقص لا تتم الدعوة به، بل لا بد من الجمع بين الأمرين، وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ [سورة الأحزاب: ٤٥].
التاسعة: ينبغي على الداعية أن يتبه لأصول الحوار الصحيح، فلا ينزلق إلى المغالطات والمشتتات التي يطرحها الخصم، بل يركز على القضية الأساسية، ويعيد طرح البرهان عليه إن اقتضى الأمر ليظل الحديث مركزاً حولها، يؤخذ هذا من عدم استمرار موسى مع فرعون حين قال له: «فَمَا بَالُ الْفِرْعَوْنِ الْأُولَى» [سورة طه: ٥١]، أي فما بالها لم تؤمن برسالة التوحيد؟ فلم يدخل موسى معه في حوار تفصيلي حول الأمم السابقة والملابسات المتعلقة بها، وإنما اختصر الحديث فقال: «عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى» [سورة طه: ٥٢]، ثم أرجع الحديث للنقطة الأولى، واستمر في سرد الأدلة الدالة على وحدانية الله وعظمته واستحقاقه للعبادة، فقال: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا» [سورة طه: ٥٣]. وهذا منهج حواري مهم، ويذكر بما فعله إبراهيم مع النمرود حين قال النمرود: «أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ» [سورة البقرة: ٢٥٨]، انصرف إبراهيم عن مغالطته هذه فالزمه بالحجة التالية: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» [سورة البقرة: ٢٥٨]. ومع ذلك كله من الحجج والأسلوب الطيب والقول اللين، إلا أن رد فرعون كان مليئاً بالعناد والكذب والتشويه.
المقطع السابع من أنوار قصة موسى
آيات من سورة طه (٥) قال الله تعالى: ﴿قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى﴾ فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا تخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى ﴿١﴾ قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ﴿٢﴾ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴿١﴾ قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسجئكم بعذاب وقد خاب من افترى ﴿١﴾ فَنَزَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا التَّجْوِيلَ ﴿١﴾ قالوا إن هذان لسحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم الحم المثلى ﴿١﴾ فَاجْمَعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴿١﴾ قالوا يَا مُوسَى إِنَّمَا أَنتَ تَلْقَى وَإِنَّا لَنَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿١﴾ قال بل ألقوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعُصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴿١﴾ فَأَوْحَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴿١﴾ فَقُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى ﴿١﴾ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴿٢﴾ [سورة طه: ٥٧-٦٩].
تشويه الحقائق في مواجهة الطغاة
ص70-73ولا يفلح الساجر حيث أتي ﴿٢﴾ [سوره طه: ٥٧-٦٩].
الأولى: إن من سنة الطغاة والمكذبين: تشويه رسالة الحق وتشويه حملة الحق، فبعد أن بين موسى لفرعون رسالة الحق بغاية البيان؛ عمد فرعون إلى تشويهها ليحذر منها ويصرف الناس عنها، ابتداءً بالملا الذين عنده، ثم بعد ذلك لعامة الشعب، فرمى موسى بتهمتين: أ– أنه ساحر. ب– أنه جاء ليخرجهم من أرضهم.
مع أنه كان في قرارة نفسه يعلم صدق موسى و﴿وجحدوا بها واستيقنها أنفسهم﴾ [سوره النمل: ١٤]، لكنه اغتر بقوته وملكه وحاشيته وأجهزته الإعلامية والعسكرية، وهكذا هم المجرمون في كل الأعصار والأمصار، ونستفيد من ذلك: أنه ليس كل من عادى الحق فلجهله به، بل قد يكون عالماً به ولكنه مغتر بما لديه.
الثانية: من مشكلات الطغاة والمجرمين والمحرفين لدين الله أنهم يغترون بكذبهم، ويصدقون خيالاتهم، ويسيرون خلف ظنونهم، ثم ما يلبثون أن يواجهوا الحقيقة بعد فوات الأوان، وهذا ما حصل مع فرعون، حيث اغتر بقوته وتلبيسه وقال: ﴿فلنأتينك بسحر مشته﴾ [سوره طه: ٥٨]، وقال: ﴿أنا رب الأعلى﴾ [سوره النازعات: ٢٤]، ثم بعد فوات الأوان قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ [سوره يونس: ٩٠]، وهذا ليس خاصاً بفرعون، ففي كتاب الله نماذج أخرى، كما قال الله عن اليهود: ﴿وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون﴾ [سوره آل عمران: ٢٤].
الثالثة: إذا بدت بوادر المواجهة الحتمية مع أهل الباطل؛ فعلى المصلح أن يقدم ويواجه، فحين قال فرعون لموسى: ﴿فاجعل بيننا وبينك موعدا﴾ [سوره طه: ٥٨]؛ اختار موسى ﷺ أعلى ما يمكن من ساحات المواجهة وأزمنتها، فقال: ﴿موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس شحا﴾ [سوره طه: ٥٩]، وهذه الساحات يجبها الله تعالى، وهي ساحات الفرقان التي يفرق فيها بين الحق والباطل.
الرابعة: على المصلح أن لا ينسى حرصه على هداية الخلق حتى في ساحات المواجهة، وذلك أن موسى ﷺ حين أتيحت له فرصة مخاطبة السحرة قبل المناظرة قال لهم: ﴿وتلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحطكم بعذاب﴾ [سوره طه: ٦١]، وكان لهذا التذكير أثره عليهم: ﴿فتنزعوا أمرهم بينهم﴾ [سوره طه: ٦٢]، وهذا يفيد كذلك: عدم اليأس من تكرار الدعوة، ولو كان المدعو تستبعد منه الاستجابة، فقد تنفذ الكلمة إلى باطنه وتحدث أثرها ولو بعد حين.
الخامسة: أهل الباطل وإن عظمت صورتهم أمام الناس إلا أنهم في بواطنهم قد يضعفون ويترددون، ولذلك تجدهم يصبرون بعضهم ويثبتون أنفسهم إما بالترغيب أو بالترهيب، وهذا نلمسه في تزعزع أمر السحرة بسبب كلمة موسى ﷺ، ثم محاولتهم تصبير أنفسهم بقولهم: «إن هذان لسحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم» [سوره طه: ٦٣].
السادسة: إن من أكبر أسباب رفض الحق: الخوف من فقدان المكاسب الشخصية «ويذهبا بطريقتهما كم المشي» [سوره طه: ٦٣].
السابعة: إن المنغمس في الباطل يصعب عليه إدراك النبات الحسنة للطاهرين، فهو يظن أن كل الناس مثله، وهذا كان موقف السحرة حين وعظهم موسى ﷺ فلم يستطيعوا فهم دوافعه الصادقة، ففسروها بما يعرفونه من الباطل، فقالوا: «إن هذان لسحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتهما كم المشي» [سوره طه: ٦٣].
الثامنة: أهل الباطل قد يمتلكون من الأدوات التأثيرية ومن القوة المادية ما يخيف النفوس ويرهبها ويطيش العقول؛ فيتبعهم الناس لأجل هذه الأدوات ولأجل القوة المادية، فيصدقون بأفكارهم التافهة وبدينهم الباطل لا لقوة الدليل وإنما للرهبة النفسية: «فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم» [سوره الأعراف: ١١٦]. وقد يقع في نفس المصلح شيء من الرهبة لهذا الكيد والمكر العظيم ولا يكون ذلك نقصاً فيه إذا لم يهيمن عليه ولم يصرفه عن القيام بواجبه في مواجهة هذا الباطل ﴿فلوحس في تقبيبه خيفة موسى﴾ [سوره طه: ٦٧].
التاسعة: أشد الناس احتياجاً للتثبيت والمؤازرة، هم المتصدرون لمواجهة أهل الباطل، فإنهم يلاقون من كيدهم ومكرهم وشبهاتهم وأدواتهم الأمر الشديد، ولذلك قال الله لموسى ﷺ بعد أن جاء السحرة بسحرهم العظيم: ﴿فلما لا تخف لك أنت الأعلى﴾ [سوره طه: ٦٨].
العاشرة: من أكثر ما يثبت الإنسان في مقام الصراع المباشر مع أهل الباطل: أن ينظر إلى حقيقة الباطل ومقدار فساده وضعف قواعده، ويقارنه بجلال الحق الذي لديه فيرى الفرق ماثلاً أمامه، فيتمسك بالحق ويزدري الباطل: ﴿إنما صنعوا كيدا ستجري﴾ [سوره طه: ٦٩].
* * *
المقطع الثامن من أنوار قصة موسى
ثبات السحرة أمام فرعون وإيمانهم
ص75-79كيد ستجر﴾ [سوره طه: ٦٩].
* * *
المقطع الثامن من انوار قصه موسي ايات من سوره طه (٦)
قال الله تعالي: ﴿فالتي السحره سجدا قالوا، وامنا برب هارون وموسي﴾ قال عاملو له،
﴿فالتي السحره سجدا قالوا، وامنا برب هارون وموسي﴾ قال عاملو له، قبل ان ءادن لكم انه لكبيركم الذي علمكم اليسحر فلافطغن ايديكم وارجلكم في خلف ولاصلبنكم في جدوع التخل ولتعامن اثنا اشد عذابا وابقي﴾ قالوا لن تؤترك علي ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما انت قاض انما تقضي هذه الحياه الذيا اذا امنا بربنا ليغفرنا خطينا وما ارفعنا عليه من اليسحر والله خير وابقي﴾ [سوره طه: ٧٠-٧٣].
الفوائد:
الأولى: ان اليقين بصحه الحق، ورؤيه البراهين القطعيه المؤيده له، من اهم ما يجعل المسلم ثابتا علي الحق ولو كان هذا الثبات محفوفا باشد المخاطر، فالسبب الذي جعل السحره يثبتون امام تهديد فرعون هو يقينهم التام بصحه رساله موسي لانهم كانوا اعلم الناس بالسحر وطرائقه،
فحين راوا عصا موسي ادركوا يقينا ان هذا ليس بالسحر، وانه ليس من مقدور البشر، ثم استجابوا لداعي اليقين ولم يقفوا امام عقبه الهوي فخروا سجدا. لذلك لما سمع العرب القران – وهم اهل الفصاحه والبيان – ادركوا انه ليس من جنس اقوالهم، وانه فوق قدرتهم وطاقتهم، فعجزوا امامه، ولكنهم وقفوا امام عقبه الهوي ولم يتجاوزوها، فسقطوا وخسروا.
الثانية: للحق -اذا بانت انواره- سطوه علي النفوس، وتاثير علي القلوب، فالسحره حين راوا نور الحق (القوا سجدا) والتعبير بالالقاء بليغ في بيان سطوه الحق علي النفس، وهذا متكرر في كتاب الله، فانظر الي خاتمه سوره الاسراء تجد فيها وصف اثر كلام الله علي نفوس بعض المؤمنين: ﴿ويخرزون للادفاين ببكون ويزيدهم خشوعا﴾ [سوره الاسراء: ١٠٩].
الثالثة: من موضوعات القران المهمه: معرفه سبيل المجرمين وفهم نفسياتهم ودوافعهم، وهذا متكرر في القران، وفي هذه الايات ذكر لشيء من ذلك، ففرعون يري ان علي الناس ان يستاذنوه قبل ان يؤمنوا بالحق، ولا يقبل من احد ان يتبني عقيده غير عقيدته حتي ينتظر موافقته، بل هو قد قالها صراحه: ﴿ما اريكم الا ما اري﴾ [سوره غافر: ٢٩] وهذا ليس خاصا بفرعون، فهو منطق متكرر، ومع كون ذلك عجيبا؛ فان الاعجب منه موافقه الناس علي ذلك واستجابتهم له وتصديقهم له: ﴿فاستخف قومه فاطاعوه﴾ [سوره الزخرف: ٥٤].
الدين؛ استحضار كل ذلك من اهم اسباب الثبات امام الفتن والازمات والتحديات الكبري، ولذلك قال السحره لفرعون مستحضرين كل ذلك: «انما نقضي هذه الحياه الذيا» [سوره طه: ٧٢]، وقالوا: «واله خير وانقي» [سوره طه: ٧٣]، وبعكس ذلك فان الانغماس في الدنيا، والاستغراق فيها، وغياب استحضار الاخره؛
من اهم ما يضعف المؤمن ويسقطه امام الازمات. ومن المهم في هذا السياق استحضار هذا الحديث النبوي العجيب الذي يصور داء الامه اليوم ويبين حالها، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الامم ان تداعي عليكم كما تداعي الاكله الي قصعتها»، فقال قائل: ومن قله نحن يومئذ؟ قال: «بل انتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولهنزعن الله من صدور عدوكم المهابه منكم، ولهقدفن الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهيه الموت»(١).
(١) اخرجه ابو داود (٤٢٩٧)، واحمد (٢٢٣٩٧) باسناد جيد.
العبر والفوائد من المراحل التاليه في قصه موسي
كانت المقاطع السابقه من ايات قصه موسي متعلقه بالمراحل الاولي من دعوته، ابتداء من ولادته، ثم بعثته، ثم حواره مع فرعون، ثم يوم الزينه وعلو كلمه الحق علي كلمه الباطل، فاسلام السحره، ثم انتقلت الاحداث الي مرحله جديده، وهي مرحله الصبر والثبات علي الايمان، والابتعاد عن اعين الظلمه والمتجبرين، مع الفال وحسن الظن والاتباع.
* * *
المقطع التاسع من انوار قصه موسي ايات من سوره الاعراف قال الله تعالي: ﴿وقال الملا من قوم فرعوت انذر موسي وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وءالهتك قال سنقبل ابناء هم ونستحيء نساء هم وانا فوقهم قهروت ﴿١﴾ قال موسي لقومه استعيدوا بالله واصبروا ان الارض
صبر المؤمنين في مواجهة الطغاة
ص81-83فوقهم قهروت ﴿١﴾ قال موسى لقومه استعيدوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ﴿٢﴾ قالوا أُوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴿٣﴾ ولقد أخذنا فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ﴿٤﴾ وإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطبروا بموسى ومن معه؟ ألا إنما طبرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴿٥﴾ وقالوا مهما تأتينا به من آياته لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ﴿٦﴾ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين ﴿٧﴾ [سورة الأعراف: ١٢٧–١٣٣].
٨٢ إقرار الشكوى «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء» الفوائد:
الأولى: هذه الآيات تدل على أن نفوس الطغاة المتكبرين لا تخضع للحق: ﴿كذلك يطبع الله على قلب متكبر جبار﴾ [سورة غافر: ٣٥]، وذلك أنه بعد ظهور الحق، وعلو كلمته، واستبانة فساده لكل مريد للحق؛ ازداد فرعون طغياناً وجبروتاً، فتوطد المؤمنين بالقتل والاستعباد من جديد: ﴿سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم﴾ [سورة الأعراف: ١٢٧]، والملا من قومه لم يتبعوا السحرة في الإيمان والإسلام، وإنما اتبعوا فرعون، وهذا يدل -كذلك- على أن أهل الجاه والطمع من حاشية الملوك ووزرائهم -هم أبعد الناس عن اتباع الحق بعد ظهوره، وهم أشد من يجعل المتجبرين يتبادلون في طغيانهم، فالملا من قوم فرعون هم الذين قالوا له: ﴿أنذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتكم﴾ [سورة الأعراف: ١٢٧].
الثانية: من يتأمل قصص الأنبياء يفهم منها أن الإصلاح إذا كان في مرحلة علو كلمة المجرمين وشدة هيمنتهم فإن على المصلحين فعل ما يمكنهم وليس عليهم تغيير كل شيء، فموسى ﷺ لم يأخذ المؤمنين معه لقتال فرعون بعد أن ظهر الحق، فهذا ليس بالإمكان، وإنما أوصاهم بالصبر، وفتح لهم باب الأمل.
وإذا تأملنا هدي الأنبياء في مثل هذه المرحلة التي يهيمن فيها الظالمون فسنخرج بهذه المعالم:
١- تبليغ الحق وإقامة الحجة بالأسلوب اللين: «فقول له قولا لينا» [سورة طه: ٤٤].
٢- ثم مواجهة المبطلين بحجج الحق، ودحض أباطيلهم، وإعلاء كلمة الحق: «موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى» [سورة طه: ٥٩]، «فاصدع بما تؤمر» [سورة الحجر: ٩٤]، «وجاهدهم به جهاداً كبيراً» [سورة الفرقان: ٥٢]، به: أي بالقرآن.
٣- العناية بالمؤمنين المتبعين للحق وتربيتهم على العبادة والصبر والثبات والتوكيل: «قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا» [سورة الأعراف: ١٢٨]، «واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة» [سورة يونس: ٨٧]، «إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا» [سورة يونس: ٨٤]. [دار الأرقم].
٤- تربية المؤمنين على التفاؤل والاستبشار بحسن العاقبة ومحاربة اليأس: «عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض» [سورة الأعراف: ١٢٩]، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لحباب وقد جاء شاكياً من شدة ظلم المشركين بمكة: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
الابتعاد عن الظلم والصبر على البلاء
ص84-86لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). ٨٤ أقوال الأئمة «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأدباء».
تستعجلون). ٨٤ أقوال الأئمة «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأدباء».
٥ - الابتعاد عن بلد الظلم وسطوة أهله بعد ظهور الحق وتمادي الباطل: كما في السيرة النبوية من [الهجرة إلى الحبشة – ثم الهجرة إلى المدينة]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوأا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلته﴾ [سورة يونس: ٨٧]. قال السعدي رحمه الله في تفسيرها:
﴿واجعلوا بيوتكم قبلته﴾ [سورة يونس: ٨٧]. قال السعدي رحمه الله في تفسيرها: (أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتًا، يتمكنون من الاستخفاء فيها، ﴿واجعلوا بيوتكم قبلته﴾ أي: اجعلوها محلًا، تصلون فيها، حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيع العامة).
٦ - اتباع الوحي والامتثال لمقتضاه والثقة بمعية الله ووعده، والإيمان بأنه سبحانه يتولى نصر المؤمنين وإهلاك الظالمين: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أمر عبادي﴾ [سورة طه: ٧٧]، ﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ [سورة الشعراء: ٦١ - ٦٢].
﴿وأمصوا حيث تؤمرون﴾ [سورة الحجر: ٦٥]، ﴿فأوحينا إليهم ربهم لتهلكن الظالمين ولنستعلمن الأرض من بعدهم﴾ [سورة إبراهيم: ١٣ - ١٤].
الثالثة: في قوله سبحانه: ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا﴾ [سورة الأعراف: ١٢٩]. دليل على أن البلاء على المستضعفين قد يطول ويمتد لأزمنة طويلة، فقوم موسى كانوا يؤذون من قبل ولادته، وامتد بهم الابتلاء عشرات السنين إلى وقت نبوته ﷺ، ثم لما بعث الله موسى إلى فرعون، وأقام عليه الحجة وذكره، ثم التقى معه يوم الزينة الذي أعلى الله فيه كلمة الحق على كلمة الباطل، ثم بعد ذلك كله يقول فرعون - بعد ظهور الحق وإسلام السحرة-: «سَأَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ وَأَسْتَعْفِي نِسَاءَهُمْ وَأَنَا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ» [سورة الأعراف: ١٢٧]،
وهو لم يقصر قبل ذلك في قتل الأبناء وذبحهم، وإنما جدد الآن هذا القرار ليعود إليه مرة أخرى بقوة، وذلك أمام شعب مستضعف مقهور قد طال عليه البلاء، ولذلك قال أصحاب موسى ﷺ له: «أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا» [سورة الأعراف: ١٢٩]، وهذا فيه عزاء لمن طال بهم البلاء، وتوالت عليهم المصائب والكربات، واستبطؤوا النصر والفرج؛ بأنهم ليسوا وحدهم، وبأن ما جرى عليهم فقد جرى على الأمم من قبلهم، وأن الله سبحانه قد بين كل ذلك، وهذا يقتضي أن يتصبر الإنسان ويرجو من الله العون والمدد، ولذلك قال لهم موسى ﷺ:
«اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ» [سورة الأعراف: ١٢٨]، ثم ذكرهم بأن هؤلاء الأعداء الطغاة وإن طالت أيامهم واشتد ظلمهم إلا أنهم تحت سلطان الله وحكمه، وأن الله قادر على إهلاكهم، فقال: «قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَعْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [سورة الأعراف: ١٢٩].
الرابعة: إن لمرحلة الاستضعاف ابتلاءاتها، ولمرحلة التمكين ابتلاءاتها، فأما ابتلاء مرحلة الاستضعاف فالقتل والأسر والتعذيب والاستعباد والاستهزاء والسخرية والمنع من التعبد وإقامة الدين، وأما ابتلاء مرحلة التمكين ففتنة الدنيا والتنافس والتحاسد والتدابر والغرور،
وفتنة الانصراف عن التعبد وعن الاستقامة انشغالًا بالمغريات والمكتسبات المادية، ولذلك قال موسى ﷺ لقومه: «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّهُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [سورة الأعراف: ١٢٩]، فالشان ليس في مجرد الاستخلاف في الأرض، وإنما في العمل بعد الاستخلاف،
وإن من خطأ بعض السياقات الإسلامية أنها تربي أبناءها على أن الاستخلاف والوصول إلى الحكم وتحرير الأرض هي تمام المشوار وغاية الطريق، بينما نجد في القرآن أن التمكين هو بداية مشوار آخر من الابتلاءات: «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّهُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [سورة الأعراف: ١٢٩].
الخامسة: المؤمن لا ينظر إلى القوة المادية المهيمنة باعتبارها أمرًا دائمًا محتمًا لا يمكن أن يزول، وإنما ينظر إليها على أنها تحت قدرة رب العالمين وإرادته، ولذلك فإنه لا ييأس ولا يقنط، وفي نفس الوقت: لا يستعجل الثمرة ولا يستبطئ النصر، فالميزان الإلهي يختلف عن الميزان البشري. ٨٧ ا. ا. ا. ا. ١٨٧٣
حلم الله وعقاب الطغاة
ص87-89فالميزان الإلهي يختلف عن الميزان البشري.
٨٧ ا. ا. ا. ا. ١٨٧٣
السادسة: هذه الآيات فيها شأن عجيب حول حلم الله سبحانه على عباده، مع أن فرعون وملاه أسرفوا وطغوا وتجاوزوا الحد، واستمرؤوا الظلم، وذبحوا الأطفال، وكفروا بالله وادعوا الألوهية لفرعون، ثم بعد ذلك بين لهم الحق بالقول اللين فلم يتذكروا ولم يخشوا، ثم أقيمت عليهم الحجة أمام الناس يوم الزينة،
يتذكروا ولم يخشوا، ثم أقيمت عليهم الحجة أمام الناس يوم الزينة، فلم يزدادوا إلا طغيانا، وأعادوا قتل الأبناء واستضعاف المقهورين، وبعد ذلك كله لم يأخذهم الله بالعذاب الذي يستأصلهم مباشرة، ولم يقطع عنهم أسباب الهداية، بل قدر عليهم بعض أحوال النقص والعذاب الأدنى لعلهم يذكرون بالشدة بعد أن رفضوا التذكر بالقول اللين والموعظة الحسنة، فقال سبحانه:
«ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون» ﴿سورة الأعراف: ١٣٠﴾
ومع ذلك فإنهم لم يرتدعوا، بل نسبوا سبب هذا البلاء والنقص إلى موسى ومن معه وتشاءموا بهم:
«وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه» ﴿سورة الأعراف: ١٣١﴾
فزاد الله عليهم هذه الشدة:
«فارسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا فيها مجرمين» ﴿سورة الأعراف: ١٣٣﴾
ثم لما تكالبت عليهم هذه الأقدار المؤلمة والمصائب والآفات ذلوا ووعدوا بالخضوع والإيمان:
«لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولترسلن معك بني إسرائيل» ﴿سورة الأعراف: ١٣٤﴾
٨٨ ا. ا. ا. ١٨٨٨
«تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء»
فطلبوا من موسى ﷺ أن يدعو ربه ليكشف عنهم الرجز، فدعا، فكشف الله عنهم – إلى أجل – فلم يعودوا إلى ما وعدوا، بل نكثوا ورجعوا إلى ما كانوا عليه.
وهنا، وبعد كل هذه العقود الطويلة الأمد من الظلم والكفر والطغيان والاستعلاء والإسراف والغرور – والله يحلم عليهم ويمهلهم ثم يهيئ لهم الفرصة للرجوع والذكر والإيمان –، وبعد كل ما رفضوه من الآيات والحجج والبيئات – والله يفتح لهم أبوابا أخرى متتالية من الآيات –،
والحجج والبيئات – والله يفتح لهم أبوابا أخرى متتالية من الآيات –، وبعد رؤيتهم للعذاب الأدنى ثم استكبارهم وجحودهم، وبعد نكثهم العهد، وجحودهم ونكوصهم؛ بعد كل ذلك، انتقم منهم الجبار القهار سبحانه:
﴿فلما آسقونا انتقمنا منهم فاغرقناهم أجمعين﴾ ﴿٨٨﴾
﴿فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين﴾ ﴿٨٩﴾ ﴿سورة الزخرف: ٥٥-٥٦﴾
وفي هذا – والله – أنواع من العبرة والعظة، وفي ذلك باب من أبواب العلم بالله عظيم، وسبب من أسباب معرفة سننه كبير، فسبحان الله الحليم، وسبحان الله العلي العظيم، وسبحان الله العزيز الرحيم، وسبحان الله العزيز القهار، لا يهزم جنده، ولا يخلف وعده، ولا إله غيره.
المقطع العاشر من أنوار قصة موسى آيات من سورة يونس
قال الله تعالى:
﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وأن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين﴾ ﴿١٢﴾
وقال موسى قومه:
«إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين» ﴿١٣﴾
فقالوا:
«على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين» ﴿١٤﴾
«وبنجنا برحمتك من القوم الكافرين» ﴿١٥﴾
وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبارك المؤمنين ﴿١٦﴾
وقال موسى:
«ربنا إنك آتيت فرعون وملائه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» ﴿١٧﴾ ﴿سورة يونس: ٨٣-٨٨﴾
الفوائد:
الأولى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ﴿سورة يونس: ٨٣﴾، المراد ب (الذرية) في الآية -عند طائفة من المفسرين-: هم الشباب، وفي هذا فائدة، وهي: أن الفتيان والشباب من أكثر من يرجى صلاحهم واستجابتهم للدعوة ثم حمل أعبائها، والمتأمل في سيرة النبي ﷺ سيجد أن عامة أصحابه شباب، وأن كثيرا ممن أسلم
٩٠ ا. املاء المبيات «تأملات في المنهاج الإصلاحي للأنبياء»
الشباب ودورهم في الدعوة والإصلاح
ص90-93ممن اسلم ٩٠ ا. املاء المبياه «تاملات في المتهاج الاصلاحي للانبياء» مبكرا هم من الشباب، وكان لهم عند النبي ﷺ شان وكان لهم في الاسلام شان، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالي: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ [سورة الكهف: ١٣]، قال: (فذكر تعالي انهم فتيه –وهم الشباب– وهم اقبل للحق، واهدي للسبيل من الشيوخ، الذين قد عتوا وعسوا في دين الباطل، ولهذا كان اكثر المستجيبين لله ولرسوله ﷺ شبابا، واما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا علي دينهم، ولم يسلم منهم الا القليل، وهكذا اخبر تعالي عن اصحاب الكهف انهم كانوا فتيه شبابا)، فعلي المصلحين ان يركزوا علي الشباب في البناء والتربية والتهيئة للدعوة والاصلاح وحمل رسالة الاسلام.
الشباب في البناء والتربية والتهيئة للدعوة والاصلاح وحمل رسالة الاسلام.
الثانية: في قوله سبحانه: ﴿على خوف من فرعون وملئهم أن يقتنهم﴾ [سورة يونس: ٨٣] دلالة علي ان ايمان هؤلاء الشباب لم يكن في حال رخاء وسعة، بل كان في حال خوف واستضعاف، وكانوا بايمانهم ذلك قد خالفوا فرعون الجبار المفسد المتكبر، وخالفوا كبار قومهم وملئهم، وهذا يدل علي ان المؤمنين ولو كانوا شبابا صغارا؛ فإنه يمكنهم تحمل أعباء الايمان ولو كانت الظروف السياسية ملبدة بالغيوم والقيود والعذاب.
٩١ ا. ا. ا. ٢ « تاملات في المنهاج الاصلاحي للانبياء »
والقيود والعذاب.
٩١ ا. ا. ا. ٢ « تاملات في المنهاج الاصلاحي للانبياء »
الثالثة: في قوله سبحانه ﴿أن يقتنهم﴾ [سورة يونس: ٨٣] دلالة علي ان اعظم ما خافه هؤلاء الشباب الذين آمنوا مع موسى ﷺ إنما هو الفتنة في الدين، أكثر من خوفهم علي نقص دنياهم، ومن كان هذا همه فهو علي خير وسلامة إن شاء الله.
الرابعة: ان من اعظم ما ينبغي علي المؤمن تذكره عند هيمنة الظالمين المفسدين: تحقيق التوكل علي الله سبحانه وتعالي، وهذا ما أوصي به موسى هؤلاء المؤمنين معه: ﴿إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا﴾ [سورة يونس: ٨٤]، والتوكل في مثل مقامات الاستضعاف هذه يستحضر فيه:
- التوكل علي الله في الثبات علي الدين.
- والتوكل علي الله في دفع أذى الأعداء وتسلطهم.
- والتوكل علي الله في فتح أبواب الفرج والتمكين والعمل بها يمكن.
الخامسة: التزام الدعاء في أزمنة الاستضعاف من أهم ما ينبغي الحرص عليه، وخاصة الأدعية الواردة في القرآن عن الأنبياء وأتباعهم، ومما تكرر في القرآن من ذلك: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ [سورة يونس: ٨٥]، حيث وردت في قصة موسى هنا، وفي قصة إبراهيم ﷺ في سورة الممتحنة: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ [سورة الممتحنة: ٥]، والمقصود بهذا الدعاء كما يقول ابن سعدي في تفسير الآية: (أي: لا تسلطهم علينا، فيفتنونا، أو يغلبونا، فيفتتنون بذلك، ويقولون: لو كانوا علي حق لما غلبوا).
السادسة: في قوله سبحانه: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوأا لقومكم بمصر بيوتا﴾ [سورة يونس: ٨٧]، قال ابن سعدي رحمه الله: (أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتا، يتمكنون من الاستخفاء فيها)، وهذا فيه من الفائدة: حرص المؤمنين في أزمنة هيمنة الباطل وطغيانه أن يبتعدوا عن مصدر الفتنة والشر قدر المستطاع، أما بالهجرة أو الاستخفاء كما قال ابن سعدي في تفسير الآية، كحال المؤمن من آل فرعون الذي كان يستخفي بإيمانه ويكتمه، ويستفاد من الآية كذلك أهمية تقارب المؤمنين من بعضهم أوقات الفتن حساً ومعنى.
السابعة: في قوله سبحانه: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة﴾ [سورة يونس: ٨٧]، قال الطبري: (واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها)، وقال ابن سعدي: (أي: اجعلوها محلا، تصلون فيها، حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيع العامة)، وهذا يدل علي مقدار الهيمنة الفرعونية بحيث عجز المؤمنون من بني إسرائيل عن إقامة الصلاة في دور العبادة واضطروا للاستخفاء والصلاة في بيوتهم، ويدل من جهة أخرى علي مركزية الصلاة في حياة المؤمنين، وعلي توارد الأنبياء عليها، وهي مما يستعين المؤمن به في أزمته الاستضعاف، كما قال سبحانه: ﴿ألم ترسل إلى بني إسرائيل قل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة النساء: ٧٧].
وقال سبحانه: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [سورة البقرة: ٤٥].
الثامنة: في قوله سبحانه: ﴿ونصر المؤمنين﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣]. قال ابن كثير: (أي: بالثواب والنصر القريب)، وقال ابن سعدي: (بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، وحين اشتد الكرب، وضاق الأمر، فرج الله ووسعه)، وفي هذا من الفائدة: أهمية التبشير أوقات الاستضعاف والأزمات والفتن، وهذا من أهم أدوار المصلحين الثابتين، وفي زماننا هذا نحن أحوج ما نكون إلى التبشير والتثبيت والتفاؤل، وهذا إنما يكون للمؤمنين الصادقين المتوكلين المجانين الفتن.
* * *
المقطع الحادي عشر من أنوار قصة موسى آيات من سورة الشعراء
عبر ودروس من قصة موسى وفرعون
ص95-98## المجانين الفتن
* * *
المقطع الحادي عشر من أنوار قصة موسى
آيات من سورة الشعراء قال الله تعالى: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنهم مشرفون ﴾
فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ وأنهم لنا لغائظون ﴿ وإنا لجميع حذرون ﴾
فاخرجناهم من جنات وعيون ﴿ وكنوز ومقام كريم ﴾ كذلك وأورثناها بني إسرائيل ﴿ فأشبعناهم مشرفين ﴾
فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى: أنا لمدركون ﴿ قال كلا إن معي ربي سيهدين ﴾
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾
وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ﴿ [سورة الشعراء: ٥٢-٦٧] ﴾
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ﴿ [سورة الشعراء: ٥٢-٦٧] ﴾
الفوائد:
الأولى: المتتبع للآيات المتعلقة بفرعون يدرك أنه بلغ في التمكن في مملكته أمراً عظيماً، وأنه كان يمتلك من الأدوات التنفيذية ومن الجنود الشيء الكثير، فهنا استطاع فرعون أن يجسد بسرعة جميع المقاتلين من كل المدائن في مملكته، حتى أدرك موسى في زمن يسير، ومن الواضح كذلك أن الآلة الإعلامية للحكومة الفرعونية تعمل بنشاط وفي جميع الحالات، فالسعي الدائم لتشويه موسى ﷺ ومن معه واضح في القصة، كما في تكرار فرعون اتهام موسى بأنه يريد إخراجهم من الأرض، وكذلك سعيه في استنفار قومه وجنوده، وذلك بوصف موسى ﷺ ومن معه بأنهم شرذمة قليلون، وكذلك ببيان أن خطرهم ينال الجميع وليس خاصاً بالحكومة.
فقال: ﴿ وإنا لجميع حذرون ﴾ [سورة الشعراء: ٥٦] كما قال ابن سعدي: (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ أي: الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة)، وهذه سنة مستمرة في الظالمين والمجرمين، يستعملون نفس الأسلوب، وما أشبه الليلة بالبارحة.
الثانية: إهلاك الظالمين أمر عظيم، يحب الله تعالى منا أن نتفكر فيه، ونقف عنده، ونتأمله، ونعتبر به، ولذلك كرر علينا ذكر مصارع الكافرين والظالمين في كتابه العزيز، وخاصة ما ورد في فرعون، فهو أكثر طاغية جرى ذكره في القرآن العزيز، وإذا كان هذا في التاريخ فإن سنة الله لا تزال جارية، فليعتبر المؤمن بمصارع الظالمين وما يجريه الله من تقليب أحوالهم، نسأله سبحانه أن يسلط عليهم جنده، وأن يلحقهم بأسلافهم وأشكالهم، إنه عزيز رحيم.
الثالثة: من أعظم ما يحتاجه قادة المصلحين المتبعين للأنبياء: الثقة بالله والتوكل عليه والإيمان بمعيته، كما قال موسى في هذه الآيات: «إن معي ربي سيهدين» [سورة الشعراء: ٦٢]، وكما قال محمد: «لا تحزن إن الله معنا» [سورة التوبة: ٤٠].
فإن قيل ولكن الأنبياء عندهم وعد معين من الله تعالى، وأما المصلحون بعدهم فليس عندهم هذا الوعد، فالجواب من وجهين:
(١) إنه وإن انقطع الوحي إلا أن سنن الله ماضية لا تتبدل ولا تتغير، وجميل أفعاله وعوائد إحسانه بالصالحين من عباده مستمرة لا تنقطع، ومنها: نصر المؤمنين الصابرين المتقين المتوكلين عليه سبحانه، فعلى المصلحين الممتثلين لهذه الصفات أن يثقوا بالله ويحسنوا الظن به سبحانه.
(٢) إن معية الله تعالى ليست خاصة بالأنبياء، فقد ذكر الله في كتابه معيته للصابرين، فقال سبحانه: ﴿ والله مع الصابرين ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٩]، وللمتقين فقال: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ [سورة البقرة: ١٩٤]، فالمعية لا تخص الأنبياء وحدهم.
الرابعة: المصلح ليس مطالباً بأن يعرف كل الخطوات والمراحل الإصلاحية التي سيسلكها، وإنما عليه أن يبذل ما عليه، ويفعل ما يمكن، فإذا أغلقت الأبواب في وجهه كما أغلق البحر الطريق على موسى ﷺ؛ فإنه مطالب بالاستهداء والتوكل، إذ أن موسى ﷺ لم يكن يعلم المخرج من هذا الإغلاق حتى أوحي الله إليه بأن يضرب بعصاه البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.
المقطع الثاني عشر من أنوار قصة موسى آيات من سورة الأعراف (٢)
وراثة الأرض في القرآن الكريم
ص99-103## المقطع الثاني عشر من أنوار قصة موسى
قال الله تعالى: ﴿فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين﴾ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق الأرض ومغربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ [سورة الأعراف: ١٣٦-١٣٧].
الفوائد:
## المقطع الثالث عشر من أنوار قصة موسى
قال الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ ﴿١﴾ ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ ﴿٢﴾ قالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ ﴿٣﴾ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ ﴿٤﴾ قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون﴾ ﴿٥﴾ قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ ﴿٦﴾ قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ ﴿٧﴾ [سورة المائدة: ٢٠-٢١].
الفوائد:
أهمية الشكر والتوكل في النصر
ص104-107لانها ١٠٤ اقوال الائمانه «تاملات في المنهاج الاضلاحي للانماء» تجعله دائم الشكر، ودائم التواضع، وذلك ان النصر والفتح والغنيمه قد تؤدي الي البطر والغرور، فاذا تذكر المؤمن ايام الفقر والذل والقله، وان الله سبحانه انما هو الذي كثرهم وقواهم، عاد اليه رشده، وخضع وتواضع.
ومما ورد في ذلك في غير قصه موسي ﷺ ما جاء في سوره الانفال اذ ذكر الله المؤمنين بعد ان انتصروا في بدر حالمم السابق؛ فقال لهم سبحانه: ﴿وادكروا اذ انتم قليل مستضعفون في الارض تعافون ان يتخطفكم الناس فناودكم وايدكم ينصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون﴾ [سوره الانفال: ٢٦].
الثانيه: ان من صور شكر الله علي نعمه: العمل لدينه والجهاد في سبيله، وذلك ان الامر بدخول الارض المقدسه انما جاء بعد التذكير بالنعمه، كما قال ابن عاشور رحمه الله في تفسير الايه: (قدم موسي ﷺ امره لبني اسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمه الله عليهم، ليهيئ نفوسهم الي قبول هذا الامر العظيم عليهم، وليوثقهم بالنصر ان قاتلوا اعداءهم).
الثالثه: ان الله سبحانه وان كان قد كتب النصر للمسلمين في معركه او مرحله؛ فان سنته تقتضي ان يبذل المؤمنون الاسباب في تحقيق هذا النصر، ولا ينتظروا الوعد الالهي دون عمل، فهنا قال موسي ﷺ لقومه: ﴿ادخلوا الارض المقدسه الق حتب ١٠٥ | القاء للاشياء «تاملات في المنهاج الاضلاحي للاشياء» الله لحمه [سوره المائده: ٢١]، فاخبرهم انها مكتوبه لهم، ولكن لا بد ان يبذلوا السبب ليتحقق الوعد، ولكنهم لفسادهم، ولجبنهم وخورهم ارادوا ان يتحقق الوعد دون بذل وعمل، فقالوا: «فان يخرجوا منها فانا داخلون» [سوره المائده: ٢٢]. وسنه الله تقتضي انهم لن يخرجوا منها هكذا دون سبب وبذل، والله المستعان.
الرابعه: في قوله سبحانه: «قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما» [سوره المائده: ٢٣] فائده، وهي ان الخوف من الله تعالي من اعظم اسباب الثبات وقت الشدائد والازمات، فمن اراد تربيه الشباب علي الثبات عند الازمات فليغرس فيهم مخافه الله تعالي؛ فالخائف من الله يصغر عنده معني الخوف من غيره، كما قال سبحانه: «فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين» [سوره ال عمران: ١٧٥]، وبعكس ذلك، كلما قل في القلب الخوف من الله زاد الخوف من غيره.
الخامسه: اهميه تحمل مسؤوليه النصيحه وتحريض المؤمنين، فهذان الرجلان الداعيان قومهما، قاما بذلك مع وجود نبي الله موسي ﷺ، وهذا كفعل بعض الصحابه في زمن النبي ﷺ مثل مبادره ابي بكر بدعوه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما الي الاسلام في بدايه النبوه، فاستجابوا له.
السادسه: في قوله سبحانه: «وعلي الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين» [سوره المائده: ٢٣] فائده، وهي ان التوكل علي الله من اعظم الاعمال التي ينبغي استحضارها عند مواجهه الاعداء، فان التوكل عليه سبحانه مقامات متنوعه، من اعظمها: التوكل عليه في جهاد اعدائه ورفع كلمته.
السابعه: في قوله سبحانه: «فانها محرمه عليهم اربعين سنه» [سوره المائده: ٢٦] فائده، وهي انه حين يكون النصر علي الاعداء ممكنا، وسببا تحقيقه سهلا، وحين يكون طريقه واضحا، ثم يحصل التعاون والتاخر من المؤمنين في السعي اليه، فقد تكون عقوبتهم تاخير النصر ازمنه مديده؛ فيبعد ما كان قريبا، ويؤجل ما كان حاضرا، ولذلك فليتنبه العاملون في مختلف الميادين الاصلاحيه ممن يلهيهم الشقاق والنزاع والخصومات مع كون طريق الاصلاح واضحا، والحاجه الي التركيز عليه ملحه، ولكنهم ينشغلون ببعضهم لا بالاعداء، فليتنبهوا وليخشوا ان يصيبهم ما اصاب بني اسرائيل حين منعهم الله من الوصول الي الثمره وقد كانت في متناول ايديهم فصارت اعسر شيء عليهم وابعده، وصاروا يتيهون في الارض علي غير هدي بعد ان كانوا علي وشك دخول الباب، والله المستعان.
ومما يتعلق بذلك من الفوائد: ان النصر قد يتاخر ولو وجد الصادقون والناصحون، اذا كانت هناك حاله عامه من الانحراف والفساد بين العاملين؛ اذ ان وجود الناصحين ووجود موسي معهم لم يتم به النصر، بل عاقب الله قومهم لتاخرهم وتراجعهم وفسقهم (١).
* (١) هذه الفائده الاخيره اشار اليها احد الطلاب حين كنت اذاكرهم بفوائد انوار الانبياء، فوفقه الله وسدده وجزاه خيرا.
المقطع الرابع عشر من انوار قصه موسي ايات من سوره الاعراف (٣)
مناجاة موسى وأهمية الاستعداد الروحي
ص109-111## المقطع الرابع عشر من أنوار قصة موسى
آيات من سورة الأعراف (٣) قال الله تعالى:
﴿ ووعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾
﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أظهر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾
﴿ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلمي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٢-١٤٤]
### الفوائد:
**الأولى:** الموعد العظيم بين الله تعالى وبين موسى ﷺ كان لا بد له من مقدمات وتهيئة، فواعده الله تبارك وتعالى أربعين ليلة، كان يتهيأ فيها بالتعبد والصيام، استعداداً لمناجاة الله تعالى، وقيل إن المناجاة كانت في العشر الزائدة على الثلاثين، وقيل بل بعد الأربعين، وقيل غير ذلك.
**الثانية:** المصلح يحتاج إلى فترات انقطاع للتعبد يتزود فيها، ويتفكر ويتأمل، وهذه من الأمور المهمة جداً، ولذلك كان النبي ﷺ يعتزل كل عام في العشر الأواخر من رمضان بالاعتكاف وحده لينقطع للعبادة.
**الثالثة:** لا ينبغي للمصلح إذا أراد أن يتفرغ لبعض الأعمال التعبدية أو العلمية أن يضيع من وراءه من الطلاب والمدعوين، وإنما يولي عليهم من يقوم بشأنهم، فهذا موسى يستخلف هارون ويوصيه على قومه أن يستمر في طريق الإصلاح ﴿ اخلفني في قومي وأصلح ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٢]، صلى الله عليهما وسلم، وهذا يدل في الوقت ذاته على حرص موسى الشديد على قومه، وهكذا ينبغي أن يكون المصلح.
**الرابعة:** إن المصلح وإن بلغ من العلم ما بلغ فإنه يحتاج إلى الاستفادة ممن هو أعلم منه، وهذا من موقف هارون ﷺ مع أخيه موسى ﷺ.
**الخامسة:** أهمية الازدياد من التعرف على الله والعلم به، وأهمية ذلك للمؤمن وإن كان قد بلغ ما بلغ من العلم والمعرفة والدعوة والإصلاح، فهذا الموضوع هو المبتدأ والمنتهي، وقد سلكه قبل ذلك إبراهيم ﷺ حين قال:
« رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٠]، وكذلك في هذه الآيات مع موسى ﷺ حين رأى ما رأى ازداد إيماناً وقال:
« سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣].
**السادسة:** في قوله سبحانه:
« إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلمي ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٤]، بيان بأن من أعظم ما ينبغي أن يفاضل به الخلق هو مدى امتلاكهم لمصدر الإرشاد الإلهي ومدى العلم به، فالله فضل موسى ﷺ واصطفاه بكونه كلمًا وعلمه وأرسله، ومن هنا ينبغي أن يكون الشرف لاتباع الأنبياء بقدر اتباعهم للأنبياء في العبادة: « إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه » (١)، والرسالة (العلماء ورثة الأنبياء).
**السابعة:** في قوله سبحانه:
« فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٤]، بيان بأن النعم لا تنحصر في الأشياء المادية، بل إن من أعظم النعم التي تستوجب الشكر نعمة الهداية ونعمة العلم بالله وبشريعته.
(١) صحيح البخاري (٥٣١).
## المقطع الخامس عشر من أنوار قصة موسى
آيات من سورة الكهف
تأملات في قصة موسى والخضر
ص113-116المقطع الخامس عشر من أنوار قصة موسى آيات من سورة الكهف قال الله تعالى:
﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى ألقى مجمع البحرين أو أمضي حقبا﴾ فلما بلغا مجمع بينهما نسيَا خُورَهما فاتخذ سبيله في البحر سُرُبًا ﴿١﴾ فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَبًا ﴿٢﴾ قال أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَبَتُّ الْحُوتَ وَمَا أَنَسَانِيَهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿٣﴾ قال ذلك ما كنا نبغِ فارتدّا على آثارهما قصصًا ﴿٤﴾ فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا ﴿٥﴾ قال له موسى هل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦﴾ قال إنك لن تستطيع معي صبرًا ﴿٧﴾ وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خُبْرًا ﴿٨﴾ قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا ﴿٩﴾ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا ﴿١٠﴾ [سورة الكهف: ٦٠-٧٠].
الفوائد:
الأولى: مهما بلغ الإنسان من العلم فهو يحتاج إلى الازدياد، ويجب أن يظل متطلبًا للازدياد، وذلك أن موسى قد رحل -وهو كليم الله- إلى مجمع البحرين لا غاية إلا ليتعلم من الخضر، وقال له «هل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ».
الثانية: أهمية محافظة المصلح على خلق التواضع، وذلك أن موسى ﷺ أفضل من الخضر؛ فهو من أولي العزم من الرسل وكليم الله تكليمًا، ولديه من العلم بالتوراة وما أنزل الله فيها ما ليس عند الخضر، ومع ذلك فإنه تواضع كل هذا التواضع، ورحل وتعب ونصب ليلقي الخضر على سبيل التعلم منه، وقبل بشرطه ﷺ واتبعه، وهذا في غاية العجب وغايه الكمال، وهذا ما ينبغي أن يتذكره المصلح كلما عظمت نفسه ولاحت بوادر العجب لديه.
الثالثة: الشيطان له عمل خاص في إفشال خطوات المصلحين، وأحيانًا يكون ذلك بالعمل على الدوائر القريبة منهم، وذلك أنه أنسى فتى موسى أن ينبهه على فقدان الحوت، مع أن ذلك الحدث لا يتصور نسيانه في العادة، فإنه هو العلامة المؤقتة لها أنه إذا فقد الحوت فإن مطلوبهما ثمة، خاصة وأن كيفية فقدان الحوت كانت عجيبة جدًا -كما في القصة الواردة في الصحيحين-، ومع كل ذلك فقد نسي الفتى أن ينبه موسى ﷺ، وما ذاك إلا من الشيطان ليعلل مطلب موسى ﷺ ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ [سورة الكهف: ٦٣]، وهذا يذكرنا بما فعله الشيطان مع الفتى الذي نجا من السجن، والذي أوصاه يوسف ﷺ بأن يذكره عند الملك، فأنساه الشيطان ذكر ربه، وذلك من كيد الشيطان ليبقي يوسف في السجن.
الرابعة: أن طالب الغايات العظيمة لا ينبغي أن يلتفت إلى المشتقات والعوائق الجزئية، فموسى ﷺ لم يقف عند نسيان فتى ولا على ما تسبب به من فوات ما فات من الوقت ولا على الجهد الزائد، بل التفت مباشرة إلى الغاية، وقال: «ذلك ما كنا نبغ» ﴿سورة الكهف: ٦٤﴾.
الخامسة: شرف العلم، وفضل الرحلة فيه، فإن ما فعله موسى ﷺ يمكن أن يوصف بأنه رحلة في طلب العلم، ولذلك فقد أخرج الإمام البخاري قصة موسى والخضر في كتاب العلم في ثلاثة مواضع منه، وبوب على أحداها بقوله: (باب الخروج في طلب العلم).
السادسة: أهمية محافظة المصلح على روح العزيمة وأن تبقى همته عالية، وأن لا تثقله الأحداث والسنون فتهد عزيمته وهمته، وهذا مستفاد من همّة موسى ﷺ في قوله: «لا أَبْرَحُ حَتَّى أَلْقَى مُجْمَعَ الْبَحَرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا» ﴿سورة الكهف: ٦٠﴾، قال ابن سعدي رحمه الله: (أي: لا أزال مسافرًا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدًا من عباد الله العالمين، عنده من العلم، ما ليس عندك، أو أمضي حقبًا) ﴿سورة الكهف: ٦٠﴾.
* * *
المقطع السادس عشر من أنوار قصة موسى آيات من سورة القصص (٣)
وظائف الأنبياء وأهل العلم
ص117-119## المقطع السادس عشر من أنوار قصة موسى
آيات من سورة القصص (٣) قال الله تعالى:
﴿إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وهاتين من الحجوز ما إن مفاتحه لنولو القوه، إذ قال له قومه: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾
وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ﴿٢٦﴾ قال: إنما أوتيته على علم عندي، أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴿٢٨﴾ فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ﴿٢٩﴾ وقال الذين أوتوا العلم: ويلكُم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقاها إلا الصابرون ﴿٣٠﴾
[سورة القصص: ٧٦-٨٠]
### الفوائد:
### الخاتمة
الحمد لله على تمام هذا الجزء من أنوار الأنبياء، والفضل فيه لله سبحانه الذي فتح وبارك، والذي هدى إلى الاهتمام بموضوع الأنبياء في القرآن، والذي وجدت فيه البركة والعلم والنور والخير والهدي، فالحمد لله أولا وآخرا، وسلام على المرسلين، وصلاة الله على خاتمهم محمد ﷺ.
٢ شوال ١٤٤٤ هـ اسطنبول