الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
السنن الإلهية

السنن الإلهية

الشيخ أحمد السيد 220 صفحة 971 مقطع 92 قسم

معرفة السنن الإلهية يخرجنا من ضيق الأزمة إلى سعة الحكمة

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي السنن الالهية أحمد بن يوسف السيد [حقوق الطبع والنشر محفوظة] الطبعة الأولى ٢٠٢٣ - ١٤٤٥ منار الفكر الترقيم الدولي: 978-625-98831-9-9 KAYABAŞI MAH. ARMAĞAN SK. NO:1N BAŞAKŞEHİR / İSTANBUL f ☑ F ☐ FikirManar +905556600088 www.fikirfeneri.net info@fikirfeneri.net

BAŞAKŞEHİR / İSTANBUL f ☑ F ☐ FikirManar +905556600088 www.fikirfeneri.net info@fikirfeneri.net

MATBAA: STEP AJANS MATBAA LTD. ŞTİ, GÖZTEPE MAH. BOSNA CAD, NO11 BAĞCILAR, İSTANBUL TELEFON: 0212 446 88 46 MATBAA SERTIFICA NO: 45522

المجمدة للمهمات واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي (أحمد شرج بن يوسف السير) Asif

جدول المحتويات

فهم الواقع والعمل الاصلاحي (أحمد شرج بن يوسف السير) Asif

| --- | --- | | ٨ | مدخل إلى السنن الإلهية | | ١٣ | المقصود بالسنن الإلهية | | ١٤ | السنن الإلهية في التراث الإسلامي | | ٢١ | قواعد منهجية عامة للتعامل مع السنن الإلهية وفهمها | | ٢١ | القاعدة الأولى: موضوع السنن الإلهية من محكيات الدين ومركزياته وأصوله. | | ٢٣ | القاعدة الثانية: أن أساليب القرآن في عرض السنن كثيرة ومتنوعة، وأن تحقيق الفهم للسنن لا يكون إلا بعد الاستقراء الواسع لموارد ذكرها في القرآن. | | ٢٤ | القاعدة الثالثة: السنن الإلهية أنواع متعددة، ولكل نوع منها خصائص، ولا بد من فهم تنوعها وخصائصها. | | ٢٦ | القاعدة الرابعة: السنن الإلهية تتداخل في المحل الواحد، والفقيه هو الذي يميز السنن ويدرك التداخل بينها. | | ٢٨ | القاعدة الخامسة: أن تتحقق السنن الإلهية شروطاً ولرفعها موانع. | | ٢٩ | القاعدة السادسة: أن المقياس الزمني في تحقق السنن هو المقياس الإلهي لا المقياس البشري المحدود. | | ٣١ | القاعدة السابعة: أهمية الوعي بالواقع لفهم السنن الإلهية. | | ٣٣ | القاعدة الثامنة: أهمية الجمع بين الأصل النظري للسنة الإلهية وبين تمثلاتها العملية في الأمم والأقوام. | | ٣٧ | القول التفصيلي في السنن الإلهية. | | ٤٠ | السنة الأولى: سنة إيجاد أعداء الحق والتدافع بين الحق والباطل والمداولة بين الناس | | ٤٠ | أولاً: بيان معنى هذه السنن. | | ٤١ | ثانياً: ضوابط منهجية لفهم سنة التدافع وسنة المداولة. | | ٤٣ | ثالثاً: أدلة هذه السنة من الوحي، وبيان معنى هذه الأدلة وتحرير كلام المفسرين حولها. | | ٥٢ | رابعاً: علاقة هذه السنة بغيرها من السنن. | | ٥٣ | خامساً: الحكم والمقاصد الربانية من هذه السنن. | | ٥٥ | سادساً: الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة. | | ٥٦ | سابعاً: تنزيل هذه السنة على الواقع. | | ٦٢ | السنة الثانية: سنة الابتلاء. | | ٦٢ | أولاً: بيان معنى السنة. |

2

| السنه الثانيه: سنه الابتلاء. |

| ٦٢ | اولا: بيان معني السنه. |

| ٦٣ | ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم هذه السنه. |

| ٦٥ | ثالثا: ادله هذه السنه من الوحي، وبيان معني هذه الادله وتحرير كلام المفسرين حولها. |

| ٧١ | رابعا: علاقه هذه السنه بغيرها من السنن. |

| ٧٥ | خامسا: الحكم والمقاصد من هذه السنه. |

| ٧٧ | سادسا: الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه. |

| ٧٨ | سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع. |

| ٨٤ | السنه الثالثه: سنه النصر والاستخلاف والتمكين للمؤمنين. |

| ٨٤ | اولا: بيان معني السنه. |

| ٨٥ | ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم هذه السنه. |

| ٩٦ | ثالثا: ادله هذه السنه من الوحي، وبيان معني هذه الادله وتحرير كلام المفسرين حولها. |

| ١١١ | رابعا: علاقه هذه السنه بغيرها من السنن. |

| ١١٢ | خامسا: الحكم والمقاصد من هذه السنه. |

| ١١٤ | سادسا: الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه. |

| ١١٥ | سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع. |

| ١٢٤ | السنه الرابعه: سنه الاهلاك والاخذ والعقاب علي الذنوب. |

| ١٢٤ | اولا: بيان معني السنه. |

| ١٢٥ | ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم هذه السنه. |

| ١٤٠ | ثالثا: بيان ادله هذه السنه من الوحي، وتحرير قول المفسرين فيها. |

| ١٤٠ | موجبات الاهلاك والمجازاه في الدنيا بالذنوب للامم والمجتمعات. |

| ١٨٠ | رابعا: علاقه هذه السنه بغيرها من السنن. |

| ١٨٧ | خامسا: مقاصد سنه الاهلاك واخذ المجرمين، والحكم المتعلقه بها. |

| ١٩٥ | سادسا: الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه. |

| ١٩٧ | سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع. |

| ٢١١ | الخاتمه |

* مدخل الي السنن الالهيه

الحمد لله رب العالمين، والصلاه والسلام علي نبينا محمد المبعوث رحمه للعالمين، وعلي اله وصحبه والتابعين، اما بعد:

فاننا نعيش في زمن من اشد الازمنه التي مرت علي الامه الاسلاميه علي طول تاريخها، تقاسمت فيه الادواء جسدها، وتداعت عليها الامم كما تداعي الاكله الي قصعتها، واشتد فيه الظلم والقهر والاستضعاف وخاصه علي المصلحين من الدعاه والعلماء والعاملين للاسلام، وكثرت فيه التحديات الفكريه والعقديه وتنوعت صورها،

وانتشرت مشاريع هدم الثوابت الاسلاميه واعلاء المبادئ العالمانيه والشيطانيه، في ظل تصدر واسع للرويبضات، واشتغال عام بالتفاهات، حتي راينا باعيننا السنوات الخداعات التي اخبر النبي ﷺ عنها بقوله: «ان بين يدي الساعه سنين خداعه: يصدق فيها الكاذب، ويكدب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويحول فيها الامين، وينطق فيها الروييضه» قيل: يا رسول الله وما الروييضه؟ قال: «المرء التافه يتكلم في امر العامه»(1).

وفي هذا الزمن الموصوف: اختلفت المواقف والاراء، واضطربت القلوب قبل الصفوف، واتسعت علي المصلحين خارطه الثغور، واختل ميزان البوصله الاصلاحيه، فلم يعد يدري كثير منهم بماذا يبدؤون، ولا اي ثغر من الثغور يقدمون، فضلا عما لحق بكثير من الشباب من الياس والاحباط، يصرح به البعض، ويكتمه اخرون؛ لانهم يرون الماسي علي رغم تصرم الاعوام تزداد.

(1) اخرجه الامام احمد وابن ماجه والبزار وابو يعلي وغيرهم من حديث ابي هريره، وعوف بن مالك، وانس بن مالك رضي الله عنهم اجمعين، وقال ابن حجر ﷺ في الفتح» (13 / 64): اخرجه احمد وابو يعلي والبزار وسنده جيد» والحديث حسن بمجموع وجوه وطرقه، والله اعلم.

3

وطرقه، والله اعلم.

٩ الشاء للهم وارمانه فهم الواقع والعمل لا صلاحي وتشتد، ولا يبصرون في الافق البعيد املا، ولا في الزمن القريب فرقا ولا مخرجا، خاصه وان من اعظم ما يرون من المصائب: اختلاف كثير من الدعاه وطلاب العلم والعاملين وتفرقهم، حتي صار مشروع بعض التوجهات داخل الصفوف الاسلاميه: الطعن في العاملين وتتبع عوراتهم بل والوقوف مع اعداء الاسلام ضدهم؛ فاين المخرج من كل ذلك؟

وفي ظل كل هذه المصائب يحتاج المؤمن ان ينتقل من ضيق الازمه الي سعه الحكمه، ومن حدود الظرف الزمني الضيق الي فضاء السياق التاريخي الواسع، وهذا يتحقق بالوعي بالسنن الالهيه، وذلك لان المرء حين لا يري الا مشكلات زمانه فقد يصاب بالياس والاحباط، بينما اذا لاحظ سنه الله في الامم والمجتمعات،

فقد يصاب بالياس والاحباط، بينما اذا لاحظ سنه الله في الامم والمجتمعات، فابصر عظيم الابتلاءات التي قدرها سبحانه علي الانبياء والرسل، ثم راي نصر الله لهم بعد طول البلاء، وراي اهلاكه لاعدائهم بعد الامهال والاستدراج، ثم قرا بيان الله سبحانه بعد ذلك بان ما فعله باولئك المجرمين ليس خاصا بهم ولا متعلقا باعيانهم، بل هو عام مرتبط بالصفات التي كانوا عليها،

وانه سبحانه سيفعل بالمتاخرين فعله بالمتقدمين المشابهين لهم، كما قال سبحانه: ﴿اسفاذكر خير من اولئكم امركم براءه في الازير﴾ [سوره القمر: ٤٣]، وان تاييده سبحانه لانيائه واوليائه ليس خاصا بمن سمي منهم، بل انه سيؤيد - سبحانه - حمله دينه وانصار ملته علي مر الازمان كما ايد الاولين: «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» [سوره الروم: ٤٧]، فهكذا ينتقل المؤمن من ضيق الازمه الي سعه الحكمه.

١٠ الشيباء للمسيه واربعه في قهمه الواقع والعمل الاصلاحي

وقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك مع اصحابه، كما اخرج البخاري ومسلم من حديث خباب بن الارب ﷺ قال: شكونا الي رسول الله ﷺ وهو متوسد برده له في ظل الكعبه، قلنا له: الا تستنصر لنا، الا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الارض فيجعل فيه، فيجاه بالمنشار فيوضع علي راسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بامشاط الحديد ما دون خمه من عظم او عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الامر حتي يسير الراكب من صنعاء الي حضرموت لا يخاف الا الله او الذئب علي غنمه، ولكنكم تستعجلون» (١)

فانظر كيف نقلهم النبي ﷺ من ضيق الازمه الي سعه السنن الالهيه، والي ملاحظه ما اجراه سبحانه علي الامم السابقه، وان الامر ليس جديدا في اقدار الله وحكمته، ثم اشار الي اهميه عدم الاستعجال فالامر متعلق بالسنن لا بالاحداث.

ومن الايات القرانيه التي ترسخ هذا المعني، قوله ﷺ: ﴿قد خلت من قبلكم شتق فبيروا في الارض فانظروا حيف كان عنفه المحذرين﴾ [سوره ال عمران: ١٣٧]، وذلك انها نزلت في سياق تعزيه المؤمنين في مصابهم يوم احد، وذلك بتذكيرهم بسنن الله في الامم السالفه،

بانه سبحانه وان ادال الكفار علي المسلمين في مرحله او جوله فان هذه الاداله مؤقته، وان العاقبه للمتقين، واما عاقبه المكذبين المجرمين فهي الاخذ والاهلاك، وقد احسن الامام ابو جعفر الطبري ﷺ في تعليقه علي الايه مستحضرا ذلك كله، فقال: (يعني بقوله تعالي ذكره: ﴿قد خلت من قبلكم شتق﴾ مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم -يا معشر اصحاب محمد واهل الايمان به- من نحو قوم عاد، وثمود، وقوم

(١) اخرجه البخاري (٣٦١٢)

11 الشاب والهمار وارماع فهم الواقع والعمل الاصلاحي

4

البخاري (٣٦١٢)

11 الشاب والهمار وارماع فهم الواقع والعمل الاصلاحي هود، وقوم لوط، وغيرهم من سلاف الامم قبلكم ﴿شر﴾ يعني: مثلات سير بها فيهم وفيمن كذبوا به من انبيائهم الذين ارسلوا اليهم، بامهالي اهل التكذيب بهم واستدراجي اياهم، حتي بلغ الكتاب فيهم اجله الذي اجلته لاداله انبيائهم واهل الايمان بهم عليهم، ثم احللت بهم عقوبتي، وانزلت بساحتهم نقمي؛ فتركتهم لمن بعدهم امثالا وعبرا.

عقوبتي، وانزلت بساحتهم نقمي؛ فتركتهم لمن بعدهم امثالا وعبرا. ﴿فبيروا في الارض فانظروا حكيم كان عنفه المحكيب﴾ يقول: فسيروا – ايها الظانون ان ادالتي من ادلت من اهل الشرك يوم احد علي محمد واصحابه لغير استدراج مني لمن اشرك بي، وكفر برسلي، وخالف امري – في ديار الامم الذين كانوا قبلكم، ممن كان علي مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي،

كان علي مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبه تكذيبهم انبيائي، وما الذي ال اليه غب خلافهم امري، وانكارهم وحدانيتي؛ فتعلموا عند ذلك ان ادالتي من ادلت من المشركين علي نبيي محمد واصحابه باحد، انما هي استدراج وامهال ليبلغ الكتاب اجله الذي اجلت لهم. ثم اما ان يؤول حالهم الي مثل ما ال اليه حال الامم الذين سلفوا قبلهم:

ثم اما ان يؤول حالهم الي مثل ما ال اليه حال الامم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبه عليهم، او ينبوا الي طاعتي واتباع رسولي (1).

الشاهد من كل ذلك ان الوعي بسنن الله في الامم والاقوام ينقل المؤمن من ضيق الازمه والزمن، الي سعه الحكمه والسنن. علي انني انبه الي ان كثيرا ممن يتناول باب السنن الالهيه بالنظر او الاستدلال يغفل عن قضيه الضبط المنهجي لفقه السنن،

الالهيه بالنظر او الاستدلال يغفل عن قضيه الضبط المنهجي لفقه السنن، وهذا ادي الي خلل كبير في تنزيل السنن علي الواقع؛ وهذا الخلل في التنزيل يؤدي الي احدي نتيجتين: اما التفاؤل المفرط او الياس والاحباط، ولذلك فقد حرصت في هذا الكتاب (1) تفسير الطبري: (2/20 - 21)

١٢ الشاب الرهي واربا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي علي الضوابط المنهجيه وذلك علي مستويين:

في فهم الواقع والعمل الاصلاحي علي الضوابط المنهجيه وذلك علي مستويين:

1المستوي الاول: قواعد منهجيه عامه لفهم السنن الالهيه.
2المستوي الثاني: ضوابط منهجيه لفهم كل سنه من السنن بعينها.

سياق الكتاب: ياتي هذا الكتاب ضمن مجموعه من المواد التي اقدمها تحت عنوان (المنهج الاصلاحي) والتي سبق منها المواد التاليه:

- كتاب بوصله المصلح. - كتاب المنهاج من ميراث النبوه. - شرح المنهاج من ميراث النبوه (سلسله مرئيه مطوله واخري قصيره). - كتاب انوار الانبياء وسلسله انوار الانبياء. - مركزيات الاصلاح (سلسله مرئيه). - معالجه القران لنفوس المصلحين (كتاب وسلسله مرئيه).

وقد اعتنيت بعنوان (المنهج الاصلاحي) نظرا لقناعتي انه من اهم ما يحتاج اليه في واقع اليوم ومشكلاته، وان كثيرا من ازمات العاملين للاسلام في هذا الزمن انما هي بسبب غياب المنهج او اضطراب البوصله، كما ان هذه العنايه متفرعه عن القناعه بان من اهم واجبات الوقت علي الامه الاسلاميه:

(صناعه المصلحين) وان هذه الصناعه يجب ان تكون بمعايير تجديديه متفرعه عن رؤيه منهجيه شموليه، وهذا كله يوجب العمل علي جانبين: نظري، وعملي، فاما النظري فبتاصيل وتحرير المنهج الاصلاحي، واما العملي فبتربيه المصلحين

١٣ الشان الالهي، واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

5

## المصلحين

الشان الالهي، واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي وبنائهم علي ضوء هذا المنهج، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوه الا به.

علي ضوء هذا المنهج، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوه الا به. هذا، وقد وافق الانطلاق في ماده السنن الالهيه تغيرات واحداث كبري تجري في غزه اليوم، وكنت قد قدمت محاضرتين من سلسله السنن الالهيه قبل احداث (طوفان الاقصي) ثم جاءت الاحداث واستمرت السلسله؛ فكان الكثير من المتابعين لها يستانس بهذا التوافق ويجد في هذه الماده عزاء وسلوانا وبصيره؛ فالحمد لله اولا واخرا.

المقصود بالسنن الالهيه: السنه في اللغه هي الطريقه والسيره، والسنه الالهيه هي: العاده التي تتضمن ان يفعل الله سبحانه في الامر الثاني نظير ما فعله في الامر الاول، كما ذكر ابن تيميه ﷺ (١)، وقال ايضا: «سنته: عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي، وهذا يقتضي انه سبحانه يحكم في الامور المتماثله باحكام متماثله» (٢).

وقال القرطبي ﷺ في تفسير قوله سبحانه: ﴿سنه الله القي فد خلت من قبل ولن تجد لسنه الله تبديلا﴾ [سوره الفتح: ٢٣]: (يعني طريقه الله سبحانه وعادته السالفه في نصر اوليائه علي اعدائه) (٣).

وذكر الراغب ان السنه الالهيه هي (طريقه حكمته سبحانه) (٤) وقال ابن القيم ﷺ: «فسنته سبحانه عادته المعلومه» (٥).

وعرفها بعض المعاصرين بانها (الطريقه المتبعه في معامله الله للبشر، بناء علي سلوكهم وافعالهم وموقفهم من شرع الله وانبيائه، وما يترتب علي ذلك من نتائج في الدنيا والاخره) (١).

قال ابن تيميه: «وحقيقه الاستدلال بسته وعادته: هو اعتبار الشيء بنظيره؛ وهو التسويه بين المتاثلين، والتفريق بين المختلفين؛ وهو الاعتبار المامور به في القران؛ كقوله تعالي: ﴿قد كانت لعجز ايه في فتنتين التقتا فتنه تقتنل في سبيل الله واخري كافره يرونهم مشيهم راي العين والله يؤيذ بتصريره من يتامع ان في ذلك لعبره لاولي الابصار﴾ [سوره ال عمران: ١٣]» (٢).

السنن الالهيه في التراث الاسلامي: كانت عنايه العلماء في التراث الاسلامي بموضوع السنن الالهيه تابعه لموارد ذكرها في القران والسنه والتاريخ، فلم يفردوها بالتاليف المستقل الا في بعض الكتابات اليسيره، ولذلك فان اهم مصدر يبين كلام العلماء المتقدمين في هذا الباب هو: كتب التفسير، وذلك لكثره ذكر السنن الالهيه في القران ولعنايه المفسرين بذكر تفسير كل ايه من الكتاب العزيز (١).

(١) عبد الكريم زيدان، السنن الالهيه (١٣) (٢) النبوات: (٢/٩٦٣) لابن تيميه.

6

لابن تيميه.

١٥ الشان الالهي، وارعافها الواقع والعمل الاصلاحي. ومن افضل كتب التفسير في بيان السنن: كتاب جامع بيان القران، لامام المفسرين ابن جرير الطبري ﷺ، وذلك لانه يعتني بمبدا (الاعتبار) في قصص الانبياء كثيرا، وهو اذا تناول تفسير الايات المرتبطه بالانبياء يربطها مباشره بالنبي محمد ﷺ وقومه والسياق الذي نزلت فيه، ولذلك فان قراءه تفسير قصص الانبياء من كتاب الطبري امر مهم جدا للمعتني بالسنن الالهيه.

تفسير قصص الانبياء من كتاب الطبري امر مهم جدا للمعتني بالسنن الالهيه. ومن كتب التفسير المهمه كذلك في باب السنن: المحرر الوجيز لابن عطيه، وتفسير ابن كثير، والبقاعي، والتحرير والتنوير لابن عاشور، وتفسير السعدي، وهذه اهم المراجع التي اعتمدتها في هذه الماده.

ومن المصادر التراثيه كذلك: كتب شروح السنه النبويه، عند مواضع ذكر السنن الالهيه في الاحاديث، ومنها كذلك: كتب السيره النبويه، وذلك لان السيره هي المثال التطبيقي الجامع لسنن الله تعالي في القران، فبقدر فقه المرء للسيره يزداد فقها بالسنن.

وانفع قراءه للسيره في مجال السنن هي تلك القراءه الرابطه بين القران وبين احداث السيره؛ فهذه انفع قراءه وازكاها واكثرها عونا للتفقه في الدين والسنن الالهيه. ومن الكتب التراثيه المهمه المعنيه بربط الايات مع السيره، كتاب: سيره ابن هشام، وقد اعتنيت بشيء من ذلك في سلسله: (السيره النبويه للمصلحين). كما ان كثيرا من المعاصرين كتبوا في السيره النبويه كتابه فيها عنايه ببيان الدروس والعبر من السيره، مما يسهل استخراج الفوائد السنيه.

١٦ السنت الاصباب وازواجهم الواقه والعمل الاصلامي. ومن المصادر التراثيه لمعرفه السنن كذلك: كتب التاريخ والتراجم، وخاصه تلك التي اعتني مؤلفوها بجانب السنن، او باستخراج الفوائد والعبر من الاحداث، وهذا يكثر في الكتب المعاصره التي اعتنت بالتاريخ، مثل كتب الدكتور علي الصلاي الذي يولي موضوع السنن قدرا من الاهتمام في كتاباته التاريخيه.

ومما يعين علي تحقيق الفائده كذلك: العنايه ببعض الحقب التاريخيه التي اشتد فيها التدافع بين الحق والباطل، مثل حقبه الحروب الصليبيه، ومعارك صلاح الدين الايوبي، ونحو ذلك. وساذكر بعض النماذج من كتب التاريخ والتراجم فيها ابراز لقضيه السنن الالهيه، فمن ذلك ما كتبه ابن خلدون في مقدمه تاريخه:

- قال: (ومن الغلط الخفي في التاريخ الدهول عن تبدل الاحوال في الامم والاجيال بتبدل الاعصار ومرور الايام، وهو داء دوي شديد الخفاء، اذ لا يقع الا بعد احقاب متطاوله، فلا يكاد يتفطن له الا الاحاد من اهل الخليقه، وذلك ان احوال العالم والامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم علي وتيره واحده ومنهاج مستقر، انها هو اختلاف علي الايام والازمنه، وانتقال من حال الي حال، وكما يكون ذلك في الاشخاص والاوقات والامصار فكذلك يقع في الافاق والاقطار والازمنه والدول؛ سته الله التي قد خلت في عباده).

- وقال كذلك: (فلا يزال الملك ملجئا في الامه الي ان تنكسر سوره العصبيه منها، او يفني سائر عشائرها؛ سته الله في الحياه الدنيا والاخره عند ربك للمتقين ﴿سوره الزخرف: ٣٥﴾).

(١) (٣٧-٣٨)

(٢) (١٨٣/١)

١٧ الشاب والهمه وازواق فهم الواقع والعمل الاصلامي.

7

(١٨٣/١) ١٧ الشاب والهمه وازواق فهم الواقع والعمل الاصلامي وكذلك ابن كثير ﷺ يشير احيانا في تاريخه الي بعض المعالم، فمن ذلك قوله:

(فيها – اي سنه ٦٦٢ – استحضر الملك هولاكو خان الزين الحافظي وهو سليمان بن عامر العقرباني المعروف بالزين الحافظي، وقال له: قد ثبت عندي خيانتك، وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار مع هولاكو دمشق وغيرها مالا علي المسلمين واذاهم ودل علي عوراتهم، حتي سلطهم الله عليه بانواع العقوبات والمثلات، وصتذلك في بعض الظالمين بعضا) ﴿سوره الانعام: ١٢٩﴾

ومن اعان ظالما سلط عليه، فان الله ينتقم من الظالم بالظالم ثم ينتقم من الظالمين جميعا، نسال الله العافيه من انتقامه وغضبه وعقابه وشر عباده) (١)

جميعا، نسال الله العافيه من انتقامه وغضبه وعقابه وشر عباده) (١) وكذلك الذهبي ﷺ، قال في سير اعلام النبلاء في ترجمه الشافعي ﷺ:

(وقد صنف الحافظ ابو بكر الخطيب كتابا في ثبوت الحتجاج بالامام الشافعي، وما تكلم فيه الا حاسد او جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبا لا زيفاع شانه، وعلو قدره، وتلك سنه الله في عباده:

يتابها الذين امنوا لا تكونوا كالذين اذوا موسي فبرا الله مما قالوا وكان عند الله وجها يتابها الذين امنوا انتووا الله وقولوا قولا سديدا) ﴿سوره الاحزاب: ٦٩-٧٠﴾ (٢)

الله وقولوا قولا سديدا) ﴿سوره الاحزاب: ٦٩-٧٠﴾ (٢) وقال في تاريخ الاسلام في ترجمه ابي عبد الرحمن البصري:

(كان يستخف بالائمه، قال: يكذب سفيان، وتكلم في عندر. وقال عن القطن: ذاك الاحول. وكذا سنه الله في كل من ازدري بالعلماء بقي حقيرا). (٣)

ذاك الاحول. وكذا سنه الله في كل من ازدري بالعلماء بقي حقيرا). (٣)

(١) البدايه والنهايه: (١٣/٢٨٣).

(٢) سير اعلام النبلاء: (٨/٢٥٤).

(٣) تاريخ الاسلام: (١٣/١٣٥) للذهبي.

١٨ الشابون الاهميه واثرفا في ههم الواقع والعمل الاصلاحي ومن المصادر كذلك: التطبيقات المتفرقه من العلماء للسنن الالهيه وتنزيلها علي واقعهم، وهي مهمه جدا، ومن فوائدها انها تضبط شيئا من حدود الفقه للسنن، ومن افضل الامثله التي رايتها في ذلك ما قام به ابن تيميه ﷺ من تنزيل معاني السنن الالهيه في مواجهه التتر،

ذلك ما قام به ابن تيميه ﷺ من تنزيل معاني السنن الالهيه في مواجهه التتر، وتحليله لاسباب النصر والهزيمه علي ضوء السنن، وتوقعه لنتائج المعركه القادمه في ضوء السنن كذلك، وهذه بعض النصوص والامثله المتعلقه بذلك:

قال ابن كثير: «وكان الشيخ تقي الدين ابن تيميه يخلف للامراء والناس: انكم في هذه الكره منصورون علي التنار، فيقول له الامراء: قل ان شاء الله، فيقول: ان شاء الله تخفيقا لا تعليقا، وكان يتاول في ذلك اشياء من كتاب الله، منها قوله تعالي: ﴿ذلك ومن عاقب يمثل ما عوقب به ثم بعث عليه لينصرنه الله ان الله لعنو عنو﴾ ﴿سوره الحج: ٦٠﴾»(١).

عليه لينصرنه الله ان الله لعنو عنو﴾ ﴿سوره الحج: ٦٠﴾»(١). ومن اشمل الامثله علي تطبيق ابن تيميه ﷺ للسنن الالهيه: مقارنته بين حال قتالهم مع التتر وبين معركه الاحزاب.

والمقصود من هذا كله بيان بعض موارد السنن في التراث الاسلامي.

خارطه الماده: ساتناول موضوع السنن الالهيه في هذا الكتاب عبر الفصول التاليه:

ابتدات اولا: بمقدمه ومدخل في تعريف السنن ومصادرها في التراث واهميتها وسياق الكتاب.

(١) البدايه والنهايه (١٨/٢٣)

١٩ الشان الالهي واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

8

(١٨/٢٣) ١٩ الشأن الإلهي وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي ثم عقدت فصلاً فيه قواعد منهجية في التعامل مع السنن الإلهية. ثم شرعت في بيان السنن الإلهية على وجه التفصيل، على النحو التالي:

١ - سنة التدافع والمداولة.

٢ - سنة الابتلاء.

٣ - سنة النصر والتمكين والاستخلاف.

٤ - سنة إهلاك الظالمين.

وقد تناولت كل سنة من هذه السنن الأربع من سبعة وجوه، وهي:

١ - بيان معنى السنة.

٢ - ضوابط منهجية لفهم هذه السنة.

٣ - أدلة هذه السنة من الوحي وتحرير كلام المفسرين حولها.

٤ - علاقة هذه السنة بغيرها من السنن.

٥ - الحكم والمقاصد من هذه السنة.

٦ - الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة.

٧ - تنزيل هذه السنة على الواقع.

ثم إنني بعد ذلك كله أحمد الله سبحانه على التوفيق والتهام، وأسأله أن يبارك في هذا الكتاب وينفع به.

* * *

المقدمة

مصادر السنن العادة التي تتضمن أن يفعل الله سبحانه في الأمر الثاني نظير ما فعله في الأمر الأول:

- كتب التوبيخ والتراجم.

- كتب شروح السنة النبوية.

- تلطيفات العلماء المتفرقة للسنن الإلهية.

قواعد منهجية عامة للتعامل مع السنن الإلهية وفهمها:

**القاعدة الأولى:** موضوع السنن الإلهية من محكمات الدين ومركزياته وأصوله:

إذا كان العلم بالله تعالى أشرف العلوم والموضوعات؛ فإن باب السنن الإلهية من أعظم الأبواب الموصلة إلى العلم به سبحانه، وذلك لأنه باب متعلق بأفعال الله وقدره وحكمته، وهو باب متصل كذلك بأسمائه وصفاته التي تجري أقداره على مقتضاها؛ فكلما ازداد المرء علماً بسنن الله ازداد علماً به سبحانه، والعكس صحيح؛

كلما ازداد المرء علماً بأسماء الله وصفاته وتفقه فيها ازداد علماً بسننه في خلقه سبحانه.

كما أن هذا الباب قامت عليه أمور الكون كلها، وانتظمت به أحوال الأمم، وسار على وفقه الأنبياء والرسل، ولذلك فكلما ازداد المرء علماً بأحوال الكون ونظامه؛ وبأحوال الأنبياء والرسل ودعوتهم وقيامهم بالحق وصبرهم وجهادهم، ثم تأمل في تأييد الله لهم ونصره إياهم وإهلاكه أعداءهم؛ ازداد علماً بالله وسننه وحكمته، فهو باب شريف غاية الشرف.

ومما يدل على أهمية هذا الباب ومركزيته أن له ذكراً واسعاً في كتاب الله سبحانه، بل إن هذا الموضوع هو من أبرز موضوعات القرآن وأعظمها، كما سيظهر في القاعدة التالية.

٢٢ الشأن الإلهي ومن ثمرات الوعي بهذه القاعدة: أنه لا يليق بالمصلح ولا ينبغي له أن يعرض عن باب السنن الإلهية وهو بهذا القدر من الأهمية والأحكام.

٢٣

9

ان يعرض عن باب السنن الالهيه وهو بهذا القدر من الاهميه والاحكام.

٢٣ الشان الالهي، وارعافها الواقع والعمل الاصلامي

القاعده الثانية: ان اساليب القران في عرض السنن كثيره ومتنوعه، وان تحقيق الفهم للسنن لا يكون الا بعد الاستقراء الواسع لموارد ذكرها في القران:

الفهم للسنن لا يكون الا بعد الاستقراء الواسع لموارد ذكرها في القران: ورد ذكر السنن الالهيه بلفظها الصريح في القران في بضعه عشر موضعا، تاره بالافراد ﴿سنه الله﴾ وتاره بالجمع ﴿فد خلت من قبلكم سنت﴾ غير ان الحديث عن السنن في القران الكريم لا ينحصر في اللفظ الصريح، بل عامه ما جاء فيه اتي بالفاظ اخري معبره عن معني السنن، ومن اهم موارد ذكر هذا المعني في القران:

اخري معبره عن معني السنن، ومن اهم موارد ذكر هذا المعني في القران: القصص التي ذكرها سبحانه عن الامم والرسل واتباعهم واعدائهم، فان الله سبحانه جعل هذه القصص المورد الاعظم للحديث عن سننه، وهذه القصص من اكثر الموضوعات ذكرا في القران، والله سبحانه يعقب علي هذه القصص بجمل تدل علي عدم انحصارها فيمن سماهم من الاعيان والاقوام،

هذه القصص بجمل تدل علي عدم انحصارها فيمن سماهم من الاعيان والاقوام، وتدل علي ان ما قدره واجراه عليهم سيجريه علي من يشابههم في الافعال، كما قال سبحانه في سوره القمر - بعد ان ذكر اهلاكه لقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون-: ﴿اكفاركم خير من اولئكم امركم براءه في الزيبر﴾ [سوره القمر: ٤٣] هذا بالاضافه الي كثير من الصيغ الاخري التي تدل علي سننه سبحانه،

٤٣] هذا بالاضافه الي كثير من الصيغ الاخري التي تدل علي سننه سبحانه، ومنها مثلا ما ياتي بصيغه: «وما كان ربك» كما قال محمد رشيد رضا ﷺ في قوله تعالي: ﴿وما كان ربك ليهلك القري بظلو واهلها مصلحون﴾ [سوره هود: ١١٧] قال: (قوله تعالي: ﴿وما كان ربك﴾ معناه: ما كان من شانه ذلك، ولم تجر سننه به،

﴿وما كان ربك﴾ معناه: ما كان من شانه ذلك، ولم تجر سننه به، فكل ايه مصدره بذلك فهي قاعده عامه تنبئ عن سنه ثابته) (١) (١) مجله المنار، المجلد الاول صفحه (٥٨٥)

٢٤ الشاب الراهيم

القاعده الثالثة: السنن الالهيه انواع متعدده، ولكل نوع منها خصائص، ولا بد من فهم تنوعها وخصائصها:

متعدده، ولكل نوع منها خصائص، ولا بد من فهم تنوعها وخصائصها: تتنوع السنن الالهيه وتتعدد متعلقاتها، فمنها ما هو متعلق بالكون وتسخيره، ومنها ما هو متعلق بالحياه الانسانيه ونظامها، كما تنقسم السنن المتعلقه بالحياه الانسانيه الي سنن متعلقه بالامم والجماعات، وسنن تتعلق بالافراد، ولكل من هذه الانواع خصائص ينبغي فقهها وادراكها، حتي يتعامل مع كل نوع بخصائصه.

خصائص ينبغي فقهها وادراكها، حتي يتعامل مع كل نوع بخصائصه. كما قال ابن تيميه: «مبينا شيئا من الفرق بين السنن الكونيه والسنن المتعلقه بنصر الله لاوليائه: (العادات الطبيعيه ليس للرب فيها سنه لازمه فانه قد عرف بالدلائل اليقينيه ان الشمس والقمر والكواكب مخلوقه بعد ان لم تكن فهذا تذذيل وقع، وقد قال تعالي:

والكواكب مخلوقه بعد ان لم تكن فهذا تذذيل وقع، وقد قال تعالي: ﴿وم تجدل الارض عبر الارض والسموت﴾ [ابراهيم: ٤٨]، وايضا فقد عرف انتقاض عامه العادات، فالعاده في بني ادم الا يخلقوا الا من ابوين، وقد خلق المسيح من ام، وحواء من اب، وادم من غير ام ولا اب، واحياء الموتي متواتر مرات متعدده، وكذلك تكثير الطعام والشراب لغير واحد من الانيباء والصالحين عليهم السلام.

وكذلك تكثير الطعام والشراب لغير واحد من الانيباء والصالحين عليهم السلام. وهذا خلاف عادته التي وعد بها واخبر انها لا تتغير لنصره اوليائه واهانه اعدائه فان هذا علم بخبره وحكمته، اما خبره فانه اخبر بذلك ووعد به وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، وهذا يوافق طرق جبيع طوائف اهل الملل، ويقولون: مقتضي حكمته ان يكون العاقبه والنصر لاوليائه دون اعدائه كما قد بسط ذلك في مواضع.

العاقبه والنصر لاوليائه دون اعدائه كما قد بسط ذلك في مواضع.

٢٥ الشاب الرسمير: وارعافها مقمعومعمال لرصالحي وقوله تعالي: «فلن تعمد لسنت الله تبديلا ولن تعمد لسنت الله تعمولا» [سوره فاطر: ٤٣].

10

لسنت الله تبديلا ولن تعمد لسنت الله تعمولا» ﴿سوره فاطر: ٤٣﴾. «دليل علي ان هذا من مقتضي حكمته، وانه يقضي في الامور المتاثله بقضاء متاثل، لا بقضاء مخالف، فاذا كان قد نصر المؤمنين لانهم مؤمنون كان هذا موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف، بخلاف ما اذا عصوا ونقصوا ليمانهم كيفهم احد، فان الذنب كان لهم» (١)

ما اذا عصوا ونقصوا ليمانهم كيفهم احد، فان الذنب كان لهم» (١) ومن المراجع المفيده في معرفه خصائص السنن الالهيه، وخاصه الفرق بين السنن المتعلقه بالامم والجماعات والمتعلقه بالافراد: كتاب سنن الله في الامم، للدكتور حسن الحميد. (١) جامع الرسائل لابن تيميه: (١ / ٥٣) فما بعدها – رشاد سالم.

الشاب الراهيماء وازواع في قهم الواقع والعمل الاصلاحي

القواعد:

١القاعده الرابعه: السنن الالهيه تتداخل في المحل الواحد، والفقيه هو الذي يميز السنن ويدرك التداخل بينها:

ان من اهم القواعد لفهم السنن الالهيه ادراك التداخل بين السنن الالهيه، وعدم النظر بعين واحده الي سنه واحده وترك ما قد يتداخل معها في نفس محل النظر، فعلي سبيل المثال: قد تجتمع سنه النصر وسنه المداوله في سياق واحد، كما حصل يوم احد الذي ابتدا بالنصر الموعود الذي وصفه الله بقوله:

«ولقد صدقكم الله وعده اذ تحشونه باذنه» ﴿سوره ال عمران: ١٥٢﴾ قال الطبري: (يعني تعالي ذكره بذلك: ولقد وقي الله لكم، ايها المؤمنون من اصحاب رسول الله ﷺ، بما وعدكم من النصر علي عدوكم باحد، حين «تحشونه»، يعني: حين تقتلونهم) (١) فهذا تحقق لوعد الله وسنته،

ثم بعد ذلك لما تغير الواقع وتخلف شرط النصر، تغير الحال، وادال الله المشركين علي المسلمين، ثم انزل في نفس السوره بيانا لذلك، فقال سبحانه: «وكذلك الايام نداولها بين الناس» ﴿سوره ال عمران: ١٤٠﴾ فتداخلت هنا سنتا النصر والمداوله.

وكذلك في واقعنا اليوم قد يقول قائل: قد وجد المؤمنون فلماذا لا ينزل النصر، وقد وجد المجرمون الظالمون فلماذا لا يهلكهم الله سبحانه؟

والجواب من وجوه متعدده، منها، ان الله كما اخبر انه ينصر المؤمنين فقد اخبر انه يبتلعهم، وكلاهما من سنته في المؤمنين ولكل منهما سياقه وشروطه وزمنه، وكما اخبر انه يهلك الظالمين فقد اخبر انه يملي لهم ويستدرجهم كذلك، فلا تنظر بعين واحده الي سنه من هذه السنن دون ادراك الاخري،

(١) تفسير الطبري: (٦/١٣٣).

الشاب الرومي: واربا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

وهكذا كلما ازداد المرء علما بمجموع السنن ازداد فقها في تنزيلها علي الواقع.

* * *

الشير الالهي واربا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

٢القاعده الخامسه: ان لتحقق السنن الالهيه شروطا ولرفعها موانع:
11

## الاصلاحي

### القاعدة الخامسة: إن لتحقق السنن الإلهية شروطًا ولرفعها موانع. إن من أبرز صور الخطأ في التعامل مع السنن الإلهية: التعامل مع إطلاقات الآيات القرآنية فيها دون نظر للشروط المتعلقة بها. فالله سبحانه وتعالى يذكر في ثنايا وعوده الصادقة صفات ينبغي التمثل بها، ويجذر من أحوال ينبغي اجتنابها؛ حتى تتحقق هذه السنن، فينبغي عدم إهمال ذلك في النظر والعمل، حتى يفقه المرء السنن ويعمل على ضوءها.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى يوم أحد حين رفع الله عن المؤمنين نصره لتخلف الشرط عن البعض أثناء المعركة، وقد بين ذلك سبحانه بيانًا شافيًا في أكثر من موضع من سورة آل عمران؛ لكي يفقه المؤمنون تعلق الوعود والسنن بالشروط والأحوال، كما قال سبحانه: ﴿إذ فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أرادكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتغيكم﴾ [سورة آل عمران: 152]، وقال جل وعلا: ﴿أولما أصابكم مصيبة فقد أصبتم مثليها قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾ [سورة آل عمران: 165].

### القاعدة السادسة: إن المقياس الزمني في تحقق السنن هو المقياس الإلهي لا المقياس البشري المحدود. السنن الإلهية المتعلقة بالأمم والجماعات تتطلب سياقًا زمنيًا واسعًا لتحققها، وقد لا يدركها كل الأفراد الذين عاشوا في تلك الحقبة أو آمالها. فقد توفي بعض أصحاب رسول الله ﷺ قبل أن يروا تحقق سنة النصر والتمكين وإهلاك المكذبين، مع أنهم قرؤوها في كتاب الله وآمنوا بها، ولكنهم لم يدركوا زمن وقوعها، وأدركها مجموع الصحابة مع نبيهم ﷺ.

وكذلك مشركو قريش الذين توعدهم الله بالعذاب في الدنيا لم يدركوا كلهم يوم بدر الذي حقق الله فيه سنته عليهم، ولكن جماعتهم أدركوها ورأوها، وكان هناك زمن بين كل ذلك. كما قال عمر رضي الله عنه فيما رواه عنه عكرمة، قال: «لما نزلت ﴿سيهرم الجمع ويولون الدبر﴾ [سورة القمر: 45] قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يشب في الدرع، وهو يقول: ﴿سيهرم الجمع ويولون الدبر﴾ فعرفت تأويلها يومئذ» (١).

وكذلك في شأن بني إسرائيل زمن فرعون، حين بين الله تعالى أنه يريد أن يمكن لهم في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، كان بين هذه الكلمة وبين تحققها زمن طويل جدًا، سالت فيه دماء وقتل فيه أبرياء واشتد فيه البلاء، ولكن: لكل نبأ مستقر، ولكل أجل كتاب.

(١) أوردها ابن كثير في تفسيره: (7/446) من طريق ابن أبي حاتم.

12

## القواعد:

أبي حاتم. ٣٠ الشيبان الأصباب وأزهاريه فهم الواقع والعمل الإسلامي. ومن أهم الأدلة على هذه القاعدة، قوله سبحانه: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [سورة البقرة: ٢١٤].

فانظر كيف حصل من البشر استبطاء زمن النصر، وأما في ميزان الله فهو قريب كما بين سبحانه.

وهذه القاعدة تفيد الناظر في السنن الإلهية ألا يستعجل تحققها، فالله بكل شيء محيط، ويقدر الأقدار بميزانه، وهو غالب على أمره، لا يفوته شيء سبحانه.

٣١ الشأن الإلهي، واعترافها فهم الواقع والعمل الإسلامي.

القاعدة السابعة: أهمية الوحي بالواقع لفهم السنن الإلهية:

إن السنن الإلهية مرتبطة بالواقع ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن التفاعل معها وبناء الإصلاح على ضوءها إلا بوعي واسع بالواقع الذي تتنزل عليه هذه السنن، وهذا مقتضى الاعتبار. فإن أهم مورد للسنن في القرآن ما ذكره الله من أحوال الأنبياء وأقوامهم.

والمطلوب من المؤمن أن يعتبر أحوالهم ليفهم سنة الله النازلة في مثل هذه الأحوال، وهذا يتطلب صوابًا في الربط بين الواقع المعاصر وبين واقع الأنبياء وأقوامهم. فإذا لم يكن المتفقه على علم بالواقع الذي يريد تنزيل السنن عليه فقد ينزل عليه سنة منفكة عنه، وهذا يوقع في الإشكال.

ولذلك، فعلى المرء أن يحرص على الفقه بواقع أعداء الإسلام وكيدهم، وواقع المسلمين وأحوالهم، ثم يعتبر ذلك بميزان السنن.

وهذا مثال تطبيقي مهم لهذه القاعدة حصل في زمن ابن تيمية ﷺ في سياق التدافع مع التتر، إذ كان على وعي بواقع المسلمين ومشكلاتهم وتأثيرها على سنة النصر، وذلك في حادثتين منفصلتين فيهما عبرة كبيرة.

قال ﷺ في الحادثة الأولى: «وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضي بذنوب ظاهرة وخطايا واضحة: من فساد النيات والفخر والخيلاء والظلم والفواحش والإعراض عن حكم الكتاب والسنة وعن المحافظة على فرائض الله والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم...،

فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به؛ ليمحص الله الذين آمنوا وينيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الإسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به ٣٢ الشاب الرهي.

13

فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر وبعدوهم ما يستوجب به الشاب الرهي الانتقام، فقد كان في نفوس كثير من مقاتله المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم – الذي هو علي الحال المذكوره – لاوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف، كما ان نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمه ونعمه وهزيمتهم يوم احد كان نعمه ورحمه علي المؤمنين» (١).

وقال ﷺ في الحادثه الثانيه بعد قدوم التتار الي دمشق: «فلما كان بعد ذلك جعلنا نامر الناس باخلاص الدين لله والاستغاثه به، وانهم لا يستغيثون الا اياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال تعالي يوم بدر: ﴿اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ [سوره الانفال: ٩]، وروي ان رسول الله ﷺ كان يوم بدر يقول: «يا حي يا قيوم لا اله الا انت برحمتك استغيث».

فلما اصلح الناس امورهم، وصدقوا في الاستغاثه بربهم؛ نصرهم علي عدوهم نصرا عزيزا؛ لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمه قبل ذلك اصلا، لما صح من تحقيق توحيده وطاعه رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فان الله ينصر رسله والذين امنوا في الحياه الدنيا ويوم يقوم الاشهاد» (٢).

(١) مجموع الفتاوي (٢٨ / ٤٣١ - ٤٣٢).

(٢) «الاستغاثه في الرد علي البكري» (٤١٣ - ٤١٤).

الشاب والهمه وارهافهم الواقع والعمل الاصلامي

القاعده الثامنه: اهميه الجمع بين الاصل النظري للسنه الالهيه وبين تمثلاتها العمليه في الامم والاقوام:

ان من اهم ما يعين علي فهم السنن الالهيه ان يجمع بين القواعد النظريه المؤسسه لها، من نحو قوله سبحانه: ﴿انا لتنصر رسلنا والذين امنوا في الحيوه التيا﴾ [سوره غافر: ٥١] وبين تمثلات هذا النصر للرسل بتتبع احوال كل رسول ذكر الله نصره في القران،

فهذا الجمع يفيد كثيرا في تصور حدود هذه السنه ومتعلقاتها، وبهذا التتبع ندرك ان النصر علي درجات متفاوته، فمنه ﴿نصر الغلبه﴾ في القتال كما نصر الله نبيه محمدا ﷺ، ومنه ﴿نصر الانجاء من الاعداء﴾ دون غلبه قتال كما نصر الله سبحانه نبيه نوحا وابراهيم ولوطا.

ولا ينحصر هذا الفقه في تتبع الامثله العمليه في القران، بل يشمل المعرفه بالتاريخ والسير في الارض وتتبع احوال الامم كذلك، فهذا من جمله ما امر الله به في شان السنن، وثمره ذلك لا تتعلق بمعني فهم السنه فقط، وانما تمتد الي الاعتبار بها وتعظيم محلها في القلب.

وقد ذكر بعض العلماء اهميه النظر في التاريخ وعلاقه ذلك في السنن، كما قال ابن عاشور عند قوله سبحانه: ﴿فبيروا في الارض فانظروا حيف كان عنفه المحكين﴾ [سوره ال عمران: ١٣٧].

قال: (وفي الايه دلاله علي اهميه علم التاريخ لان فيه فائده السير في الارض، وهي معرفه اخبار الاوائل، واسباب صلاح الامم وفسادها. قال ابن عرفه: السير في الارض حسي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التاريخ بحيث يحصل للناظر العلم باحوال الامم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من

14

يحصل للناظر العلم باحوال الامم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من ﴿ ٣٤ ﴾ الشكراء المحبون وازواق فهم الواقع والعمل الاصلاحي العلم ما لا يحصل بالسير في الارض لعجز الانسان وقصوره. وانما امر الله بالسير في الارض دون مطالعه الكتب لان في المخاطبين من كانوا اميين، ولان المشاهده تفيد من لم يقرا علما وتقوي علم من قرا التاريخ او قص عليه.

(١) التحرير والتنوير: (٤/٩٧) لابن عاشور.

التاريخ او قص عليه.

(١) التحرير والتنوير: (٤/٩٧) لابن عاشور.

قواعد منهجيه عامه للتعامل مع السنن الالهيه وفهمها

السنن الالهيه من محكيات الدين ومركزياته واصوله

اساليب القران في عرض السنن متنوعه وكثيره، وتحقيق الفهم للسنن لا يكون الا بعد الاستقراء الواسع لموارد ذكرها في القران.

السنن الالهيه انواع متعدده، ولكل نوع منها خصائص، ولا بد من فهم ذلك.

السنن الالهيه تتداخل في المحل الواحد، والفقيه الذي يميز السنن ويدرك التداخل بينها.

لتحقق السنن الالهيه شروط وموانع.

المقياس الزمني في تحقق السنن هو المقياس الالهي، لا المقياس البشري المحدود.

الوعي بالواقع مهم لفهم السنن الالهيه.

من المهم الجمع بين الاصل النظري للسنه الالهيه وبين تمثلاتها العمليه في الامم والاقوام.

القول التفصيلي في السنن الالهيه:

١السنه الاولي: سنه ايجاد اعداء الحق والتدافع بين الحق والباطل والمداوله بين الناس.
٢السنه الثانيه: سنه الابتلاء.
٣السنه الثالثه: سنه النصر والاستخلاف والتمكين للمؤمنين.
٤السنه الرابعه: سنه الاهلاك والاخذ والعقاب علي الذنوب.

السنه الاولي: سنه ايجاد اعداء الحق والتدافع بين الحق والباطل والمداوله بين الناس.

هذه ثلاث سنن ادرجتها مع بعضها لتقاربها واتصالها ببعضها، والتفصيل فيها علي النحو التالي:

اولا: بيان معني هذه السنن:

١سنه ايجاد اعداء الحق: هي السنه الالهيه القاضيه بان الله سبحانه يجعل لانيائه واتباعهم اعداء يقاتلونهم ويعادونهم ويكبدون لهم.
٢سنه التدافع: هي السنه الالهيه القاضيه بان يكف عاديه المفسدين بالمصلحين، ويدفع الناس بعضهم ببعض، ويقذف سبحانه بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق.
٣سنه التداول: هي السنه الالهيه القاضيه بان الله تعالي يجعل الايام دولا بين اهل الحق واهل الباطل، فلا ينتصر الحق مباشره وانما يديل الله الباطل عليه في بعض المراحل، ثم تكون العاقبه لاهل الحق، فهي سنه قريبه من سنه التدافع ولكنها محدده لبعض جولات هذا التدافع بحيث لا يفهم ان الدوله للاسلام واهله دائيا.
٤السباطاء المتقين وارهافي لهم الواقع والعمل اصلاحي.

ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم سنه التدافع وسنه المداوله:

15

والعمل اصلاحي

ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم سنه التدافع وسنه المداوله:

أولا: ان ايجاد اعداء الحق، وتحقق التدافع والصراع بين الحق والباطل لا ينحصر في الامر المشاهد المحسوس بين المسلمين واعدائهم، بل هو واسع يشمل شيئا من عالم الغيب كذلك، فيدخل فيه الصراع بين الانس والشياطين، وهو من اكد صور هذا التدافع، ويشمل دفع الملائكه للمجرمين،

والشياطين، وهو من اكد صور هذا التدافع، ويشمل دفع الملائكه للمجرمين، اما بالاهلاك المباشر للقري الظالمه كما في الصيحه لقوم ثمود وكما في اهلاك قوم لوط، او بالقتال المباشر للكفار كيوم بدر، او بتثبيتهم للمؤمنين كما في يوم بدر كذلك، او بتاييدهم بانواع التاييد المناسبه لصوره التدافع، كما في حديث: «اهجهم وجبريل معك». (١)

ثانيا: ان سنه التدافع وان كانت في الاصل متعلقه بالمؤمنين والمصلحين، بان يدفع الله بهم فساد اهل الباطل، الا انها لا تختص بهم، بل هي نظام رباني لحفظ الارض، ولذلك ختم الله سبحانه ايه: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض﴾ [سوره البقره: ٢٥١]، بقوله: ﴿ولكن الله ذو فضل عل العالمين﴾ [سوره البقره: ٢٥١] وقد اشار الي هذا المعني الامام ابن عاشور: بقوله: (وعلق الفضل بالعالمين كلهم لان هذه المنه لا تختص). (٢)

ثالثا: ان اهم صوره جاءت في القران لتحقق سنه دفع الباطل بالحق، هي: الجهاد في سبيل الله، فالسياق في ايه البقره ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض﴾ متعلق بقتال طالوت والذين امنوا معه لجالوت وجنوده، (١) رواه البخاري: (٣٢١٣)، ومسلم: (٢٤٨٦). (٢) التحرير والتنوير: (٢/٥٠٣) لابن عاشور.

السياق في سوره الحج: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صورهم﴾ [الحج: ٤٠]، متعلق بقوله سبحانه: ﴿اذن للذين يقتلون بانهم ظلوموا﴾ [الحج: ٣٩] والتي هي ايه في الاذن بالقتال في سبيل الله. ولذلك قال الامام ابن عطيه في تفسير الايه: (وقوله تعالي: ﴿ولولا دفع الله الناس﴾ الايه تقويه للامر بالقتال، وذكر الحجه بالمصلحه فيه، وذكر انه متقدم في الامم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكانه قال: اذن في القتال فليقاتل المؤمنون، ولولا القتال والجهاد لتغلب علي الحق في كل امه. هذا اصوب تاويلات الايه. ثم ما قيل بعد من مثل الدفاع تبع للجهاد)(١)،

واما الطبري فاستحسن في تفسير الايه كل الوجوه في الدفع والتي منها القتال، فقال: (واولي الاقوال في ذلك بالصواب ان يقال: ان الله تعالي ذكره اخبر انه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، فمدم ما ذكر، من دفعه تعالي ذكره بعضهم ببعض، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك؛ ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم؛ ومنه كفه لمن اجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك. وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمي جل ثناؤه.

ولم يضع الله تعالي دلاله في عقل علي انه عني من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بان ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك علي الظاهر والعموم علي ما قد بيتنه قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا)(٢). (١) المحرر الوجيز: (٤/١٢٤) لابن عطيه. (٢) تفسير الطبري: (١٦/٥٧٩).

16

لابن عطيه. (٢) تفسير الطبري: (١٦/٥٧٩).

٤٣ الشان الالهي، واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

ثالثا: ادله هذه السنه من الوحي، وبيان معني هذه الادله وتحرير كلام المفسرين حولها:

هذه السنه من الوحي، وبيان معني هذه الادله وتحرير كلام المفسرين حولها: من يتامل في كتاب الله عز وجل يجد ان معني التدافع والصراع بين الحق والباطل قد ذكر كثيرا، وان الله سبحانه بين لنا انه جعل الشيطان لنا عدوا وامرنا ان نتخذه عدوا، وبين لنا انه جعل لكل نبي عدوا من المجرمين، وانه سبحانه ابتلي انبياءه ورسله بالاعداء المكذبين المتسلطين، وهكذا علي مر التاريخ: حيث وجد الحق وحملته وجد الباطل وحملته.

وهكذا علي مر التاريخ: حيث وجد الحق وحملته وجد الباطل وحملته. وهذه وقفه مع بعض الايات مقسمه علي هذه السنن الثلاث، للتامل والوقوف مع اهم ما قاله المفسرون حولها:

١ - الادله علي سنه ايجاد اعداء الحق: وفيها عدد من الايات والاحاديث، ومنها:

(١) قوله: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الائس والجن يوحي بعضهم ان بعض يخرف القول غرورا﴾ [الانعام: ١١٢].

هذه الايه تبين ان سنه التدافع بين الحق والباطل ليست متعلقه بالمجرمين من الانس فقط، بل هي متعلقه بالشياطين من الجن كذلك، فهم من جمله اعداء الانبياء والرسل، والعلاقه بينهم وبين شياطين الانس في معاده الحق وثيقه كما بينها الله في هذه الايه.

٤٤ الشيراز والهميو و اثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

قال الشيخ ابن سعدي ﷺ مبينا كون هذه الايه متضمنه سنه الهيه: «يقول تعالي - مسليا لرسوله محمد ﷺ- : وكما جعلنا لك اعداء يردون دعوتك، ويجاربونك، ويجسدونك، فهذه سنتنا، ان نجعل لكل نبي نرسله الي الخلق اعداء، من شياطين الانس والجن، يقومون بضد ما جاءت به الرسل».

(١) وكذلك قال ابن عاشور مبينا كونها سنه - في كلام جميل -: «فانباه الله: بان هؤلاء اعداؤه، وان عداوه امثالهم لمثله سنه من سنن الله تعالي في ابتلاء انبيائه كلهم، فما منهم احد الا كان له اعداء، فلم تكن عداوه هؤلاء للنبي عليه الصلاه والسلام بدعا من شان الرسل، فمعني الكلام: الست نبيا وقد جعلنا لكل نبي عدوا الي اخره».

(٢) قال الطبري ﷺ في تفسير هذه الايه: «يقول تعالي ذكره لنبيه محمد ﷺ، مسليه بذلك عما لقي من كفره قومه في ذات الله، وحاثا له علي الصبر علي ما نال فيه: وصدلك جعلنا لكل نبي عدوا، يقول: وكما ابتليناك، يا محمد، بان جعلنا لك من مشركي قومك اعداء شياطين يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول، ليصدوهم بمجادلتهم اياك بذلك عن اتباعك والاييان بك وبما جئتهم به من عند ربك، كذلك ابتلينا من قبلك من الانبياء والرسل، بان جعلنا لهم اعداء من قومهم يؤدونهم بالجدال والخصومات. يقول: فهذا الذي امتحنتك به، لم تخصص به من بينهم وحدك، بل قد عممتهم بذلك معك لابتليهم واختبرهم، مع قدرتي علي منع من اذاهم من ايذائهم، فلم افعل ذلك الا لاعرف اولي العزم منهم من غيرهم. يقول: فاصبر انت كما صبر اولو العزم من الرسل».

(٣)

(١) تفسير ابن سعدي: (٢٦٩).

(٢) التحرير والتنوير: (٨ / ٨) لابن عاشور.

(٣) تفسير الطبري: (٩ / ٤٩٧).

٤٥ الشاب والهماء وارعافها مهمعا ﴿سوره الفرقان: ٣١﴾

(٢) قوله ﷺ: «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفي بربك هاديا وتصيرا» ﴿سوره الفرقان: ٣١﴾.

17

نبي عدوا من المجرمين وكفي بربك هاديا وتصيرا ﴿سوره الفرقان: ٣١﴾. قال الطبري ﷺ: «يقول تعالي ذكره لنبيه محمد ﷺ: وكما جعلنا لك يا محمد اعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل من نباناه من قبلك عدوا من مشركي قومه، فلم تخصص بذلك من بينهم. يقول: فاصبر لما نالك منهم كما صبر من قبلك اولو العزم من رسلنا» (١).

يقول: فاصبر لما نالك منهم كما صبر من قبلك اولو العزم من رسلنا» (١). وقال ابن عاشور مبينا ان الايه تدل علي كون هذا العداء سنه ثابته يواجهها جميع الرسل: «هذه تسليه للنبيء ﷺ بان ما لقيه من بعض قومه هو سنه من سنن الامم مع انبيائهم» (٢)، وهذا هو المستفاد من قوله سبحانه ﷺ: وكذلك ومن عمومه الايه كونها تشمل كل الانبياء.

من قوله سبحانه ﷺ: وكذلك ومن عمومه الايه كونها تشمل كل الانبياء. (٣) قول ورقه بن نوفل في الحديث الصحيح: «لم يات رجل قط بمثل ما جئت به الا عودي» (٣). هذا القول الحق من ورقه بن نوفل ﷺ حين بعثه النبي ﷺ، اتي من علمه باخبار الانبياء والامم السابقه، وهو مهم في بيان استمرار سنه معاداه الحق علي مر التاريخ.

والامم السابقه، وهو مهم في بيان استمرار سنه معاداه الحق علي مر التاريخ. (١) تفسير الطبري: (١٧ / ٤٤٤). (٢) التحرير والتنوير: (١٩ / ١٧) لابن عاشور. (٣) صحيح البخاري: (٣).

٤٦ الشاب الراهيم

٢- الادله علي سنه التدافع:

١) قال الله ﷺ: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض﴾ ﴿سوره البقره: ٢٥١﴾.

هذه الايه اصل من اصول سنه التدافع، وقد مر معنا الحديث عنها في اكثر من موضع من هذا الكتاب، وهي اتيه في سياق دفع الباطل بالحق، وقتل داود لجالوت، وقتال طالوت والذين امنوا معه لجالوت وجنوده، فهي في الاصل في سياق التدافع بين الحق والباطل،

امنوا معه لجالوت وجنوده، فهي في الاصل في سياق التدافع بين الحق والباطل، وان كان بعض العلماء اخذ منها المعني العام لدفع الفساد عن الارض ولو كان بغير اهل الحق، كما قال البقاعي ﷺ: «فتاره ينصر قويهم علي ضعيفهم كما هو مقتضي القياس، وتاره ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصه طالوت - علي قويهم، حتي لا يزال ما اقام بينهم من سبب الحفظ بهيبه بعضهم لبعض قائما».

حتي لا يزال ما اقام بينهم من سبب الحفظ بهيبه بعضهم لبعض قائما. ﴿لفسدت الارض﴾ باكل القوي الضعيف حتي لا يبقي احد ﴿ولكن الله﴾ تعالي بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض، ويولي بعض الظالمين بعضا، وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر، علي نظام دائره، وقانون احكمه في الازل؛ يكون سببا لكف القوي عن الضعيف،

نظام دائره، وقانون احكمه في الازل؛ يكون سببا لكف القوي عن الضعيف، ابقاء لهذا الوجود علي هذا النظام الي الحد الذي حده) (١).

القوي عن الضعيف، ابقاء لهذا الوجود علي هذا النظام الي الحد الذي حده) (١). واشار الامام ابن عطيه الي معني يستحق التامل متعلق بالايه، حيث جعلها من دلائل عدم خلو الزمان من قائم بالحق يدعو الي الله ويدافع عن دين الله، فقال ﷺ: «اخبر الله تعالي في هذه الايه انه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفره علي مر الدهر لفسدت الارض، لان الكفر كان يطبقها ويتبادي في جميع اقطارها ولكنه تعالي لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع الي الله، ومقاتل عليه، الي ان».

تعالي لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع الي الله، ومقاتل عليه، الي ان (١) تفسير البقاعي (١/٤٨١) ط: دار الكتب العلميه.

٤٧ الشاب الراهيم

جعل ذلك في امه محمد ﷺ الي قيام الساعه – له الحمد كثيرا) (١).

18

جعل ذلك في امه محمد ﷺ الي قيام الساعه – له الحمد كثيرا) (١).

(٢) قوله ﷺ: ﴿الذين اخرجوا من دينهم بعين حق الا ان يفؤلوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوره وبيع وصلون ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره﴾ [سوره الحج: ٤٠].

هذه الايه تشبه الايه التي قبلها، وهي وارده كذلك في سياق التدافع بين الحق والباطل، وفي سياق القتال في سبيل الله، كما قال ابن عطيه ﷺ: (وقوله تعالي: ﴿ولولا دفع الله الناس﴾ الايه، تقويه للامر بالقتال، وذكر الحجه بالمصلحه فيه، وذكر انه متقدم في الامم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكانه قال:

انه متقدم في الامم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكانه قال: اذن في القتال فليقاتل المؤمنون، ولولا القتال والجهاد لتغلب علي الحق في كل امه. هذا اصوب تاويلات الايه، وقال مجاهد: ولولا دفع الله ظلم قوم لشهاده العدول ونحو هذا، وقالت فرقه: ولولا دفع الله ظلم الظلمه بعدل الولاه، وقال علي بن ابي طالب ﷺ: ولولا دفع الله باصحاب محمد ﷺ الكفار عن التابعين فمن بعدهم.

قال القاضي ابو محمد ﷺ: وهذا كله فيه دفع قوم بقوم الا ان معني القتال اليق بما تقدم من الايه.) (٢) وقال ابن كثير في تفسيره لهذه الايه: (اي: لولا انه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر اناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الاسباب، لفسدت الارض، واهلك القوي الضعيف) (٣).

(١) المحرر الوجيز: (١/٣٣٧–٣٣٨) لابن عطيه.

(٢) المحرر الوجيز: (٤/١٢٤) لابن عطيه، باختصار.

(٣) تفسير ابن كثير (٥/٣٨٢).

٤٨ الشاب الرهي: واثراها في قهم الواقها والعمل الاصلاحي.

الخلاصه ان الله لا يترك اهل الباطل يبغون في الارض ويفسدونها دون ان يردعهم ويكف شرهم وعاديتهم، وقد يكون ذلك بتسليط المؤمنين عليهم كما في هذه الايه، فمتي وجدت كلمه اهل الباطل واحده مجتمعه علي الافساد في الارض والطغيان فيها فاعلم ان الله تعالي بالمرصاد، وان دفعهم قد اقترب.

(٣) عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفه من امتي يقاتلون علي الحق ظاهرين الي يوم القيامه»، قال: «فينزل عيسي ابن مريم ﷺ، فيقول اميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، ان بعضكم علي بعض امراء تكرمه الله هذه الامه»(١).

هذا الحديث الصحيح يدل علي بقاء سنه التدافع الي يوم القيامه، ويتضمن كذلك وجود الاعداء الي يوم القيامه، فهو من الاحاديث المهمه في سنه التدافع بين الحق والباطل، وفيه: ان القتال في سبيل الله باق الي قيام الساعه.

٣- الادله علي سنه المداوله:

١) قوله جل شانه: ﴿وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾ [سوره ال عمران: ١٤٠]. هذه الايه هي الاصل في سنه المداوله، وهي تدل بلفظها وسياقها علي انها سنه الهيه ماضيه كما قال ابن عاشور ﷺ: (والناس: البشر كلهم، لان هذا من السنن الكونيه، فلا يختص بالقوم المتحدث عنهم.)(٢)

(١) رواه مسلم: (١٥٦).

(٢) التحرير والتنوير: (٤/١٠٠) لابن عاشور.

٤٩ الشاب والهماء وارمانه فهم الواقه والعمل الاضلامي.

19

لابن عاشور.

٤٩ الشاب والهماء وارمانه فهم الواقه والعمل الاضلامي.

وقال الطبري ﷺ: «ويعني ب «التاب»، المسلمين والمشركين، وذلك ان الله عز وجل ادال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين واسروا سبعين. وادال المشركين من المسلمين باحد، فقتلوا منهم سبعين، سوي من جرحوا منهم» (١).

واما معني المداوله فقال الطبري ﷺ: «ويعني بقوله: «لداولها بيت التاب»، نجعلها دولا بين الناس مصرفه» (٢).

وقال الواحدي: «والدوله: الكره و«ادال الله فلانا من فلان» اذا جعل الكره له عليه؛ يريد انه ادال المسلمين من المشركين يوم بدر، وادال المشركين من المسلمين يوم احد» (٣).

وقال ابن كثير في بيان الحكم المرتبطه بهذه المداوله في تفسيره لتتمه الايه: «وليعلم الله البيت ءامنوا» قال ابن عباس -في مثل هذا- لنري، اي: من يصبر علي مناجزه الاعداء «ويتخذ منكم شهداء» يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته.

«والله لا يحب الظالمين ﴿٤٠﴾ وليمحض الله البيت ءامنوا ويمحق الكافرين ﴿٤١﴾» [آل عمران]، اي: يكفر عنهم من ذنوبهم، ان كان لهم ذنوب والا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما اصيبوا به، وقوله: «ويمحق الكافرين» اي: فانهم اذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم» (٤).

(١) تفسير الطبري: (٦/٨٢).

(٢) تفسير الطبري: (٦/٨٢).

(٣) التفسير البسيط: (٦/١١) للواحدي.

(٤) تفسير ابن كثير: (٢/١١٠).

٥٠ الشكر للهم اولاد واربع في ههم اولاد الحق.

ابن كثير: (٢/١١٠).

٥٠ الشكر للهم اولاد واربع في ههم اولاد الحق.

قوله ﷺ: ﴿فاذا لقيم الذين كفروا فضرب ارقاب حتي اذا اشخشوهم فشدوا الوتاق فاما متاهم ولما هذا في نضع الحرب او زارها ذلك ولو نشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوان بعضكم ببعض﴾ [سورة محمد: ٤].

هذه الايه متعلقه بسنه التدافع، وبسنه المداوله كذلك، وذلك لان لفظ (البلاء) الوارد فيها يشعر بالتداول والسجال في الحرب، كما قال الطبري ﷺ: «ولو يشاء ربكم، ويريد لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم فيهم بعقوبه منه لهم عاجله، وكفاكم ذلك كله، ولكنه تعالي ذكره كره الانتصار منهم، وعقوبتهم عاجلا الا بايديكم ايها المؤمنون ﴿ليبلوان بعضكم ببعض﴾ يقول: ليخبركم بهم، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوهم بكم، فيعاقب بايديكم من شاء منهم، ويتعظ من شاء منهم بمن اهلك بايديكم من شاء منهم حتي ينيب الي الحق» (١).

وقال السعدي ﷺ: ﴿ذلك﴾ الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداوله الايام بينهم، وانتصار بعضهم علي بعض ﴿ولو نشاء الله لانتصر منهم﴾ [سورة محمد: ٤] فانه تعالي علي كل شيء قدير، وقادر علي الا ينتصر الكفار في موضع واحد ابدا، حتي يبيد المسلمون خضراءهم.

﴿ولكن ليبلوان بعضكم ببعض﴾ ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك احوال العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمن من امن ايانا صحيحا عن بصيره، لا ايانا مبنيا علي متابعه اهل الغلبه، فانه ايمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا» (٢).

(١) تفسير الطبري: (٢١/٢٨٩).

(٢) تفسير السعدي: (٧٨٤).

٥١ الشاب الرئيسي: واثرها في فهم الواقع والعمل الاضلاعي.

20

٥١ الشاب الرئيسي: واثرها في فهم الواقع والعمل الاضلاعي

٣) قول هرقل لابي سفيان: «وسالتك: هل قاتلتموه فرعمت انكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلي ثم تكون لهم العاقبه»(١).

هذا النص يدل علي معرفه اهل الكتاب بسنه المداوله، وانه مما بقي عندهم من الحق، فقد علم هرقل سنه الله في رسله واعدائهم، كما علم قبل ذلك ورقه بن نوفل سنه الله في الانبياء انهم لا بد ان يعادوا.

(١) رواه البخاري: (٤٥٥٣).

٥٢ رابعا: علاقه هذه السنه بغيرها من السنن:

سبق الحديث في القواعد المنهجيه العامه لفهم السنن الالهيه اهميه ادراك التداخل بين السنن والعلاقه بينها، وذلك كي لا يقع الناظر في سوء الفهم للواقع بالنظر الي سنه واحده من السنن الالهيه دون ادراك لعلاقتها بغيرها من السنن فيقع في الخلل.

والمتامل في سنه التدافع بين الحق والباطل يجد انها مرتبطه بعدد من السنن الالهيه الاخري، ومنها:

١- سنه الابتلاء للمؤمنين، وذلك ان الله سبحانه يبثلي المؤمنين باعدائهم، فيسلطهم عليهم تاره وينصرهم عليهم تاره اخري، فيتحقق بذلك حكم متعدده من اهمها: ابتلاء المؤمنين.

٢- سنه المداوله - كما سبق بيانها- وذلك ان هذا التدافع متقلب النتيجه، وليس محسوما لاهل الحق في الحال وان كان كذلك في المال، وبادراك ذلك يفهم المؤمن ان التدافع مقرون بالمداوله اولا وهي مصحوبه بالابتلاء والتمحيص ثم يكون النصر بعد ذلك.

٣- سنه التمييز بين الحق والباطل، وذلك ان اظهر مقامات التمييز التي يذكرها الله في القران انما هي في سياق التدافع بين الحق والباطل، كما ذكر الله ذلك في سوره ال عمران وسوره الانفال.(١)

* (١) سوره ال عمران: (١٧٩)، سوره الانفال: (٣٧).

٥٣ خامسا: الحكم والمقاصد الربانيه من هذه السنن:

ان الله ﷺ حين بين لنا سننه، فقد بين لنا - كذلك - الحكم المرتبطه بها والمقاصد الغائيه منها، وكما ان المتفقه في الاحكام الشرعيه لا يتم فقهه الا بادراك مقاصدها، فكذلك الباحث في السنن الالهيه لا يتم فقهه الا بفهم مقاصدها،

وكما ان الفقه بمقاصد الاحكام الشرعيه يعين علي الاصابه عند الفتيا في النوازل الفقهيه، فكذلك الفقه بمقاصد السنن يعين علي الاصابه عند تنزيل السنن علي الواقع، واسال الله سبحانه التوفيق لذكر شيء من الحكم المتعلقه بالسنن الالهيه.

تظهر في هذه السنه الالهيه كثير من الحكم والمعاني المقاصديه العظيمه، ومنها:

١- اظهار معاني العبوديه الخاصه لاولياء الله، ببذل الاموال والارواح في سبيله، والصبر علي الشدائد في ذات الله، والسعي لاقامه دين الله وجهاد اعدائه واغاظتهم.

٢- دفع الفساد عن الارض، وحفظ نظامها.

٣- تحقيق سنه الابتلاء للمؤمنين والتمحيص لهم.

٤- تحقيق سنه التمييز بين الحق والباطل والخبيث والطيب.

٥- اتخاذ الله شهداء من المؤمنين.

٦- تحقيق سنه نصر الله لاوليائه واهلاكه لاعدائه؛ اذ ان موجب كل منهما هو هذا التدافع وما يصحبه من المعاني والحكم.

٥٤

21

اذ ان موجب كل منهما هو هذا التدافع وما يصحبه من المعاني والحكم.

٥٤ الشاب الراهيمات وازواع فهم الواقع والعمل الاصلاحي

٧- الايمان بالحق لذاته لا لغلبه اهله.

٨- زياده الحجه علي الكافرين وظهور البينه والفرقان، وذلك كما في قوله سبحانه في سياق معركه بدر: ﴿ليهلك من هلك عن بينه ويحيي من حر عن بينه﴾ [سوره الانفال:٤٢]، قال البقاعي: ﷺ: ﴿ليهلك من هلك﴾ اي: من الفريقين: الكفار في حاله القتال وبعدها، والمسلمين هلاكا متجاوزا وناشئا ﴿عن﴾ حاله ﴿بينه﴾ لما بان من صدق رسول الله ﷺ في هذه الوقعه في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ما كانوا يقولونه قاطعين به، مع ان ظاهر الحال يقضي لهم،

فكان ذلك من اعظم المعجزات ﴿ويحيي من حر﴾ اي: بالاسلام حياه هي في اعلي الكمال ﴿عن﴾ حاله ﴿بينه﴾ اي: كائنه بعد البيان في كون الكافرين علي باطل والمؤمنين علي حق لما سياتي من انهم كانوا يقولون: ﴿عم هلؤلاء دينهم﴾ [سوره الانفال: ٤٩] فحينئذ تبين المغرور وكشفت عجائب المقدور عن اعين القلوب المستور. (١)

٩- استحقاق المجرمين للعقاب والعذاب ببطرهم وكبرهم واستعلائهم علي المؤمنين. تفسير البقاعي: (٨ / ٢٨٨ - ٢٨٩) باختصار.

٥٥ الشاب والهم وارعافها امواله [سوره الرحمن]

سادسا: الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه:

١- الوعي بان هذه سنه ماضيه لن تزول ولو اظهر اهل الباطل تخليهم عنها، وهذا مهم في واقعنا اليوم كما سياتي في تنزيل هذه السنه علي الواقع.

٢- الاستعداد النفسي مثل هذا الصراع، وعدم التفاحؤ به.

٣- الصبر، كما صبر من سبقنا عليها: قال الطبري ﷺ في تفسير قوله سبحانه: ﴿وكذلك جعلنا لصوري عدوا من المجرمين﴾ [سوره الفرقان: ٣١]: (يقول: فاصبر لما نالك منهم كما صبر من قبلك اولو العزم من رسلنا.) (١)

٤- حسن الظن بالله، وذلك ان الذي يعي سنه التداول، لا يسيء الظن بربه حين يديل اهل الكفر علي اهل الاسلام في بعض الجولات؛ لعلمه واستعداده المسبق.

٥- التفاؤل وتجنب الياس والاحباط، وذلك لمعرفه ان اهل الافساد في الارض لا يدوم لهم حال، وانه لا بد من دفعهم في سنه الله وميزانه. (١) تفسير الطبري: (١٧/٤٤٤).

بد من دفعهم في سنه الله وميزانه. (١) تفسير الطبري: (١٧/٤٤٤).

٥٦ سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع:

22

## الطبري: (١٧/٤٤٤)

٥٦ سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع:

زعمت الامم الكافره في واقعنا اليوم تخليها عن العداء الناشئ عن اختلاف الاديان لاجل الدين، وزعمت انها تحافظ علي مواثيق حقوق الانسان، والتزامهم بالمساواه التامه بين البشر، واقاموا في سبيل ذلك المؤسسات الدوليه الكبري، والهيئات الامميه، والمحاكم والمنظمات والقوانين، وصدق هذه الدعوي كثير من المسلمين،

بل وراوها الانموذج البشري الاكمل، وان العالم سيعيش في سلام حقيقي بعيدا عن اي صراع. وهذا كله بسبب الجهل بحقائق الوحي التي اخبر فيها سبحانه عن اهل الباطل وسبيلهم، وبسبب الجهل بسنن الله ﷺ، الذي اخبرنا بدوام الصراع بين الحق والباطل، وانه حيث وجد الحق الخالص وجد حمله الصادقون الداعون اليه فان المصير الحتمي هو: وجود من يجاربه من اهل الباطل،

وهذا ما رايناه صريحا واضحا في زماننا الذي سيمت فيه اسماعنا من تكرار شعار (حقوق الانسان) ثم راينا هذه الامم كيف تتكالب علينا، وراينا كيف تفرق هذه الامم بين المظلومين، فاذا كان المظلوم مسلما سنيا فانهم يتكؤون، ويسكتون، ويغضون الطرف، او يبذلون القليل علي استحياء،

وقد يقفون مع العدو اما صراحه او من وراء حجب، كما حصل لاخواننا في سوريا من ظلم شديد وقهر واستضعاف وسلب لكافه الحقوق البشريه -بل حتي الحيوانيه-، واما اذا كان المحارب يهوديا فانهم يسارعون الي النصره بالسلاح والعتاد والرجال والاموال والاعلام والتبرير القانوني ويصطفون معهم في ظلمهم،

كما حصل في غزه هذا العام (١٤٤٥-٢٠٢٣) مع كونهم كذبوا في تصوير اليهود ٥٧ الشاب والهمت وارمانه فهم الواقه والعمل الاصلامي بانهم مظلومون، فهم محتلون غاصبون اصلا، ولكنهم رسموا لهم صوره المظلوم في الاعلام العالمي، وخرج رئيس امريكا وردد بعض الكذبات في قتل اطفال اليهود ونحو ذلك، وتكالبت الدول الاوربيه علي نصره اليهود، وعلي محاربه الحقوق التي دعوا اليها كل القرون الماضيه،

فحاربوا حتي من يرفع علم فلسطين في المظاهرات في بلدانهم، ثم سارعوا من اول الايام الي ارسال بارجاتهم وغواصاتهم النوويه لنصره اليهود الغاصبين –المظلومين بادعائهم–، وتداعت الدول الغربيه علي اهلنا في غزه كما تداعي الاكله الي قصعتها، وهكذا فعلوا مع اوليائهم الاوكرانيين الكفار،

سارعوا الي نصرتهم والوقوف معهم بالسلاح والعتاد. واما المسلمون في سوريا الذين نصب علي رؤوسهم كل الات الجحيم، والمسلمون في الهند الذين يسامون علي ايدي الهندوس سوء العذاب، والمسلمون في فلسطين الذين احتلت ارضهم ودنست مقدساتهم، فانهم يتجاهلونهم، بل وكثيرا ما يقفون ضدهم، والله المستعان،

ولا تجدهم يسارعون الي شيء من النصره لهم الا اذا تحققت مصلحتهم المحضه في ذلك، وهذا كله علي الحقيقه ليس بمستغرب عند من يفهم سنن الله تعالي، ويفقه سبيل المجرمين الذي بينه في كتابه، واما البعيدون عن هذا الوعي، المفتونون باحلام السلام، فقد اصيبت احلامهم في مقتل مع حرب غزه،

حين راوا اعلي صور الانتهاكات واشدها، وشاهدوا الكفر بحقوق الانسان وكل قيم الحريه التي تاسست عليها.

* * *

سنه وجود اعداء الحق، والتدافع، والمداوله بيان معني السنه سنه التدافع سنه التدافع ان الله سبحات جمل لانهانك وانباعهم اعداء وبمادوبهم وبكيدون هم سنه التدافع

23

سبحات جمل لانهانك وانباعهم اعداء وبمادوبهم وبكيدون هم سنه التدافع. إن الله يجعل الأيام دولا بين الحق والباطل، فلا ينتصر الحق مباشرة، وإنما يديل الله الباطل عليه في بعض المراحل، ثم تكون العاقبة لأهل الحق.

سنة وجود أعداء الحق، والتدافع، والمداولة.

تابع 1: أدلة هذه السنة من الوحي

﴿ وحذاك جعلنا لكل نبي عدو من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ﴾

﴿ وحذاك جعلنا لكل نبي عدو شيطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴾

«لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي»

«ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض»

«لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة؛ فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمهم الله هذه الأمة»

«وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء»

«فإذا لقيتم الذين كفروا فضربت أعناق حتى إذا أخفشوهم فقدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو نشاء الله لا تعتمنهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض»

«وسألتك: هل قاتلتموه؟ فرعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتل ثم تكون لهم العاقبة»

سنة وجود أعداء الحق، والتدافع، والمداولة.

تابع 2: الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة

- الوعي بأن هذه سنة ماضية لن تزول ولو أظهر أهل الباطل تخليهم عنها.

- الاستعداد النفسي لمثل هذا الصراع، وعدم التفاجؤ به.

- الصبر.

- حسن الظن بالله.

- التفاؤل وتجنب اليأس والإحباط.

الحكم والمقاصد من هذه السنة:

- إظهار معاني العبودية الخاصة لأولياء الله.

- دفع الفساد عن الأرض، وحفظ نظامها.

- تحقيق سنة ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم.

- تحقيق سنة التمييز بين الخبيث والطيب.

- اتخاذ الله شهداء من المؤمنين.

- تحقيق سنة نصر الله لأوليائه وإهلاكه لأعدائه.

تنزيل هذه السنة على الواقع:

- زعم الأمم الكافرة اليوم تخليها عن العداء الديني، وتصديق هذه الدعوى ممن يجهل حقائق الوحي من المسلمين، فمتى وجد الحق؛ فسيوجد حتما من يحاربهم من أهل الباطل.

- سقوط شعارات (حقوق الإنسان) إذا كان المحارب مسلما سنيا، مع المسارعة في نصر اليهود ونحوهم.

- الإيمان بالحق لذاته لا لغلبة أهله.

- زيادة الحجة على الكافرين وظهور البينة والفرقان.

- استحقاق المجرمين للعقاب والعذاب.

السنة الثانية: سنة الابتلاء

أولا: بيان معنى السنة: المقصود بهذه السنة: أن الله سبحانه وتعالى يديم امتحان عباده المؤمنين وابتلاءهم بأنواع المصاعب، من الجوع والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ومن البأساء والضراء وزلزلة الأعداء، حتى يعلم الصادق في إيمانه من الكاذب، وحتى يميز الخبيث من الطيب.

24

الخبيث من الطيب.

٦٣ الشان الالهي، وارعافها الواقع والعمل الاصلامي

ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم هذه السنه:

١ - هذه السنه ماضيه علي الافراد المؤمنين وعلي الجماعات المؤمنه، فهي سنه شامله لا يفلت منها احد، غير ان لها في سياقها الجامعي صورا وجكما اكثر من صورها وجكمها في السياق الفردي، ومن ذلك مثلا: حكمه التمييز بين الخبيث والطيب، وبين المؤمن والمنافق، فهذا لا يكون الا بالابتلاءات الجماعيه؛

وبين المؤمن والمنافق، فهذا لا يكون الا بالابتلاءات الجماعيه؛ لان ثمرتها مرتبطه بالتمييز داخل الصف المسلم، والتنقيه له والتصفيه باخراج المنافقين منه، وان كانت الابتلاءات الفرديه تظهر الصادق في ايمانه من الكاذب، الا انها غير الابتلاءات التي تميز الصف.

والمقصود الاكبر في هذا الكتاب: تناول السنن من حيث تعلقها بالجماعات والامم اكثر من تناولها من حيث تعلقها بالافراد.

٢ - هذه السنه اصل للسنن الالهيه المتعلقه بالمؤمنين، فبقيه السنن تتفرع عنها، او تترتب عليها، فسنه النصر وسنه التمكين ووراثه الارض كلها لا تكون الا بعد تحقق سنه الابتلاء، ولذلك فانها مما ينبغي ان تكون محل عنايه بالغه من المؤمن.

٣ - ان هذه السنه لا تتعلق بمرحله الاستضعاف وحدها، بل هي مستمره، فهناك ابتلاء في مرحله الاستضعاف التام، وفي مرحله الاستضعاف الجزئي، وابتلاءات في التدافع بالقتال مع اهل الباطل، وابتلاءات في ثنايا النصر المرحلي، وتاتي كذلك بعد النصر التام والتمكين، كما قال سبحانه: ﴿عسي ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر حكيما تعمالون﴾ [سوره الاعراف: ١٢٩] فهي سنه ملازمه للمؤمنين، وان كانت تتنوع صورها ودرجاتها.

٦٤ الشاب الراهيم

للمؤمنين، وان كانت تتنوع صورها ودرجاتها.

٦٤ الشاب الراهيم

٤ - لا تنحصر سنه الابتلاء في الشدائد من الباساء والضراء وزلزله الاعداء، بل قد ياتي الابتلاء علي المؤمنين بالخير والحسنات والسراء، كما قال سبحانه: ﴿وساولو ياشر والحجر فتنه﴾ [سوره الانبياء:٣٥]، ولذلك فان اشد ما خشيه النبي ﷺ علي اصحابه من بعده ان تفتح عليهم الدنيا فيتافسوها فتهلكهم (١).

٥ - الابتلاء قد يكون بالاقدار المؤلمه وقد يكون بالتكليف بالامور المكروهه كالقتال، وكلها تاتي في سياق التدافع مع الباطل اكثر من غيرها.

٦ - الادله الوارده في سنه الابتلاء علي نوعين:

الأول: الادله التي فيها بيان كون الابتلاء سنه ماضيه.

الثاني: الادله المتضمنه لكثير من الامثله علي ابتلاء المؤمنين من الانبياء واتباعهم، مما يدل علي ان ذلك سنه ماضيه. ولا يتم فهم سنه الابتلاء علي وجهها الا بالجمع بين النوعين من الادله وتتبعها. انظر: صحيح البخاري: (٤٠١٥)، وصحيح مسلم: (٢٩٦١).

انظر: صحيح البخاري: (٤٠١٥)، وصحيح مسلم: (٢٩٦١).

٦٥ الشاب والهمات وارمانه

فهم الواقع والعمل اصلاحي

ثالثا: ادله هذه السنه من الوحي، وبيان معني هذه الادله وتحرير كلام المفسرين حولها:

الادله علي هذه السنه من الوحي كثيره جدا، ومنها:

25

كلام المفسرين حولها:

الادله علي هذه السنه من الوحي كثيره جدا، ومنها:

١- قوله ﷺ: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب» ﴿سورة البقرة: ٢١٤﴾.

هذه الآية أصل محكم في بيان سنة الابتلاء، وفيها فوائد كثيرة يحسن إفرادها في رسالة مستقلة، وسأذكر هنا أهم كلام المفسرين حولها، وبيانهم كونها سنة ماضية مستمرة.

هنا أهم كلام المفسرين حولها، وبيانهم كونها سنة ماضية مستمرة. قال الطبري في تفسير الآية: (معنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من «البأساء» وهو شدة الحاجة والفاقة «والضراء» وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب، وأنه معليهم على عدوهم، ومظهرهم عليه، فنجز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا). (١)

فنجز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا). (١) (١) تفسير الطبري: (٣/٦٣٦).

وقال الشيخ ابن سعدي في تفسير الآية مبيناً كونها سنة ثابتة: (أخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، إن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقعة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة التامة).

ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثبته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوي، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم «مستفعر البأساء» أي: الفقر «والضراء» أي: الأمراض في أبدانهم «ورزوا» بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وال بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به). (١)

وكذلك قال ابن عاشور: (وتطرق هذه الحالة سنة من سنن الله تعالى في اتباع الرسل في أول ظهور الدين، وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل، فلذلك هيئ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفاً بهم ليكون حصوله أهون عليهم).

وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساء والضراء وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة، فلما وردوا المدينة لقوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم، كما أن الأنصار لقوا من ذلك شدة المضايقة في (١) تفسير السعدي: (٩٦).

26

ان الانصار لقوا من ذلك شده المضايقه في ﴿ ١ ﴾ تفسير السعدي: (٩٦).

الشاب والهمات وارمانه فهم الواقع والعمل اصلاحي ديارهم بل وفي اموالهم فقد كان الانصار يعرضون علي المهاجرين ان يتنازلوا لهم عن حظ من اموالهم ﴿ ١ ﴾.

الانصار يعرضون علي المهاجرين ان يتنازلوا لهم عن حظ من اموالهم ﴿ ١ ﴾.

٢ - قوله ﷺ: «ولتبلونكم حتي تقلم المجهدين منكم والصبيرين وببلوا اخباركم» ﴿ سوره محمد: ٣١ ﴾، وقوله ﷺ: «ام حيبتم ان تدخلوا الجنه ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويقلم الصبيرين» ﴿ سوره ال عمران: ١٤٢ ﴾، وقوله ﷺ: «ام حيبتم ان تركزوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولو يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجه والله خير بما تعملون» ﴿ سوره التوبه: ١٦ ﴾.

هذه الايات العظيمه فيها معني الابتلاء بالتكليف بالجهاد في سبيل الله، وهذا التكليف الشرعي مرتبط بالامر القدري القاضي بايجاد الاعداء وسعيهم في محاربه الحق، وفيها ان المؤمنين لن يتركوا حتي يبتلوا بهذا الابتلاء.

والملاحظ ان هذه الايات قد تكررت عليهم في اوقات مختلفه، مما يدل علي استمرار هذا المعني وعدم سقوطه بالمره والمرتين، فهذه الايات فيها ما نزل في سوره التوبه وهي متعلقه بغزوه تبوك في اخر زمن النبي ﷺ، وقد اتت بنفس الاسلوب الذي جاء في اول المرحله المدنيه في ايه البقره: «ام حيبتم ان تدخلوا الجنه» وبنفس اسلوب ايه ال عمران التي نزلت في احداث يوم احد: «ام حيبتم ان تدخلوا الجنه».

قال الطبري ﷺ: (يقول تعالي ذكره لاهل الايمان به من اصحاب رسول الله ﷺ: «ولتبلونكم») ايها المؤمنون، بالقتل، وجهاد اعداء الله، «حتي تقلم المجهدين منكم») يقول: حتي يعلم حزبي واوليائي اهل الجهاد في الله منكم، واهل الصبر علي قتال اعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويعرف ﴿ ١ ﴾ التحرير والتنوير: (٢) (٣١٥) لابن عاشور.

الشابون الالهاميه واربعه في قهمه الواقع والعمل الاصطابي.

27

## عاشور

٦٨ الشابون الالهاميه واربعه في قهمه الواقع والعمل الاصطابي ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيره فيه واهل الايمان من اهل النفاق ونبلو اخباركم، فنعرف الصادق منكم من الكاذب.

﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾

(١) وقال في تفسير آية التوبة: «أَمْ حَسِبْتُمْ»، أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة يمتحنكم بها، وبغير اختبار يختبركم به، فيعرف الصادق منكم في دينه من الكاذب فيه.

«وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا» يقول: أحسبتم أن تتركوا بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم في سبيله، من المضيعين أمر الله في ذلك المفرطين.

«وَلَوْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ» يقول: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله ولا من دون المؤمنين.

«وَلِيَجْهَ» وإنما عني بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين. نهي الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم.

«وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» يقول: والله ذو خبر بما تعملون، من اتخاذكم من دون الله ودون رسوله والمؤمنين به أولياء وبطانة، بعد ما قد نهاكم عنه، لا يخفي ذلك عليه، ولا غيره من أعمالكم، والله مجازيكم على ذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا.

(٢) والله مجازيكم على ذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا.

(٢) وقال السعدي في آية سورة محمد «وَلَتُبْلَوُنَّ حَتَّى تَعْلَمُوا الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ» ﴿سورة محمد: ٣١﴾ مبينًا كون هذا الابتلاء بالتكليف لا بالمصيبة: ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده، وهو الجهاد في سبيل الله، فقال: «وَلَتُبْلَوُنَّ» أي: نختبر إيمانكم وصبركم، «حَتَّى تَعْلَمُوا الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ» وببلوا أخباركم ﴿سورة محمد: ٣١﴾ فمن امتثل أمر الله وجاهد في سبيل الله.

(١) تفسير الطبري: (٢١/٢٢٣).

(٢) تفسير الطبري: (١١/٣٧٢ - ٣٧٣) بتصرف يسير.

٦٩ الشاب والهماء وأرماقها الواقع والعمل الإصلاحي لنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقًا، ومن تكاسل عن ذلك، كان ذلك نقصًا في إيمانه.

(١) فهو المؤمن حقًا، ومن تكاسل عن ذلك، كان ذلك نقصًا في إيمانه.

٣ - قوله: ﴿ولقد حجب رسلا من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر منا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ ﴿سورة الأنعام: ٣٤﴾.

هذه الآية فيها بيان لسنة الله في أنبيائه ورسله، أنه يبتليهم بتكذيب أقوامهم لهم، وبأذيتهم إياهم، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، حتى أتاهم نصره، وكان هذا الخطاب للنبي ﷺ، ليسلك الله به مسلك الأنبياء قبله، فيبتلى كما ابتلوا، ويؤذى كما أوذوا، ويصبر كما صبروا، كما قال الطبري ﷺ:

«وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وتعزية له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه على ما جاءهم به من الحق من عند الله. يقول تعالى ذكره: إن يكذبك، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك، فيجحدوا نبوتك، وينكروا آيات الله أنها من عنده، فلا يحزنك ذلك، واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقي منهم من المكروه في ذات الله، حتى يأتي نصر الله، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوا منهم بمكروه، فصبروا على تكذيب قومهم إياهم، ولم يثنهم ذلك من المضي لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه، حتى حكم الله بينهم وبينهم.

﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾، يقول: ولا مغير لكلمات الله. وكلماته تعالى ذكره: ما أنزل الله إلى نبيه محمد ﷺ، من وعده إياه النصر على من خالفه وضاده، والظفر على من تولى عنه وأدبر.

﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ يقول: ولقد جاءك يا محمد، من خبر من كان قبلك من الرسل، وخبر أممهم، وما صنعت بهم حين جحدوا آياتي وتمادوا في غيهم.

(١) تفسير السعدي: (٧٨٩).

٧الشاب الرهي
28

اياتي وتمادوا في غيهم ﴿١﴾ تفسير السعدي: (٧٨٩).

٧الشاب الرهي وضللهم: انباء، وترك ذكر «انباء»، لدلاله «من» عليها. يقول تعالي ذكره: فانتظر انت ايضا من النصره والظفر مثل الذي كان مني فيمن كان قبلك من الرسل اذ كذبهم قومهم، واقتد بهم في صبرهم علي ما لقوا من قومهم ﴿١﴾.

وقال ابن عاشور مبينا الاشاره الي السنن من خلال الايه من جمله: «ولا مبذل لكلمات الباه» قال:

الاشاره الي السنن من خلال الايه من جمله: «ولا مبذل لكلمات الباه» قال: (ويجوز ان تكون كلمات الله ما كتبه في ازلته وقدره من سننه في الامم، اي ان اهلاك المكذبين يقع كما وقع اهلاك من قبلهم) ﴿٢﴾.

* (١) تفسير الطبري: (٩/٢٢٤). (٢) التحرير والتنوير: (٧/٢٠٢).

٧١ الشاب والهمات وارماقها الواقها والعمل الاصلامي

رابعا: علاقه هذه السنه بغيرها من السنن:

هذه السنه اصل من اصول السنن كما تقدم، وهي مرتبطه بمنظومه السنن من مختلف جهاتها:

١- فهي اثر من اهم اثار سنه الاملاء والامهال للمجرمين.

٢- وهي متصله بسنه الاهلاك للظالمين؛ لان اهلاكهم له موجبات، من اهمها: التسلط علي المؤمنين واستضعافهم بالقتل والسجن والتعذيب.

٣- وهي متعلقه بسنه التدافع كذلك.

٤- كما ان لها ارتباطا وثيقا بسنه المداوله التي لا بد فيها من الالام والشدائد علي المؤمنين.

٥- وهي الطريقه التي يحقق الله بها سنه التمييز بين الخبيث والطيب، والمؤمن والمنافق داخل الصف المسلم، كما قال سبحانه: «ما كان الله ليدر المؤمنين علي ما انتم عليه حتي يمير الخبيث من الطيب» ﴿سوره ال عمران: ١٧٩﴾ قال الطبري: «مبينا العلاقه بين هذا التمييز وبين الابتلاء:

(يعني بقوله: «ما كان الله ليدر المؤمنين»، ما كان الله ليدع المؤمنين «علي ما انتم عليه» من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا «حتي يمير الخبيث من الطيب» يعني بذلك: «حتي يمير الخبيث» وهو المنافق المستسر للكفر «من الطيب»، وهو المؤمن المخلص الصادق الايمان، بالمحن والاختبار، كما ميز بينهم يوم احد عند لقاء العدو عند خروجهم اليهم) ﴿١﴾.

(١) تفسير الطبري: (٦/٢٦٢).

٧٢ الشاب الراهيم واثرنا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

٦ - ولسنه الابتلاء تعلق كذلك بسنه الاستبدال، من جهه كون هذا الاستبدال ياتي بعد الابتلاء بالتكليف بالجهاد، وهي السنه القاضيه بابدال الله تعالي القوم المقصرين من المؤمنين في الاستجابه له في نصره دينه والانفاق في سبيله بقوم اخرين يستجيبون وينفقون، وقد تاتي هذه السنه في ابدال المرتدين بالمؤمنين، فتكون سنه شامله للمؤمنين والكافرين.

قال الله ﷺ: «يتايها الذين امنوا ما لكم اذا قل لكن افعلوا في سبيل الله الاقلام الي الارض ارضيكم بالحبيه الدنيا من الاخره فما متع الحبيه الدنيا في الاخره الا قليل ﴿٣﴾ الا تفعلوا يعذبكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله علي كل شيء قدير ﴿٤﴾» ﴿سوره التوبه: ٣٨-٣٩﴾.

قال ابن جرير الطبري ﷺ: (يقول تعالي ذكره للمؤمنين به من اصحاب رسوله، متوعدهم علي ترك النفر الي عدوهم من الروم: ان لم تنفروا، ايها المؤمنون، الي من استنفركم رسول الله، يعذبكم الله عاجلا في الدنيا، بترككم النفر اليهم، عذابا موجعا ويستبدل قوما غيركم) يقول: يستبدل الله بكم نبيه قوما غيركم،

ويستبدل قوما غيركم) يقول: يستبدل الله بكم نبيه قوما غيركم، ينفرون اذا استنفروا، ويجيبون اذا دعوا، ويطيعون الله ورسوله ولا يضروه شيئا، يقول: ولا تضروا الله، بترككم النفير ومعصيتكم اياه شيئا، لانه لا حاجه به اليكم، بل انتم اهل الحاجه اليه، وهو الغني عنكم وانتم الفقراء والله علي كل شيء قدير، يقول جل ثناؤه: والله علي اهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم،

قدير، يقول جل ثناؤه: والله علي اهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم، وعلي كل ما يشاء من الاشياء، قدير) ﴿١﴾.

(١) تفسير الطبري: (١١/ ٤٦٠ - ٤٦١).

٧٣ الشابه للاهلي: وازماني لهم الواقع والعمل لا ضللتي

29

٧٣ الشابه للاهلي: وازماني لهم الواقع والعمل لا ضللتي. وقد ذكر بعض العلماء ما يفهم منه أن الاستبدال سنة ماضية، كما قال ابن رجب عن ابن تيميه رحمها الله تعالى: «وقد سافر الشيخ مره على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجيء الترسة من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخلبتم عن الشام، ونصره أهله، والذب عنهم، فإن الله تعالى يقيمهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم، وتلا قوله تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾، وقوله تعالى: ﴿ألا تفروا يحدثون عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا﴾. وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد – وكان هو القاضي حينئذ – فاستحسن ذلك، وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام﴾(١).

وكذلك ذكر ابن كثير ما يفهم منه كون الاستبدال سنة، وذلك في تفسيره لقوله سبحانه: «يأتيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه» ﴿سورة المائدة: ٥٤﴾. قال: (يقول تعالى محبراً عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصر دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير له منه وأشد منعة وأقوم سبيلاً، كما قال تعالى: «وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» ﴿سورة محمد: ٣٨﴾. وقال تعالى: «إن يتأيدكم بها الناس ويأتيهم بكاذبين» ﴿سورة النساء: ١٣٣﴾، وقال تعالى: «إن يتأيدكم ويأتيهم بحلق جديد» (٢) (١).

١٣٣﴾، وقال تعالى: «إن يتأيدكم ويأتيهم بحلق جديد» (٢) (١) ذيل طبقات الحنابلة (٥/٤١٠).

٧٤ الشاب الراهيم: أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا: «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه» ﴿سورة المائدة: ٥٤﴾، أي: يرجع عن الحق إلى الباطل). (١)

٧- وسنة الابتلاء شرط لتحقيق سنة النصر التي لا تأتي إلا بعد الابتلاء، كما قال سبحانه: «حق إذا استين أرسل وظنوا أنهم قد حذئوا جاءهم نصرنا» ﴿سورة يوسف: ١١٠﴾. وها أنت تلاحظ مركزية هذه السنة ومجوريتها في سياق السنن الإلهية. * (١) تفسير ابن كثير: (٣/١٢٣).

٧٥ | الشاب والهمة | وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

خامساً: الحكم والمقاصد من هذه الستة:

الحكم والمقاصد المترتبة على سنة الابتلاء كثيرة، وسبق ذكر أكثرها عند سنة التدافع وسنة المداولة، ويمكن لنا أن نقول بإجمال:

إن الحكم والمقاصد من سنة الابتلاء متعلقة بأساس إيجاد البشر على هذه الأرض، كما قال الله سبحانه: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ ﴿سورة الملك: ٢﴾. وقال سبحانه: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبتليكم أيكم أحسن عملا﴾ ﴿سورة هود: ٧﴾. وقال سبحانه: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه﴾ ﴿سورة الإنسان: ٢﴾.

فهذه الآيات تبين ارتباط الابتلاء بالحكمة من إيجاد البشر على هذه الأرض، وبإدراك هذه الحقيقة يتهيأ المؤمن لإدراك الحكم والمقاصد المتعلقة بالابتلاءات الخاصة بالمؤمنين. وأما الحكم الخاصة المتعلقة بابتلاء المؤمنين فهي كثيرة، منها:

١ - اختبار صدق المؤمن في ادعائه الإيمان: «أحسِب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» ﴿سورة العنكبوت: ٣﴾. وهذه الآية تشمل الابتلاءات الفردية والجماعية، العامة والخاصة، وتشمل أنواع الابتلاءات، فهي عامة شاملة.

٢ - ظهور معاني الإيمان وعلاماته ومقتضياته، من الثبات والصبر والجهاد، كما قال سبحانه: «وليبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين» ﴿سورة محمد: ٣١﴾. وقال ابن كثير في قوله سبحانه: «وليعلم الله الذين آمنوا» ﴿سورة ال... ٧٦ الشكر لله يوم الواقع والعمل الإصلاحي.

30

الذين عامتوا» ﴿سوره ال ٧٦ الشكر للهم يوم الواقع والعمل الاصلاحي عمران: ١٤٠: (لنري من يصبر علي مناجزه الاعداء)﴾ (١) فهذه من اهم الحكم التي يقدر الله لاجلها البلاء.

٣ - ان يتخذ الله من المؤمنين الشهداء، وقد تقدم ذلك في سنه المداوله.

٤ - تمييز الصف الاسلامي، واظهار المنافقين المختبئين تحت ستار الرخاء والامن بتقدير الخوف والشده واللاواء.

٥ - تهيئه المؤمنين للنصر بعد التمحيص والتنقيه.

٦ - ايجاد اسباب استحقاق الكفار لمزيد من العذاب، والا يكون لهم حظ في الاخره.

إلى غير ذلك من الحكم. (١) تفسير ابن كثير: (٢/١١٠) باختصار.

٧٧ الشاب والهيم | وارهافي فهم الواقع والعمل اصلاحي

سادسا: الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه:

١ - التهيؤ والاستعداد النفسي للابتلاءات والشدائد وعدم التفاجؤ بها.

٢ - احسان الظن بالله عند نزول البلاء واشتداده؛ وذلك لان لدي المؤمن استعدادا مسبقا لذلك، ومن الملاحظ علي كثير من ضعاف الايمان اليوم ممن لا يعرفون حكم الله من اقداره، انهم يضطرب ايمانهم عند رؤيه الابتلاءات الشديده علي غيرهم - فضلا عما لو راوها في انفسهم -،

فتجدهم يتساءلون بعد كل حرب يقتل فيها الضعفاء والابرياء: «اين الله عنهم؟ ولماذا لا يمنع هذه المصائب؟» وهذا كله نتيجه عدم الفقه بسنن الله واقداره التي يجريها علي عباده، والتي بينها في مواضع كثيره من كتابه.

٣ - الصبر والثبات وعدم الانكسار والهزيمه، خاصه اذا كان المؤمن علي تمام الاستحضار لتحقق هذه السنه علي الامم السابقه، فيصبر اقتداء بهم، واستئناسا باحوالهم.

٤ - تحقيق العبوديه لله تعالي علي جميع الاحوال وعدم الركون الي الدنيا والافتتان بها عند النصر؛ للايمان بان الابتلاء مستمر علي طول الطريق، وانه يكون بالسراء كما يكون بالضراء، ويكون بعد التمكين كما كان زمن الاستضعاف.

٧٨ الشاب الرهي: واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع:

الامه الاسلاميه اليوم تعيش مرحله ابتلاءات شديده، وقد يكون كثير منها عقوبات علي الغفله وترك القيام بالدين والقعود عن السعي لاعلاء كلمه الله، واهم ما ينبغي ان نستفيده من هذه الشدائد: الرجوع الي الله تعالي، وترك الغفله، والسعي لاقامه الدين ومجاهده اعداء الله، والا فستبقي هذه الشدائد ويظل هذا الذل ملازما، حتي ياتي الله بقوم يجبهم ويحبونه يقومون بدينه.

ومن المهم ان نعي ان كون الامه تعيش في مرحله ابتلاء عامه –بتسلط اعدائها عليها– ان ذلك يستلزم انواعا لا تحصي من المشكلات الفرعيه والجزئيه طالما ان عنوان المرحله العام هو الاستضعاف والبلاء؛ اذ ان انعكاسات الاستضعاف لا تنحصر في القتل والتعذيب والتهجير،

بل تظهر كذلك في العباده والتعليم والدعوه والاصلاح، كما كان في زمن فرعون حين استضعف بني اسرائيل؛ وتامل ما قاله الشيخ ابن سعدي ﷺ حول هذه القضيه بعباره مختصره ولكنها مهمه جدا، فقد ذكر في تفسيره لقوله ﷺ:

«وتريد ان نمن علي الذين استضعفوا في الارض ويجعلهم ايمه ويجعلهم الوارثين» ﴿لسوره القصص: ٥﴾ قال: ويجعلهم ايمه في الدين، وذلك لا يحصل مع استضعاف، بل لا بد من تمكين في الارض، وقدره تامه(١)

والمقصود ان فهم مرحله الابتلاء العام يعين علي فهم اثار هذه المرحله وانعكاساتها علي كل شيء، وهذا لا يعني الاستسلام بطبيعه الحال، وانما يعني الحرص علي اتخاذ ما يمكن من الاسباب للانتهاض، بشرط الا يظن ان هذا (١) تفسير السعدي: ٦١١ ٧٩ | الشاب والهم | وارما في فهم الواقع والعمل اصلاحي

31

السعدي: ٦١١ ٧٩ | الشاب والهم | وارما في فهم الواقع والعمل

اصلاحي السعي سيشمر النصر العام مباشره، فلا بد من تدافع شديد قبله.

وهذا التدافع وان كان قد حصل في بعض الاقطار، حتي وصل الي النصر، ولكنه نصر محكوم بسمه المرحله العامه، فحتي الذين انتصروا في بلادهم كاخواننا في افغانستان تجدهم عاجزين عن نصره اخوانهم المستضعفين في فلسطين وغيرها؛ لان هذه سمه مراحل الاستضعاف والابتلاء،

غير انني اقول بكل ارتياح: اننا علي اعتاب مغادره مرحله الاستضعاف والابتلاء الشمولي هذه، الي مرحله تدافع اوسع من سابقاتها –والله تعالي اعلم–، وان علي الامه الاستعداد لذلك بقدر ما يمكنها، وخاصه بالعنايه بالاجيال الصاعده.

والله المستعان وعليه التكلان.

* * *

سنه الابتلاء بوابه طبعه عنوان من السنه ان الله يديم امتحان عباده المؤمنين وابتلاءهم بانواع المصائب؛ حتي يعلم الصادق من الكاذب، ويميز الخبيث من الطيب.

هذه السنه ماضيه علي الافراد والجماعات، فلا يفلت منها احد، وها في السياق الجهاوي صور وحكم اكثر من السياق الفردي.

عنوان من السنه هذه السنه اصل للسنن الالهيه المتعلقه بالمؤمنين.

هذه السنه لا تتعلق بمرحله الاستضعاف وحدها، وانها هي ملازمه للمؤمنين.

عنوان من السنه في اثر من اثار سنه الاسلام والامهال للمجرمين.

عنوان من السنه سنه الابتلاء شرط لتحقيق سنه النصر.

عنوان من السنه سنه الاهتبدال هي الطريقه التي يحقق الله بها سنه التمييز بين الخبيث والطيب داخل الصف المسلم.

عنوان من السنه سنه الابتلاء تابع 1 ادله هذه السنه من الوحي

«أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم متنفهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه، متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب»

---

«ولنبلوتكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم»

---

«أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولقد يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصابرين»

---

«أم حسبتم أن تتركوا ولقد يعلم الله الذين جهدوا منكم واتخذوا من دون الله ولا رسوله، ولا المؤمنين وليجة والله خير بما تعملون»

---

«ولقد حذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين»

سنه الابتلاء تابع 2 الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه

32

## المرسلين

### سنه الابتلاء

#### تابع 2: الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة

1التهيؤ والاستعداد النفسي للابتلاءات والشدائد وعدم التفاجؤ بها.
2إحسان الظن بالله عند نزول البلاء واشتداده؛ لما عند المؤمن من استعداد مسبق لذلك.
3الصبر والثبات وعدم الانكسار والهزيمة.
4تحقيق العبودية لله تعالى على جميع الأحوال، وعدم الركون إلى الدنيا عند النصر.

#### تنزيل هذه السنة على الواقع

- البلاءات الشديدة التي نعيشها اليوم قد تكون عقوبات على المعاصي وترك القيام بالدين.

- تغير حالنا اليوم مرهون بالاستمرار في الإصلاح ومحاربة الباطل.

#### الحكم والمقاصد من هذه السنة

- اختبار صدق المؤمن في ادعائه الإيمان.

- ظهور معاني الإيمان وعلاماته ومقتضياته.

- أن يتخذ الله من المؤمنين شهداء.

- تمييز الصف الإسلامي.

- تهيئة المؤمنين للنصر بعد التمحيص والتنقية.

- إيجاد أسباب استحقاق الكفار لمزيد من العذاب.

### السنة الثالثة: سنة النصر والاستخلاف والتمكين للمؤمنين

#### أولاً: بيان معنى السنة

- سنة النصر: هي السنة الإلهية القاضية بتأييد الله تعالى لرسله وأتباعهم من القائمين بدينه على عدوهم، بغلبة السيف أو علو الكلمة وظهور الحجة.

- سنة الاستخلاف والتمكين: هي السنة الإلهية القاضية بتوريث الله الأرض لعباده المؤمنين، واستخلافهم فيها بعد إهلاك أعدائه، وتمكين دينه في الأرض.

### ثانياً: ضوابط منهجية لفهم هذه السنة

1أن هذه السنة ثابتة دائمة لا تنخرم كما قال ابن تيمية: «فهذه سنة الله» وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين، وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين = هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط.
2أن الله سبحانه ذكر للنصر شروطاً تجب مراعاتها، وللهزيمة أسباباً يجب اجتنابها، وأنه بقدر تحقيق شروط النصر واجتناب أسباب الهزيمة يتحقق النصر بإذن الله تعالى، ومن أهم هذه الشروط:

أ. الصبر، ويتضمن الثبات عند القتال وعدم الفرار، والثبات على الإسلام والجهاد وعدم التبديل.

- ومن الأدلة على ارتباط النصر بالصبر، قوله سبحانه: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [سورة الأنفال: 65]، وقوله: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ [سورة الأنفال: 66]، وقوله سبحانه: ﴿حرض فتهت قليله غلبت فتهت كثيره بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [سورة البقرة: 249]، وكذلك قوله سبحانه: ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾ [سورة آل عمران: 146]، ثم قال سبحانه: ﴿فآتتهم الله ثواب الدنيا﴾ [سورة آل عمران: 148] وهو النصر.

(1) الرد على المنطقيين: (390-391) لابن تيمية.

33

(١) الرد علي المنطقيين: (٣٩٠-٣٩١) لابن تيميه.

٨٦ الشابت الاهميه واربعاهم فهم الواقه والعمل الاصلاحي ومن الادله كذلك ما روي عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس انه قال: «واعلم ان النصر مع الصبر»(١). وهذا كله يبين مركزيه الصبر في شروط النصر، فليستصحب ذلك المؤمن المصلح المجاهد في سبيل الله، فلا نصر بلا صبر.

ب- الايمان، وهو يتضمن معني اليقين والتصديق، فبقدر هذا الايمان واليقين يكون النصر، كما قال ابن القيم ﷺ: (كذلك النصر والتاييد الكامل؛ انما هو لاهل الايمان الكامل، قال تعالي: ﴿انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحيوه الدنيا ويوم يقوم الاشهد﴾ [سوره غافر: ٥١] وقال: ﴿فايدنا الذين امنوا علي عدوهم فاصبحوا ظهورين﴾ [سوره الصف: ١٤] فمن نقص ايمانه نقص نصيبه من النصر والتاييد، ولهذا اذا اصيب العبد بمصيبه في نفسه او ماله، او باداله عدوه عليه، فانما هي بذنوبه، اما بترك واجب، او فعل محرم وهو من نقص ايمانه)(٢).

ج- العمل الصالح، كما قال سبحانه: ﴿وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمحبحن لهم دينهم الذي ارتضي لهم﴾ [سوره النور: ٥٥] فجمع بين الايمان والعمل الصالح لتحقيق التمكين.

د- طاعه الله ورسوله، وذلك ان الله سبحانه اوصي المجاهدين بها كما قال سبحانه: ﴿ياتيها الذين امنوا اذا لقيتم فته فاشبثوا وادخروا الله كثيرا لملكو تفلحون﴾ ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ [سوره الانفال: ٤٥-٤٦] وبين ان تركها هو السبب في الهزيمه، كما قال سبحانه عن المؤمنين يوم احد: ﴿حقن اذا شاتم وتنزعتم في الامر وعصيتم من بعد ما ارسلهم ما يحبون﴾ [سوره آل عمران: ١٥٢].

ه - الاحسان، كما قال سبحانه: ﴿فتاتنهم الله لواب الدنيا وحسن لواب الاخره والله يحب المحسنين﴾ [سوره آل عمران: ١٤٨]. قال ابن سعدي ﷺ: «ومن الاحسان ان يفعل عند جهاد الاعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين» (١).

و - اجتماع الكلمه وعدم التنازع والتفرق، كما قال سبحانه: ﴿ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [سوره الأنفال: ٤٦] وقال سبحانه: ﴿ان الله يحب الذين يقتنون في سبيله صفا حالهم بنيان مرضوض﴾ [سوره الصف: ٤].

ز - اتخاذ الاسباب، وذلك انه سبحانه قد جعل لكل شيء سببا، ولكل نتيجه مقدمه، فامر سبحانه بالاعداد فقال: ﴿واعدوا لهم ما استطعتم من قوه ومن زباط الخيل﴾ [سوره الأنفال: ٦٠] وكان النبي ﷺ يتخذ ما استطاع من الاسباب الماديه للنصر، من التجهيز وترتيب الصفوف واختيار القاده وليس الدروع وغير ذلك، وهو سيد المتوكلين عليه صلاه الله، فلم يكن يكتفي بالايمان والتوكل دون اتخاذ الاسباب.

ومن جمله الاسباب المعتبره شرعا: عدد جيش المؤمنين الذي يقاتل الكفار، وذلك في قوله سبحانه: ﴿الله خفف الله عنكم وعلم ان يحكم صعقا فان يكن منكر ماته صابره يعلمو ماتتين﴾ [سوره الأنفال: ٦٦]. والايه وارده في التكليف بالثبات لا في مجرد الخبر، بقرينه: ﴿خفف الله عنكم﴾ ومع ذلك فالصيغه (١) تفسير السعدي: (١٥١).

34

الله عنكم» ومع ذلك فالصيغه (١) تفسير السعدي: (١٥١).

٨٨ الخبريه يستفاد من دلالتها اعتبار العدد، فتحقيق هذه النسبه العدديه مع الايمان والصبر مظنه النصر، وقد يحقق الله النصر باقل من هذا العدد بكثير، بقدر ايمان اصحابه وصبرهم وثباتهم واتخاذهم الاسباب الممكنه، لعموم قوله سبحانه: ﴿حكم من فته قليله عليك فته كثيره باذن الله﴾ [سوره البقره: ٢٤٩] فهذه النسبه العدديه ليست شرطا للنصر لا يتحقق بدونه، ولكنها مظنه له.

النسبه العدديه ليست شرطا للنصر لا يتحقق بدونه، ولكنها مظنه له.

٣- انه اذا وجدت الهزيمه لاهل الايمان العاملين لرفع رايه الدين فهي علي احدي هذه الوجوه:

ا- ان تكون بسبب تحقق سنن اخري، كسنه المداوله، او سنه الابتلاء، او سنه التمييز بين الخبيث والطيب، ولكن العاقبه لا بد ان تكون لاهل الحق.

التمييز بين الخبيث والطيب، ولكن العاقبه لا بد ان تكون لاهل الحق.

ب- ان تكون بسبب اخلال المؤمنين بشرط من شروط النصر، كما حصل يوم احد الذي بدا بنصر الله، ثم ارتفع عنهم بسبب عصيان من عصي، كما قال سبحانه: ﴿ولقد صدقكم الله وعده اذ تحشونهم باذنه حق اذا فشتم وتنزعتم في الامر وعصيتم من بعد ما ارادكم ما يحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخره ثم صرفكم عنهم ليبتغيكم﴾ [سوره ال عمران: ١٥٢]

من يريد الاخره ثم صرفكم عنهم ليبتغيكم» [سوره ال عمران: ١٥٢]

ج- الا تكون هزيمه اصلا، وانما تكون ضمن نطاق سنه النصر التي لا تنحصر في صوره واحده، وانما تتفاوت صورها، كما سياتي في الفقره التاليه.

٤- ان صور النصر وانواعه مختلفه، ولا يتم فهم هذه السنه الا بادراك تفاوت صورها.

٨٩ الشاء للالهين وارماع فهم الواقع والعمل الاصلاحي

تفاوت صورها.

يظن البعض ان النصر يتمثل في الغلبه الحسيه علي الاعداء فقط، وهذا حصر غير صحيح، والذي يتامل في خطاب الله تعالي يدرك ان النصر ياتي علي صور متعدده، وهذه اهمها:

ا- الغلبه علي الاعداء والظهور عليهم بالسيف والسنان، وهذه من ابرز صور النصر واهمها، وهي التي تحققت يوم بدر ويوم فتح مكه.

وهذه من ابرز صور النصر واهمها، وهي التي تحققت يوم بدر ويوم فتح مكه.

ب- الظهور بالحجه والبيان، واظهار كلمه الحق، وابطال كلمه الباطل، وهذا نوع من انواع النصر.

ج - التخليص من الاعداء، والانجاء منهم.

د- منع الاعداء من تحقيق مرادهم من المسلمين، وتبديد جهودهم، وابطال مكرهم، وردهم خائبين.

ه - صدق الوعد الحق بعد تربص الاعداء، وعلو الكلمه واظهارها.

خائبين.

ه - صدق الوعد الحق بعد تربص الاعداء، وعلو الكلمه واظهارها.

و- الفتح الدعوي، ودخول الناس في الدين، ولو كان مصحوبا بموت الداعيه او مقتله.

ز- اهلاك اعدائهم في حياتهم او الانتقام منهم بعد مماتهم.

وبعد هذا الاجمال، ساذكر من كلام اهل العلم في تفسير ايات القران المتعلقه بالنصر ما يدل علي ما اجملته هنا من تفاوت مراتب النصر في الخطاب القراني:

بالنصر ما يدل علي ما اجملته هنا من تفاوت مراتب النصر في الخطاب القراني:

ا- قال ابن الجوزي ﷺ في قوله سبحانه: ﴿انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياه الدنيا﴾ [سوره غافر: ٥١]:

٩٠ الشاب الراهيم (فيه ثلاثه اقوال: احدها: ان ذلك باثبات حججهم. والثاني: باهلاك عدوهم. والثالث: بان العاقبه تكون لهم.

35

باثبات حججهم. والثاني: باهلاك عدوهم. والثالث: بان العاقبه تكون لهم. وفصل الخطاب: ان نصرهم حاصل لابد منه، فتاره يكون باعلاء امرهم كما اعطي داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل كافر، واظهر محمدا علي مكذبيه، وتاره يكون بالانتقام من مكذبيهم بانجاء الرسل واهلاك اعدائهم، كما فعل بنوح وقومه وموسي وقومه، وتاره يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاه الرسل، كتسليطه بختنصر علي قتله يحيي بن زكريا. (١)

بعد وفاه الرسل، كتسليطه بختنصر علي قتله يحيي بن زكريا. (١)

ب- اما الشنقيطي ﷺ فله تقرير مفصل انقله بطوله لفائدته في هذا الباب: (والايات القرانيه مبينه ان النبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب، كما صرح تعالي بذلك في قوله: ﴿كتب الله لاثلين انا ورسله﴾ [سوره المجادله: ٢١]، وقال قبل هذا: ﴿اولئك في الازلين﴾ [سوره المجادله: ٢٠]، وقال بعده: ﴿ان الله قوي عزيز﴾. (١)

واغلب معاني الغلبه في القران الغلبه بالسيف والسنان:

1كقوله: ﴿ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ماتتين وان يكن منكم ماته يغلبوا القاس من الذين كفروا﴾ [سوره الانفال: ٦٥].
2وقوله: ﴿وان يكن منكم ماته صابره يغلبوا ماتتين وان يكن منكم الق يغلبوا القين﴾ [سوره الانفال: ٦٦].

زاد المسير في علم التفسير: (٤/٤١) لابن الجوزي.

3وقوله: ﴿الم هليي الروم في ادي الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سينين﴾ [سوره الروم: ١-٤].
4وقوله: ﴿حرمن فته قليله عليت فته حثيره﴾ [سوره البقره: ٢٤٩].
5وقوله: ﴿قل للذين حفروا ستغلبون﴾ [سوره ال عمران: ١٢].

الي غير ذلك من الايات.

وبين تعالي ان المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله: ﴿ومن يقتبل في سبيل الله فبقتل او يغلب﴾ [سوره النساء: ٧٤]، فاتضح من هذه الايات ان القتل ليس واقعا علي النبي المقاتل؛ لان الله كتب وقضي له في ازلته انه غالب، وصرح بان المقتول غير غالب.

وقد حقق العلماء ان غلبه الانبياء علي قسمين:

1غلبه بالحجه والبيان وهي ثابته لجميعهم،
2وغلبه بالسيف والسنان، وهي ثابته لخصوص الذين امروا منهم بالقتال في سبيل الله؛ لان من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب؛ لانه لم يغالب في شيء، وتصريحه تعالي بانه كتب ان رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف، كما بينا ان ذلك هو معني الغلبه في القران،

وشامل ايضا لغلبتهم بالحجه والبيان، فهو مبين ان نصر الرسل المذكور في قوله: ﴿انا لننصر رسلنا﴾ [سوره غافر: ٥١] الايه، وفي قوله: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون﴾ [سوره الصافات: ١٧١-١٧٢].

36

## ٩٢ الشاب الرئيسي والوضعه

واربعه في فهم الواقع والعمل الاصلاحي انه نصر غلبه بالسيف والسنان للذين امروا منهم بالجهاد؛ لان الغلبه التي بين انها كتبها لهم اخص من مطلق النصر؛ لانها نصر خاص، والغلبه لغه القهر والنصر لغه اعانه المظلوم، فيجب بيان هذا الاعم بذلك الاخص.

(١) ج- وقال ابن عطيه ﷺ في تفسير قوله: «ولوم بد يفرح المؤمنون» ﴿سوره الروم: ٤-٥﴾. قال: «ويحتمل ان يشار به الي فرح المسلمين بنصر الله تعالي اياهم في ان صدق ما قال نبيهم عليه الصلاه والسلام في ان الروم».

فما بعدها – باختصار –، وقال في تتمه الكلام: «وبهذا تعلم ان ما قاله الامام الكبير ابن جرير ﷺ ومن تبعه في تفسير قوله: «انا لننصر» الايه، من انه لا مانع من قتل الرسول المامور بالجهاد، وان نصره المنصوص في الايه، حينئذ يحمل علي احد امرين: احدهما: ان الله ينصره بعد الموت،

حينئذ يحمل علي احد امرين: احدهما: ان الله ينصره بعد الموت، بان يسلط علي من قتله من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيي وزكرياء وشعيا من تسليط بختنصر عليهم، ونحو ذلك. الثاني: حمل الرسل في قوله: «انا لننصر رسلنا» علي خصوص نينا ﷺ وحده، انه لا يجوز حمل القران عليه لامرين:

احدهما: انه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب، ولا سنه ولا اجماع، والحكم بان المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جدا، غير معروف في لسان العرب، فحمل القران عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل علي نينا وحده ﷺ فهو بعيد جدا ايضا، والايات الداله علي عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيره، لا نزاع فيها.

الثاني: ان الله لم يقتصر في كتابه علي مطلق النصر الذي هو في اللغه اعانه المظلوم، بل صرح بان ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبه بقوله: «كتب الله لاغلبن انا ورسل» ﴿المجادله: ٢١﴾،

وقد رايت معني الغلبه في القران ومر عليك ان الله جعل المقتول قسما مقابلا للغالب في قوله: «ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل او يغلب»، وصرح تعالي بان ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا: «ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا علي ما كذبوا واوذوا حتي اتاهم نصرنا ولا مبدل لكليه الله ولقد جاءك من نيا المرسلين» ﴿الانعام: ٣٤﴾،

ولا شك ان قوله تعالي: «كتب الله لاغلبن انا ورسل» ﴿المجادله: ٢١﴾، من كلماته التي صرح بانها لا مبدل لها وقد نفي جل وعلا عن المنصور ان يكون مغلوبا نفيا باتا بقوله: «ان ينصركم الله فلا غالب لكم» ﴿ال عمران: ١٦٠﴾،

وذكر مقاتل ان سبب نزول قوله تعالي: «كتب الله لاغلبن» ﴿المجادله: ٢١﴾ ان بعض الناس قال: «ايظن محمد واصحابه ان يغلبوا الروم وفارس، كما غلبوا العرب زاعيا ان الروم وفارس لا يغلبهم النبي ﷺ لكثرتهم، وقوتهم فانزل الله الايه، وهو يدل علي ان الغلبه المذكوره فيها غلبه بالسيف والسنان؛ لان صوره السبب لا يمكن اخراجها، ويدل له قوله قبله: «اولئك في الاذنين» ﴿المجادله: ٢٠﴾،

وقوله بعده: «ان الله قوي عزيز».

## ٩٣ الشاب الراهبي

وارماقهم الواقع والعمل الاصلاحي ستغلب فارس، فان هذا ضرب من النصر عظيم» (١).

د- وقال ابن تيميه: عن قوله تعالي: «ولقد سبقت كفتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المتصورون» ﴿الصافات: ١٧١-١٧٢﴾:

37

لعبادنا المرسلين انهم لهم المتصورون ﴿الصافات: ١٧١-١٧٢﴾:

(هذا يشكل علي بعض الناس، فيقول: الرسل قد قتل بعضهم، فكيف يكونون منصورين؟ فيقال: القتل اذا كان علي وجه فيه عزه الدين واهله كان هذا من كمال النصر، فان الموت لا بد منه، فاذا مات ميته يكون بها سعيدا في الاخره فهذا غايه النصر، كما كان حال نبينا ﷺ، فانه استشهد طائفه من اصحابه فصاروا الي اعظم كرامه، ومن بقي كان عزيزا منصورا، وكذلك كان الصحابه يقولون للكفار: اخبرنا نبينا ان من قتل منا دخل الجنه، ومن عاش منا ملك رقابكم.)

فالمقتول اذا قتل علي هذا الوجه كان ذلك من تمام نصره ونصر اصحابه، ومن هذا الباب حديث الغلام الذي رواه مسلم، لما اتبع دين الراهب وترك دين الساحر، وارادوا قتله مره بعد مره فلم يستطيعوا، حتي اعلمهم بانه يقتل اذا قال الملك: بسم الله رب الغلام. ثم يرميه، ولما قتل امن الناس كلهم، فكان هذا نصرا لدينه.

ولهذا لما قتل عمر بن الخطاب شهيدا بين المسلمين قتل قاتله، وعثمان لما قتل شهيدا قتل قتلته وانتصرت طائفته، وكذلك علي لما قتله الخوارج مستحلين قتله كانوا ممن امر الله ورسوله بقتلهم، وكانوا مقهورين مع اهل السنه والجماعه. فلم يمنع ذلك عن الاسلام واهله، لا سيما والنبيون الذين قتلوا كان الله ينتقم ممن قتلهم، حتي يقال انه قتل علي دم يحيي بن زكريا سبعون الفا.

٥ - ان سنه النصر لا بد ان تكون مسبوقه بسنه الابتلاء، فمحلها في خارطه السنن متاخر، فلا بد فيها من الزمن، ومن يتامل في ايات الكتاب العزيز سيجد ان النصر لا ياتي في البدايه، كما قال سبحانه: «حتي اذا استبتس الرسول وظنوا انهم قد حذفوا جاءهم نصرنا» ﴿سوره يوسف: ١١٠﴾.

وقال سبحانه: «امحيبتم ان تدخلوا الجنه ولما ياتكون مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباساء والضراء ورززوا حتي يقول الرسول والذين امنوا معه متي نصر الله» ﴿سوره البقره: ٢١٤﴾.

وفي حديث هرقل: «وكذلك الرسل تبتلي ثم تكون لها العاقبه» (٢).

٦ - ان مقياس الزمن في موعد النصر متعلق بميزان الله تعالي لا بميزان البشر، ولذلك فانهم يستبطؤون النصر ويريدون تعجيل زمانه، واما عند الله سبحانه فهو قريب وان استبطؤوه، كما قال سبحانه: «حتي يقول الرسول والذين امنوا معه متي نصر الله الا ان نصر الله قريب» ﴿سوره البقره: ٢١٤﴾.

٧ - ان هناك فرقا بين النصر الجزئي المرحلي وبين النصر الكلي التام، ولكل منهما سياقه واعتباراته، فالنصر الذي حققه الله للمؤمنين يوم بدر يختلف عن النصر الذي تحقق يوم فتح مكه، فالاول تبعته هزائم ومصائب، كما حصل يوم بئر معونه، ويوم احد، وكانت الحرب سجالا، وكان المشركون يغزون المدينه بعد بدر، مع انه كان نصرا عظيما، لكنه كان نصر البدايات، واما فتح مكه فكان مختلفا، فقد كان نصر فتح وتمكين، ودخل الناس بعده في دين الله افواجا، وخضع ساده قريش وزعماء حربهم لرسول الله ﷺ.

(١) اختبارات شيخ الاسلام ابن تيميه: (المساله ١٣٢) لابن عبد الهادي.

(٢) رواه البخاري: (٤٥٥٣).

الفائده من ذلك الا يتطلب المؤمن النصر التام الذي فيه التمكين المستقر قبل اوانه، والا يظن ان النصر الجزئي لا يمكن ان يعقب بهزائم او خسائر.

38

اوانه، والا يظن ان النصر الجزئي لا يمكن ان يعقب بهزائم او خسائر.

٨- ان الاستخلاف في الارض والتمكين فيها ليس معه ضمان الاستمرار الا بقدر الثبات علي شروط التمكين، كما قال سبحانه في ايه التمكين في سوره النور: ﴿ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفنيعون﴾ [سوره النور: ٥٥]. قال ابن عاشور: (تحذير بعد البشاره علي عاده القران في تعقيب البشاره بالنذاره والعكس دفعا للاتكال)(١).

ولذلك قال ابن كثير ﷺ عند هذه الجمله من الايه: (فالصحابه ﷺ، لما كانوا اقوم الناس بعد النبي ﷺ باوامر الله عز وجل، واطوعهم لله - كان نصرهم بحسبهم، واظهروا كلمه الله في المشارق والمغارب، وايدهم تاييدا عظيما، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قصر الناس بعدهم في بعض الاوامر، نقص ظهورهم بحسبهم)(٢).

وقال ابن سعدي ﷺ: ﴿ومن كفر بعد ذلك﴾ التمكين والسلطنه التامه لكم، يا معشر المسلمين، ﴿فاولئك هم الفنيعون﴾ الذين خرجوا عن طاعه الله، وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم اهليه للخير، لان الذي يترك الايمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الاسباب المانعه منه، يدل علي فساد نيته، وخبث طويته، لانه لا داعي له لترك الدين الا ذلك)(٣).

(١) التحرير والتنوير: (١٨/١) لابن عاشور. (٢) تفسير ابن كثير: (٦/٧٤). (٣) تفسير السعدي: (٥٧٣).

٩٦ ثالثا: ادله هذه السنه من الوحي، وبيان معني هذه الادله وتحرير كلام المفسرين حولها:

بعد بيان الضوابط المنهجيه المتعلقه بسنه النصر، نقف مع مجموعه من الايات المتعلقه بهذه السنه مستحضرين ما تم تقريره في تلك الضوابط، مع انتقاء افضل تقريرات المفسرين حولها، وسابدا بالايات المتعلقه بسنه النصر، ثم الايات المتعلقه بسنه التمكين والاستخلاف، وذلك كما يلي:

القسم الاول: الادله علي سنه النصر:

1 - «انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحيوه الدنيا» [سوره غافر: ٥١]. هذه الايه فيها تقرير محكم بنصر الله لرسله والذين امنوا في الحياه الدنيا، واسلوبها العام المتعلق بفعل الله تعالي يدل علي انها سنه مستمره، ويؤيد ذلك الايات الاخري التي ذكرها الله سبحانه في سنه النصر.

ولكن ربما اشكلت هذه الاطلاقات علي بعض من لم يفقه سنن الله حقيقه الفقه، وذلك حين يري ابتلاءات المؤمنين وتاخر النصر عنهم في الدنيا، كما قال الامام الطبري «مبينا الاشكال ومجيبا عنه: (يقول القائل: وما معني: «انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحيوه الدنيا») وقد علمنا ان منهم من قتله اعداؤه، ومثلوا به، كشعياء ويحيي بن زكريا واشباهها. ومنهم من هم بقتله قومه، فكان احسن احواله ان يخلص منهم حتي فارقهم ناجيا بنفسه، كابراهيم الذي هاجر الي الشام من ارضه مفارقا لقومه، وعيسي الذي رفع الي السماء اذ اراد قومه قتله، فاين النصره التي اخبرنا انه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياه الدنيا، وهؤلاء انيباؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا علي الشاب والهمه وارماعهم الواقهم والعمل الاضلاحي من نالهم بما نالهم به؟ قيل: ان لقوله: «انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياه الدنيا» وجهين كلاهما صحيح معناه.

39

رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا» وجهين كلاهما صحيح معناه. أحدهما أن يكون معناه: أنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا أما بإعلاناتهم على من كذبنا وأظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فاعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد ﷺ بإظهاره على من كذبه من قومه،

ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد ﷺ بإظهاره على من كذبه من قومه، وأما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعادلهم، كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه، إذ أهلكهم غرقًا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك،

غرقًا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد هلاكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد هلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتل يحيى،

على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتل يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه.

والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ: أنا لننصر رسولنا محمدًا ﷺ والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، كما بينا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصًا بعينه (١).

(١) تفسير الطبري: (٢٠/ ٣٤٤ - ٣٤٥) باختصار.

قال ابن عطيه ﷺ: «أخبر الله تعالى أنه ينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال بعض المفسرين: وهذا خاص فيمن أظهره الله على أمته كنوح وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وليس بعام، لأنّا نجد من الأنبياء عليهم السلام من قتله قومه كيحيى ﷺ ولم ينصر عليهم. وقال السدي: الخبر عام على وجهه،

قتله قومه كيحيى ﷺ ولم ينصر عليهم. وقال السدي: الخبر عام على وجهه، وذلك أن نصره الرسل عليهم الصلاة والسلام واقع ولا بد، أما في حياة الرسول المنصور كنوح وموسى ﷺ، وأما فيما يأتي من الزمان بعد موتهم، ألا تري إلى ما صنع الله تبارك وتعالى ببني إسرائيل بعد قتلهم يحيى ﷺ من تسليط بختنصر عليهم حتى انتصر ليحيى ﷺ؟ ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل عليهم السلام،

انتصر ليحيى ﷺ؟ ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل عليهم السلام، وأيضًا فقد جعل الله للمؤمنين الفضلاء ودا، ووهبهم نصرا إذا ظلموا، وحضت الشريعة على نصرهم) (١)

وقال البقاعي ﷺ: ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة، وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون لهم، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتص منهم ولو بعد حين، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم) (٢)

٢ - قوله سبحانه: ﴿كتب الله لاغلبن أنا ورسلي﴾ [سورة المجادلة: ٢١] قال ابن الجوزي ﷺ: (قوله تعالى: ﴿كتب الله﴾ أي: قضى الله ﴿لاغلبن أنا ورسلي﴾ قال المفسرون: من بعث من الرسل بالحرب، فعاقبه الأمر له، ومن لم يبعث بالحرب، فهو غالب بالحجة ﴿إن الله قوي عزيز﴾ أي: مانع حزبه

يبعث بالحرب، فهو غالب بالحجة ﴿إن الله قوي عزيز﴾ أي: مانع حزبه (١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٤/٥٦٤) لابن عطيه. (٢) تفسير البقاعي: (٨٧/١٧).

الشاب للهم أو تواق فهم الواقع والعمل للصلاح من أن يذل)(١).

40

٩٩ الشاب للهم اوتواق فهم الواقع والعمل للصلاحي من ان يذل ﴿١﴾.

وقال ابن عطيه ﷺ: «وقال الحسن: ما امر الله تعالي قط رسولا بالقتال الا وغلبه، وظفره بقوته وعزته، لا رب سواه، وقال غيره: ومن لم يؤمر بقتال فهو غالب بالحجه» ﴿٢﴾.

لا رب سواه، وقال غيره: ومن لم يؤمر بقتال فهو غالب بالحجه ﴿٢﴾.

٣ - قوله سبحانه: ﴿ولقد ارسلنا من قبلك رسلا الي قومهم فجاءه وهم يالبونت فانتقينا من الذين اجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ [سوره الروم: ٤٧].

هذه الايه من اظهر الايات في كون نصر المؤمنين سنه ماضيه لا تتبدل، وذلك لقوله سبحانه: ﴿وكان حقا علينا﴾، ومن الملاحظ في كلام المفسرين عند هذه الايه ان عامتهم حملوا معني النصر فيها علي الانجاء من اعدائهم، وقد سبق ان هذا من معاني النصر، ولعلهم حملوها علي ذلك لاجل سياق الايه والله اعلم.

قال مقاتل في تفسيره: «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» (فكان نصرهم ان الله انجاهم من العذاب مع الرسل) ﴿٣﴾.

وقال الطبري ﷺ: (يقول: ونجينا الذين امنوا بالله وصدقوا رسله، اذ جاءهم باسنا، وكذلك نفعل بك وبمن امن بك من قومك، «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» [سوره الروم: ٤٧] علي الكافرين، ونحن ناصروك ومن امن بك علي من كفر بك، ومظفروك بهم) ﴿٤﴾.

(١) زاد المسير في علم التفسير: (٤/٢٥١). باختصار

(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٥/٢٨١).

(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: (٣/٤١٨).

(٤) تفسير الطبري: (١٨/٥١٩).

١٠٠ الشيبان للهجيه واربعهم الواقهم والعمل الاصلامي.

وقال ابن الجوزي ﷺ: «وكان حقا علينا» اي: واجبا هو اوجبه علي نفسه «نصر المؤمنين» انجازهم مع الرسل من عذاب المكذبين ﴿١﴾.

وقال الواحدي ﷺ: «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» قال الحسن: نصر المؤمنين: انجازهم مع الرسل من عذاب الامم. وهو قول الكلبي ومقاتل ﴿٢﴾.

٤ - قوله سبحانه: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴿١﴾ انهم لهم المنصورون﴾ [سوره الصافات: ١٧١-١٧٢].

هذه الايه حملها طائفه من المفسرين علي النصر بالحجه، كما قال الطبري: (وقوله «ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴿١﴾ انهم لهم المنصورون» يقول تعالي ذكره: ولقد سبق منا القول لرسلنا انهم لهم المنصورون: اي مضي بهذا منا القضاء والحكم في ام الكتاب، وهو انهم لهم النصره والغلبه بالحجج) ﴿٣﴾.

وقال ابن الجوزي ﷺ: «ولقد سبقت كلمتنا» اي: تقدم وعدنا للمرسلين بنصرهم، والكلمه قوله: «كتب الله لاثلين انا ورسول» ﴿١﴾، «انهم لهم المنصورون» بالحجه، «وان جندنا» يعني حزبنا المؤمنين «لهم الغلبون» بالحجه ايضا والظفر ﴿٤﴾.

وعن الحسن البصري ﷺ في قوله «وان جندنا لهم الغلبون»، قال: (لم يقتل من الرسل اصحاب الشرائع احد قط) ﴿٥﴾.

(١) زاد المسير في علم التفسير: (٣/٤٢٦).

(٢) التفسير البسيط: (١٨/٧٦) للواحدي.

(٣) تفسير الطبري: (١٩/٦٥٧).

(٤) زاد المسير في علم التفسير: (٣/٥٥٥) لابن الجوزي.

(٥) تفسير يحيي بن سلام: (٢/٨٤٨).

١٠١ الشاب الراهيم وازواق فهم الواقع والعمل لا صلاحي.

41

## ١٠١ الشاب الراهيم وازواق فهم الواقع والعمل لا صلاحي

٥ - قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [سورة محمد: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيوت يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ [سورة الحج: ٤٠].

هاتان الآيتان في سنة النصر فيهما بيان لمقدمات هذه السنة وشيء من شروطها، فالنصر من الله يأتي -قطعا- لمن ينصر الله سبحانه، وقد بين العلماء معنى نصر الله تعالى، والمراد بذلك. ففي الآية الأولى قال الماوردي: (قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن تنصروا دين الله ينصركم الله. الثاني: أن تنصروا نبي الله ينصركم الله، قاله قطرب) (١).

قال الشنقيطي: (ومعنى نصر المؤمنين لله: نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم في أن تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتمثل أوامره وتجنب نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله). (٢)

وقال البقاعي: «لن تصروا الله» أي: يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم، على نصر دين الملك الأعظم؛ بإيضاح أدلته وتبينها وتوهين شبه أهل الباطل، وقتالهم، ويكون ذلك خالصا له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولة بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر، أو الغضب للأهل وغير ذلك). (٣)

(١) تفسير الماوردي: (٥/٢٩٥). (٢) تفسير الشنقيطي: (٧/٤٥٢). (٣) تفسير البقاعي: (١٨/٢٠٩).

## ١٠٢ الشيبان للهشيين واثرفا في قهمها الواقع والعمل الاصلاحي

واما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ فالمقصود بنصر المؤمنين لله هنا: الجهاد في سبيل الله، كما قال الطبري: (وقوله: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ يقول تعالى ذكره: وليعينن الله من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا على عدوه؛ فنصر الله عبده: معونته إياه، ونصر العبد ربه: جهاده في سبيله، لتكون كلمته العليا.) (١).

قال ابن عاشور: (وقوله ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ عطف على جملة «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ»، أي أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم. وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع لأنهم بدفاعهم ينصرون دين الله، فكأنهم نصروا الله.) (٢).

٦- قوله سبحانه: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [سورة البقرة: ٢١٤].

هذه الآية من الآيات المهمة في بيان شيء من متعلقات سنة النصر، وهو كونه لا يأتي إلا بعد الابتلاءات، وكونه لا يأتي إلا بعد زمن، حتى يستبطئ الرسول والذين آمنوا معه موعده، وقد سبق الحديث عن الآية مرارًا في هذا الكتاب.

٧- قوله: ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا﴾ شَنَّ اللَّهُ الْقَتْلَ فَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [سورة الفتح: ٢٢-٢٣].

(١) تفسير الطبري: (١٦/٥٨٧). (٢) التحرير والتنوير: (١٧/٢٧٩) لابن عاشور.

## ١٠٣ الشاب والهماء وازواقها الواقها والعمل الاضلامي

42

لابن عاشور.

١٠٣ الشاب والهماء وازواقها الواقها والعمل الاضلامي. هذه الآية فيها نص بين محكم على أن المؤمنين منصورون على أعدائهم إن قاتلوهم، وذلك بخذلان الله لهؤلاء الكفار، وعدم نصرهم لهم، مما يؤدي إلى فرارهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين، كما قال أبو جعفر الطبري ﷺ: «يقول تعالى ذكره: لو قاتلكم هؤلاء الكفار من قريش، لخذلهم الله حتى يهزمهم عنكم؛ خذلانه أمثالهم من أهل الكفر به، الذين قاتلوا أولياءه من الأمم الذين مضوا قبلهم» (١).

والمقصود بقوله سبحانه: «سنة الله» ما قاله الزجاج ﷺ: «المعنى: لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت عليه، لأن سنة الله النصرة لأوليائه» (٢).

وقال ابن سعدي ﷺ: «هذه سنة الله في الأمم السابقة، إن جند الله هم الغالبون».

وقال ابن عاشور ﷺ: «والمعنى: سن الله ذلك سنة، أي جعله عادة له ينصر المؤمنين على الكافرين إذا كانت نية المؤمنين نصر دين الله» كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.

وقال: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾، أي إن الله ضمن النصر للمؤمنين بأن تكون عاقبة حروبهم نصراً وإن كانوا قد يغلبون في بعض المواقع كما وقع يوم أحد. وقد قال تعالى: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ وقال: ﴿والعاقبة للتقوى﴾ [سورة طه: ١٣٢] (٣).

(١) تفسير الطبري: (٢١/٢٨٧).

(٢) زاد المسير، ابن الجوزي.

(٣) التحرير والتنوير: (٢٦/١٨٢).

١٠٤ الشابون الالاهوون وازها في قهم الواقع والعمل الاصلاحي.

القسم الثاني: الأدلة على سنة الاستخلاف والتمكين والوراثة:

١ - قوله سبحانه: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولـئك هم الفاسقون﴾ [سورة النور: ٥٥].

هذه الآية هي الآية المركزية في هذه السنة، وهي مليئة بالمعاني وتتضمن بيان إثبات كون الاستخلاف سنة، وتبين شروطه، ومعناه، إلى غير ذلك من المعاني، ولذلك سأنتقي أفضل ما قاله المفسرون فيها ولو طال النقل قليلاً:

قال الطبري ﷺ: «ليستخلفنهم في الأرض» يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها «كما استخلف الذين من قبلهم» يقول: كما فعل من قبلهم ذلك بني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشام، وجعلهم ملوكها وسكانها «وليمكّنّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم» يقول: وليوطنن لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم، فأمرهم بها. (١)

وفي كلام الطبري ﷺ الربط بين الاستخلاف والتوريث، وسيأتي بيان شيء من النصوص القرآنية حول سنة توريث المؤمنين أرض المشركين.

وقال ابن الجوزي ﷺ: «قوله تعالى: ﴿ليستخلفنهم﴾ أي: ليجعلهم يخلفون من قبلهم، والمعنى: ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها» (٢).

وقال: «وليمكّنّن لهم دينهم» وهو الإسلام.

(١) تفسير الطبري: (١٧/٣٤٦).

(٢) زاد المسير في علم التفسير: (٣/٣٠٤).

43

(٢) زاد المسير في علم التفسير: (٣/٣٠٤).

١٠٥ الشاب والهماء وارماعهم الواقع والعمل لا صلاحي وتمكينه: اظهاره علي كل دين ﴿١﴾، واما ابن عاشور فقال: (وتمكين الدين: انتشاره في القبائل والامم وكثره متبعه. استعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعني الشيوع والانتشار؛ لانه اذا انتشر لم يخش عليه الانعدام فكان كالشيء المثبت المرسخ، واذا كان متبعوه في قله كان كالشيء المضطرب المتزلزل) ﴿٢﴾.

المثبت المرسخ، واذا كان متبعوه في قله كان كالشيء المضطرب المتزلزل ﴿٢﴾. وقال ابن كثير ﷺ: «هذا وعد من الله لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلن بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك. وله الحمد والمنه، فإنه لم يمت رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكاملها. وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية - وهو المقوقس - وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصحمه، رحمه الله وأكرمه.

ثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ﴿٣﴾ فذكر فتوحات الصحابة ومن بعدهم ثم قال: (وقوله: «كما استخلف الذين من قبلهم») كما قال تعالى عن موسى ﷺ، إنه قال لقومه: «عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» ﴿سورة الأعراف: ١٢٩﴾، وقال تعالى: «ونريد أن نمتعل الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم الوارثين» ﴿١﴾ وتمكن لهم في الأرض وتريد فرعون وهم وجودهما منهم ما كانوا يحدثون ﴿٢﴾ ﴿سورة القصص: ١٠٦-٥﴾.

ثم قال بعد ذلك: (فالصحابة ﷺ، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله عز وجل، وأطوعهم الله - كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييداً عظيماً، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة» وفي رواية: «حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» وفي رواية: «حتى يقاتلوا الدجال». وفي رواية: «حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون». وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها ﴿٢﴾.

وقال ابن عاشور ﷺ: (وجملة «يعبدون» حال من ضمائر الغيبة المتقدمة، أي: هذا الوعد جرى في حال عبادتهم إياي. وفي هذه الحال إيذان بأن ذلك الوعد جزاء لهم، أي: وعدتهم هذا الوعد الشامل لهم والباقي في خلفهم؛ لأنهم يعبدونني عبادة خالصة عن الإشراك) ﴿٣﴾.

(١) تفسير ابن كثير: (٦/٧٣).

(٢) تفسير ابن كثير: (٦/٧٤).

(٣) التحرير والتنوير: (١٨/٢٨٨) لابن عاشور.

١٠٧ الشاب الراهيم وازواق فهم الواقع والعمل الإسلامي

44

لابن عاشور.

١٠٧ الشاب الراهيم وازواق فهم الواقع والعمل الاصلامي

وقال ابن سعدي: مبينا ان هذا الوعد ليس خاصا باصحاب النبي ﷺ: «هذا من اوعاده الصادقه، التي شوهد تاويلها ومخبرها، فانه وعد من قام بالايمان والعمل الصالح من هذه الامه، ان يستخلفهم في الارض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وانه يمكن لهم دينهم الذي ارتضي لهم، وهو دين الاسلام،

في تدبيرها، وانه يمكن لهم دينهم الذي ارتضي لهم، وهو دين الاسلام، الذي فاق الاديان كلها، ارتضاه لهذه الامه، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بان يتمكنوا من اقامته، واقامه شرائعه الظاهره والباطنه، في انفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من اهل الاديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وانه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من اظهار دينه،

وانه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من اظهار دينه، وما هو عليه الا باذي كثير من الكفار، وكون جماعه المسلمين قليلين جدا بالنسبه الي غيرهم، وقد رماهم اهل الارض عن قوس واحده، وبغوا لهم الغوائل.

فوعَدهم الله هذه الامور وقت نزول الايه، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الارض والتمكين فيها، والتمكين من اقامه الدين الاسلامي، والامن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون احدا الا الله، فقام صدر هذه الامه، من الايمان والعمل الصالح بما يفوقون علي غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد،

الايمان والعمل الصالح بما يفوقون علي غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الارض ومغاربها، وحصل الامن التام والتمكين التام، فهذا من ايات الله العجيبه الباهره، ولا يزال الامر الي قيام الساعه، مهما قاموا بالايمان والعمل الصالح، فلا بد ان يوجد ما وعدهم الله، وانما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الاحيان، بسبب اخلال المسلمين بالايمان والعمل الصالح (١).

ويديلهم في بعض الاحيان، بسبب اخلال المسلمين بالايمان والعمل الصالح (١).

(١) تفسير السعدي: (٥٧٣).

١٨ السبيع المهمد واربعه في هذهم الواقع والعمل الاصلاحي

(٥٧٣).

١٨ السبيع المهمد واربعه في هذهم الواقع والعمل الاصلاحي

٢ - قوله سبحانه: «وقال الذين حفروا لاسلهم لتخرجنكم من ارضنا او لتعودن في ملتنا فاوحن اليهم ربهم لنهلحن الظالمين ﴿١٣﴾ ولنسحنكم الارض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴿١٤﴾» [سوره ابراهيم: ١٣ - ١٤].

هذه الايه في سنه توريث الله المؤمنين ارض الكفار بعد المدافعه والاهلاك، كما قال الطبري ﷺ مبينا كون هذا الامر سنه ماضيه مستمره: «وقوله ﷺ ولسحنكم الارض من بعدهم»، هذا وعد من الله من وعد من انييائه النصر علي الكفره به من قومه، يقول: لما تمادت امم الرسل في الكفر، وتوعدوا رسلهم بالوقوع بهم،

يقول: لما تمادت امم الرسل في الكفر، وتوعدوا رسلهم بالوقوع بهم، اوحي الله اليهم باهلاك من كفر بهم من امهم ووعدهم النصر وكل ذلك كان من الله وعيدا وتهديدا لمشركي قوم نبينا محمد ﷺ علي كفرهم به (١)، وجراءتهم علي نبيه، وتشيينا لمحمد ﷺ وامرا له بالصبر علي ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه،

ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من اولي العزم من رسله، ومعرفه ان عاقبه امر من كفر به الملاك، وعاقبته النصر عليهم، قوله تعالي: «سنه الله في الذين خلوا من قبل» [سوره الاحزاب: ٦٢].

قوله تعالي: «سنه الله في الذين خلوا من قبل» [سوره الاحزاب: ٦٢].

وقوله: «ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد»، يقول جل ثناؤه: هكذا فعلي لمن خاف مقامه بين يدي، وخاف وعيدي، فاتقاني بطاعته وتجنب سخطي، انصره علي من اراد به سوءا وبعاه مكروها من اعدائي، اهلك عدوه واخزيه، واورثه ارضه ودياره (٢).

(١) هذه عاده الطبري ﷺ في ربط ايات الانبياء بالنبي محمد ﷺ.

(٢) تفسير الطبري: (١٣/٦١٣).

١٠٩ الشابه الراههه وازواق فهم الواقع والعمل لا ضلاعي

45

## ١٠٩ الشابه الراههه وازواق فهم الواقع والعمل

لا ضلاعي وقال ابن كثير ﷺ في نص بديع تتبع فيه الآيات القرآنية المشابهة لهاتين الآيتين:

﴿يخبر تعالي عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم، من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريبنا أو لتعودن في ملينا» [سورة الأعراف: ٨٨].

وقال قوم لوط:

﴿اخرجوا آل لوط من قريبكم إنهم أناس يتطهرون﴾ [سورة النمل: ٥٦].

وقال تعالي إخبارًا عن مشركي قريش:

﴿وإن كادوا ليستقرونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يكبرون خلفك إلا قليلا﴾ [سورة الإسراء: ٧٦].

وقال تعالي:

﴿وإذ يمكروك الذين كفروا ليشتوك أو يفتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [سورة الأنفال: ٣٠].

وكان من صنعه تعالي: أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانًا وجندًا، يقاتلون في سبيل الله، ولم يزل يرقى به الله تعالي من شيء إلى شيء، حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم أنف أعدائه منهم، ومن سائر أهل الأرض، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا،

وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان؛ ولهذا قال تعالي:

﴿فأوحينا إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴿١٢﴾ ولنسكنكم الأرض من بعدهم ﴿١٣﴾ كما قال تعالي:﴾

﴿١٢﴾ ولنسكنكم الأرض من بعدهم ﴿١٣﴾ كما قال تعالي:

﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴿١٤﴾ إنهم لهم المنصورون ﴿١٥﴾ وإن جندنا لهم الغالبون ﴿١٦﴾﴾ [سورة الصافات: ١٧١-١٧٣].

وقال تعالي:

﴿كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ [سورة المجادلة: ٢١].

وقال:

﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٥].

وقال موسى لقومه:

«استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» [سورة الأعراف: ١٢٨].

## ١١٠ الشكر للمهجز وازواق فهم الواقع والعمل للاصلاحي

وقال تعالي:

﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ [سورة الأعراف: ١٣٧] (١).

(١) تفسير ابن كثير: (٤/٤١٥).

## ١١١ الشاب والهميه وارفاقهم الواقع والعمل الاصلامي

رابعًا: علاقة هذه السنة بغيرها من السنن: سبق البيان في الضوابط المنهجية المتعلقة بفهم سنة النصر أنها سنة مسبوقة بمجموعة من السنن، ومن أهم السنن الإلهية المرتبطة بسنة النصر:

١- سنة الابتلاء، فالنصر لا يأتي إلا بعده.

٢- سنة التدافع بين الحق والباطل.

٣- سنة المداولة.

٤- سنة التمييز بين الخبيث والطيب، وتمحيص المؤمنين، والعلاقة بينهما متعلقة بالنصر الكلي الذي لا يكون إلا للخلص من المؤمنين، فلا بد من التمييز والتمحيص بالابتلاءات قبلها، وهذا ما حدث في سيرة النبي ﷺ.

## ١١٢ الشاب والهماز وازماني لهم الواقع والعمل الاصلاحي

46

ﷺ.

* * *

١١٢ الشاب والهماز وازماني لهم الواقع والعمل الاصلاحي

خامسا: الحكم والمقاصد من هذه السته: ان تقدير الله سبحانه نصر المؤمنين وتأييدهم فيه حكم كثيره منها:

١- اعلاء كلمه الله ﷺ، فالله ينصر أولياءه ليعلي كلمته.

٢- دخول الناس في دين الله سبحانه، وذلك لأن الناس يتبعون القوي في الغالب، فإذا نصر الله عباده المؤمنين أدى ذلك إلى دخول كثير من الناس في دينهم، وهذا الدخول وإن كان غير متين في أوله، ولكن لعله يؤول عند بعضهم إلى متانة ويقين في آخره.

٣- إكرام الله أولياءه واستجابته لدعائهم وشفاء صدورهم واذهاب غيظ قلوبهم: ﴿قتلوهم يعذبهم أم ياتيهكم ويخزيهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ﴿١٥﴾ [سوره التوبه:١٤-١٥].

٤- كبت أعداء الله الكفار، وقطع دابرهم، والانتقام منهم، وتعذيبهم، كما قال سبحانه: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أوله﴾ [سوره آل عمران: ١٢٣] ثم قال سبحانه: ﴿ليقطع طرفه من الذين حفروا أو يحييهم فينقلبوا خائب﴾ [سوره آل عمران: ١٢٧]، قال الطبري ﷺ: «فتاويل الكلام: ولقد نصركم الله ببدر ليهلك فريقا من الكفار بالسيف، أو يخزيهم بخيبتهم مما طمعوا فيه من الظفر ﴿فينقلبوا خائب﴾، يقول: فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئا مما رجوا أن ينالوه منكم».

وقد يكون قوله سبحانه: ﴿ليقطع طرفه﴾، متعلقا بالآية قبلها وهي: ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾، ولذلك قال السعدي ﷺ مبينا شيئا من حكم النصر في تفسيره لهذه الآية: «يخبر تعالى أن نصره عباده المؤمنين».

١١٣ الشاب والهماء وارماعهم الواقع والعمل الاصلاحي

لاحد أمرين: أما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أي: جانبا منهم وركنا من أركانهم، أما بقتل، أو أسر، أو استيلاء على بلد، أو غنيمة مال، فيقوي بذلك المؤمنون ويضعف الكافرون، وذلك لأن مقاومتهم ومحاربتهم للإسلام تتألف من أشخاصهم وسلاحهم وأموالهم وأرضهم، فبهذه الأمور تحصل منهم المقاومة والمقاتلة فقطع شيء من ذلك ذهاب لبعض قوتهم.

الأمر الثاني أن يريد الكفار بقوتهم وكثرتهم، طمعا في المسلمين، ويمنعوا أنفسهم ذلك، ويحرصوا عليه غاية الحرص، ويبذلوا قواهم وأموالهم في ذلك، فينصر الله المؤمنين عليهم ويردهم خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة.

وإذا تأملت الواقع رأيت نصر الله لعباده المؤمنين دائرا بين هذين الأمرين، غير خارج عنها، أما نصر عليهم أو خذل لهم.

٥ - التوبة على الكفار إذا رأوا عز الإسلام وأصابهم المسلمون بالأسر والتنكيل، كما قال سبحانه في الآية السابقة: ﴿أو يتوب عليهم﴾ على القول بكونها معطوفة على قوله سبحانه: ﴿ليقطع طرفا﴾.

٦ - إقامة الأئمة الهادين للناس تمام الهداية، القائمين بدين الله الحاكمين به، وهذا لا يكون إلا بالنصر والتمكين، كما قال ابن سعدي: ﴿وليجعلهم أئمة﴾ [سوره القصص: ٥] في الدين، وذلك لا يحصل مع استضعاف، بل لا بد من تمكين في الأرض، وقدرة تامة.

١١٤ الشاب الرهي ونرفقهم الواقع والعمل الاصلاحي

سادسا: الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة:

47

الواقه والعمل الاصلاحي

سادسا: الثمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه:

١- التوكل علي الله تعالي والتعلق به وحده، وذلك لان من اهم قواعد سنه النصر ومحكياتها: ان النصر من عند الله وحده، فلا ياتي الا بالتوكل علي الله والاعتماد عليه سبحانه، كما قال جل وعلا في آية جمع فيها بين هذه الحقيقه وبين الامر بالتوكل: ﴿إن يتصرعون الله فلا غالب لحكم ومن يتخذ لكم فمن دا الذي يتصرعون من بعده وعلي الله فليتوكل المؤمنون﴾ [سورة آل عمران: ١٦٠]

٢- توطين النفس علي الصبر، لانه شرط اساسي للنصر، ولا يكون النصر الا به كما تقدم، فالذي يعي هذه السنه ويفقهها يستصحب الصبر ويثبت عليه حتي ياتي النصر.

٣- تحقيق الطاعه لله ورسوله، واجتناب المعصيه، وخاصه في سياق الجهاد في سبيل الله، وذلك للوعي بان هذه السنه مرتبطه بهذه الاستجابه والانقياد.

٤- ثبات القلب وعدم الرهبه من الاعداء؛ للايمان التام بسنه النصر عليهم وانها متعلقه بقوه الله لا بقوه البشر.

٥- السعي لاقامه دين الله، والاخلاص لله في القتال والجهاد، لان فهم سنه النصر يقتضي الانطلاق من قوله سبحانه: ﴿وليتضرن الله من يتضرع﴾ [سورة الحج: ٤٠] وهذا لا يكون الا بالجهاد في سبيل الله لاعلاء كلمه الله، فبذلك ياتي النصر.

١١٥ الشاب والوهن واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

سابعا: تنزيل هذه السنه علي الواقع:

واقع الامه الاسلاميه لا ينبغي الحكم عليه بحكم واحد شامل للجميع، وذلك لان الامه لا تتحرك حركه واحده تصدق عليها سلسله السنن في محل واحد، بل هي متفاوته في حركتها – وان كان يجمعها في الجمله اسم الضعف والوهن-، ففي بعض البلدان وجد من جاهد لرفع رايه الاسلام، وقتال اعداء الله،

فصدقت عليهم منظومه السنن حتي وصلوا الي النصر والتمكين كما حصل لاخواننا في افغانستان، الذين جاهدوا في سبيل الله لمده عشرين سنه وابتلوا في سياق ذلك ابتلاء عظيما حتي فتح الله لهم واخري اعداءهم، فهذا نصر لطائفه من الامه وتمكين لها،

وان كان هذا التمكين متاثرا بالحاله العامه للامه من الوهن والضعف وتسلط الاعداء، فهو تمكين محدود، لكنه تمكين لم يات الا بنصر من الله وعون وتاييد.

١١٦ الشكر والهم وازواني فيهم الواقع والعمل الاصلاحى

48

وتاييد.

١١٦ الشكر والهم وازواني فيهم الواقع والعمل الاصلامي واخواننا في فلسطين لا يزالون في تدافع شديد مع المحتلين، وهم يسيرون في منظومه السنن حتي يفتح الله عليهم، ولعل الله سبحانه ييسر للامه الاسلاميه مشاركتهم قريبا في دفع اعداء الله والنصر عليهم.

ييسر للامه الاسلاميه مشاركتهم قريبا في دفع اعداء الله والنصر عليهم. ومن اهم الامور التي ينبغي علي اخواننا في المقاومه الفلسطينيه الحرص عليها في سياق شروط النصر:

١التمييز بين الخبيث والطيب، وذلك بالا يخلطوا صفوف اهل السنه بالمجرمين من الرافضه – الذين حاربوا اهل السنه في سوريا والعراق حربا شديده، وارتكبوا في حقهم المجازر العظيمه – فلا يصفوهم بجنود الاسلام الذين تحدث عنهم النبي ﷺ بقوله: «سيصير الامر الي ان تكونوا جنودا مجنده؛ جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق» ﴿١﴾

ولا يصفوهم بشهداء القدس وحماه المقدسات ونحو ذلك، فان دماءنا لا تزال تنزف من قنابلهم واسلحتهم، فضلا عن فساد معتقدهم وشده انحرافهم، والامر ليس يخاف علي احد، ولكنه يتطلب تخليص القلب من الشوائب.

والامر ليس يخاف علي احد، ولكنه يتطلب تخليص القلب من الشوائب. وهذا لا يعني عدم الاستفاده من دعمهم كما يستفاد من دعم غيرهم، فهذا مقام اخر، ولا يستلزم عدم شكرهم بقدر المقام دون تزكيه ومبالغات، ولا عدم تقدير جهودهم في الاسناد ونحوه، ولكن الاشكال في تزكيتهم وغسل جرائمهم وادخالهم في مصاف حماه الدين والمقدسات؛ فهذا من لبس الحق بالباطل وخلط الخبيث بالطيب.

حماه الدين والمقدسات؛ فهذا من لبس الحق بالباطل وخلط الخبيث بالطيب.

﴿١﴾ اخرجه ابو داود (٢٤٨٣) عن ابن حواله.

١١٧ الشاب والهمه وازواق فهم الواقع والعمل الاضلامي وانا اتحدث هنا من منطلق سنه الله في التمييز بين الخبيث والطيب، فهي من مقدمات النصر والتمكين، فينبغي التنبه لهذه الحسابات السنيه الدقيقه، ونسال الله ان يحفظ اخواننا وينصرهم.

لهذه الحسابات السنيه الدقيقه، ونسال الله ان يحفظ اخواننا وينصرهم. واخواننا في سوريا لا يزالون كذلك في دفع اعداء الله من الباطنيه ومن اعانهم من المجرمين، وان كانوا متاخرين كثيرا بسبب تفرقهم واختلافهم، ولو انهم اجتمعت كلمتهم وتوحدت صفوفهم لراينا من تاييد الله لهم وعونه ومدده ما تتحسن به الاحوال، وذلك لان من شروط النصر: عدم التفرق والتنازع، كما مر معنا في قوله سبحانه: ﴿ولا تنترعوا فتقشوا وتذهب بعجول﴾ ﴿سوره الانفال: ٤٦﴾.

والجامع المشترك بين هذه النماذج هي انها تمثل حالات مدافعه خاصه ومحدوده وليست عامه علي مستوي الامه.

هي انها تمثل حالات مدافعه خاصه ومحدوده وليست عامه علي مستوي الامه. والمتوقع والله اعلم من خلال التامل في مجموع السنن الالهيه وتنزيلها علي الواقع بعد الوعي به: ان الامه مقبله علي حاله تدافع عامه شديده مع اعدائها، وانها بدايه التمكين لهذه الامه من جديد، واعاده عزتها وكرامتها ومجدها.

وانها بدايه التمكين لهذه الامه من جديد، واعاده عزتها وكرامتها ومجدها.

٢ - من اعظم ما تفتقده الامه اليوم في اكثر اقطارها فيما يتعلق بسنه النصر والتمكين: الحمله المصلحون القائمون علي امر الله الساعون لتمكين دينه، فهؤلاء هم الطرف الاهم في سنه النصر من جهه الاسباب، اذ ان نصر الله انما يتنزل عليهم، والذي يتامل في الواقع يري مقدار قله من يصح عليهم هذا الوصف،

عليهم، والذي يتامل في الواقع يري مقدار قله من يصح عليهم هذا الوصف، وبناء علي ذلك، فان من اهم النتائج التي اخرج بها من هذا البحث في السنن الالهيه: اهميه العمل علي صناعه المصلحين، وانه من اولي الاولويات،

١١٨ الشكر للهم وارفاقه والعمل الاصلاحي

49

وانه من اولي الاولويات، ﴿118﴾ الشكر لله وارفاقه والعمل الاصلاحي ثم العمل علي تفعيل هؤلاء المصلحين لسد ثغور الامة وتلبية احتياجاتها المختلفة. وقد وجدت في السنوات الأخيرة برامج تعليمية لصناعة المصلحين، نرجو من الله أن تكون إسهامًا كبيرًا لهذه الأمة في تحقيق هذا الواجب.

نرجو من الله أن تكون إسهامًا كبيرًا لهذه الأمة في تحقيق هذا الواجب. والخلاصة أنه في الأماكن التي لا يوجد فيها المصلحون وحملة الدين فالواجب التركيز على صناعتهم، وفي الأماكن التي يكثر فيها المصلحون فالواجب تكميل صفاتهم على ضوء شروط النصر المذكورة هنا، وعلى ضوء ما ذكرته مفصلاً من صفات المصلحين في كتاب بوصلة المصلح.

سنة النصر والتمكين والاستخلاف بيان معنى السنة

في كتاب بوصلة المصلح. سنة النصر والتمكين والاستخلاف بيان معنى السنة. سنة الاستخلاف والتمكين هي السنة القاضية بتأييد الله لرسله وأتباعهم على عدوهم. هي السنة القاضية بتأييد الله لرسله وأتباعهم على عدوهم.

سنة النصر والتمكين والاستخلاف تابع 1

أن تكون بسبب تحقق سنن أخرى:

1الصبر
2الإيمان
3العمل الصالح
4طاعة الله ورسوله
5الإحسان
6اجتماع الكلمة
7اتخاذ الأسباب

ضوابط منهجية لفهم هذه السنة

- هذه السنة ثابتة دائمة لا تنخرم. - للنصر شروط وأنواع مختلفة، ومن أهمها: - لا بد أن تسبق سنة النصر بسنة الابتلاء. - إذا وجدت الهزيمة لرافع راية الدين فهي على إحدى هذه الوجوه: الغلبة على الأعداء والظهور عليهم بالسيف والسنان.

على إحدى هذه الوجوه: الغلبة على الأعداء والظهور عليهم بالسيف والسنان.

- للنصر صور وأنواع مختلفة، ومن أهمها: - مقياس الزمن في موعد النصر متعلق بميزان الله تعالى لا بميزان البشر. - هناك فرق بين النصر الجزئي المرحلي، والنصر الكلي التام. - الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها ليس معه ضمان الاستمرار إلا بقدر الثبات على شروط التمكين.

الفتح الدعوي ودخول الناس في الدين

الاستمرار إلا بقدر الثبات على شروط التمكين. الفتح الدعوي ودخول الناس في الدين. إهلاك أعدائهم في حياتهم أو الانتقام منهم بعد مماتهم.

سنة النصر والتمكين والاستخلاف تابع 2 أدلة هذه السنة من الوحي

- ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ - ﴿ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ - ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ ﴿1﴾ الهم لهم المصرون

- ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ ﴿1﴾ الهم لهم المصرون - ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معهم متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ - ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ ﴿2﴾ وقوله سبحانه:

إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴿2﴾ وقوله سبحانه: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾

- ﴿ولوقتلهم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا﴾ ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾

- ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ولئمننهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾

- ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين﴾ ﴿3﴾ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

سنة النصر والتمكين والاستخلاف تابع 3

50

﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف ﴾

وبعيد سنه النصر والتمكين والاستخلاف تابع

### 3 | التمرات المترتبه علي الوعي بهذه السنه

| الحكم والمقاصد من هذه السنه | | --- | | التوكل علي الله تعالي والتعلق به وحده | | اعلاء كلمه الله تعالي | | توطين النفس علي الصبر | | دخول الناس في دين الله سبحانه | | تحقيق الطاعه لله ورسوله | | اكرام الله اولياءه واستجابته لدعائهم وشفاء صدورهم واذهاب غيظ قلوبهم | | ثبات القلب وعدم الرهبه من الاعداء | | كبت اعداء الله الكفار، وقطع دابرهم، والانتقام منهم | | السعي لاقامه دين الله | | التوبه علي الكفار اذا راوا عز الاسلام | | تنزيل هذه السنه علي الواقع | | اقامه الائمه الهادين للناس تمام الهدايه، القائمين بدين الله الحاكمين به |

واقع الامه الاسلاميه لا ينبغي الحكم عليه بحكم واحد شامل للجميع، وذلك لان الامه لا تتحرك حركه واحده تصدق عليها سلسله السنن في محل واحد، بل هي متفاوته في حركتها.

من اعظم ما تفتقده الامه اليوم في اكثر اقطارها فيها يتعلق بسنه النصر والتمكين: الحمله المصلحون القائمون علي امر الله.

### السنه الرابعه: سنه الاهلاك والاخذ والعقاب علي الذنوب

(1) السنن الالهيه في ضوء سوره الانعام، عبد العزيز الجليل

الشنه الرابعه: سنه الاهلاك والاخذ والعقاب علي الذنوب

اولا: بيان معني السنه. هي السنه الالهيه القاضيه باخذ الظالمين واهلاكهم في الدنيا قبل الاخره، بانواع العذاب الدنيوي. وهي من اكثر السنن ورودا في القران الكريم، كما قال الشيخ عبد العزيز الجليل: «واحسب بالاستقراء لكتاب الله عز وجل ان هذه السنه من اكثر السنن ورودا في كتاب الله عز وجل، ان لم تكن اكثرها، كما احسب ان هذه السنه تعد اصلا لكثير من السنن، ترجع اليها، او تعد من ثمراتها ولوازمها» (١).

وهذه السنه متصله بسنه الانذار، وسنه الامهال، وسنه التدافع، وسنه المداوله، وسنه الابتلاء للمؤمنين، فهي سنه عظيمه، ولذلك كثر ذكرها وتكرارها في القران المكي.

### ثانيا: ضوابط منهجيه لفهم هذه السنه:

1الاصل في المعاقبه علي الذنوب والمجازاه عليها ان يكون ذلك في الاخره لا في الدنيا، غير ان الله ﷺ قد جعل نصيبا حتميا من هذه العقوبات في الدنيا؛ تذكره وعبره، وتطهيرا للارض من الفساد حتي لا يستحكم فيها ويدوم، وانتقاما من المجرمين وكبتا لهم.
2هذا النصيب من العقاب الدنيوي يتحقق في الامم والاقوام والمجتمعات اكثر من تحققه في الافراد، فالفرد قد يؤاخذ بذنبه في الدنيا وقد لا يؤاخذ، بينما المجتمعات والامم والاقوام لا بد ان تلحقهم السنن الالهيه في الدنيا اذا استوجبوا تحققها، وان كان هذا اللحاق قد لا يشمل كل المذنبين في ذلك المجتمع؛ اذ قد يهلك البعض بهذا العقاب ويكون للبعض الاخر عبره، ولاجل ذلك كله فان هذه السنه تتطلب فقها دقيقا - كما تقدم- (١).
3ان هذه السنه لها صور متنوعه في طبيعه الاخذ والاهلاك، فليس مقتضاها بالضروره هو الاستئصال التام لمن وقعت عليهم هذه السنه، بل قد تكون بالاستئصال العام، وقد تكون جزئيه ينجو منها من ينجو، ومن اظهر صور هذه العقوبه الجزئيه: ان تكون العقوبه علي ايدي المؤمنين بتسليط الله اياهم علي المجرمين بالجهاد والقتال في سبيل الله، وهذا النوع هو من اظهر انواع العقوبات التي يجريها الله علي المجرمين في الامم المتاخره، كما قال ابن تيميه ﷺ: «ومن هذا ان الله شرع من عذاب الكفار بعد نزول التوراه بايدي» (١).

انظر للتوسع: مبحث: خصائص السنن الالهيه من كتاب: (سنن الله في الامم) د. حسن الحميد، الخاصيه الرابعه، صفحه (٩٠).

51

## الشابون الالاهميون واربعه في فهم الواقع والعمل الاسلامي

المؤمنين في الجهاد ما لم يكن قبل ذلك، حتى إنه قيل لم ينزل بعد التوراة عذاب عام من السماء للأمم، كما قال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الحكمة من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدي ورحمة لعلهم يتذكرون﴾ [القصص: ٤٣]. فإنه قيل ذلك قد أهلك قوم فرعون وشعيب ولوط وعاد وثمود وغيرهم.

فإنه قيل ذلك قد أهلك قوم فرعون وشعيب ولوط وعاد وثمود وغيرهم، ولم يهلك الكفار بجهاد المؤمنين. ولما كان موسى أفضل من هؤلاء، وكذلك محمد وهما الرسولان المبعوثان بالكتابين العظيمين، كما قال تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليك رسولا شهيدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾ [المزمل: ١٥]. وقال تعالى: ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل﴾ [القصص: ٤٨] إلى قوله: ﴿قل فاتوا بحجة من عند الله إن كنتم صادقين﴾ [القصص: ٤٩]. وأمر الله هذين الرسولين بالجهاد على الدين، وشريعة محمد أكمل، فلهذا كان الجهاد في أمته أعظم منه في غيرهم.

فالجهاد للكفار أصلح من هلاكهم بعذاب سماء، من وجوه:

1أن ذلك أعظم في ثواب المؤمنين وأجرهم وعلو درجاتهم، لم يفعلونه من الجهاد في سبيل الله، لأن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله.
2أن ذلك أنفع للكفار أيضاً، فإنهم قد يؤمنون من الخوف، ومن أسر منهم وصغار يسلم أيضاً، وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال أبو هريرة: «وكت 6 غير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلواهم الجنة» (١). فصارت الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس، وأفلح بذلك المقاتلون، وهذا هو مقصود الأمر.

(١) أخرجه البخاري من حديث سلمة بن دينار المدني عن أبي هريرة قال: «خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم؛ حتى يدخلوا في الإسلام» (٤٥٥٧).

## الشاب والهماء وأربعة في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

(٤٥٥٧). الشاب والهماء وأربعة في فهم الواقع والعمل الإصلاحي بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من معنى كون محمد ما أرسل إلا رحمة للعالمين، فهو رحمة في حق كل أحد بحسيب، حتى المكذبين له هو في حقه رحمة أعظم مما كان غيره (١).

كل أحد بحسيب، حتى المكذبين له هو في حقه رحمة أعظم مما كان غيره (١).

4المتأمل في كتاب الله ﷺ: يجد أن هذه السنة العظيمة ليست متعلقة بمطلق الذنوب، فليس كل ذنب يشيع في مجتمع ما يوجب الإهلاك العام، بل هي مرتبطة بأنواع معينة من الذنوب ذكرها الله تعالى، كما أن هذا الإهلاك أو العقوبات مرتبطة بسنن أخرى تتداخل معها.

كما أن هذا الإهلاك أو العقوبات مرتبطة بسنن أخرى تتداخل معها، ولكل ذلك شروط في الواقع لها تأثير على تحقق العقوبة أو رفعها، فهذه سنة تتطلب فقها دقيقا، وتتبعا واسعا لكتاب الله ﷺ، ومن أهم المعايير في فهم سبب هذه السنة هو فقه الأوصاف التي يذكرها الله بعد أحوال الأمم التي أهلكها سبحانه، وذلك أن الله تعالى بعد أن يذكر إهلاكه للأمم، كعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وقومه وأمثالهم، فإنه يلخص حالهم بعد ذلك في صفة واحدة أو صفات محددة، ويعلق العاقبة بها؛ فاعتبار هذه الصفات وفهمها وتحريرها يؤدي إلى نتيجة دقيقة في فهم هذه السنة، وسأذكر شيئاً من هذه الصفات على سبيل الإجمال هنا.

ثم سأفصل فيها في عرض الآيات بعد قليل إن شاء الله تعالى. فمن هذه الصفات:

1صفة التكذيب كما في قوله سبحانه: ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [سورة الأنعام: ١١]. وقد وردت في القرآن في أربعة مواضع. (١) جامع الرسائل لابن تيمية: (٢/٣٣٦) فيا بعدها.
52

(١) جامع الرسائل لابن تيميه: (٢/٣٣٦) فيا بعدها.

١٢٨ الشابون الالهامي ونرفقهم الواقه والعمل الاصلاحي ب- صفه الاجرام كما في قوله سبحانه: ﴿ولم تطرقت عليهم مطرا فانظر حكيم كان عليهم المجرمين﴾ [سوره الاعراف: ٨٤] وقد وردت في موضعين من القران بهذا اللفظ.

ج- صفه الافساد كما في قوله سبحانه: ﴿ولا تعصدوا بحطل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من ءامن به وتبغونها عوجا وادخروها اذ حسنو قليلا فكثرهم وانظروا حكيم كان عليهم المفسدين﴾ [سوره الاعراف: ٨٦] وقد وردت في القران في ثلاثه مواضع بهذا اللفظ.

د- صفه الظلم كما في قوله سبحانه: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تاويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عليهم الظالمين﴾ [يونس: ٣٩] وقد وردت في موضعين من القران الكريم بهذا اللفظ.

وسيأتي الحديث الموسع عن هذه الصفات ومعانيها بإذن الله في موضع قريب.

٥- إن وجود بعض الصالحين في المجتمع الذي تحققت فيه هذه الصفات الموجبة للعقاب لا يدفع عن المجتمع العذاب، بل ولا عن الصالحين أنفسهم، حتى يكون لهم دور في رفع المنكر أو النهي عنه، كما في النقطة التالية:

٦- إن وجود هذه الصفات السيئة التي جعلها الله سبحانه سبباً للعذاب والعقوبة، مقابل بصفات وأعمال أخرى جعلها الله تعالى موانع من نزول العذاب، أما لكل المجتمع أو على الأقل لمن يقوم بها، وأهم هذه الصفات المانعة: إنكار المنكر، والنهي عن السوء وعن الفساد في الأرض، والأخذ على يد الظالم؛ فإذا وجدت هذه الصفات في عامة المجتمع وكان المجرمون قلة شبه

١٢٩ الشاب والهماء وأرماعهم الواقع والعمل الاصلاحي منعزلة، أو علا صوت الإصلاح وتحقق المدافعة للباطل بالحق؛ فإن الله ينجي هذا المجتمع.

وأما إذا علت كلمة المجرمين دون نكير واسترخى الصالحون عن القيام بالنهي والإنكار نالهم العذاب جميعاً، فإن كان هناك قلة من المصلحين ينهون عن السوء دون تحقيق ممانعة حقيقية أمام الباطل فإن الله تعالى ينجي هؤلاء الناهين ويعاقب الباقين: الفاعل منهم والساكت، والأدلة على هذه التفصيلات كثيرة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وسأذكر طرفاً منها:

أ- قوله ﷺ: «فلما نسوا ما ذكروا به أعجبنا الذين ينهون عن السوء» ﴿سوره الاعراف: ١٦٥﴾.

ب- قوله ﷺ: «فلولا حان من القرون من قبلكم أولوا بقياته ينهون عن القساد في الأرض إلا قليلاً ممن أعجبنا منهم» ﴿سوره هود: ١١٦﴾.

ج- عن النعمان بن بشير ﷺ عن النبي ﷺ: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يئزكوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً» (١).

د- وعن زينب بنت جحش ﷺ قالت: استيقظ النبي ﷺ من النوم محمراً وجهه يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذه» - وعقد سفيان يسعين أو منه -، قيل: أتهلك (١) رواه البخاري: (٢٤٩٣).

١٣٠ الشابون الاصباب وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

53

١٣٠ الشابون الاصباب واثرفا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، اذا كثر الحبت»(١).

والعمل الاصلاحي وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، اذا كثر الحبت»(١).

ه - وقال ابو بكر الصديق ﷺ: «يا ايها الناس انكم تقرؤون هذه الايه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥]، واني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه»(٢).

كثيرا ما يبين الله سبحانه في كتابه عند ذكر هذه السنة، أنه لم يظلم المعاقبين سبحانه، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم، كما بين سبحانه قانونا عاما مطردا متعلقا بهذه السنة، ألا وهو أن الله لا يغير حال أي أمة من الأمم من النعمة إلى العقوبة والنقمة إلا إذا غيروا ما بأنفسهم، فتكون السنة معلقه بفعل البشر وبها كسبته أيديهم، كما قال سبحانه:

﴿ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله سميع عليم﴾ [سورة الأنفال: ٥٣]. قال الطبري متأملا في سياق الآية وموضعها من السورة - وكثيرا ما يفعل ذلك ويربط بين الآيات المتعلقة بالأمم السابقة وبين قوم النبي ﷺ الذين كذبوه وطردوه - قال ﷺ:

«يقول تعالى ذكره: وأخذنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم، وفعلنا ذلك بهم، بأنهم غيروا ما أنعم الله عليهم به من ابتعاثه رسوله منهم وبين أظهرهم، بإخراجهم إياه من بينهم، وتكذيبهم له، وحربهم إياه، فغيرنا نعمتنا عليهم بهلاكنا إياهم، كفعلنا ذلك في الماضين قبلهم ممن طغى علينا وعصى أمرنا»(٣).

(١) رواه البخاري: (٧٠٥٩)، ومسلم: (٢٨٨٠).

(٢) أخرجه أحمد في مسنده: (٣٠).

(٣) تفسير الطبري: (١١ / ٢٣٣).

١٣١ الشاب للهم أوتوه في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

ب- وقال سبحانه: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الرعد: ١١]، والأصل في هذه الآية أنها في التغيير من النعمة إلى النقمة، وليست في التغيير من السوء إلى الصلاح - وإن كانت تشملها بعموم اللفظ في تقرير بعض المفسرين - وبناءً على ذلك فإن اتخاذ هذه الآية شعارا للإصلاح فيه نظر والله أعلم.

قال الإمام ابن عاشور مبينا أصل التغيير في هذه الآية: «والتغيير: التبديل بالمغاير، فلا جرم أنه تهديد لأولي النعمة من المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغيرها. فما صدق (ما) الموصوله حاله، والباء للملابسة، أي حالة ملابسة لقوم، أي حالة نعمة، لأنها محل التحذير من التغير، وأما غيرها فتغيره مطلوب».

وعلى هذا التقرير عامه المفسرين الذين حملوا الآية على التغيير من النعمة إلى النقمة والعذاب، وسياق الآية يؤيده، وآية سورة الأنفال تقوي ذلك، والتي هي: ﴿ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [سورة الأنفال: ٥٣]، لكن هناك من استدل بالآية على مطلق التغيير، كما قال السعدي:

«إن الله لا يغير ما بقوم» [سورة الرعد: ١١] من النعمة والإحسان ورغد العيش «حتى يغيروا ما بأنفسهم» بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها، وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطه والرحمة». (٢)

٨- إن الله سبحانه يخفف العقوبات القدرية أو يزيلها إذا عمل بالعقوبات الشرعية التي أمر بها سبحانه، كما قال ابن القيم ﷺ، في نص بديع: «وعقوبات» (١)

(١) التحرير والتنوير: (١٠٢ / ١٣) لابن عاشور.

(٢) تفسير السعدي: (٤١٤).

١٣٢ الشاب والهماز وزواقها فهم الواقع والعمل الإصلاحي (١)

54

## ١٣٢ الشاب والهماز وازواقها فهم الواقع والعمل الاصلاحي

(١) الذنوب نوعان: شرعيه وقدريه. فاذا اقيمت الشرعيه رفعت العقوبات القدريه او خففتها. ولا يكاد الرب تعالي يجمع علي عبده بين العقوبتين، الا اذا لم تف احداهما برفع موجب الذنب ولم تكف في زوال دائه، واذا عطلت العقوبات الشرعيه استحالت قدريه، وربما كانت اشد من الشرعيه، وربما كانت دونها، ولكنها تعم.

قدريه، وربما كانت اشد من الشرعيه، وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعيه تخص، فان الرب تبارك وتعالي لا يعاقب شرعا الا من باشر الجنايه او تسبب اليها. واما العقوبه القدريه فانها تقع عامه وخاصه، فان المعصيه اذا خفيت لم تضر الا صاحبها، واذا اعلنت ضرت الخاصه والعامه. واذا راي الناس المنكر فاشتركوا في ترك انكاره او شك ان يعمهم الله بعقابه.

وقد تقدم ان العقوبه الشرعيه شرعها الله سبحانه علي قدر مفسده الذنب وتقاضي الطبع له، وجعلها سبحانه ثلاثه انواع: القتل، والقطع، والجلد. وجعل القتل بازاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فان هذا يفسد الاديان، وهذا يفسد الانساب ونوع الانسان(1).

٩ - ان موجب ذكر القصص الكثيره المتعلقه باهلاك الامم هو الاعتبار والاتعاظ والادكار، والخوف ان يصيب المتاخرين ما اصاب المتقدمين، ولذلك فقد ذم الله سبحانه الغفله عن اياته التي يجريها في الامم والانفس والكون، واكد علي اهميه اخذ العبره، كما قال سبحانه:

(١) الداء والدواء، ابن القيم (٢٦١)

اخذ العبره، كما قال سبحانه:

(١) الداء والدواء، ابن القيم (٢٦١)

## ١٣٣ الشاب للهمات واربعهم الواقهم والعمل للصلاه

أ- ﴿قد كان لكم ايه في فتنتين التقتا فتنه تقنيل في سبيل الله واخري كافره يرونهم مثلهم راي المنان ولله يؤييد بتصروء من يتاملون في ذلك لمبره لاولي الابصار﴾ [سوره ال عمران: ١٣].

ب- وقال سبحانه: ﴿ولقد ارسلنا موسي يماياتنا ان اخرج قومك من الظلمن الي النور وذكرهم باي مم الله ان في ذلك لايات لمكن سبار شكور﴾ [سوره ابراهيم: ٥]، قال الطبري ﷺ: «وقوله: «وذكرهم باي مم الله» [سوره ابراهيم: ٥] يقول عز وجل: وعظهم بما سلف من يعمي عليهم في الايام التي خلت، فاجتازئ بذكر «الايام» من ذكر النعم التي عناها، لانها ايام كانت معلومه عندهم، انعم الله عليهم فيها نعما جليله، انقذهم فيها من ال فرعون بعد ما كانوا فيها كانوا [فيه] من العذاب المهين، وعرق عدوهم فرعون وقومه، واورثهم ارضهم وديارهم واموالهم. ) (١)

وقال الرازي: (واعلم ان ايام الله في حق موسي ﷺ منها ما كان ايام المحنه والبلاء، وهي الايام التي كانت بنو اسرائيل فيها تحت قهر فرعون، ومنها ما كان ايام الراحه والنعماء مثل انزال المن والسلوي وانفلاق البحر وتظليل الغيام.) (٢)

وقال ابن عاشور في كلام بديع: «ايام الله» ايام ظهور بطشه وغلبه من عصوا امره، وتاييده المؤمنين علي عدوهم، فان ذلك كله مظهر من مظاهر عزه الله تعالي، وشاع اطلاق اسم اليوم مضافا الي اسم شخص او قبيله علي يوم انتصر فيه مسمي المضاف اليه علي عدوه، يقال: ايام تميم، اي: ايام انتصارهم، (١) تفسير الطبري: (١٣/ ٥٩٤). (٢) تفسير الرازي: (١٩/ ٦٥).

## ١٣٤ الشابون الالهامي

فايام الله ايام ظهور قدرته واهلاكه الكافرين به ونصره اولياءه والمطيعين له.

55

الله أيام ظهور قدرته وإهلاكه الكافرين به ونصره أولياءه والمطيعين له. فالمراد ب «أيام الله» هنا: الأيام التي أنجى الله فيها بني إسرائيل من أعدائهم ونصرهم وسخر لهم أسباب الفوز والنصر وأغدق عليهم النعم في زمن موسى ﷺ، فإن ذلك كله مما أمر موسى بأن يذكرهموه، وكله يصح أن يكون تفسيرًا لمضمون الإرسال؛ لأن إرسال موسى ﷺ ممتد زمنه.

يصح أن يكون تفسيرًا لمضمون الإرسال؛ لأن إرسال موسى ﷺ ممتد زمنه، وكلما أوحي الله إليه بتذكير في مدة حياته فهو من مضمون الإرسال الذي جاء به، فهو مشمول لتفسير الإرسال. فقول موسى ﷺ: «ينقوو ادخروا نعمه الله عليكم إذ جعل فيك آباء وجعلهم قلوكه وتنكر ما لم يؤت أحدا من العالمين ﴿٢١﴾ ينقوو ادخلوا الأرض المقدسة إلى حتب الله لا خلع» ﴿سورة المائدة: ٢٠-٢١﴾،

هو من التذكير المفسر به إرسال موسى ﷺ، وهو إن كان واقعًا بعد ابتداء رسالته بأربعين سنة فما هو إلا تذكير صادر في زمن رسالته، وهو من التذكير بأيام نعم الله العظيمة التي أعطاهم، وما كانوا يحصلونها لولا نصر الله إياهم، وعنايته بهم ليعلموا أنه رب ضعيف غلب قويًا ونجا بضعفه ما لم ينج مثله القوي في قوته.

واسم الإشارة في قوله إن في ذلك لآيات عائد إلى ما ذكر من الإخراج والتذكير، فالإخراج من الظلمات بعد توغلهما فيها وانقضاء الأزمنة الطويلة عليها آية من آيات قدرة الله تعالى.

والتذكير بأيام الله يشتمل على آيات قدرة الله وعزته وتأييد من أطاعه. وكل ذلك آيات كائنة في الإخراج والتذكير على اختلاف أحواله.

(١) التحرير والتنوير: (١٣/ ١٨٩ - ١٩٠) لابن عاشور.

ومن الآيات الدالة على الاعتبار بالعقوبات كذلك قوله سبحانه: «فاليوم ننجيك ببدنك لتسخون لمن خلفك آية وإن كثيرًا من الناس عن آيتنا لعنفلون» ﴿سورة يونس: ٩٢﴾.

وكما أن الله يحب منا التفكر في عقوبات الأمم والأقوام المكذبة فكذلك ينبغي على المؤمن أن يتفكر في العقوبات الفردية التي قد تصيب الإنسان بسبب ذنوبه، كما قال ابن القيم ﷺ: (والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع: أما في القلب، وأما في البدن، وأما فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت،

وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة، فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحس بالمؤلم، فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار، وقد تقارن المضرة الذنب،

وقد تتأخر عنه إما يسيرًا وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه، وكثيرًا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقبًا، ولا يدري أنه يعمل، وعمله على التدريج شيئًا فشيئًا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة) (١)

وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﷺ: (إن كثيرًا من الناس اليوم يعزون المصائب التي يصابون بها - سواء كانت المصائب مالية اقتصادية أو أمنية سياسية - يعزون هذه المصائب إلى أسباب مادية بحتة، إلى أسباب سياسية، أو أسباب مالية، أو أسباب حدودية، ولا شك أن هذا من قصور أفهامهم،

(١) الداء والدواء: (٢٧١ - ٢٧٢) لابن القيم.

الشاب الهايم وضعف إيمانهم، وغفلتهم عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. (١)

56

وضعف ايمانهم، وغفلتهم عن تدبر كتاب الله وسنه رسوله ﷺ.

(١) ١٠ - قوله سبحانه: ﴿وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [سوره الانفال: ٣٣]، لا ينفي العذاب مطلقا عن هذه الامه، ولا يعني رفع العذاب عن مستحقيه، بل هي كما قال الطبري ﷺ في تفسيرها بعد ذكر الخلاف والاقوال:

مستحقيه، بل هي كما قال الطبري ﷺ في تفسيرها بعد ذكر الخلاف والاقوال: (واولي هذه الاقوال عندي في ذلك بالصواب، قول من قال: تاويله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم﴾ يا محمد، وبين اظهرهم مقيم، حتي اخرجك من بين اظهرهم، لاني لا اهلك قريه وفيها نبيها. ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرون عليه،

من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون، كما يقال: «ما كنت لاحسن اليك وانت تسيء الي»، يراد بذلك: لا احسن اليك اذا اسات الي، ولو اسات الي لم احسن اليك، ولكن احسن اليك لانك لا تسيء الي، كذلك ذلك.

ثم قيل: ﴿وما لهم الا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾

ثم قيل: ﴿وما لهم الا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ بمعني: وما شانهم، وما يمنعهم ان يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فيؤمنوا به، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام؟

فيؤمنوا به، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام؟ وانها قلنا: هذا القول اولي الاقوال في ذلك بالصواب: لان القوم - اعني مشركي مكه - كانوا استعجلوا العذاب، فقالوا: «اللهم ان كان ما جاء به محمد هو الحق، فامطر علينا حجاره من السماء او اثنا بعذاب اليم» فقال الله لنبيه: ما كنت لاعذبهم وانت فيهم، وما كنت لاعذبهم لو استغفروا، وكيف لا

ما كنت لاعذبهم وانت فيهم، وما كنت لاعذبهم لو استغفروا، وكيف لا

(١) اثر المعاصي علي الفرد والمجتمعات (٦) لابن عثيمين.

١٣٧ الشاب والهمه وازمانيهم الواقع والعمل اصلاحي اعذبهم بعد اخراجك منهم، وهم يصدون عن المسجد الحرام؟

والعمل اصلاحي اعذبهم بعد اخراجك منهم، وهم يصدون عن المسجد الحرام؟ فاعلمه جل ثناؤه ان الذي استعجلوا العذاب حاتق بهم ونازل، واعلمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد اخراجه اياه من بين اظهرهم، ولا وجه ليعادهم العذاب في الاخره، وهم مستعجلوه في العاجل، ولا شك انهم في الاخره الي العذاب صائرون، بل في تعجيل الله لهم ذلك يوم بدر، الدليل الواضح علي ان القول في ذلك ما قلنا (١).

الله لهم ذلك يوم بدر، الدليل الواضح علي ان القول في ذلك ما قلنا (١).

قلت: ومن فقه الطبري انه ربط الايه بالايات قبلها المتصله بها، وتوصل الي ان فيها اثبات العذاب عليهم لا رفعه عنهم كما فهمه البعض، وهي قوله سبحانه:

اثبات العذاب عليهم لا رفعه عنهم كما فهمه البعض، وهي قوله سبحانه: ﴿واذا تتلي عليهم اياتنا قالوا فد سمعنا لو نشاه لقلنا مثل هذا ان هذا الا استطير الاولين ﴿١٢﴾ واذ قالوا اللهم ان حادث هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجاره من السماء او اشيتا بعذاب اليم ﴿١٣﴾﴾ [سوره الانفال: ٣١-٣٢].

او اشيتا بعذاب اليم ﴿١٣﴾﴾ [سوره الانفال: ٣١-٣٢]. ثم قال سبحانه: ﴿وما حادث الله ليعذبهم وانت فيهم﴾ [سوره الانفال: ٣٣] الايه. قال الطبري: ﴿هو معلقا علي قول المشركين: ﴿فامطر علينا حجاره من السماء او اشيتا بعذاب اليم﴾ [سوره الانفال: ٣٢] قال: (وكان ذلك العذاب، قتلهم بالسيف يوم بدر) (٢) وهذا الذي قاله الطبري مهم جدا،

العذاب، قتلهم بالسيف يوم بدر) (٢) وهذا الذي قاله الطبري مهم جدا، فيهم بدر هو يوم تحقق السنن الالهيه علي المشركين، وذلك ان الله سبحانه توعدهم بالعذاب في السور المكيه، وكان يوم بدر هو يوم صدق ذلك الوعد، كما قال سبحانه: ﴿يوم تظن البطشه الكبري انا منتقمون﴾ [سوره الدخان: ١٦] فقد ثبت عن ابن مسعود ﴿١٤﴾

[سوره الدخان: ١٦] فقد ثبت عن ابن مسعود ﴿١٤﴾

(١) تفسير الطبري: (١١/١٥٧).

(٢) تفسير الطبري: (١١/١٤٣).

١٣٨ الشكراء المحبات واربعاهم فهم الواقه والعمل الاصلاحي

57

١٣٨ الشكراء المحبات واربعاهم فهم الواقه والعمل الاصلاحي انه قال: البطشه الكبري يوم بدر ﴿١﴾، وقال ابن عاشور ﷺ: «والبطشه الكبري: هي بطشه يوم بدر فان ما اصاب صناديد المشركين يومئذ كان بطشه بالشرك واهله؛ لانهم فقدوا سادتهم وذوي الراي منهم الذين كانوا يسيرون اهل مكه كما يريدون». ﴿٢﴾

المقصود ان سنه الاهلاك لم ترفع عن مستحقيها من هذه الامه، وان التهديد المباشر لكفار قريش انهم سيصيبهم ما اصاب الامم المكذبه قبلهم دليل واضح علي استمرار السنن وعدم استثناء هذه الامه منها، وهذا مقتضي كونها سنه الهيه فضلا عن وجود النص المحكم بكونها مستمره لا تتبدل ولا تتحول، ووقوعها اثبات لها كذلك، وقد حصل هذا يوم بدر كما تقدم، وحصل في غيره كذلك.

غير ان مما ذهب اليه بعض اهل العلم ان العذاب علي هذه الامه لا يكون بالعذاب السماوي العام كما حصل للامم السابقه وانما بتسليط المؤمنين علي المجرمين، كما قال ابن تيميه ﷺ: «ومن هذا ان الله شرع من عذاب الكفار بعد نزول التوراه بايدي المؤمنين في الجهاد ما لم يكن قبل ذلك، حتي انه قيل لم ينزل بعد التوراه عذاب عام من السماء للامم» ﴿٣﴾.

ولا شك ان هذا صحيح اذا كان المقصود كامل الامه المحمديه، لكن اذا كان المقصود انه لا يحصل في هذه الامه عذاب سماوي علي بلده ظلمه او قوم مجرمين فهذا فيه نظر، فانه – وان كان الاصل فيما يحصل من العذاب علي المجرمين من هذه الامه انه يكون بايدي المؤمنين بالجهاد في سبيل الله – الا ان ذلك لا ينفي العذاب السماوي الخاص، والله اعلم، ومن ذلك ما جاء من احاديث الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبه ﴿١﴾ انظر: صحيح البخاري (٩٦٢)، وصحيح مسلم (٢٧٩٨).

(١) انظر: صحيح البخاري (٩٦٢)، وصحيح مسلم (٢٧٩٨).

(٢) التحرير والتنوير: (٢٥/٢٩٣) لابن عاشور.

(٣) جامع الرسائل لابن تيميه: (٢/٣٣٦) فما بعدها.

١٣٩ الشاب والهم وازقاهم العمل والصلاه في اخر الزمان، وهو ما ثبت في الصحيحين عن عائشه ﷺ ان النبي ﷺ انه قال: «يعزو جيش الكعبه فاذا كانوا ببيداء من الارض يحسف باولهم واخرهم» قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف باولهم واخرهم وفيهم اسواقهم ومن ليس منهم؟! قال: «يخسف باولهم واخرهم ثم يبعثون علي نياتهم» ﴿١﴾.

ليس منهم؟! قال: «يخسف باولهم واخرهم ثم يبعثون علي نياتهم» ﴿١﴾.

(١) اخرجه البخاري: (٢١١٨)، ومسلم: (٢٨٨٤).

١٤٠ ثالثا: بيان ادله هذه السنه من الوحي، وتحرير قول المفسرين فيها:

58

ثالثا: بيان أدلة هذه السنة من الوحي، وتحرير قول المفسرين فيها: سبق القول في الضوابط المتعلقة بهذه السنة أنها ليست متعلقة بمطلق الذنوب، بل هي متصلة بأنواع معينة من الذنوب ذكرها الله سبحانه في كتابه، ووصف بها المهلكين والمغذيين من الأمم والأقوام، وسأفصل القول في بعض هذه الصفات والذنوب تحت عنوان (موجبات الإهلاك والمجازاة بالذنوب) وذلك بتتبع موارد ذكر هذه الصفات في القرآن ونقل أهم ما قاله المفسرون حولها بإذن الله تعالى.

موجبات الإهلاك والمجازاة في الدنيا بالذنوب للأمم والمجتمعات:

الصفة الأولى: الظلم، ويشمل الكفر والشرك وأنواع الذنوب الموجبة للهلاك:

إن من أكثر الصفات التي ذكرها الله ﷺ مقرونة بسنة الإهلاك هي صفة الظلم، حتى إنك لو أردت أن تجمل مجموع الصفات الموجبة لسنة الإهلاك في صفة واحدة، لقلت: هي الظلم. غير أن المتأمل في سياق الآيات المبينة لهذه الصفة يستبين له أن الظلم المقصود ليس محصورًا في معنى التسلط على الناس في أموالهم وحقوقهم، بل هو اسم عام يشمل: المعصية والكفر والشرك والإجرام والطغيان والتكذيب والجحود، ويشمل ظلم النفس وظلم الغير، فهو اسم جامع.

ولبيان معنى الظلم المقصود وحدوده، ومدى تعلقه بالإهلاك في الدنيا، سأقف مع أربع آيات من كتاب الله تعالى بالتأمل والملاحظة وانتقاء أهم ما قاله أئمة التفسير في ذلك لتقريب هذا المطلب، مع العلم بأن الآيات الواردة في بيان العلاقة بين الظلم والإهلاك كثيرة جدًا في القرآن، ولعل هذه الآيات الأربعة والكلام عليها يكون دليلاً لفقه ما بعدها من الآيات المقاربة:

1 - الآية الأولى: قوله سبحانه: ﴿وما كانت نبك مهلك القرى حتى يبعث في أفلها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلك القرى إلا وأهلها ظلمون﴾ [سورة القصص: 59]

هذه الآية فيها دلالة على السنن الإلهية بقرينة: ﴿وما كانت نبك﴾ و﴿وما كنا﴾. وقد تقدم في القواعد المنهجية العامة للسنن، أن مثل هذه الصيغة دالة على السنن الإلهية، ولذلك قال ابن عاشور: (أي ما كان من عادتنا في عبادنا أن نهلك أهل القرى) والعادة = السنة، كما سبق تقريره.

وأما معنى الظلم في الآية، فهو اسم عام يدخل فيه - أول ما يدخل -: الكفر والشرك، ويشمل غير ذلك من الذنوب الموجبة للإهلاك والتي بينها الله في كتابه، وقد فسر عامة المفسرين الظلم هنا بالشرك أو الكفر، كما قال الطبري: (وقوله: ﴿وما كنا مهلك القرى إلا وأهلها ظلمون﴾ [سورة القصص: 59]. يقول: ولم نكن لنهلك قرية وهي بالله مؤمنة، إنما نهلكها بظلمها نفسها بكفرها بالله، وإنما أهلكنا أهل مكة بكفرهم وظلم أنفسهم).

(التحرير والتنوير: 20/153) لابن عاشور.

(تفسير الطبري: 18/291).

59

عاشور. (٢) تفسير الطبري: (١٨/٢٩١). ١٤٢ الشاب الراهيم.

غير أن هذا الشرك أو الكفر لا يستقل وحده ليكون سببًا في الإهلاك، بل كما قال القرطبي ﷺ في قوله سبحانه: ﴿ألا وأهلها ظالمون﴾ [سورة القصص: ٥٩] أي لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الأعذار إليهم (١). فذكر معنى الإصرار على الكفر بعد الأعذار، كما قال الشوكاني ﷺ في تفسير الآية:

معنى الإصرار على الكفر بعد الأعذار، كما قال الشوكاني ﷺ في تفسير الآية: (أي: وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولًا يدعوهم إلى الحق، إلا حال كونهم ظالمين، قد استحقوا الإهلاك؛ لإصرارهم على الكفر بعد الأعذار إليهم، وتأكيد الحجة عليهم) (٢).

وقال ابن عاشور ﷺ: «وما حتّى مهلكي القرى إلا وأهلها ظلمون» أي ما كان من عادتنا في عبادنا أن نهلك أهل القرى في حالة ظلمهم أنفسهم بالإشراك، فالاشراك سبب الإهلاك، وإرسال رسول شرطه، فيتم ظلمهم بتكذيبهم الرسول (٣).

٢- الآية الثانية: قوله سبحانه: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ [سورة هود: ١٠٢].

هذه الآية أتيت في نهاية سياق قصص المهلكين الذين ذكرهم الله في سورة هود، وقد كانت أسباب إهلاكهم مختلفة، ولكنها أجملت في صفة الظلم بهذه الآية، كما قال الرازي ﷺ: (واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم، فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة؛ لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد، ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين؛ لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ [سورة هود: ١٠٢] فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في (١) تفسير القرطبي: (١٠/٢٨٠). (٢) فتح القدير: (٤/٢٠٩) للشوكاني. (٣) التحرير والتنوير: (٢٠/١٥٣) لابن عاشور.

١٤٣ الشاب والهمة وإرماقها الواقع والعمل الإضلامي فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد (١).

وأما قوله سبحانه: ﴿وهي ظالمة﴾ فقد قال فيه الطبري: (وهم ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله، وإشراكهم به غيره، وتكذيبهم رسله) (٢) فجعل الظلم هنا ظلم النفس بالكفر والتكذيب، ومما يرجح ذلك: الآية التي قبلها، والتي قال الله ﷺ فيها: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ [سورة: ١٠١]، ولم يفت الطبري التنبّه إلى ارتباط هذه الآية بالسنن الإلهية - كعادته - فقال:

ولم يفت الطبري التنبّه إلى ارتباط هذه الآية بالسنن الإلهية - كعادته - فقال: (وهذا من الله تحذير لهذه الأمة أن يسلكوا في معصيته طريق من قبلهم من الأمم الفاجرة، فيحل بهم ما حل بهم من المثلات) (٣). ثم ذكر الحديث الصحيح الذي ربط فيه النبي ﷺ بين هذه الآية وبين سنة الإملاء للظالمين، فعن أبي موسى الأشعري ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفقه»، قال: ثم قرأ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ [سورة: ١٠٢] (٤).

هو: ﴿وهي ظالمة﴾ أيضًا قال مقاتل ﷺ: «وهي ظالمة» أي: مشركة (٥)، وكذلك قال ابن عاشور في تفسير هذه الآية: (والظلم: الشرك) (٦).

(١) مفاتيح الغيب: (١٨/ ٣٩٦ - ٣٩٧) للرازي. (٢) تفسير الطبري: (١٢/ ٥٧١). (٣) تفسير الطبري: (١٢/ ٥٧١). (٤) رواه البخاري: (٤٦٨٦). (٥) تفسير مقاتل ابن سليمان: (٢/ ٢٩٨). (٦) التحرير والتنوير: (١٢/ ١٦٠).

١٤٤

60

(٢/ ٢٩٨). (٦) التحرير والتنوير: (١٢/ ١٦٠).

١٤٤ الشاب الرهي: وايها في قهمها الواقع والعمل الاصلاحي

بينما نحا ابن عطيه في تفسيرها الي معني مختلف، فقال ﷺ: ﴿وقوله تعالي: وكذاك﴾ الإشارة إلى ما ذكر من الأحداث في الأمم، وهذه آية وعيد تعم قري المؤمنين؛ فإن ﴿ظلامه﴾ أعم من ﴿كافره﴾، وقد يمهل الله تبارك وتعالي بعض الكفرة، وأما الظلمة - في الغالب - فمعاجلون(١) فجعل الظلم هنا بمعني التعدي والتظلم في الحقوق.

٣ - الآية الثالثة: قوله ﷺ: «وكم قصمنا من قري حتى تظلمها وأنشأنا بعدها قوماً آخرين» ﴿سورة الأنبياء: ١١﴾

عند الوقوف على كلام المفسرين على هذه الآية نجد أنهم تعاملوا مع تفسير (الظلم) الوارد فيها بسعة المعنى ليشمل الكفر والشرك والتكذيب، كما قال الطبري ﷺ: «وكان ظلمها كفرها بالله وتكذيبها رسله، وقوله ﴿وأنشأنا بعدها قوما آخرين﴾ ﴿سورة الأنبياء: ١١﴾ يقول تعالي ذكره: أحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلمة من أهل هذه القرية التي قصمناها بظلمها قوماً آخرين سواهم»(٢)

وقال الشوكاني ﷺ: «أي: وكم قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين: أي كافرين بالله مكذبين بآياته، والظلم في الأصل وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر في موضع الإيمان»(٣)

وقال ابن عاشور ﷺ: «وبضميمه وصف تلك الأمم بالظلم، أي الشرك، إيماء إلى سبب الإهلاك؛ فحصل منه ومن اسم الكثرة معنى العموم، فيعلم المشركون التهديد بأن ذلك حال بهم لا محالة بحكم العموم، وأن هذا ليس مراداً به قرية معينة»(١)

وهكذا نجد المفسرين يتواردون على تفسير الظلم هنا باسمه العام الذي يدخل فيه الشرك والكفر، غير أن مما ينبغي أن يلاحظ، أنه - مع تفسير الظلم بالكفر والشرك والتكذيب - إلا أن سياق الآيات يستبين منها معنى الزيادة في الكفر أو الشرك، وذلك بالفسق أو الإسراف والفجور والاستكبار ورد الآيات،

فليست القضية مرتبطة بمجرد وجود الكفر أو الشرك - الذي هو الظلم العام - حتى يضاف إليها: العتو أو الإسراف أو الفسوق أو الجحود والاستكبار بعد رؤية الآيات والبيئات، ومما يدل على ذلك في هذه الآية بعينها: سياق الآيات قبلها، حيث ذكر الله ﷺ قبلها بآيتين قوله تعالي: ﴿ثم صدقناهم الوعد فاخيناهم ومن نشاء وأهلهم المشرفين﴾ ﴿سورة الأنبياء: ٩﴾

وفي ذلك يقول الطبري ﷺ: «يقول تعالي ذكره: ثم صدقنا رسلنا الذين كذبهم أمهم وسألوهم الآيات، فأتيناهم ما سألوه من ذلك، ثم أقاموا على تكذيبهم إياها، وأصروا على جحودهم نبوتهم بعد الذي آتيناهم به من آيات ربها، وعدنا الذي وعدناهم من الهلاك على إقامتهم على الكفر بربهم بعد مجيء الآية التي سألوها»(٢)

والملاحظ في كلامه ﷺ أنه جعل العذاب نازلاً على من أصر على الكفر بعد رؤية البينات والآيات، ولذلك قال الشوكاني ﷺ: «والمراد بالمسرفين المجاوزون للحد في الكفر والمعاصي، وهم المشركون»(٣)

وقال ابن عاشور ﷺ: «والمسرفون: المفرطون في التكذيب بالإصرار والاستمرار عليه»(١)

(١) التحرير والتنوير: (١٧ / ٢٤ ) لابن عاشور.

(٢) تفسير الطبري: (١٦ / ٢٣١).

(٣) فتح القدير: (٣ / ٤٧١) للشوكاني.

١٤٦ الشكر للهم واربعهه فهم الواقع والعمل الاصلاحي

61

للشوكاني. ١٤٦ الشكر لله واربعه فهم الواقع والعمل الاصلاحي حتى حل بهم العذاب.

(١) وهذا كله يبين والله أعلم أن المقصود بالظلم في هذه الآية ليس مطلق الكفر أو الشرك حتى يصاحبه معنى الإسراف فيه والجحود بعد رؤية البينات، وهذا يقودنا إلى الحديث عن آية أخرى في كتاب الله سأقف عندها وقفة مطولة لأهميتها في هذا السياق وأهمية كلام المفسرين عليها، وهي:

مطولة لأهميتها في هذا السياق وأهمية كلام المفسرين عليها، وهي:

٤ - الآية الرابعة: قوله ﷺ: «وما كان ربك ليهلك الشري بظلم وأهلها مصلحون» ﴿سورة هود: ١١٧﴾.

تقدم معنا في الآيات الثلاث السابقة أن المفسرين حملوا لفظ الظلم الوارد فيها على معنى الشرك والكفر، وإلى ذلك ذهب طائفة من أهل العلم في تفسير هذه الآية كذلك، ولكن تفسيرها بذلك فيه قدر من الإشكال، لأن الذي تدل عليه هذه الآية هو نفي الإهلاك وليس إثباته: «وما كان ربك ليهلك الشري بظلم» ﴿سورة هود: ١١٧﴾، بينما في الآيات السابقة إثبات الإهلاك بسبب الظلم وليس نفيه، فكيف نتعامل مع ذلك؟

لا شك أن هذا إشكال واضح، ومن الإشكال كذلك فهم قوله سبحانه عن هؤلاء بأنهم «مصلحون»، فما المقصود بالإصلاح في هذه الآية؟

والجواب: أن الآية مستقيمة مع الآيات الأخرى لا تعارض بينها؛ لأنه قد سبق التقرير بأن الله لا يعذب على مجرد الكفر والشرك حتى يضاف إلى ذلك إما الفجور والفسق، أو الإسراف وتجاوز الحد في التكذيب أو الطغيان، أو ظلم الناس في حقوقهم والتسلط عليهم، فتكون الآية -على ذلك- مقيدة لسنة إهلاك الظالمين بحيث لا تكون هذه السنة على إطلاقها في كل كفر وشرك.

(١) التحرير والتنوير: (٢١/١٧)

١٤٧ الشكر لله وواقع العمل الإصلاحي

(٢١/١٧)

١٤٧ الشاب والهماء ورماهم الواوع والعمل الإصلاحي وأما الإصلاح المقصود في هذه الآية فهو -عند طوائف من المفسرين-: ترك التظالم والبغي فيما بينهم، فيكون الإهلاك المراد في الآية على وجود هذا البغي والتظالم، لا على مطلق الكفر والشرك، كما قال الطبري ﷺ: (وقد قيل معنى ذلك: لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله، وذلك قوله "بظلم" يعني: بشرك،

لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله، وذلك قوله "بظلم" يعني: بشرك، وأهلها مصلحون) فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم، وإن كانوا مشركين، إنما يهلكهم إذا تظالموا).

(١)

الحق بينهم، وإن كانوا مشركين، إنما يهلكهم إذا تظالموا).

(١) وقال البغوي ﷺ: وما كان ربك ليهلك الشرك بظلم أي: لا يهلكهم بشركهم، وأهلها مصلحون) فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضهم بعض، وإنما يهلكهم إذا تظالموا، وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعماهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات).

(٢)

مصلحون في أعماهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات).

(٢) وقال القرطبي ﷺ: (قوله تعالى: وما كان ربك ليهلك الشرك) أي أهل القرى. ويظلم أي بشرك وكفر. وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط. ودل هذا

كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط. ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب.

وفي صحيح الترمذي من حديث أبي بكر الصديق ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».

(٣)

الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».

(٣)

(١) تفسير الطبري: (١٢/١٣٦).

(٢) معالم التنزيل في تفسير القرآن: (٤/٢٠٦) للبغوي.

(٣) الجامع لأحكام القرآن: (٩/١١٤) للقرطبي.

١٤٨ الشكر لله يوم الواقع والعمل الإصلاحي

62

للقرطبي. ١٤٨ الشكر للهم يوم الواقع والعمل الاصلاحي. وقال الواحدي بعد أن ذكر التفسير السابق: (وهذا التفسير يدل على أن الاجتراء على أنواع المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك). (١)

قال ابن تيمية: (وأمور الناس إنما تستقيم مع العدل الذي يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: إن الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم تقم بالعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة). (٢)

فهذا أهم ما قيل في تفسير هذه الآية على هذا الوجه، وفي هذه النصوص من الإشارات المهمة ما لا يخفي، غير أن هذا التفسير ليس محل إجماع بين المفسرين، فقد ذهب بعضهم إلى أن الظلم المنفي في الآية متعلق بالله سبحانه، أي ما كان ليعذبهم وهو ظالم لهم.

وقد أورد ابن الجوزي الأقوال في الآية - وهذا منهجه في التفسير كما هو معلوم-، فقال: (قوله تعالى: ﴿وما كان ربه ليهلك القرى بظلم﴾ فيه قولان: أحدهما: بغير جرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: بشرك، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان). (١) التفسير البسيط: (١١ / ٥٨٧) للواحدي.

(٢) الاستقامة: (٢ / ٢٤٦ - ٢٤٧) لابن تيمية. ١٤٩ الشاب والهمة وأرماهم الواقع والعمل لا صلحه.

وفي قوله: «وأهلها مصلحون» ثلاثة أقوال: أحدها: ينتصف بعضهم من بعض، رواه قيس بن أبي حازم عن جرير. قال أبو جعفر الطبري: فيكون المعنى: لا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا. والثاني: مصلحون لأعمالهم، متمسكون بالطاعة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: مؤمنون، قاله مقاتل. (١)

وقد اعترض ابن عطيه وأبو السعود رحمها الله تعالى، على تفسير الآية على النحو الذي ذهب إليه البغوي والقرطبي ومن نقلت عنهم من المفسرين، فقال ابن عطيه بعد ذكره لهذا التفسير: (وهذا ضعيف، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قيل: «إن الله تعالى يمهل الدول على الكفر ولا يمهلها على الظلم والجور»).

ولو عكس لكان ذلك متجها، أي: ما كان الله ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان، والاحتمال الأول في ترتيبنا أصح إن شاء الله. (٢)

وقال أبو السعود: (وقيل: المراد بالظلم الشرك، والباء للسببية، أي: لا يهلك القرى بسبب إشراك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيها بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فسادًا آخر، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه تعالى، ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد الفقراء على حقوق الله تعالى الغني الحميد.

وقيل: الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم، وأنت تدري أن مقام النهي عن المنكرات التي أقبحها الإشراك بالله لا يلائمه، فإن الشرك داخل في الفساد في الأرض دخولًا أوليًا، ولذلك كان ينهي كل من الرسل الذين قصت أنباؤهم أمته أولًا عن الإشراك، ثم عن سائر المعاصي). (١) زاد المسير في علم التفسير: (٢/٤٠٨) لابن الجوزي. (٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٣/٢١٥) لابن عطيه. ١٥٠ الشابون الأهداءات وأرابهم في فهم الواقع والعمل الإصلاحي.

63

عطيه. ١٥٠ الشابون الاهديات واربادهم في قهمه الواقع والعمل الاصلاحي التي كانوا يتعاطونها، فالوجه حمل الظلم علي مطلق الفساد الشامل للشرك وغيره من اصناف المعاصي، وحمل الاصلاح علي اصلاحه والاقلاع عنه بكون بعضهم متصدين للتهي عنه وبعضهم متوجهين الي الاتعاظ غير مصرين علي ما هم عليه من الشرك وغيره من انواع الفساد. (١)

ومما يعين علي الترجيح بعد هذا الاستعراض لكلام المفسرين: النظر في الامثله التي ذكرها الله تعالي للقوم المهلكين في نفس السوره خاصه -وهي سوره هود-، وفي القران عامه في الايات التي ذكرها الله في سنه الاهلاك، وسياتي بيانه باذن الله تعالي، غير ان مما يلفت الانتباه في سوره هود التي وردت فيها الايه المقصوده بالبحث، وهي:

«وما كان ربك ليهلك القري بظلو واهلها مصلحون» ﴿سوره هود: ١١٧﴾ والتي ورد فيها قوله سبحانه: «وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القري وهي ظلومه» ﴿سوره هود: ١٠٢﴾، الملاحظ انها سوره تكرر فيها ذكر الاهلاك، وتكرر فيها وصف الظلم لتلك الامم المهلكه، ومما جاء فيها من ذلك: قوله سبحانه:

«واصنع الفلك باعيننا ووحينا ولا تخطبني في الذين ظلموا انهم مخرفون» ﴿سوره هود: ٣٧﴾، وقوله: «واخذ الذين ظلموا الصيحه فاصبحوا في دندهم جنيمين» ﴿١٢﴾ «كان لم يعنوا فيها الا ان تمودا كفروا ربهم الا بعدا لتمود» ﴿١٣﴾ ﴿سوره هود: ٦٧-٦٨﴾، وقوله:

«ولما جاء امرنا مجتنا شعيبا والذين امنوا معه برحمه منا واخذت الذين ظلموا الصيحه فاصبحوا في دندهم جنيمين» ﴿سوره هود: ٩٤﴾، وقوله:

«فلولا كان من القرون من قبلكم اولوا بقيه ينهون عن الفساد في الارض الا قليلا ممن اعيننا منهم واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين» ﴿١٤﴾ ﴿سوره هود: ١١٦﴾. (١) تفسير ابي السعود: (٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨).

١٥١ الشاب والاهتزاز: واثرها في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

ومن المعلوم ان كل هذه الامم لم تؤاخذ بمطلق الكفر وانما بتجاوز الحد اما بالاصرار عليه والجحود بعد رؤيه البينات او بالتظالم فيما بينهم، ونحو ذلك. ومما يعين علي الترجيح كذلك: قوله ﷺ: «واذا ارذتا ان تهلك قريه امرتا مترفيها فقستم فيها فقل عليها القول فدمرنها تدميرا» ﴿سوره الاسراء: ١٦﴾.

قال ابن القيم ﷺ: (فان قيل: فمعصيتهم السابقه سبب لملاكهم فما الفائده في قوله ﷺ «امرتا مترفيها فقستم فيها» وقد تقدم الفسق منهم؟ قيل: المعصيه السابقه وان كانت سببا للهلاك، لكن يجوز تخلف الهلاك عنها، ولا يتحتم، كما هو عاده الرب تعالي المعلومه في خلقه، انه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم.

فاذا اراد اهلاكهم ولا بد، احدث سببا اخر يتحتم معه الهلاك. الا تري ان ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتي اخرج لهم الناقه فعقروها فاهلكوا حينئذ؟ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسي حتي اراهم الايات المتتباعات واستحكم بغيهم وعنادهم؛ فحينئذ اهلكوا.

وكذلك قوم لوط لما اراد هلاكهم ارسل الملا ثكه الي لوط في صوره الاضياف فقصدوهم بالفاحشه ونالوا من لوط وتواعدوه، وكذلك سائر الامم اذا اراد الله هلاكهم احدث لها بغيها وعدوانا ياخذها علي اثره، وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا؛

فيعصيه العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتي اذا اراد اخذه قيض له عملا ياخذه به مضافا الي اعماله الاولي؛ فيظن الظان انه اخذه بذلك العمل وحده وليس كذلك بل حق عليه القول بذلك وكان قبل ذلك لم يحق عليه القول باعماله الاولي؛ حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه، ولكن لم. ١٥٢

64

الاولي؛ حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه، ولكن لم ١٥٢ الشياق الاصير واربا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي.

ولكن لم ١٥٢ الشياق الاصير واربا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي يحكم به احكم الحاكمين، ولم يمض الحكم، فاذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب عليه امضي حكمه عليه وانفذه قال تعالي: ﴿فلما تسقونا انتقمنا منهم﴾ [سوره الزخرف: ٥٥]، وقد كانوا قبل ذلك اغضبوه بمعصيه رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم؛ اذ كان بصدد ان يزول بايمانهم، فلما ايس من ايمانهم تقرر الغضب واستحكم؛ فحلت العقوبه.

بايمانهم، فلما ايس من ايمانهم تقرر الغضب واستحكم؛ فحلت العقوبه. فهذا الموضع من اسرار القران، واسرار التقدير الالهي، وفكر العبد فيه من انفع الامور له، فانه لا يدري اي المعاصي هي الموجبه التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان). (١)

هي الموجبه التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان). (١) والخلاصه في هذه المساله – والله اعلم –: ان وصف الكفر والشرك في الامم المهلكه وصف اساسي مؤثر في حلول هذه السنه، غير انه لا يستقل بمجرده لتحققها حتي يضاف اليه: التكذيب والاستكبار والجحود بعد رؤيه الايات وطول الانذار، او يضاف اليه البغي والطغيان والافساد في الارض بالتظالم في الحقوق او التسلط علي الناس ونحو ذلك،

والطغيان والافساد في الارض بالتظالم في الحقوق او التسلط علي الناس ونحو ذلك، او يكون معه اسراف وفجور وفسق ومكر وعتو، ونحو ذلك من الصفات المؤثره في الاهلاك، المبينه في الكتاب العزيز، والتي سياتي التفصيل في بعضها ان شاء الله.

الصفه الثانيه (٢) من الصفات الموجبه للهلاك: الافساد في الارض:

ان شاء الله. الصفه الثانيه (٢) من الصفات الموجبه للهلاك: الافساد في الارض: تقدم في بدايه الكتاب عند ذكر القواعد المنهجيه العامه للسنن، ان التعبير عن السنن في القران لا ينحصر في لفظ (السنه) بل ياتي بصيغ متعدده، من (١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمه والتعليل: (١/ ١٦٧ - ١٦٨) لابن القيم. (٢) انظر الصفه الاولي ص: ١٤٠ ١٥٣.

- ١٦٨) لابن القيم. (٢) انظر الصفه الاولي ص: ١٤٠ ١٥٣ الشاءاء للالمان وارمان قهم الواقع والعمل للاصلاح.

ص: ١٤٠ ١٥٣ الشاءاء للالمان وارمان قهم الواقع والعمل للاصلاح اظهرها واشهرها قوله سبحانه: ﴿فانظروا حكيم كان عنيفه المحتذيبين﴾ [سوره ال عمران: ١٣٧]، ثم تذكر الصفه التي تسببت في تلك العاقبه، فيفهم منها ان الاهلاك الذي نزل بهم انما هو لتلك الصفه وانه ليس خاصا بمن سمي الله من الاقوام، بل هو عام لمن تلبس بمثل هذا الوصف، فيجري ذلك مجري السنن الالهيه في اهلاك المستحقين للاهلاك.

هذا الوصف، فيجري ذلك مجري السنن الالهيه في اهلاك المستحقين للاهلاك. ومن جمله الصفات التي ذكرها الله سبحانه بهذا الاسلوب: صفه الافساد، وقد تكرر هذا في القران بلفظه ثلاث مرات، فقال ﷺ في سوره الاعراف: «ولا تقعدوا يحل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من ءامر به وتبغونها عوجا وادخرولا اذ حنثر قليلا فكثركم وانظروا حكيم كان عنيفه المفييدين» [سوره الاعراف: ٨٦]،

فكثركم وانظروا حكيم كان عنيفه المفييدين» [سوره الاعراف: ٨٦]، وفي الموضع الاخر من الاعراف كذلك: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسي يتابئنا الي فرعون وملاه فظلموا بها فانظر حكيم كان عنيفه المفييدين﴾ [سوره الاعراف: ١٠٣]، وفي سوره النمل: ﴿وجحدوا بها واستيقنها انفسهم ظلماء وعلوا فانظر حكيم كان عنيفه المفييدين﴾ [سوره النمل: ١٤].

ظلماء وعلوا فانظر حكيم كان عنيفه المفييدين» [سوره النمل: ١٤]. وكذلك قوله سبحانه في سوره الفجر: ﴿الم تركف فعل ربك يعاد ايم ذات العماد اي لي لم يخلق مثلها في البلد وتمود الذين جاءوا الصحر بالواد وفرعون ذي الاوتاد اي الذين طعوا في البلد فاحشروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب اي ان ربك ليالمرصاد﴾ [سوره الفجر: ٦-١٤].

عليهم ربك سوط عذاب اي ان ربك ليالمرصاد» [سوره الفجر: ٦-١٤]. ففي هذه الايات ذكر لابرز الامم المهلكه، ثم جعل الله سبحانه سبب اهلاكها: الطغيان والفساد في الارض، وهي ايات عامه متعلقه بالسنن كذلك، وليست خاصه بالاقوام المسمين، كما قال ابن عاشور ﷺ: (اي ان الله ١٥٤ الشاب الراهيماء وارباء في فهم الواقع والعمل الاصلاحي).

65

(أي إن الله ﴿١٥٤﴾ الشاب الرحيماء وأرباء في فهم الواقع والعمل الإصلاحي بالمرصاد لكل طاغٍ مفسد).

(١) وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسيره مبينًا ارتباط هذه الآيات بسنة الله الدائمة: «قال الله تعالى: ﴿إن ربك ليالمرصاد﴾» الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يبين الله عز وجل أنه بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، فإنه له بالمرصاد، سوف يعاقبه ويؤاخذه، وهذا المعنى له نظائر في القرآن الكريم؛ منها قوله تبارك وتعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها﴾ [سورة محمد: ﴿١٠﴾]، وكقول شعيب لقومه: ﴿إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ [سورة هود: ﴿٨٩﴾]، فسنة الله ﷺ واحدة في المكذبين لرسله، المستكبرين عن عبادته، هو لهم بالمرصاد، وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله أو كذب خبره.

وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله أو كذب خبره).

(٢) وفي هذه الأدلة كفاية في إثبات ارتباط صفة الإفساد في الأرض بسنة الإهلاك في الدنيا، نسأل الله العفو والعافية. ولكن ما الذي يدخل في الإفساد في الأرض فيتعلق به العذاب؟

إذا تأملنا مواضع ذكر الفساد والمفسدين في القرآن نجد أن فيها وصف كثير من الأفعال والأقوام بذلك، فجاء هذا الوصف على المنافقين، وعلى الطغاة المتجبرين كفرعون وعاد وثمود، وعلى اليهود كذلك، كما نجد هذا التنوع في الأفعال كذلك، فأطلق الفساد -في القرآن- على المعاصي والكفر، وأطلق -كذلك- على القتل والتدمير، وعلى لبس الحق بالباطل، وغير ذلك.

- كذلك - على القتل والتدمير، وعلى لبس الحق بالباطل، وغير ذلك.

(١) التحرير والتنوير: (٣٠/٣٢٣) لابن عاشور.

(٢) تفسير ابن عثيمين: جزء عم (١٩٥).

﴿١٥٥﴾ الشأن الإلهي، وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

(١٩٥). ﴿١٥٥﴾ الشأن الإلهي، وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي وبما أن الإفساد في الأرض من أهم الصفات المرتبطة بسنة الإهلاك: فلا بد من بيان حدود هذا الإفساد، والوقوف مع بعض الآيات بالتأمل والتفكر والملاحظة، مع نقل أهم ما قاله المفسرون حولها، وسأجل أولاً أهم ما يدخل في معنى الفساد في الأرض ثم أتناول الآيات الواردة في ذلك بصورة مفصلة، ثم نخرج بعد ذلك كله بخلاصة واضحة بإذن الله حول علاقة السنن الإلهية بالفساد في الأرض، وصور الفساد المعتبرة في هذه السنة.

ومن خلال التتبع لمعنى الإفساد في الأرض نجد أنه يأتي على معانٍ كثيرة، منها:

١- الظلم والقهر للمستضعفين والتسلط عليهم بالقتل والتحكم بغير حق.

٢- الجحود والتكذيب والاستكبار بعد رؤية الآيات، وعدم الاعتبار بها.

٣- الكفر بالله، والإسراف في المعاصي والذنوب.

٤- الإخلال بميزان العدل بين الناس، في المعاملات الاقتصادية وغيرها.

٥- الطغيان وتجاوز الحد، والعتو والاستكبار في الأرض.

٦- العمل بالفواحش واستحلالها ونشرها، وخاصة عمل قوم لوط.

٧- الصد عن سبيل الله ومحاربة المصلحين.

٨- قطع ما أمر الله بوصله، وتضييع ما أمر الله بحفظه.

وبعد هذا الإجمال سأقف بشيء من التفصيل على بعض الآيات الواردة في معنى الإفساد في الأرض وموارد إطلاقاته في القرآن الكريم، وذلك في الفقرات التالية:

﴿١٥٦﴾

66

في الأرض وموارد إطلاقاته في القرآن الكريم، وذلك في الفقرات التالية:

١٥٦

أولاً: أكثر ما جاء في القرآن من إطلاق وصف الإفساد والمفسدين على قوم معينين هو على فرعون وقومه، ومنه تستبين بعض وجوه الإفساد في الأرض بالنظر إلى صوره في فرعون وقومه، خاصة وأن فرعون وقومه من أبرز الأمثلة التي يضربها الله في القرآن لسنتِه في إهلاك الأمم. ومن الآيات التي وردت في وصف فرعون وقومه بالإفساد:

١- قوله سبحانه: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾ [سورة القصص: ٤].

والإفساد هنا فيه معنى الظلم والقهر للمستضعفين والتسلط عليهم بالقتل والتحكم بغير حق.

٢- وقال سبحانه كذلك عن فرعون: ﴿ألم تر إلى الذي كفر بآيات ربه وقال لأرسل إليك بمثلها﴾ [سورة يونس: ٩١].

٣- وقال سبحانه عنهم أيضاً: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ [سورة الأعراف: ١٠٣].

والإفساد في هذه الآية فيه معنى الجحود والتكذيب والاستكبار بعد رؤية الآيات، وعدم الاعتبار بها، يوضح ذلك:

٤- الآية الأخرى في سورة النمل: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ﴿١﴾ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ [سورة النمل: ١٣-١٤].

وهذا المعنى - الذي هو جحود الحق بعد رؤية آياته - من أهم أسباب التعذيب والهلاك التي يذكرها الله في كتابه.

١٥٧

الشاذ للاهتداء: ورماه فهم الواقع والعمل لا صلاحي

٥ - ومن الآيات التي جاء فيها وصف قوم فرعون بالإفساد كذلك، قوله سبحانه: «فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين» [سورة يونس: ٨١].

٦ - ومن الآيات المهمة في هذا السياق كذلك - وإن كانت ليست خاصة بفرعون وقومه بل تشمل عادا وثمود كذلك - قوله سبحانه:

«ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴿١﴾ إرم ذات العماد ﴿٢﴾ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴿٣﴾ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ﴿٤﴾ وفرعون ذي الأوتاد ﴿٥﴾ الذين طغوا في البلاد ﴿٦﴾ فأكثروا فيها الفساد ﴿٧﴾ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴿٨﴾ إن ربك لبالمرصاد ﴿٩﴾» [سورة الفجر: ٦-١٤].

ونلاحظ هنا أن الكثرة في الفساد معتبرة في نزول العذاب، لقوله سبحانه: «فأكثروا فيها الفساد ﴿١﴾ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴿٨﴾».

وهذا يذكرنا بالحديث الصحيح، الذي سئل فيه النبي ﷺ: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث»(١).

وأما الفساد المقصود في هذه الآيات ففيه معنى زائد على مجرد الكفر أو المعصية، إذ فيه معنى الطغيان أو لازمه، كما قال البقاعي: «فأكثروا عقب طغيانهم وبسببهم ﴿١﴾ فيها الفساد ﴿٢﴾ بما فعلوا من الكفر والظلم مما صار سنة لمن سمع به»(٢)، وقال ابن عاشور: (والطغيان: شدة العصيان والظلم،

ومعنى طغيانهم في البلاد أن كل أمة من هؤلاء طغت في بلدها، ولما كان بلدهم من جملة البلاد أي: أرض الأقوام، كان طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد؛ لأن فساد البعض يؤدي إلى فساد الجميع بسن سنن السوء، ولذلك

(١) أخرجه البخاري: (٧٠٥٩)، ومسلم: (٢٨٨٠).

(٢) تفسير البقاعي: (٢٢/٣٠).

١٥٨

الشكر لله يقرا وأربع في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

67

## الشكر لله

يقرا واربع في فهم الواقع والعمل الاصلاحي تسبب عليه ما فرع عنه من قوله: «فاحتروا فيها الفساد»، والفساد: سوء حال الشيء ولحاق الضر به، قال تعالى: ﴿وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ [سورة البقرة: 205]. وضد الفساد الصلاح، قال تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾. وكان ما أكثروه من الفساد سببًا في غضب الله عليهم، والله لا يحب الفساد فصب عليهم العذاب(١).

سببا في غضب الله عليهم، والله لا يحب الفساد فصب عليهم العذاب(١). وكذلك ذكر الشيخ ابن عثيمين ﷺ فقال: (معنى «فاحتروا في البلد») أي: زادوا عن حدهم واعتدوا على عباد الله(٢). وكذلك ذكر شيخه السعدي ﷺ، وجعل ذلك الإفساد متضمنًا محاربة الرسل، فقال: «فاحتروا فيها الفساد» وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله(٣).

وعلى ضوء ذلك نفهم الإطلاقات الواردة عن بعض السلف في تفسير الفساد في الآية بالمعاصي، كما قال السدي في قوله: «فاحتروا فيها الفساد»، قال: «بالمعاصي»(٤). وقال الطبري ﷺ: (يقول تعالى ذكره: فاكثروا في البلاد المعاصي، وركوب ما حرم الله عليهم)(٥)، فتحمل على معنى تجاوز الحد، والظلم لعباد الله، والفساد في الأرض بالمعاصي والكفر ومحاربة المصلحين والصد عن سبيل الله، كما مر في أقوال المفسرين الآخرين، والله أعلم.

(١) التحرير والتنوير: (30/321) لابن عاشور، باختصار. (٢) تفسير ابن عثيمين / جزء عم: (194). (٣) تفسير السعدي: (923). (٤) موسوعة التفسير بالمأثور: (23/207). (٥) تفسير الطبري: (24/373).

## الشاب والاهتمام: وارتباطها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

ثانيًا: ورد إطلاق وصف الإفساد على قوم شعيب ﷺ، وهم من الأمم المهلكة والمعدبة التي تكرر ذكر هلاكها في القرآن الكريم كذلك، ومن الآيات الواردة فيهم ما يلي:

1قوله ﷺ عن قوم شعيب ﷺ: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ [سورة الأعراف: 85].

والإفساد في الأرض هنا هو بما كانوا يفعلونه من الغش، وبما كانوا يصدون عن سبيل الله، وبما كانوا يرتكبون من المعاصي، قال مقاتل في تفسير الآية: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾: بعد الطاعة في نقصان الكيل والميزان، فإن المعاصي فساد المعيشة، وهلاك أهلها(١).

وقال ابن الجوزي ﷺ: ﴿ولا تفسدوا في الأرض﴾ أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل(٢).

وقال البقاعي ﷺ: (ولما نهي عن الفساد بالبخس، عم كل فساد فقال: ﴿ولا تفسدوا﴾ أي: توقعوا الفساد ﴿في الأرض﴾ بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه. ولما نهاهم عن هذه الرذائل ذكر بنعمة الله تأكيدًا للنهي بما في ذلك من التخويف وحثًا على التخلق بوصف السيد، فقال: ﴿بعد إصلاحها﴾ أي: إصلاح الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها، على هذا النظام البديع المحكم، ثم بنعمة الإبقاء الأول بإنزال الكتب(١).

(١) تفسير مقاتل بن سليمان: (2/48). (٢) زاد المسير في علم التفسير: (2/137) لابن الجوزي.

68

المسير في علم التفسير: (٢/١٣٧) لابن الجوزي.

١٦٠ الشاب الراهيم وارسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمه باصلاح امر المعاش والمعاد بتعظيم امر الله والشفقه علي خلق الله، ويجمع ذلك كله التنزه عن الاساءه.

(١) وبعد ان نهاهم شعيب ﷺ عن الافساد كان يذكرهم بالسنن الالهيه المتعلقه بالمفسدين، فقال لهم - في الايه التاليه-:

يذكرهم بالسنن الالهيه المتعلقه بالمفسدين، فقال لهم - في الايه التاليه-:

٢ - ﴿ولا تقعدوا بحلي صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من امن به وتبغونها عوجا وادخرولا اذ حنتم قليلا فكتركم وانظروا حيث كان عنقبه المفييدين﴾ [سوره الاعراف: ٨٦]. والمفسدون المقصودون بهذه الايه هم المهلكون قبلهم من الامم، كما قال الطبري ﷺ: ﴿ونظروا حيث كان عنقبه المفييدين﴾، يقول:

الامم، كما قال الطبري ﷺ: ﴿ونظروا حيث كان عنقبه المفييدين﴾، يقول: وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من الامم حين عتوا علي ربهم وعصوا رسله، من المثلات والنقابات، وكيف وجدوا عقبي عصيانهم اياه، الم يهلك بعضهم غرقا بالطوفان، وبعضهم رجما بالحجاره، وبعضهم بالصيحه؟ و«الافساد»، في هذا الموضع، معناه: معصيه الله (٢).

وبعضهم بالصيحه؟ و«الافساد»، في هذا الموضع، معناه: معصيه الله (٢).

٣ - وقال شعيب ﷺ لقومه كذلك: ﴿ويقوم اوفوا المحتيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعتوا في الارض مفييدين﴾ [سوره: ٨٥].

٤ - وقال لهم: ﴿وزلوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعتوا في الارض مفييدين﴾ [سوره الشعراء:١٨٢-١٨٣].

ولا تعتوا في الارض مفييدين﴾ [سوره الشعراء:١٨٢-١٨٣].

(١) تفسير البقاعي: (٧/ ٤٦٠ - ٤٦١).

(٢) تفسير الطبري: (١٠/ ٣٦١).

١٦١ الشاب والهماز وارما في ههم الواقع والعمل اصلاحي.

فهذه مواضع متعدده في القران يصف الله فيها قوم شعيب بانهم مفسدون او يجذرهم من الافساد في الارض، ومن المعلوم ان من ابرز صور افسادهم كانت في النظام المالي واكل اموال الناس بالباطل، هذا بالاضافه الي استكبارهم علي المؤمنين وصدهم عن سبيل الله.

بالباطل، هذا بالاضافه الي استكبارهم علي المؤمنين وصدهم عن سبيل الله.

ثالثا: ورد اطلاق وصف الافساد علي قوم لوط ﷺ كما في قوله سبحانه: «قال رب انصرف علي القوم المفسدين» [سوره العنكبوت: ٣٠]، قال ابن عاشور: (ووصفهم ب «المفسدين» لانهم يفسدون انفسهم بشناعات اعمالهم، ويفسدون الناس بحملهم علي الفواحش وتدريبهم بها، وفي هذا الوصف تمهيد للاجابه بالنصر؛

علي الفواحش وتدريبهم بها، وفي هذا الوصف تمهيد للاجابه بالنصر؛ لان الله لا يحب المفسدين.) (١)

وفي البسيط للواحدي: (قوله تعالي: «علي القوم المفسدين» يعني: العاصين باتيان الرجال في ادبارهم. قاله الكلبي ومقاتل) (٢)

يعني: العاصين باتيان الرجال في ادبارهم. قاله الكلبي ومقاتل) (٢)

رابعا: وصف الله اليهود بالافساد في قوله: «ويسعون في الارض فسادا والله لا يحب المفسدين» [سوره المائده: ٦٤]، نقل الواحدي في تفسيره علي هذه الايه: (قال ابن عباس: «يريد سفكوا الدماء، واستحلوا المحارم، وقال الزجاج: اي يجتهدون في دفع الاسلام، ومحو ذكر النبي ﷺ من كتبهم») (٣)،

اي يجتهدون في دفع الاسلام، ومحو ذكر النبي ﷺ من كتبهم») (٣)،

ووصفهم بالافساد في الارض كذلك في قوله سبحانه: «وقصيبنا الي بني اسرائيل في الكتاب لتقيدن في الارض مرتين ولتعلن علوا حسيرا» [سوره الاسراء: ٤]، وساقف مع هذه الايه في ختام الحديث عن سنه الاهلاك باذن الله تعالي.

(١) التحرير والتنوير: (٢٠ / ٢٤٠) لابن عاشور.

(٢) التفسير البسيط: (١٧ / ٥٢١) للواحدي.

(٣) التفسير البسيط: (٧ / ٤٦٤) للواحدي.

١٦٢ الشابون الالهاميون واثرفا في قهمها الواقع والعمل الاصلاحي.

69

## خامسا:

وصف الله المنافقين بالافساد في قوله: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [سورة البقرة: 11].

قال الطبري: (الافساد في الأرض، العمل فيها بما نهي الله جل ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، فذلك جملة الافساد، كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبراً عن قيل ملائكته: ﴿قالوا اجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [سورة البقرة: 30]، يعنون بذلك: أتعجل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك؟

فكذلك صفة أهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملاً إلا بالتصديق به واليقين بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله.

وقال ابن كثير معلقاً على كلام الطبري - رحمه الله -: (وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تعملوا يكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ [سورة الأنفال: 73]، فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا﴾ [سورة النساء: 144]، ثم قال: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ [سورة النساء: 145]، فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكان الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو.

(١) تفسير الطبري: (1/299).

70

(١/٢٩٩). ١٦٣ الشاب والهماء وارماعهم الواقع والعمل الاصلاحي الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقه له، ووالي الكافرين علي المؤمنين، ولو انه استمر علي حالته الاولي لكان شره اخف، ولو اخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لافلح وانجح؛ ولهذا قال تعالي: ﴿ولا قل لهم لا تفيدوا في الارض قالوا انما حكم مصلحون﴾ [البقره: ١١]، اي:

نريد ان نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن اسحاق، عن محمد ابن ابي محمد، عن عكرمه او سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿ولا قل لهم لا تفيدوا في الارض قالوا انما حكم مصلحون﴾ [البقره: ١١]، اي: انها نريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين واهل الكتاب.

يقول الله: ﴿الا انهم هم المفيدون ولكن لا يشعرون﴾ [البقره: ١٢]، يقول: الا ان هذا الذي يعتمدونه ويزعمون انه اصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا(١).

وقال ابن عاشور: (وقد عن لي في بيان ايقاعهم الفساد انه مراتب:

١اولا: افسادهم انفسهم بالاصرار علي تلك الادواء القلبيه التي اشرنا اليها فيما مضي وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد.
٢الثانيه: افسادهم الناس ببث تلك الصفات، والدعوه اليها، وافسادهم ابناءهم وعياهم في اقتدائهم بهم في مساويهم كما قال نوح: ﴿انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يبلوكوا الا فاجرا كفارا﴾ [نوح:٢٧].
٣الثالثه: افسادهم بالافعال التي ينشا عنها فساد المجتمع، كالقاء النميمه والعداوه وتسعير الفتن وتاليب الاحزاب علي المسلمين واحداث العقبات في طريق المصلحين.

والفساد اصله استحاله منفعه الشيء النافع الي مضره به او (١) تفسير ابن كثير: (١/٩٢).

١٦٤ الشاب الراهيم الي مضره به او (١) تفسير ابن كثير: (١/٩٢).

الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين. . . ، فالافساد في الارض منه تصير الاشياء الصالحه مضره كالغش في الاطعمه، ومنه ازاله الاشياء النافعه كالخرق والقتل للبراء، ومنه افساد الانظمه كالفتن والجور، ومنه افساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعاره وتحسين الكفر ومناواه الصالحين المصلحين، ولعل المنافقين قد اخذوا من ضروب الافساد بالجميع،

فلذلك حذف متعلق تفسدوا تاكيدا للعموم المستفاد من وقوع الفعل في حيز النفي. (١)

ومن الجدير بالذكر في ختام البحث في وصف الافساد في الارض انه لا تنحصر العلاقه بين صفه الافساد في الارض وبين سنه الاهلاك فحسب، بل ترتبط بسنه اخري، وهي سنه: التدافع، وذلك في قوله ﷺ: ﴿ولولا دفع الله القاسير بعضيهم ببعض لفسدت الارض﴾ [سوره البقره: ٢٥١].

الصفه الثالثه من الصفات الموجبه للهلاك: اعمال المترفين من الفسق والتكذيب ومحاربه الحق: يتبين للمتامل في كتاب الله تعالي ارتباط سنه الاهلاك للامم بالترف والمترفين، وارتباط الترف بالاسباب الاخري الموجبه للهلاك، فالترف وحده ليس سبب الاهلاك والاخذ، وانما لوازم الترف وتصرفات المترفين هي الموجبه (١) التحرير والتنوير: (١/ ٢٨٤ – ٢٨٥) لابن عاشور.

١٦٥ الشان الالهي واثره في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

71

لابن عاشور.

١٦٥ الشأن الإلهي وأثره في فهم الواقع والعمل الإصلاحي.

لذلك، فالمترفون في العادة هم السادة وأصحاب النفوذ، وهم على مر التاريخ: المكذبون بالرسل، كما قال ﷺ في آية عامة تبين حال المترفين مع دعوة الرسل كلهم، وتبين عاقبتهم كذلك:

﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير لا قال مترفوها أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون﴾ ﴿١٣﴾ ﴿قال أولو جئتم بشيء مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون﴾ ﴿١٤﴾ ﴿فاستقمنا منهم فكان عاقبة المكذبين﴾ ﴿١٥﴾ [سورة الزخرف: ٢٣-٢٥].

فلاحظ كيف بين الله تعالى أن المكذبين بالرسل دائماً هم المترفون، ثم أمر بالنظر في عاقبتهم، وهذا يقتضي أنه أهلكهم ودمرهم سبحانه، فهذه آية عامة متعلقة بكل مراحل التاريخ.

ثم سأقف بشيء من التفصيل مع بعض الآيات المهمة المتعلقة بمعنى إهلاك المترفين، مع بيان علاقتها بالصفات الأخرى الموجبة للإهلاك، وذلك كما يلي:

١ - قوله ﷺ: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فدمرناها تدميرا﴾ [سورة الإسراء: ١٦].

هذه الآية مرتبطة بالسنن الإلهية ارتباطاً وثيقاً، وهي من أهم الآيات في بيان سنة الإهلاك، وفيها صفتان متعلقتان بهذه السنة، وهما: الترف والفسق، ونظراً لأهميتها ومركزيتها وخلاف المفسرين في توجيهها فسأتوسع في التعليق عليها.

اختلف المفسرون في دلالة قوله سبحانه: ﴿أمرنا﴾ هل المقصود به الأمر أم التكثير أم التقدير؟ فهذه ثلاثة وجوه. ثم إذا كان المقصود بها الأمر، فهل هو الأمر الشرعي أم القدري؟ فهذان وجهان.

١٦٦ الشكر لله يوم الواقع والعمل الإصلاحي.

فإذا كان المقصود الأمر الشرعي فمعنى الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها.

وإذا كان المقصود الأمر القدري فالمراد أن الله سلط مترفيها قدراً ليفسقوا فيها. فهذا محصل الخلاف في الآية.

أما تفسيرها بالتقدير أو بالتكثير، فقد ذهب إليه كثير من أئمة التفسير المتقدمين(١)، وهذان القولان يتسقان مع قول من قال إن الأمر في الآية قدري، لأن التقدير والتكثير أمران محلهما القدر لا الشرع. وأما تفسيرها بالأمر -بصرف النظر أكان الأمر الشرعي أو القدري- فقد ذهب إليه بعض المتقدمين كذلك، ورجحه الإمام الطبري بعد ذكر الأقوال والقراءات في الآية، وذلك بقوله: (وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ «أمرنا مترفيها») بقصر الألف من أمرنا وتخفيف الميم منها، لاجماع الحجة من القراء على تصويبها دون غيرها.

وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة، فأولى التأويلات به تأويل من تأول: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها، فحتى عليهم القول؛ لأن الأغلب من معنى أمرنا: الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه، أولى ما وجد إليه سبيل من غيره)(٢).

فهذا ترجيح من الطبري لأمرين: الأول: أن المقصود ب «أمرنا»: الأمر الذي هو ضد النهي، وأن هذا الأمر شرعي لا قدري، وقد انتصر لذلك من (١) راجع: موسوعة التفسير بالمأثور، عند هذه الآية. (٢) تفسير الطبري: (١٤/٥٣٢).

١٦٧ الشاب والهماء وأربعة فهم الواقع والعمل الإصلاحي.

72

## ١٦٧

الشاب والهماء وأربعة فهم الواقع والعمل الإصلاحي المتأخرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﷺ في كتابه أضواء البيان، فقال: (المعنى: أمرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به: «فقسقوا» أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله فقل عليها القول)، أي وجب عليها الوعيد «فدمرناها تدميراً»، أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً.

أكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم، وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة؛ كقوله: «وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء» ﴿الأعراف: ٢٨﴾. فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله: «أمرنا مترفيها فقسقوا» ﴿الإسراء: ١٦﴾، أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء.

(١) إلى آخر كلامه الذي أطال فيه ﷺ، واستدل له وأكد عليه.

ويشكل على هذا التفسير مجموعة من الاعتراضات القوية والمعتبرة، والتي ذكرها الإمام ابن القيم -وهو ممن ينتصر لكون المراد بالأمر في الآية: الأمر -القدري- فقال ﷺ: (هذا أمر تقدير كون لا أمر ديني شرعي، فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والمعنى: قضينا ذلك وقدرناه).

وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا.

والقول الأول أرجح؛ لوجوه:

١أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا إذا لم يمكن تصحيح الكلام بدونه.

(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: (٣/٥٧٣ - ٥٧٤) للشنقيطي.

## ١٦٨

الشاب الرحيم وأثره في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

٢الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما: أمرناهم بطاعتنا، الثاني: فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك.
٣الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه كقولك: أمرته ففعل وامرته فقام وامرته فركب، لا يفهم المخاطب غير هذا.
٤الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية: أمره المذكور، ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب للنجاة والفوز.

فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك؟

قيل: هذا يطل بالوجه الخامس، وهو: أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم؛ فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين.

٦ويوضحه الوجه السادس: أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم، ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها؛ فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم: نحن لم يرسل إلينا.
٧السابع: أن إرادة الله سبحانه لهلاك القرية إنما تكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم، وإلا فقيل ذلك هو لا يريد هلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم، قال تعالى: «ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى وأهلها غافلون» ﴿سورة الأنعام: ٣١﴾.

فإذا أرسل الرسل فكذبهم أراد هلاكها؛ فأمر رؤساءها ومترفيها أمراً كونياً قدرياً لا شرعياً دينياً بالفسق في القرية؛ فاجتمع أهلها على تكذيبهم.

## ١٦٩

الشاذ للاهتزاز: وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

73

١٦٩ الشاذ للاهتزاز: واثرها في فهم الواقع والعمل لاصلاحي وفسق رؤسائهم، فحينئذ جاءها امر الله وحق عليها قوله بالاهلاك. ولا حاجه الي تكلف تقدير امرنا مترفيها فيها بالطاعه فعصونا وفسقوا فيها، بل الامر هاهنا امر تكوين وتقدير، لا امر تشريع ﴿١﴾.

وفسقوا فيها، بل الامر هاهنا امر تكوين وتقدير، لا امر تشريع ﴿١﴾. والي هذا القول ذهب الشيخ ابن سعدي ﷺ؛ فقال: «يخبر تعالي انه اذا اراد ان يهلك قريه من القري الظالميه ويستاصلها بالعذاب، امر مترفيها امرا قدريا؛ ففسقوا فيها واشتد طغيانهم، (فقل عليها القول) اي: كلمه العذاب التي لا مرد لها (فدمرنها تدميرا)» ﴿٢﴾.

عليها القول) اي: كلمه العذاب التي لا مرد لها (فدمرنها تدميرا)» ﴿٢﴾. ولعل هذا القول هو الارجح والله اعلم، وهو لا يتنافي مع تفسيرها بالتامير او التكثير، فيحتمل ان تكون الوجوه الثلاثه للايه صحيحه، والله اعلم.

او التكثير، فيحتمل ان تكون الوجوه الثلاثه للايه صحيحه، والله اعلم. ومما يزيد الامر تاكيدا ان الله سبحانه ذكر ما يقارب هذا المعني في موضع اخر، وهو قوله ﷺ: «وكذلك جعلنا في حل قريه اكبر مجرميها لبين حروا فيها وما يتحرون الا بانفسهم وما يشعرون» ﴿سوره الانعام: ١٢٣﴾ وقد بين الامام ابن كثير ﷺ الارتباط بين الايتين بقوله: (يقول تعالي: وكما جعلنا في قريتك

ﷺ الارتباط بين الايتين بقوله: (يقول تعالي: وكما جعلنا في قريتك -يا محمد- اكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاه الي الكفر والصد عن سبيل الله، والي مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبه، كما قال تعالي: «وكذلك جعلنا لحطل بي عدوا من المجرمين وكفي بربك هاديا ونصيرا» ﴿سوره الفرقان: ٣١﴾ وقال تعالي: «واذا اراينا ان نهلك قريه

﴿سوره الفرقان: ٣١﴾ وقال تعالي: «واذا اراينا ان نهلك قريه امرها مترفيها فقسقوا فيها فقل عليها القول فدمرنها تدميرا» ﴿سوره الاسراء: ١٦﴾ قيل معناه: امرناهم بالطاعات، فخالفوا، فدمرناهم. وقيل: امرناهم امرا قدريا، كما قال ﴿١﴾ شفاء العليل: ﴿٢﴾ (٣٨٠) فيا بعدها باختصار، لابن القيم. ﴿٢﴾ تفسير السعدي: ﴿٤٥٥﴾.

١٧فيا بعدها باختصار، لابن القيم. ﴿٢﴾ تفسير السعدي: ﴿٤٥٥﴾. ١٧. الشكر والوجد واربا في فهم الواقع والعمل الاصلاحي هاهنا: «لمشكروا فيها» ﴿١﴾ فلاحظ قدر التوافق بين الايتين، وهو كما اسلفت مما يرجح ان الامر في الايه قدري لا شرعي.

وبقي سؤال، وهو: ما صوره تحقق هذا الامر القدري للمترفين بالفسق؟

وبقي سؤال، وهو: ما صوره تحقق هذا الامر القدري للمترفين بالفسق؟ قال البقاعي: موضحا ذلك: «امرنا مترفيها» – الذين لهم الامر والنهي-: بالفسق؛ اي: استدرجناهم بادرار النعم؛ ودفع النقم علي ما يعملون من المعاصي؛ الذي كان - بكونه سببا لبطرهم ومخالفتهم - كالامر بالفسق؛ «ففسقوا فيها» بعدما ازال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرساله؛ كما قال:

«ففسقوا فيها» بعدما ازال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرساله؛ كما قال: «فلما نسوا ما ذكروا به» اي: علي السنه الرسل؛ «فتحنا عليهم الواب كل شيء» ﴿سوره الانعام: ٤٤﴾ الايه؛ «وكذلك جعلنا في كل قريه اكبر مجرميها لمشكروا فيها» ﴿سوره الانعام: ١٢٣﴾ ﴿٢﴾ فجعل تمثل هذا الامر في قضيه الاستدراج، وهو صحيح، ولكن قد لا يكون هو التمثل الوحيد،

الامر في قضيه الاستدراج، وهو صحيح، ولكن قد لا يكون هو التمثل الوحيد، فقد يكون تسليطهم القدري بتكثيرهم - كما هو وجه في تفسير الايه - او بتاميرهم، والله اعلم. هذا كله من حيث دلاله «امرنا» وقد بينت الخلاف الواقع فيها، والراجح، وبقي الوقوف عند قوله سبحانه: «مترفيها» وقوله: «ففسقوا» لبيان معني الترف والفسق. ﴿١﴾ تفسير ابن كثير: ﴿٣/٢٩٧﴾.

لبيان معني الترف والفسق. ﴿١﴾ تفسير ابن كثير: ﴿٣/٢٩٧﴾. ﴿٢﴾ ودفع هذا الكلام الشيخ الشنقيطي في الاضواء دفعا شديدا - مع كون الكلام لا اشكال فيه علي ترجيح كون الامر قدريا ولكن الشيخ يدفع هذا التفسير ويرجح الامر الشرعي بقوه - فقال: (وبهذا التحقيق تعلم: ان ما زعمه الزمخشي في كشافه من ان معني امرنا مترفيها؛ اي امرناهم بالفسق ففسقوا،

في كشافه من ان معني امرنا مترفيها؛ اي امرناهم بالفسق ففسقوا، وان هذا مجاز تنزيلا لاسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزله الامر بذلك، كلام كله ظاهر السقوط والبطال، وقد اوضح ابطاله ابو حيان في «البحر»، والرازي في تفسيره، مع انه لا يشك منصف عارف في بطلانه.) اضواء البيان: ﴿٣/٥٧٤﴾.

١٧١ الشاب والهمه وارمانه فهم الواقه والعمل الاصلامي

74

## ١٧١ الشاب والهمه وارمانه فهم الواقه والعمل الاصلامي

أما الترف فيقول الرازي ﷺ: ﴿واما المترف: فمعناه في اللغه: المتنعم الذي قد ابطرته النعمه وسعه العيش﴾ (١).

وقال ابن كثير ﷺ: «الا قال مترفوها» وهم اولو النعمه والحشمه والثروه والرياسه. ﴿(٢)﴾

وقال البقاعي ﷺ: ﴿وخص المترفين لان غيرهم لهم تبع؛ ولانهم احق الناس بالشكر؛ واولي بالانتقام عند الكفر﴾،

غيرهم لهم تبع؛ ولانهم احق الناس بالشكر؛ واولي بالانتقام عند الكفر، وقد جرت العاده بان المترف عسر الانقياد؛ لا تكاد تسمح نفسه بان يصير تابعا بعدما كان متبوعا؛ فعصوا؛ فتبعهم غيرهم؛ لان الاصاغر تبع للاكابر؛ فاطبقوا علي المعصيه؛ فاهلكناهم﴾ (٣).

أما الفسق المقصود بالآية، فقال ابن الجوزي ﷺ: «قوله تعالي: فقسقوا فيها»؛ أي: تمردوا في كفرهم؛ لان الفسق في الكفر: الحروج الي افحشه﴾ (٤).

وقال البيضاوي في تفسيره للآية: ﴿الفسق هو الخروج عن الطاعه والتمرد في العصيان﴾ (٥).

وقال الالوسي: «فقسقوا فيها» أي: خرجوا عن الطاعه وتمردوا﴾ (٦).

وقال الشيخ ابن سعدي: ﴿ففسقوا فيها واشتد طغيانهم﴾ (٧)، وهذا يؤكد ما سبق تقريره في صفه الافساد في الارض، وفي صفه الظلم عند قوله سبحانه: ﴿وما حتي ربك ليهلك القري بظلو واهلها مصلحون﴾ [سوره هود: ١١٧] من ان الاهلاك لا يتعلق باصل الشرك او الكفر حتي ينضم اليه ما فيه زياده في الفسق او الجحود او الطغيان ونحوها.

الكفر حتي ينضم اليه ما فيه زياده في الفسق او الجحود او الطغيان ونحوها.

(١) تفسير الرازي: (٢٠/٣١٤).

(٢) تفسير ابن كثير: (٦/٤٦٠).

(٣) تفسير البقاعي: (١١/٣٩١ - ٣٩٢) باختصار.

(٤) زاد المسير في علم التفسير: (٣/١٦).

(٥) انوار التنزيل واسرار التاويل: (٣/٢٥١) للبيضاوي.

(٦) روح المعاني: (٨/٤١) للالوسي.

(٧) تفسير السعدي: (٤٥٥).

## ١٧٢ الشاب الراهيم واثرفاهم الواقع والعمل الاصلامي

٢ - قوله ﷺ: «فلولا حان من القرون من قبلكم اولوا بقيه ينهون عن الفساد في الارض الا قليلا ممن اعجبنا منهم واشع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وحتانوا مجرمين» [سوره هود: ١١٦].

هذه الآية في سورة هود، وسورة هود من اكثر السور التي ذكرت فيها سنه الاهلاك كما تقدم، وفي هذه الآية ذكر الله ﷺ اربع صفات لها ارتباط وتعلق بهذه السنه، وهي: الظلم، والفساد في الارض، والترف، والاجرام، وكلها من الصفات التي افردتها بالدراسه هنا، ومن المهم الربط بين الايات وبين موجبات سنه الاهلاك،

فان الذي لا ريب فيه انه كلما زادت هذه الصفات في امه او قوم ازداد استحقاقهم للهلاك، والمتامل للايات يجد ان بعض الصفات من شانها انها تدعو الي اخواتها من الصفات السيئه الموجبه للاهلاك، ومن اهمها صفه الترف، كما قال البقاعي ﷺ: ﴿ولما كان السبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: «اترفوا فيه» فابطرتهم النعمه حتي طغوا وتجبروا﴾ و«وحتانوا مجرمين» أي: متصفين علي سبيل الرسوخ بالاجرام، وهو قطع حبل الله علي الدوام، فاهلكهم ربك لاجرامهم، ولولا ذلك لما فعل، فان اهلاكهم علي تقدير الانفكاك عن الاجرام يكون ظلما علي ما يتعارفون﴾ (١).

والآية تدل علي الاهلاك بقرينه: «اعجبنا»، ومن جهه الارتباط العام بسياق الايات قبلها وبعدها، كما قال ابن عاشور في التقاطه بديعه: ﴿والتقدير: فحق عليهم هلاك المجرمين، وبذلك تهيا المقام لقوله بعده: وما حان ربك ليهلك القران بظلور﴾ [سوره هود: ١١٧]﴾ (٢) وربط ابن عاشور كذلك بين بدايه الايه: «فلولا

(١) تفسير البقاعي: (٩/٤٠٠).

(٢) التحرير والتنوير: (١٢/١٨٦) لابن عاشور.

75

لابن عاشور. ١٧٣ الشاء للهم وارضاهم والعمل الاصلاحي كان من الفرون من قبلكم ﷺ ﴿سوره هود: ١١٦﴾ وبين ايه وردت قبل ذلك بموضع، وذلك في قوله ﷺ: «هذا قوي الاتصال بقوله تعالي: ﴿وكذلك اخذ ربك﴾» ﴿سوره هود: ١٠٢﴾ فيجوز ان يكون تفريعا عليه ويكون ما بينهما اعتراضا دعا اليه الانتقال الاستطرادي في معان متماسكه، والمعني:

بينهما اعتراضا دعا اليه الانتقال الاستطرادي في معان متماسكه، والمعني: فهلا كان في تلك الامم اصحاب بقيه من خير فنهاوا قومهم عن الفساد؛ لما حل بهم ما حل، وذلك ارشاد الي وجوب النهي عن المنكر.

(١) فرحم الله ابن عاشور، وسبحان منزل القران.

وجوب النهي عن المنكر.

(١) فرحم الله ابن عاشور، وسبحان منزل القران. وهناك ايات اخري متعلقه باهلاك المترفين كذلك، لكن اطوي الحديث عنها للاختصار، واكتفاء بالتفصيل الذي سبق في ايه الاسراء، ومنها قوله ﷺ:

للاختصار، واكتفاء بالتفصيل الذي سبق في ايه الاسراء، ومنها قوله ﷺ: «وكو قصمنا من قريه كانت ظالمه وانشانا بعدها قوما ماخرين ﴿٤٨﴾ فلما احسوا باسانا اذا هم منها يتزكضون ﴿٤٩﴾ لا تتزكضوا واتخفوا الي ما اتزفشم فيه ومسكركم لعلكم تستلون ﴿٥٠﴾» ﴿سوره الانبياء: ١١-١٣﴾.

الصفه الرابعه من الصفات الموجبه للهلاك: الاجرام:

ورد في كتاب الله تعالي ما يدل علي ارتباط سنه الاهلاك بصفه الاجرام، وساقف مع عدد من الايات المتعلقه بهذه الصفه، وهي بمجموعها تدل علي ان الاجرام يطلق علي اكثر من صوره من صور الكفر والمعصيه، وسيستبين ذلك بعرض الايات ونقل اهم ما قاله المفسرون حولها:

١ - قوله ﷺ: «وكذلك جعلنا في كل قريه اكبر مجرميها لبينكم واقوي فيها وما يتفكرون الا بانفسهم وما يشعرون» ﴿سوره الانعام: ١٢٣﴾

(١) التحرير والتنوير: (١٢/١٨٢) لابن عاشور. ١٧٤

هذه الايه تدل من جهه صيغتها علي الاستمرار والدوام، وهو معني السنه، فهي مرتبطه بسنن الله تعالي في التدافع والاهلاك، كما قال البغوي ﷺ: (قوله عز وجل: «وكذلك جعلنا في كل قريه اكبر مجرميها») اي: كما ان فساق مكه اكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قريه اكابرها، اي: عظاءها، جمع اكبر، مثل افضل وافاضل،

فساق كل قريه اكابرها، اي: عظاءها، جمع اكبر، مثل افضل وافاضل، واسود واسود، وذلك سنه الله تعالي انه جعل في كل قريه اتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصه نوح ﷺ: ﴿القون لله واتبعه الارذلون﴾ ﴿سوره الشعراء: ١١١﴾، وجعل فساقهم اكابرهم، وليمكروا فيها) وذلك انهم اجلسوا علي كل طريق من طرق مكه اربعه نفر ليصرفوا الناس عن الايمان بمحمد ﷺ،

كل طريق من طرق مكه اربعه نفر ليصرفوا الناس عن الايمان بمحمد ﷺ، يقولون لكل من يقدم: اياك وهذا الرجل فانه كاهن ساحر كذاب. وما يمكرون الا بانفسهم لان وبال مكرهم يعود عليهم وما يمكرون انه كذلك (١).

الا بانفسهم لان وبال مكرهم يعود عليهم وما يمكرون انه كذلك (١).

وقال الطبري ﷺ: (يقول جل ثناؤه: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا بكل قريه عظاءها مجرميها، يعني اهل الشرك بالله والمعصيه وليمكروا فيها بغرور من القول او بباطل من الفعل، بدين الله وانيائنه وما يمكرون اي ما يحيق مكرهم ذلك، الا بانفسهم،

بدين الله وانيائنه وما يمكرون اي ما يحيق مكرهم ذلك، الا بانفسهم، لان الله تعالي ذكره من وراء عقوبتهم علي صدهم عن سبيله وهم لا يمكرون يقول: لا يدرون ما قد اعد الله لهم من اليم عذابه، فهم في غيهم وعتوهم علي الله يتهادون (٢)

٢- قوله ﷺ في شان قوم لوط: «وامطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عنفبه المجرمين» ﴿سوره الاعراف: ٨٤﴾.

(١) تفسير البغوي: (٣/١٨٥).

(٢) تفسير الطبري: (٩/٥٣٧). ١٧٥ الشاب والهمه وارماعهم الواقع والعمل الاصلاحي

76

(٩/٥٣٧).

١٧٥ الشاب والهمه وارماعهم الواقع والعمل الاصلاحي.

هذه الآية تدل على السنة الإلهية كذلك من جملة ﴿فانظر حيف كان عاقبة﴾ كما تقدم في قواعد فهم السنن، وفي هذه الآية يصف الله تعالى قوم لوط بالإجرام وأنه أهلكهم بسبب ذلك؛ فما هو هذا الإجرام المقصود؟ قال الرازي ﷺ في كلام بديع:

بسبب ذلك؛ فما هو هذا الإجرام المقصود؟ قال الرازي ﷺ في كلام بديع: «فَانظُرْ حِيفَ كَانَ عَاقِبَةَ الْمُجْرِمِينَ» والظاهر أن المراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم، ومن المجرمين الذين يعملون عمل قوم لوط؛ لأن ذلك هو المذكور السابق فينصرف إليه، فصار تقدير الآية: فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص.

الآية: فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص. وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فهذه الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص، وإذا ظهرت العلة وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة (١).

وقال البقاعي: «فَانظُرْ حِيفَ كَانَ عَاقِبَةَ» أي: آخر أمر «المجرمين»، وأظهر موضع الإضمار؛

حيف كان عاقبه» أي: آخر أمر «المجرمين»، وأظهر موضع الإضمار؛ تعليقا للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل؛ بوصل ما حقه القطع من فاحش المعصية، دليلا على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه؛ لأن الحكم يدور مع العلة (٢).

على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه؛ لأن الحكم يدور مع العلة (٢).

وقال ابن عاشور: (والمجرمون فاعلو الجريمة، وهي المعصية والسيئة، وهذا ظاهر في أن الله عاقبهم بذلك العقاب على هذه الفاحشة، وأن لوطا أرسل لهم لنهيهم عنها، لا لأنهم مشركون بالله، إذ لم يتعرض له في القرآن بخلاف ما قص عن الأمم الأخرى، لكن تمالؤهم على فعل الفاحشة واستحلالهم إياها يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين بالله، وبذلك يؤذن قوله).

(١) تفسير الرازي: (١٤/٣١٢).

(٢) تفسير البقاعي: (٧/٤٥٨).

١٧٦ الشابون الالهاميون وازواني فهم الواقع والعمل الاصلاحي.

تعالى في سورة التحريم: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط﴾ [سورة التحريم: ١٠]، فيكون إرسال لوط ﷺ بانكار تلك الفاحشة ابتداء بتطهير نفوسهم، ثم يصف لهم الإيمان، إذ لا شك أن لوطا ﷺ بلغهم الرسالة عن الله تعالى). (١)

لهم الإيمان، إذ لا شك أن لوطا ﷺ بلغهم الرسالة عن الله تعالى). (١)

٣ - قوله سبحانه: ﴿فإن كذبوا فقل ربكم ذو رحمة ورسوف ولا ينزل بأسه عن القوم المجرمين﴾ [سورة الأنعام: ١٤٧].

وقوله سبحانه: ﴿حق إذا استغاث الرسول وظنوا أنهم قد حشروا جاءهم نصر فنبغ من نتاه ولا ينزل بأسنا عن القوم المجرمين﴾ [سورة يوسف: ١١٠].

قال الطبري ﷺ: (وقوله «وَلَا يُنْزَلُ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ»، يقول: ولا ترد عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا وعن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله، وخالفوا رسله وما آتوهم به من عنده). (٢)

وقال في موضع آخر: (و«المجرمون» هم الذين أجرموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات) (٣).

وقال ابن الجوزي: (وفي المراد بالمجرمين قولان: أحدهما: المشركون. والثاني: المكذبون). (٤)

قال البقاعي: «عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ»: أي: القاطعين لما ينبغي وصله» (٥)، وقال الرازي:

«عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» يعني الذين كذبوك فيها تقول. والله أعلم). (٦)

(١) التحرير والتنوير: (٨/٢٣٨) لابن عاشور.

(٢) تفسير الطبري: (١٣/٤٠١).

(٣) تفسير الطبري: (٩/٦٤٨).

(٤) زاد المسير في علم التفسير: (٢/٩٠) لابن الجوزي.

(٥) تفسير البقاعي: (٩/٣١٠).

(٦) تفسير الرازي: (١٣/١٧٢).

١٧٧

77

(٩/٣١٠).

(٦) تفسير الرازي: (١٣/١٧٢).

١٧٧ الشاب والهماء وارماقها الواقها والعمل الاصلاحي

٤ - قوله ﷺ: «تدفر كل شيء يامر ربها فاصبحوا لا يركب الا مستكفم كذلك يجزي القوم المجرمين» ﴿سوره الاحقاف: ٢٥﴾.

لا يركب الا مستكفم كذلك يجزي القوم المجرمين» ﴿سوره الاحقاف: ٢٥﴾. هذه الايه في وصف قوم عاد بالاجرام، وفيها دلاله علي السنن بقوله سبحانه: «كذلك يجزي» كما قال الطبري ﷺ: (يقول تعالي ذكره: كما جزينا عادا بكفرهم بالله من العقاب في عاجل الدنيا، فاهلكناهم بعذابنا، كذلك نجزي القوم الكافرين بالله من خلقنا، اذا تمادوا في غيهم وطغوا علي ربهم).

القوم الكافرين بالله من خلقنا، اذا تمادوا في غيهم وطغوا علي ربهم. ) (١)

وقال ابن عاشور كذلك: («كذلك يجزي القوم المجرمين» اي مثل جزاء عاد نجزي القوم المجرمين، وهو تهديد لمشركي قريش وانذار لهم وتوطئه لقوله: «ولقد مكنتم فيما ان مكنتم فيه» ﴿الاحقاف: ٢٦﴾).

وتوطئه لقوله: «ولقد مكنتم فيما ان مكنتم فيه» ﴿الاحقاف: ٢٦﴾. )

وقال البقاعي ﷺ: مبينا معني الاجرام: «المجرمين» اي: العريقين في الاجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع، وذلك الجزاء هو الاهلاك علي هذا الوجه الشنيع، فاحذروا ايها العرب مثل ذلك ان لم ترجعوا) (٣)

وهذه عاده البقاعي في تفسير لفظ الاجرام في القران ان يفسره بقطع ما حقه الوصل.

عاده البقاعي في تفسير لفظ الاجرام في القران ان يفسره بقطع ما حقه الوصل.

وهناك ايات اخري مرتبطه بصفه الاجرام وعلاقتها بالسنن الالهيه، ادع الحديث عنها لضيق المقام.

وختاما وبعد ان سبق بيان عدد من الصفات المرتبطه بسنه الاهلاك اود التنبيه الي ان في القران كثيرا من الايات التي تستنبط منها صفات المهلكين.

الاهلاك اود التنبيه الي ان في القران كثيرا من الايات التي تستنبط منها صفات المهلكين (١) تفسير الطبري: (٢١/١٥٩).

(٢) التحرير والتنوير: (٢٦/٥١) لابن عاشور.

(٣) تفسير البقاعي: (١١/٢٧).

١٧٨ الشابون الالهامي ونرفقهم الواقه والعمل الاصلامي

١٧٨ الشابون الالهامي ونرفقهم الواقه والعمل الاصلامي والمعذبين غير ما سبق ذكره، غير انه يضيق المقام عن ذكرها وتتبعها، واشير الي بعضها هنا علي سبيل الاجمال والاختصار:

عن ذكرها وتتبعها، واشير الي بعضها هنا علي سبيل الاجمال والاختصار:

- فمنها، قوله: ﴿واقسموا بالله جهد ايمئيف لين جاءهم نذير ليكونن اهدي من احدي الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم الا نفوذا استكبارا في الارض ومكر المني ولا يجيق المحصول المني الا باهله فهل يظترون الا سنت الاولين فلن تجد لسني الله تبديلا ولن تجد لسني الله تحويلا ﴾ ﴿سوره فاطر: ٤٢-٤٣﴾،

وفيها ان النفور والاستكبار والمكر بعد رؤيه الايات والبيئات من اهم اسباب الاهلاك وتحقق السنن.

والمكر بعد رؤيه الايات والبيئات من اهم اسباب الاهلاك وتحقق السنن.

- ومنها قوله سبحانه: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ ﴿سوره الانعام: ١٠﴾.

وفيها ان الاستهزاء بالرسل من اسباب الهلاك وسوء العاقبه، كما قال الطبري: ﴿يقول تعالي ذكره لنبيه محمد ﷺ، مسليا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبه ما يلقي منهم من اذي الاستهزاء به،

مسليا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبه ما يلقي منهم من اذي الاستهزاء به، والاستخفاف في ذات الله: هون عليك، يا محمد، ما انت لاق من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفين بحقك في وفي طاعتي، وامض لما امرتك به من الدعاء الي توحيدي والاقرار بي والاذعان لطاعتي، فانهم ان تمادوا في غيهم، واضروا علي المقام علي كفرهم، نسلك بهم سبيل اسلافهم من سائر الامم من غيرهم، من تعجيل النقمه لهم،

نسلك بهم سبيل اسلافهم من سائر الامم من غيرهم، من تعجيل النقمه لهم، وحلول المثلات بهم. فقد استهزات امم من قبلك برسل ارسلتهم اليهم بمثل الذي ارسلتك به الي قومك، وفعلوا مثل ما فعل قومك بك ﴿فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾، يعني بقوله: ﴿فحاق﴾، فنزل واحاط بالذين هزئوا من رسلهم ﴿ما كانوا به يستهزئون﴾، يقول: العذاب الذي كانوا يهزؤون به،

﴿ما كانوا به يستهزئون﴾، يقول: العذاب الذي كانوا يهزؤون به،

١٧٩ | الشاب الراههات وازماق فهم الواقع والعمل الاصلامي وينكرون ان يكون واقعا بهم علي ما انذرتهم رسلهم)(١).

- الي غير ذلك من الايات البينات، التي يطول المقام بتتبعها والوقوف عندها، غير ان فيها ذكر هنا اشاره وبلغه الي غيره.

(١) تفسير الطبري: (٩/١٦٥ - ١٦٦).

١٨٠

78

## القواعد:

- ضع الآيات القرآنية بين ﴿ ﴾ - ضع الأحاديث النبوية بين « » - أضف فقرات مناسبة (سطر فارغ بين الفقرات) - رقّم النقاط المتسلسلة إن وجدت - حافظ على النص الأصلي كما هو، فقط أضف التنسيق - لا تختصر أو تحذف أي شيء - أعد النص المنسّق فقط بدون مقدمة أو تعليق

---

الي غيره. (١) تفسير الطبري: (٩/١٦٥ - ١٦٦).

١٨٠ رابعا: علاقة هذه السنة بغيرها من السنن: من الأمور المتحتمة في فقه السنن الإلهية: معرفة علاقة كل سنة بغيرها إن كان بينها تداخل واتصال، ومن ثم تحقيق النظر في السنة باستحضار مجموع ما اتصلت به من السنن لا بالنظر المجرد إلى كل سنة وحدها.

باستحضار مجموع ما اتصلت به من السنن لا بالنظر المجرد إلى كل سنة وحدها. وعند النظر في هذه السنة نجد أن بينها وبين بعض السنن الأخرى تداخلاً واتصالاً، ومن أهم ما تتصل به من السنن:

أولاً: سنة الإنذار والبلاغ:

تداخلاً واتصالاً، ومن أهم ما تتصل به من السنن: أولاً: سنة الإنذار والبلاغ: وهي السنة القاضية بأن الله لا يهلك قرية أو أمة ولو كانت ظالمة مشركة حتى ينذرها، فلا يهلكها وهي غافلة بعيدة عن سماع الحق، وهذه القضية مهمة في فقه هذه السنة، ومن الأدلة عليها:

عن سماع الحق، وهذه القضية مهمة في فقه هذه السنة، ومن الأدلة عليها:

١ - الآيات التي يصف الله فيها سبحانه الأقوام الذين أهلكهم بأنهم منذرون، أي إنه سبق أهلاكهم الإنذار، فاعرضوا، فاستحقوا العذاب، كما قال سبحانه: ﴿ ولقد ضل قبلهم أحسن الأولين ﴾ ولقد أرسلنا فيه منذرين ﴿ فانظر كيف كانت عاقبة المنذرين ﴾ إلا عباد الله المخلصين ﴿ ٣١ ﴾ [سورة الصافات: ٧١-٧٤]

وقال عن قوم نوح: ﴿ فكذبوا فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلفة وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ [سورة يونس: ٧٣]، قال الطبري: ﴿ يقول الله لنبيه محمد ﴾ ﴿ فانظر ﴾، يا محمد ﴿ كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ وهم الذين أنذرهم نوح عقاب الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأصنام. يقول له جل ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولهم،

١٨١ الشاذل الإلهي فإن عاقبة من كذبك من قومك إن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم، نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه). (١)

وطغيانهم على ربهم، نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه). (١)

وقال سبحانه: « فإذا نزل بساحتهم فتاه صباح المنذرين » [سورة الصافات: ١٧٧]، وقال عن قوم لوط - في موضعين-: « وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين ».

عن قوم لوط - في موضعين-: « وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين ».

٢ - الآيات المتعددة التي يبين الله ﷺ فيها أنه لا يهلك القرى إلا بعد الإنذار، وأنه لا يأخذها إلا وهي ظالمة، وهي آيات واضحة صريحة تبين المجملات المتعلقة بهلاك الظالمين والمجرمين، ومن هذه الآيات قوله ﷺ: « وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴿ ذكرين وما كنا ظالمين ﴾ [سورة الشعراء: ٢٠٨-٢٠٩].

ذكرين وما كنا ظالمين ﴾ [سورة الشعراء: ٢٠٨-٢٠٩]. قال الطبري ﷺ: (يقول: وما كنا ظالمين لهم في تعذيبنا إياهم وإهلاكهم، لأننا إنما أهلكناهم، إذ عتوا علينا، وكفروا نعمتنا، وعبدوا غيرنا بعد الأعذار عليهم والإنذار، ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه، فأبوا إلا التهادي في الغي). (٢)

عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه، فأبوا إلا التهادي في الغي). (٢)

ومنها قوله سبحانه: ﴿ وما كانت ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ [سورة القصص: ٥٩].

ومنها قوله سبحانه: ﴿ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ﴾ [سورة الأنعام: ٣١] قال الإمام الطبري ﷺ: (قد يتجه من التأويل في قوله: ﴿ بظلم ﴾ وجهان:

(١) تفسير الطبري: (٢٣٦/١٢).

(٢) تفسير الطبري: (١٧/٦٥٢).

١٨٢ الشاب الرهن وأزهاري فهم الواقع والعمل الإسلامي

79

## الشاب الرهن وازهاري فهم الواقع والعمل الاصلامي

أحدهما: «ذلك ان لم يكن زبلك مهلك القري بظلو» أي: بشرك من أشرك، وكفر من كفر من أهلها، كما قال لقمان: «إن الشرك لظلم عظيم» ﴿سورة لقمان: ١٣﴾، «وأهلها غفلوت» يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلاً تنبههم على حجج الله عليهم، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا: «ما جاءنا من بشير ولا نذير».

والآخر: «ذلك ان لم يكن زبلك مهلك القري بظلو» ﴿سورة الأنعام: ٣١﴾، يقول: لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده.

قال أبو جعفر: وأولي القولين بالصواب عندي، القول الأول: أن يكون معناه: إن لم يكن ليهلكهم بشركهم، دون إرسال الرسل إليهم، والاعذار بينه وبينهم. وذلك أن قوله: «ذلك ان لم يكن زبلك مهلك القري بظلو»، عقيب قوله: «ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي»، فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله: «ذلك ان لم يكن زبلك مهلك القري بظلو»، إنما هو: إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القرى بغير تذكير وتنبيه.

(١) فهذه آيات بينات محكمات في ارتباط سنة الإهلاك بسنة الإنذار والبلاغ وإقامة الحجة. (١) تفسير الطبري: (٩/٥٦٣).

## الشأن الإلهي وأثرها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

ثانياً: سنة الإمهال والاستدراج:

وهي السنة القاضية بأن الله سبحانه يمهل الظالمين ويملي لهم ولا يعاجلهم بالعقوبة ولو أجرموا وأفسدوا، حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، وهي سنة محكمة ذكرها الله في كتابه في مواضع متعددة، وهي مهمة في تفسير سنة الإهلاك، فإنها تقتضي أن هذا الإهلاك لا يكون سريعاً ولا عاجلاً، بل يصحبه إمهال وإملاء واستدراج.

ومن الآيات المبينة لهذه السنة:

أ- قوله سبحانه: ﴿ولقد أرسلنا إلى المورقين قبلك فاخذتهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ ﴿٤٨﴾ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وربن لهم الشيطان ما كانوا يعملون ﴿٤٩﴾ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذتهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴿١٢﴾ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ولكن لمه ربك العالمين ﴿١٣﴾ ﴿الأنعام: ٤٢-٤٥﴾.

قال الطبري ﷺ في تفسيرها مبيناً كونها سنة إلهية ماضية، وكونها مرتبطة بالإنذار قبل ذلك، موضحاً معنى الآيات ومفرداتها بما لا مزيد عليه:

(يقول تعالى ذكره: متوعداً لهؤلاء العادلين به الأصنام، ومحذراً إياهم أن يسلك بهم إن هم تمادوا في ضلالهم سبيل من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا، ومخبراً نبيه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل).

80

قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل:

١٨٤ الشابون الأصباب وأزها في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

ولقد أرسلنا يا محمد ﴿إن أمرا﴾ يعني: إلى جماعات وقرون ﴿من قبلك فاخذنهم بالبأساء﴾ يقول: فأمرناهم ونهيناهم، فكذبوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، فامتحناهم بالابتلاء ﴿بالبأساء﴾، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة ﴿والضراء﴾ وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. ومعنى الكلام:

﴿والضراء﴾ وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. ومعنى الكلام: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فاخذنهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ [سورة الأنعام: ٤٢]، فلم يتضرعوا، ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلها، الذين لم يتضرعوا عند أخذناهم بالبأساء والضراء ﴿تضرعوا﴾ فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته،

بالبأساء والضراء ﴿تضرعوا﴾ فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه.

لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه. ولكن قست قلوبهم﴾ يقول: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم، وأصروا على ذلك، واستكبروا عن أمر ربهم، استهانة بعقاب الله، واستخفافاً بعذابه، وقساوة قلب منهم. ﴿ورين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾، يقول: وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم.

فلما نسوا ما ذكروا به﴾، فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا، ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾، يقول: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، استدراجاً منا لهم، ﴿حقت إذا فرحوا بما أوتوا﴾، يقول:

والأجسام، استدراجاً منا لهم، ﴿حقت إذا فرحوا بما أوتوا﴾، يقول: حتى إذا فرح هؤلاء المكذبون رسلهم بفتحنا عليهم أبواب السعة في المعيشة، والصحة في الأجسام، ﴿أخذناهم بغتة﴾، أتيناهم بالعذاب فجأة، وهم غافلون لا يشعرون أن ذلك كائن، ولا هو بهم حال، ﴿فإذا هم مبلسون﴾، فإنهم هالكون، منقطعة حججهم، نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلهم،

هالكون، منقطعة حججهم، نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلهم، ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾، فاستؤصل

١٨٥ الشاب والهماز وأزواقهم الواقع والعمل الإصلاحي القوم الذين عتوا على ربهم، وكذبوا رسله، وخالفوا أمره، عن آخرهم، فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتة إذ جاءهم عذاب الله.

81

عن آخرهم، فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتة إذ جاءهم عذاب الله.

(١) ب- ومن الآيات المبينة لسنة الاستدراج كذلك، قوله ﷺ: «وما أرسلنا في قرية من نذير إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون» ﴿الأعراف: ٩٤﴾.

فأخذتهم بغتة وهم لا يشعرون ﴿الأعراف: ٩٥﴾. وهذه الآية تبين أن الإهلاك قد يتأخر إلى زمن الأبناء أو الأحفاد، لأنهم قالوا: «قد مس آباءنا الضراء والسراء».

ثالثاً: سنة عدم قبول التوبة عند نزول العذاب الدنيوي على الكفار:

وهي سنة محكمة في كتاب الله تعالى، وقد ذكرها الله بلفظ السنة صريحاً، فقال سبحانه: «فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» ﴿غافر: ٨٥﴾، فهذه سنة مرتبطة بسنة الإهلاك، وفيها أن الله إذا أوقع العذاب بأمة من الأمم فإنه لا يقبل منها التوبة حين تعاين العذاب ويحل بها.

ومما يجدر التنبيه إليه هنا، أن الإهلاك منه ما هو استئصالي عام، ومنه ما هو جزئي بالأمراض والأسقام وتسليط المؤمنين ونحو ذلك كما تقدم، وسنة عدم قبول التوبة متعلقة بالعذاب الاستئصالي لا الجزئي الذي يرجع بسببه من ينجو، وذلك كما قال ابن عاشور ﷺ: «هذا حكم الله في البأس بمعنى» (١).

تفسير الطبري: (٩/٢٤٢) فما بعدها باختصار كبير.

١٨٦ الشيباء للعماجي وأربعاه فهم الواقع والعمل الإسلامي العقاب الخارق للعاده والذي هو آية بينة، فأما البأس الذي هو معتاد والذي هو آية خفية مثل عذاب بأس السيف الذي نصر الله به رسوله يوم بدر ويوم فتح مكة، فإن من يؤمن عند رؤيته مثل أبي سفيان بن حرب حين رأى جيش الفتح، أو بعد أن ينجو منه مثل أيام قريش يوم الفتح بعد رفع السيف عنهم، فإيمانهم كامل مثل إيمان خالد بن الوليد، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد ارتداده.

ووجه عدم قبول الإيمان عند حلول عذاب الاستئصال وقبول الإيمان عند نزول بأس السيف أن عذاب الاستئصال مشارفه للهلاك والخروج من عالم الدنيا، فإيقاع الإيمان عنده لا يحصل المقصد من إياب الإيمان وهو أن يكون المؤمنون حزباً وأنصاراً لدينه وأنصاراً لرسله، وماذا يغني إيمان قوم لم يبق فيهم إلا رمق ضعيف من حياة، فإيمانهم حينئذ بمنزلة اغتراف أهل الحشر بذنوبهم وليست ساعة عمل.

قال تعالى في شأن فرعون: «حق إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» ﴿يونس: ٩٠﴾، «وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين» ﴿يونس: ٩١﴾، أي فلم يبق وقت لاستدراك عصيانه وإفساده.

وقال تعالى: «يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» ﴿الأنعام: ١٥٨﴾، فأشار قوله: أو كسبت في إيمانها خيراً إلى حكمة عدم انتفاع أحد بإيمانه ساعتئذ.

وإن كان ما حل بقوم يونس حالاً وسيطاً بين ظهور البأس وبين الشعور به عند ظهور علاقاته كما بيناه في سورة يونس. (١)

(١) التحرير والتنوير: (٢٤/٢٢٣).

١٨٧ الشاب الرحيم وأزواق فهم الواقع والعمل لا صلاحي.

خامساً: مقاصد سنة الإهلاك وأخذ المجرمين، والحكم المتعلقة بها: بعد التأمل في الحكم والمقاصد المتعلقة بسنة إهلاك الظالمين وأخذ المجرمين.

82

بعد التامل في الحكم والمقاصد المتعلقه بسنه اهلاك الظالمين واخذ المجرمين تبين لي ان لها حكما كثيره، منها:

أولاً: دفع الفساد عن الارض:

إن من سنن الله ﷺ أن يسلط المصلحين على المفسدين كي لا تفسد الارض، فيدفع الله الباطل بالحق، والشر بالخير، ولولا ذلك لاختل نظام كل شيء في هذه الارض؛ وهذا من حكمه الله تعالى في تشريع الجهاد في سبيله، كما قال ﷺ: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين» ﴿سورة البقرة: ٢٥١﴾.

فهذه الآية - وإن كانت قد تشمل بعموم لفظها الناس - إلا أن الأصل فيها أنها في المؤمنين يسلطهم الله على الكفار المفسدين، كما قال الطبري في تفسيرها: (يعني تعالى ذكره بذلك: ولولا أن الله يدفع ببعض الناس - وهم أهل الطاعة له والإيمان به - بعضًا، وهم أهل المعصية لله والشرك به؛ «لفسدت الارض» يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الارض، ولكن الله ذو من على خلقه وتطول عليهم، بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم، وبالمؤمن عن الكافر).

(١) وقال السعدي ﷺ: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض» أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الارض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم عبادة الله تعالى، وإظهار دينه ﴿ولكن الله ذو فضل على المؤمنين﴾ حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الارض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها.

(١)

ثانياً: انتصار الله لأوليائه، وانتقامه من أعدائه، على مقتضى أسمائه وصفاته:

سنن الله تعالى متعلقة في الأصل بأسمائه وصفاته وحكمته وقدره، ومن المهم في فقه السنن أن تفقه الأسماء الحسنى التي يذكرها الله تعالى في سياق بيان سنته في نصر المؤمنين وإهلاك المجرمين، فهو سبحانه القوي العزيز المتكبر الجبار القهار، فتأتي سنته على مقتضى أسمائه وصفاته، فيفهم المؤمن شيئًا من الحكم من هذه السنن كونها من مقتضى أسماء الله وصفاته.

وهذه بعض الأمثلة التي يبين الله فيها أن إهلاكه للمجرمين كان انتقامًا منه لأنه عزيز ذو انتقام وهذا من صفاته سبحانه:

1 - قوله ﷺ عن قوم فرعون: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴿٤﴾ فلما آسفونا انتقمنا منهم فاغرقناهم أجمعين﴿٥﴾ ﴿سورة الزخرف: ٥٤-٥٥﴾. ومعنى «آسفونا»: أغضبونا، وهذا يبين أن أخذ الله المجرمين متعلق بصفاته سبحانه.

2 - قوله ﷺ: ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعديه رسله إن الله عزيز ذو انتقام﴾ ﴿سورة إبراهيم: ٤٧﴾. وهذا الوعد عند كثير من المفسرين: وعد في الدنيا، كما

(١)

83

(١٠٨). ١٨٩ الشاب والهمت وارماعهم الواقع والعمل الاصلامي قال الشيخ ابن سعدي ﷺ مبينا ارتباط ذلك بالسنن الربانيه:

﴿فلا تحسبن الله مخلف وعديم رسول﴾ بنجاتهم ونجاه اتباعهم وسعادتهم واهلاك اعدائهم وخذلائهم في الدنيا وعقابهم في الاخره، فهذا لا بد من وقوعه لانه، وعد به الصادق قولا علي السنه اصدق خلقه وهم الرسل،

لا بد من وقوعه لانه، وعد به الصادق قولا علي السنه اصدق خلقه وهم الرسل، وهذا اعلي ما يكون من الاخبار، خصوصا وهو مطابق للحكمه الالهيه، والسنن الربانيه، وللعقول الصحيحه، والله تعالي لا يعجزه شيء فانه ﴿عزيز ذو التقام﴾(١).

وقال البقاعي ﷺ: «فلا تحسبن الله» اي الذي له الكمال كله، فان من ظن ذلك كان ناقص العقل ﴿مخلف وعديم رسول﴾ في انه يعز اولياءه ويذل اعداءه ويهلكهم بظلمهم، ويسكن اولياءه الارض من بعدهم؛

ثم علل ذلك بقوله - مؤكدا لان كثره المخالفين وقوتهم علي تمادي الايام تعرض السامع للانكار - ﴿ان الله﴾ اي ذا الجلال والاكرام ﴿عزيز﴾ اي يقدر ولا يقدر عليه ﴿ذو التقام﴾ ممن يخالف امره(٢).

٣ - قوله سبحانه ﴿ولقد ارسلنا من قبلك رسولا الي قومهم فجاهوهم بالبينات فانتقمنا من الذين اجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ [سوره الروم: ٤٧].

بين الله عز وجل انتقامه من المجرمين وبين ما اوجبه علي نفسه من نصر المؤمنين، كما قال الطبري ﷺ في تفسير الايه: (يقول تعالي ذكره مسليا نبيه ﷺ، فيما يلقي من قومه من الاذي فيه بما لقي من قبله من رسله من قومهم، ومعلمه سنته فيهم، وفي قومهم، وانه سالك به ويقومه سنته فيهم، وفي امهم: ولقد ارسلنا يا محمد من قبلك رسلا الي قومهم الكفره، كما ارسلناك الي قومك العابدي (١) تفسير السعدي: (٤٢٨). (٢) تفسير البقاعي: (١٠/٤٣٨).

١٩٠ الاوثان من دون الله ﴿مجندوهم يالبون (١٨)﴾ يعني: بالواضحات من الحجج علي صدقهم، وانهم لله رسل، كما جئت انت قومك بالبينات فكذبوهم، كما كذبك قومك، وردوا عليهم ما جاءوهم به من عند الله، كما ردوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، ﴿فانتم نزلتم ايديكم﴾ يقول:

ردوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، ﴿فانتم نزلتم ايديكم﴾ يقول: فانتقمنا من الذين اجرموا الاثام، واكتسبوا السيئات من قومهم، ونحن فاعلو ذلك كذلك بمجرمي قومك، ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ يقول: ونجينا الذين امنوا بالله وصدقوا رسله، اذ جاءهم باسنا، وكذلك نفعل بك وبمن امن بك من قومك، ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ علي الكافرين،

امن بك من قومك، ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ علي الكافرين، ونحن ناصروك ومن امن بك علي من كفر بك، ومظفروك بهم (١).

ثالثا: كبث المكذبين المستكبرين، واذلالهم، وكسر شوكتهم، واذاقتهم العذاب في الدنيا قبل الاخره:

ان من الحكم الالهيه في تقدير السنن المتعلقه بنصر اوليائه علي اعدائهم ما ذكره سبحانه في قوله: ﴿ليقطع طرفا من الذين حفروا او يحتينهم فينقلبوا حايين﴾؛ وذلك ان هذه الايه متعلقه بنصر الله المؤمنين يوم بدر، وانه سبحانه قدر ذلك ليعذب المشركين ويجزيهم ويكبتهم، كما قال الطبري ﷺ:

قدر ذلك ليعذب المشركين ويجزيهم ويكبتهم، كما قال الطبري ﷺ: (فتاويل الكلام: ولقد نصركم الله ببدر؛ ليهلك فريقا من الكفار بالسيف، او يجزيهم بخيبتهم مما طمعوا فيه من الظفر ﴿فينقلبوا حايين﴾، يقول: فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئا مما رجوا ان ينالوه منكم (٢).

(١) تفسير الطبري: (١٨ / ٥١٨ - ٥١٩). (٢) تفسير الطبري: (٦ / ٤١).

١٩١ الشاب والهماز وازواقهم الواقع والعمل اصلاحي رابعا: شفاء صدور المؤمنين:

84

والهماز وازواقهم الواقع والعمل اصلاحي

رابعا: شفاء صدور المؤمنين:

إن من حكم تقدير الله لسنه أخذ المجرمين بأيدي عباده المجاهدين: شفاء صدور المؤمنين، كما قال الله ﷻ: ﴿قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ويصروكم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ [سورة التوبة: ١٤-١٥]، قال ابن كثير ﷻ: (ثم قال تعالى عزيمه على المؤمنين، وبيانا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده: ﴿قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ويصروكم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ وهذا عام في المؤمنين كلهم.)

خامسا: توريث الصالحين أرض المفسدين الظالمين:

إن من سنن الله تعالى: أن يورث عباده الصالحين القائمين بدينه أرض الظالمين المجرمين بعد أن يهلكهم، فمن الحكمه في الإهلاك: تحقيق سنه الوراثة، قال ﷻ: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لمخرجتكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحينا إليهم ربهم لنهلك الظالمين ولتسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ [سورة إبراهيم: ١٣-١٤]، قال الطبري ﷻ: (وقوله: ﴿ولتسكننكم الأرض من بعدهم﴾، هذا وعد من الله من وعد من أنبيائه النصر على الكفرة به من قومه. يقول: لما تمادت أمم الرسل في الكفر، وتوعدوا رسلهم بالوقوع بهم، أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم من أممهم ووعدهم النصر. وكل ذلك كان من الله وعيدا وتهديدا لمشركي قوم نبينا محمد ﷺ على كفرهم به، وجرأتهم على نبيه، وتثبيتا لمحمد ﷺ، وامرا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله، ومعرفة أن عاقبة أمر من كفر به الهلاك، وعاقبته النصر عليهم، سنه الله في الذين خلوا من قبل، وقوله: «ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد»، يقول جل ثناؤه: هكذا فعلي لمن خاف مقامه بين يدي، وخاف وعيدي فاتقاني بطاعته، وتجنب سخطي، أنصره على ما أراد به سوءا وبغاه مكروها من أعدائي، أهلك عدوه وأخزيه، وأورثه أرضه ودياره.)

ومن الأدلة كذلك قوله سبحانه: «فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴿١﴾ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق الأرض ومغربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون﴿٢﴾» [سورة الأعراف: ١٣٦-١٣٧]، إلى غير ذلك من الآيات.

سادسا: تذكير الظالمين وتنبيههم:

إن من رحمة الله سبحانه أنه يصيب الأمم المكذبة ببعض العذاب الجزئي ليذكرهم بقدرته، ويبين لهم خطأ عملهم وطريقهم، رحمة بهم لعلهم يتذكرون ويتعظون، كما قال سبحانه: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون﴾ [سورة السجدة: ٢١] قال الطبري مبينا معنى العذاب الأدنى: (هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، أما شدة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك أن يعذبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم) ثم قال ﷺ: (وقوله: «لعلهم يرجعون» يقول: كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى).

85

يرجعون» يقول: كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى ﴿٢﴾. وهذا ما فعله الله سبحانه بفرعون وقومه حتى بعد أن رأوا الآيات وكذبوا بها وجحدوا، وبعد أن قتلوا وظلموا، لم يعاجلهم سبحانه بالعذاب، بل عاقبهم بالعذاب الأدنى، كما قال سبحانه: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون﴾ [سورة الأعراف: ١٣٠].

قال ابن سعدي في تفسير الآية مبينًا سنة الله في ذلك: (قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، إنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين أي: بالدهور والجذب، ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد ﴿٣﴾.

سابعا: إيجاد الآيات للاعتبار:

إن من الحكم الإلهية في تقدير العذاب في الدنيا على الأمم المستحقة لذلك، أن يجعل الله في هذا العذاب عبرة للناس، وآية لمن بعدهم، كما قال سبحانه: ﴿ويستعجلونك بالسيئة مثل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ [سورة الرعد: ٦].

وقال سبحانه: ﴿فقد حلت من قبلكم سنن فيهم، وفي الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [سورة آل عمران: ١٣٧] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يأمر الله تعالى فيها بأخذ العظة والنظر في عاقبة الأمم المكذبة.

* * *

الشاب الإلهي وأربع في فهم الواقع والعمل الإصلاحي

سادسا: الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة:

هذه السنة العظيمة لها شأن كبير في كتاب الله - كما مر معنا -، والوعي بها يفيد المؤمن كثيرًا، ويحقق له عددًا من الثمرات المهمة، منها:

١ - الصبر على الأذى الذي يناله من الأعداء؛ لأنه يعلم أن سنة المجرمين واحدة، وأنهم على مر التاريخ يفسدون في الأرض، ويعادون الحق، ويظلمون ويتجبرون ويمكرون ويستهزئون، وأن ذلك من أسباب هلاكهم.

٢ - عدم استعجال الثمرة، ولزوم الصبر الطويل حتى يتحقق النصر، وذلك لإيمان من يعي هذه السنة بأن من أبرز سماتها: طول الأمد، لأنها مرتبطة بسنة الاستدراج والإملاء والمهلة، فلا يستعجل المؤمن النصر وإهلاك الأعداء.

٣ - إحسان الظن بالله، وهذا من أعظم الثمرات المترتبة على فهم هذه السنة الإلهية؛ وذلك لأن تسلط الكفار وتجبرهم واستمرار ظلمهم سبب - في العادة - للظنون السيئة، ولكن المؤمن إذا فهم عادة الله الدائمة الثابتة في التعامل مع أعدائه، وأنه لا يعالجهم بالعقوبة، وأنه يملي لهم ويمهل، وأنه سيديل أولياءه بعد ذلك عليهم، وينصرهم ويمكن لهم ويجعل لهم العاقبة، فإنه يحسن الظن بالله تعالى.

٤ - التفاؤل والأمل وعدم اليأس والقنوط، وذلك أن المؤمن كلما رأى زيادة الظالمين في ظلمهم وإفسادهم وجبروتهم؛ فإنه يعلم قرب استحقاقهم للعقوبة الإلهية، فيتفاءل كلما اشتد ظلمهم.

٥ - الالتفات إلى العمل الواجب وعدم القعود، وذلك أن المؤمن يعلم أن الثمرات ليست عليه، وأن سلطان المجرمين تحت سلطان رب العالمين، وأنه عليهم قادر، فيلتفت المؤمن إلى العمل المطلوب، سواء أكان الصبر أم الجهاد أم غير ذلك، بحسب المقتضي الشرعي.

86

سواء كان الصبر أم الجهاد أم غير ذلك، بحسب المقتضي الشرعي.

١٩٧ الشاب الراهيم وارماعهم الواقع والعمل الاصلاحي

سابعاً: تنزيل هذه السنة على الواقع: تقدم معنا أن من أهم الصفات الموجبة لسنة الإهلاك هي صفة: الإفساد في الأرض، وأنها موجبة كذلك لسنة التدافع.

وسنة الإهلاك هي صفة: الإفساد في الأرض، وأنها موجبة كذلك لسنة التدافع. وإذا تأملنا في واقعنا اليوم نجد أنه من أكثر الأزمنة تضمناً لمعنى الإفساد في الأرض على مر التاريخ، وذلك بصور وأنواع كثيرة تشمل جميع المعاني والصور للإفساد التي جاء ذكرها في القرآن عن مختلف الأقوام والأمم، إلا أنها اجتمعت في زمان واحد وهو زماننا هذا.

مختلف الأقوام والأمم إلا أنها اجتمعت في زمان واحد وهو زماننا هذا، سواء من جهة الظلم والتسلط على الضعفاء بالقتل والتنكيل والتشريد والأسر ومنع الحقوق والتضييق بكافة الأشكال، أو من جهة الظلم المالي وأخذ أموال الناس بالباطل وتشريع ذلك في أنحاء العالم بالمعاملات المالية الظالمة.

أموال الناس بالباطل وتشريع ذلك في أنحاء العالم بالمعاملات المالية الظالمة، أو من جهة نشر الفجور والفسق والفواحش والشذوذ إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ البشري وخدمة ذلك بكافة الوسائل الإعلامية والقانونية بل والإجبار على ذلك ومحاربة الفطرة والفضيلة، أو من جهة نشر الإلحاد والكفر والزندقة والنفاق ومحاربة الثوابت والأصول الإسلامية والتشكيك فيها.

والزندقة والنفاق ومحاربة الثوابت والأصول الإسلامية والتشكيك فيها، أو غير ذلك من صور الإفساد الكثيرة المطابقة لما بينه الله في القرآن عن المفسدين الذين أخذهم وأهلكهم.

الكثيرة المطابقة لما بينه الله في القرآن عن المفسدين الذين أخذهم وأهلكهم. ولأجل ذلك؛ فإن زماننا هذا من أولى الأزمنة بتحقق السنن الإلهية فيه، وليس بيننا وبين تمام تحققها إلا تكملة بعض الأسباب الموجبة لذلك؛ ومن أهم هذه الأسباب: وجود الحملة الربانيين، والمصلحين المتبعين للأنبياء والرسل، العاملين بالإصلاح، والساعين لنصرة الدين ومدافعة الباطل، فوجود هؤلاء أهم مفتاح من مفاتيح تحقق السنن الإلهية؛ إذ أن عامة السنن

١٩٨ الشابون الالهامي ونرفقهم الواقع والعمل الاصلاحي

87

ان عامه السنن ١٩٨ الشابون الالهامي ونرفقهم الواقه والعمل الاصلاحي متعلقه بالتدافع بين الحق والباطل، فاذا وجد حمله الباطل واجتمعت كلمتهم وكثر فسادهم فهنا نعلم ان سنن الله لا بد ان تنزل، ولكن نزولها – اكثر ما يكون – انها هو بتاييد حمله الحق المقاومين لذلك الباطل والدافعين له، فتاتيهم سنه الله في التاييد والمعيه والنصر ثم التمكين،

والدافعين له، فتاتيهم سنه الله في التاييد والمعيه والنصر ثم التمكين. وفي سياق ذلك يعذب الله المفسدين بايديهم، ويجزيهم، ويقطع طرفا منهم، ويكبثهم، فينقلبوا خائبين، وهذه هي عاقبه المجرمين.

وبناء علي ذلك كله؛ فان من اعظم ما يستجلب به النصر للامه اليوم: العمل علي صناعه المصلحين، ثم اشتغال هؤلاء المصلحين في مدافعه الباطل ومقاومته، والله يتولي نصرهم، ويعلي – سبحانه – كلمتهم، ويكبت اعداءهم، كما قال سبحانه: ﴿ادخلوا عليهم الات فاذا دخلتموه فانك غالبون وعلي الله فتوكلوا ان حستم مؤمنين﴾ [سوره المائده: ٢٣] فهذه سنته الماضيه.

علي ان مما ينبغي تحريره كذلك، ان وجود المصلحين الربانيين وان كان من اهم شروط تحقق السنن الالهيه، الا ان الله تعالي قد يدفع فساد بعض الامم الظالمه بامم ظالمه اخري، فيسلط بعضها علي بعض، ويكيد بذلك لعباده المؤمنين المستضعفين، وهذا يؤخذ من عموم قوله: ﴿ولولا دفع الله المناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل علي العالمين﴾ [سوره البقره: ٢٥١] وقد بين البقاعي ذلك بقوله: «ولكن الله» تعالي بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض، ويولي بعض الظالمين بعضا، وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر، علي نظام دبره، وقانون احكمه في الازل؛

وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر، علي نظام دبره، وقانون احكمه في الازل؛ يكون سببا لكف القوي عن الضعيف؛ ابقاء لهذا الوجود علي هذا النظام، الي الحد الذي حده). (١) تفسير البقاعي: (٣/٤٤٠).

فدفع الفساد المستحكم اليوم قد يكون -بتدبير الله تعالي- علي ثلاثه طرق:

١دفعه بالمؤمنين الصادقين المصلحين، بالجهاد في سبيل الله، ومقاومه الباطل علي مختلف المستويات العلميه والفكريه والاعلاميه.
٢دفعه بتسليط الظالمين علي بعض.
٣دفعه بالابتلاءات والازمات والكوارث التي يسلطها الله علي بعض الامم المفسده، فيشغلها بانفسها ويكف عاديتها.

علي ان الطريق الاولي هي اعظم الطرق، وهي ان يدفع الله الفساد بالمؤمنين الصادقين المصلحين، وهي التي تتفق مع السنن الاخري، وهي التي لا اشك في انها ستتحقق في الامه الاسلاميه علي المدي القريب، والتي ستتمثل في صور مدافعه عامه عظيمه شموليه، يعلي الله بها كلمته، وينصر بها دينه، فيعود بها الاسلام عزيزا،

ويقمع الظلم والجور والعدوان، ويعلو القسط والعدل والايمان: ﴿وهو الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض حما استخلف الذين من قبلهم وليمحبحن لهم دينهم اللذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم اما يعبدون في لا يشركون بي شيئا ومن كفرهم ذلك فاولئك هم القاسيقون﴾ [سوره النور: ٥٥]

قال الشيخ ابن سعدي ﷺ عن هذه الايه: «ولا يزال الامر الي قيام الساعه، مهما قاموا بالايمان والعمل الصالح، فلا بد ان يوجد ما وعدهم الله، وانما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الاحيان، بسبب اخلال المسلمين بالايمان والعمل الصالح.» (١) (١) تفسير السعدي: (٥٧٣).

88

## القواعد:

(١) تفسير السعدي: (٥٧٣).

الشاب الراهيم ومن الصور المتعلقه بتنزيل (سنه اخذ المفسدين في الارض) علي الواقع - كذلك -: اخذ بني اسرائيل لافسادهم في الارض في هذا الزمن:

من المعلوم ان الله ﷻ بين في كتابه ان بني اسرائيل سيفسدون في الارض مرتين وانه سيسلط عليهم فيهما من يسومهم سوء العذاب، كما قال سبحانه: ﴿وقضينا الي بني اسرائيل في الكتاب لتقيدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾ (١).

فاذا جاء وعد اولهما بعثنا عليهم بالعذاب، فقال سبحانه: ﴿وان عدتم عددا﴾ (٢). وهذا يبين ارتباط معني سنه الاهلاك بمعني الافساد في الارض ارتباطا وثيقا، وبناء علي ذلك فنحن نترقب سنته فيهم ووعده القاطع المتعلق بهم بسبب افسادهم العظيم في الارض الذي يقومون به اليوم.

وهذه الايات التي ذكرها الله في سوره الاسراء عن افساد بني اسرائيل في الارض مرتين تحققت قبل بعثه النبي ﷺ كما هو قول عامه المفسرين، وليس هناك حاجه الي التكلف بادخال افسادهم الحاصل الان في احدي مرتي الافساد التي ذكرها الله سبحانه عنهم خوفا من فواتهم من العقاب، لان الايه فيها معني الاستمرار المتعلق بالسنن الربانيه الثابته، وذلك في قوله ﷺ: «وان عدتم عددا» (٣).

وقد عادوا الي الافساد فسيعود الله عليهم بالعذاب بتسليط عباده عليهم، وقد حصل الافساد الثالث في زمن النبي ﷺ - وبعضهم يري انه حصل منهم عوده الي الافساد الثالث قبل ذلك -، ثم ها نحن اليوم في الافساد الرابع وهو من اعظم مرات الافساد، ولذلك فقد يكون عذابهم هذه المره بقدر طغيانهم وافسادهم، فيكون اشد من المرات السابقه.

الشاب الرئيسي واثره في فهم الواقع والعمل الاصلاحي

وهل سيتصل افسادهم هذا حتي يصل الي اهلاك رئيسهم المسيح الدجال علي يدي نبي الله عيسي ابن مريم ﷺ فيكون كل ذلك ضمن افسادهم هذا؟ الله اعلم، وقد يكون ذلك لبعض القرائن التي لا يسع بسطها في هذا الموضع، وهذا لا يعني انهم لن يعذبوا علي ايدي المؤمنين حتي ينزل عيسي ﷺ، وانما يعني انهم لن يعذبوا علي ايدي المؤمنين حتي ينزل عيسي ﷺ، وانما القصد انها جولات ممتده، وقد يؤخذون في بعضها اخذا شديدا وربما يطردون من فلسطين، لكنها لن تكون نهايتهم؛ اذ انهم سيخرجون مع الدجال بعد ذلك، ويقاتلون المسلمين معه، حتي تكون نهايتهم علي يدي عيسي ﷺ، فلا يفسدون بعدها.

وهذا يشبه طريقه اخذهم بالعذاب في الافساد الاول، فانه لم يكن مره واحده، بل كان مرات متتاليه كما قال ابن عاشور ﷺ: (فالمره الاولي: هي مجموع حوادث متسلسله تسمي في التاريخ بالاسر البابلي، وهي غزوات (بختنصر) ملك بابل واشور بلاد اورشليم، والغزو الاول كان سنه ٦٠٦ قبل المسيح، اسر جماعات كثيره من اليهود، ويسمي الاسر الاول، ثم غزاهم ايضا غزوا يسمي الاسر الثاني، وهو اعظم من الاول، كان سنه ٥٩٨ قبل المسيح، واسر ملك يهوذا، وجعا غفيرا من الاسرائيليين، واخذ الذهب الذي في هيكل سليمان، وما فيه من الانيه النفيسه.

والاسر الثالث المبير سنه ٥٨٨ قبل المسيح غزاهم بختنصر وسبي كل شعب يهوذا، واحرق هيكل سليمان، وبقيت اورشليم خرابا يبابا، ثم اعادوا تعميرها كما سياتي عند قوله تعالي: ﴿ارد رددنا اسماء الله عليهم﴾.

واما المره الثانيه فهي سلسله غزوات الرومانيين بلاد اورشليم. (١) التحرير والتنوير: (١٥ / ٢٩ - ٣٠) لابن عاشور.

89

والتنوير: (١٥ / ٢٩ - ٣٠) لابن عاشور.

المقصود أن قوله تعالى: ﴿وإن عادوا عادتنا﴾ متعلق بالسنن الإلهية، ومتصل بإفساد بني إسرائيل اليوم، ولا بد أن تحل عليهم هذه السنة، كما قال الشنقيطي:

بني إسرائيل اليوم، ولا بد أن تحل عليهم هذه السنة، كما قال الشنقيطي: (لما بين جل وعلا أن بني إسرائيل قضي إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عبادًا له أولي بأس شديد، فاحتلوا بلادهم وعذبوهم. وأنه إذا جاء وعد المرة الأخرى: بعث عليهم قومًا ليسوءوا وجوههم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تبرًا.

وبين أيضًا: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه جل وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله: ﴿وإن عادوا عادتنا﴾ ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أو لا؟

ولكن أشار في آيات أخرى إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول ﷺ، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة. فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقًا لقوله: ﴿وإن عادوا عادتنا﴾ فسلط عليهم نبيه ﷺ والمسلمين، فجرى على بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة.

ومن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ (٣) ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ (٤) ﴿فلعنت الله على الكافرين﴾ (٥) [سورة البقرة: ٨٩-٩٠].

وقوله: ﴿وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم﴾ [سورة البقرة: ١٠٠] الآية، وقوله: ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم﴾ [سورة المائدة: ١٣] الآية، ونحو ذلك من الآيات.

ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم، قوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخرجون بهواتهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار﴾ (٦) ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار﴾ (٧) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب﴾ (٨) [سورة الحشر: ٢-٤].

وقوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظهروا عليهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فتقتلون وتأسرون فريقا وتورثون أرضهم ودينهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ (٩) [سورة الأحزاب: ٢٦-٢٧].

ونحو ذلك من الآيات) (١).

(١) أضواء البيان: (٣/٤٨٥ - ٤٨٦) للشنقيطي.

90

البيان: (٣/٤٨٥ - ٤٨٦) للشفقيطي.

٢٠٤ الشاب الرهيم وهذه الطريقة في التفسير هي الصحيحة المحكمة، والله أعلم، وقد اجتهد كثير من المعاصرين في تفسير الإفساد الثاني بالحاصل اليوم من اليهود، وأن وعد الآخرة المذكور في الآية لم يأت بعد، وهذا الاجتهاد فيه ما هو مقبول من حيث كونه تتسع له مساحة النظر والنقاش العلمي، وفيه ما هو مبالغ فيه ومرفوض، وليس هذا موضع نقاش هذه القضية كذلك.

وفيه ما هو مبالغ فيه ومرفوض، وليس هذا موضع نقاش هذه القضية كذلك.

ومن الصور المتعلقة بتنزيل «سنة أخذ المفسدين في الأرض» على المستقبل: دفع الله فساد الأرض بالمهدي:

من المعلوم أن الله سيعود في نهاية هذه الأمة رجلاً من أهل بيت النبي ﷺ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، كما ثبت عن النبي ﷺ ذلك في الأحاديث الجياد، من طريق أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، فعن علي عن النبي ﷺ قال:

«لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً»(١).

وعن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً» قال: «ثم يخرج رجل من عترتي، أو من أهل بيتي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً»(٢).

والتأمل في سياق هذا الوعد من الجهة السنية مهم جداً، وذلك أن الله لا يترك الأرض للفساد العام المطبق حتى يتداركها بدفع هذا الفساد وتحقيق شيء من الصلاح أو التمكين العام له، وقد يكون ذلك الصلاح بمقدار ما.

(١) أخرجه أبو داود (٤٢٨٣) وهو من طريق فطر بن خليفة عن القاسم بن أبي بزه عن أبي الطفيل عن علي، وإسناده لا بأس به.

(٢) أخرجه أحمد (١١٣١٣).

٢٠٥ الشاب الرسمي وإرفاقهم الواقع والعمل الإصلاحي سبقه من الظلم والفساد، فلما كان الزمن السابق للمهدي من أشد الأزمنة ظلماً وجوراً فإن الله سبحانه سيدفع به ذلك دفعاً عظيماً لتمتلئ به الأرض قسطاً وعدلاً.

فسياق المهدي سياق سنني متسق مع حكمة الله في نظامه الذي قدره في الأرض، والله تعالى أعلم.

سنة إهلاك الظالمين تابع 1

91

في نظامه الذي قدره في الأرض، والله تعالى أعلم. سنة إهلاك الظالمين تابع 1 | الإفساد، وله صور، منها | الإجرام | ضوابط منهجية لفهم هذه السنة |

1الظلم والقهر للمستضعفين
2التكذيب
3الكفر بالله
4الصد عن سبيل الله
5الإخلال بميزان العدل بين الناس

هذه السنة ليست متعلقة بمطلق الذنوب، وإنما مرتبطة بأنواع معينة من الذنوب، ولها شروط في الواقع تؤثر على تحققها، ومن ذلك: الأوصاف التي يذكرها الله في أحوال الأمم التي أهلكها، ومنها:

1الطغيان وتجاوز الحد
2العمل بالفواحش واستحلالها ونشرها
3قطع ما أمر الله به

الأصل في المعاقبة على الذنوب والمجازاة عليها أن يكون في الآخرة لا في الدنيا.

النصيب من العقاب الدنيوي يتحقق في الأمم والأقوام والمجتمعات أكثر من تحققه في الأفراد. لهذه السنة صور متنوعة، فهي لا تقتضي الاستئصال التام، بل قد تكون تامة، أو جزئية. وجود بعض الصالحين في المجتمع لا يدفع عن المجتمع العذاب، ولا عن الصالحين حتى يكون لهم دور إصلاحي.

هناك صفات إذا توفرت في عامة المجتمع فإنها تكون مانعة من العذاب، منها:

1إنكار المنكر
2النهي عن السوء والفساد في الأرض
3الأخذ على يد الظالم

إن الله سبحانه يخفف العقوبات القدرية أو يزيلها إذا عمل بالعقوبات الشرعية التي أمر بها سبحانه.

موجب ذكر القصص الكثيرة المتعلقة بإهلاك الأمم هو الاعتبار والاتعاظ والذكر، والخوف أن يصيب المتأخرين ما أصاب المتقدمين. قوله سبحانه: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ لا ينفي العذاب مطلقاً عن هذه الأمة، ولا يعني رفع العذاب عن مستحقيه.

سنة إهلاك الظالمين تابع 2

أدلة هذه السنة من الوحي:

- ﴿وما كان ربك ليهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ (١)

- ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ (٢)

- ﴿وكيف تأخذون ما لم يظلمكم﴾ (٣)

- ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ (٤)

- ﴿ولا تعمدوا بحطل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا﴾

- ﴿وادخروا إذ حشر قليلا فكثرهم وانظروا حشيف كان عنفبه المفييدين﴾ (٥)

- ﴿فأحشروا فيها الفساد﴾ (٦)

- ﴿فصب عليهم ربك سواء عذاب﴾ (٧)

- ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملأه فظلموا بها فانظر حشيف كان عنفبه المفييدين (٨)

- ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين﴾ (١)

- ﴿وجحدوا بها واستكبرت أنفسهم ظلما﴾ فانظر كثيف كان عنفبه المفييدين (١)

- ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ (٢)

سنة إهلاك الظالمين تابع 3

أدلة هذه السنة من الوحي:

- ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا مما أنجينا منهم وأشعلنا عليهم ما ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾

92

مثل ﴿ أحييناهم ﴾ منهم وأشعل ﴿ بات ﴾ ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين.

☑ - وكذلك جعلناه كل قرية أكبر مجرميها لبين كلوا فيها.

☑ - وما بين كلون إلا بأنفسهم وما يشعرون.

☑ - وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين.

☑ - فإن كذلك فقل ربكم دوتحمه واسعة ولا يسرع بأسه عن القوم المجرمين.

☑ - حتى إذا استنتس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا.

☑ - فنبق من نشاء ولا يسرع بأسنا عن القوم المجرمين.

☑ - ندمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى إلا مسكنهم، كذلك يحزي القوم المجرمين.

☑ - قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين.

يحزي القوم المجرمين.

☑ - قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين.

☑ - وأقسموا بالله جهد أيمانهم لي جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا.

☑ - استكبارا في الأرض ومكثر السيئات، ولا يجيء المكثر السيئات إلا بأهله.

☑ - فهل ينتظرون إلا سنة الأولين؟ فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

☑ - إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

☑ - ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون.

☑ - سنة إهلاك الظالمين تابع 4.

بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون.

☑ - سنة إهلاك الظالمين تابع 4.

| الثمار المترتبة على الوعي بهذه السنة | الحكم والمقاصد من هذه السنة |

| --- | --- |

| الصبر على الأذى الذي ينال المؤمن من الأعداء | دفع الفساد عن الأرض |

| عدم استعجال الثمرة | شفاء صدور المؤمنين |

| إحسان الظن بالله | انتصار الله لأوليائه، وانتقامه من أعدائه على مقتضى أسمائه وصفاته |

| التفاؤل والأمل وعدم اليأس والقنوط | كبت المكذبين المستكبرين، وإذلالهم، وكسر شوكتهم، وإذاقتهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة |

| الالتفات إلى العمل الواجب وعدم القعود | توريث الصالحين أرض المفسدين الظالمين |

| تنزيل هذه السنة على الواقع | تذكير الظالمين وتنبيههم |

| إذا كانت صفة الإفساد من الموجبات لسنة الإهلاك |

| تذكير الظالمين وتنبيههم |

| إذا كانت صفة الإفساد من الموجبات لسنة الإهلاك والتدافع، فلم يمر على التاريخ صور من الفساد كما في واقعنا؛ لذلك فهو من أولى الأزمنة بتحقق السنن الإلهية فيه |

| إيجاد الآيات للاعتبار |

| أعظم ما يستجلب به النصر للأمة اليوم: العمل على صناعة المصلحين، ثم اشتغالهم بدفع الباطل |

| دفع الفساد اليوم قد يكون على ثلاث طرق: |

| وإن كان وجود المصلحين الربانيين من أهم شروط تحقق السنن الإلهية؛ إلا أن الله تعالى قد يدفع فساد بعض الأمم الظالمة بأمم ظالمة أخرى فيسلط بعضها على بعض، ويكيد بذلك لعباده المؤمنين المستضعفين. |

| دفعه بالمؤمنين الصادقين المصلحين |

| دفع الله فساد الأرض بالمهدي |

| من صور تنزيل سنة أخذ المفسدين في الأرض: |

| دفع الله فساد الأرض بالمهدي |

| من صور تنزيل سنة أخذ المفسدين في الأرض: دفع الله فساد الأرض بالمهدي |

| الخاتمة |

أحمد الله تعالى أن منحني فرصة التفقه في هذا الباب الشريف: «باب السنن الإلهية» وأحمده سبحانه أن يسر ما قدمته فيه من مجالس ومحاضرات، وعلى ما يسره من كتابة هذا الكتاب، وذلك في ظروف وأحوال لا يستقيم معها في العادة تأليف ولا تدريس، ولكن الله بفضله يسر وأعان، فله الحمد أولا وآخرا.

وكان من تمام النعمة أن جاءت هذه الدروس وهذا التأليف في وقت أحداث غزة، والتي لها ارتباط بكثير من المعاني المتعلقة بالسنن من جهة الابتلاء والتدافع والتمييز ثم النصر والتمكين إن شاء الله - ولو تأخر -، لكن هذه الأحداث فيها بداية خير لهذه الأمة لا أشك في ذلك إن شاء الله.

وأسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأسأله أن يتقبل هذا الكتاب عنده، وأن ينفع به ويبارك فيه، وأن يجعله سببا لانتفاع المصلحين به، القائمين على دينه، والداعين إليه، والمدافعين عن شريعته، والمجاهدين في سبيله.

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، واته الوسيلة، وابعثه مقاما الذي وعدته؛ إنك لا تخلف الميعاد.

والحمد لله رب العالمين.

١٤٤٥/٤/٢٥ ٢٠٢٣/١١/٩