الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
إلى الجيل الصاعد

إلى الجيل الصاعد

الشيخ أحمد السيد 136 صفحة 428 مقطع 45 قسم

ردّ على رسالة من أحد شباب الجيل الصاعد يشتكي فيها من التّحديات المستجدّة

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## جدول المحتويات

| | | | --- | --- | | ٧ | مقدمه الطبعه السادسه | | ١٣ | نص الرساله التي نتج عنها مشروع الجيل الصاعد | | ١٦ | ما بين الجيل الصاعد والجيل السابق والجيل العاثر | | ٢١ | (١) لا تخش الفشل | | ٢٩ | (٢) سؤال الهويه | | ٣٥ | (٣) تحدي الايمان والثبات | | ٣٩ | (٤) التفكير بين النقد والشك | | ٤٧ | (٥) مشكله القدوات | | ٦١ | (٦) رباعيه التميز للنخبه | | ٦٩ | (٧) الفوضي المعرفيه وترتيب المنهجيه العلميه | | ٧١ | قواعد منظمه للقراءه والبناء المعرفي | | ٩١ | (٨) اهميه ادراك الجيل الصاعد للسياق التاريخي الحديث | | ٩٧ | (٩) تحدي الشهوه والحب والزواج | | ١١٧ | (١٠) الهدايه والاستقامه | | ١٣١ | خاتمه |

***

## مقدمه الطبعه السادسه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاه والسلام علي نبينا محمد واله وصحبه؛ اما بعد:

رب العالمين، والصلاه والسلام علي نبينا محمد واله وصحبه؛ اما بعد: في سياق كتابه هذه المقدمه الجديده لكتاب «الي الجيل الصاعد» اود ان اعبر عن تفاؤلي الكبير بنخبه شباب الجيل الصاعد ذكورا واناثا، فمع كون التفاهه المحيطه بهم تزداد بمستوي غير معقول، ومع كون دوائر الفساد والفجور تتسع وتتمدد حامله في طياتها انواع الفواحش والاثام ومصادمه الفطره،

تتسع وتتمدد حامله في طياتها انواع الفواحش والاثام ومصادمه الفطره، الا ان هناك تغييرا ايجابيا يحدث في الوقت ذاته لنخب من شباب الجيل الصاعد، وهذا التغيير تنامي بشكل واسع في السنوات الاخيره بفضل الله تعالي.

واذكر انني حين الفت هذا الكتاب «الي الجيل الصاعد» قبل اكثر من اربع سنوات، كانت اسئله كثير من ابناء الجيل الصاعد من المحافظين والملتزمين تعبر عن انكفاء علي الذات، وتكشف عن حاله من الاضطراب والشك والحيره، وهي الحاله التي ابرزها (طلال) في سؤاله الذي نتج عنه هذا الكتاب.

ولكن حدث تغير خلال هذه السنوات الخمس الاخيره لاسباب من اهمها: انتشار البرامج العلميه الالكترونيه، وانتساب كثير من الشباب اليها واستفادتهم البالغه منها علي المستوي الايماني والنفسي والشرعي والفكري، وكان هذا التغيير بفضل الله تعالي وتوفيقه ايجابيا طيبا مبشرا.

2

وكان هذا التغيير بفضل الله تعالي وتوفيقه ايجابيا طيبا مبشرا. وكان من ابرز صور هذا التغيير: انتقال مركزيه الاسئله من الخيره والشك والاضطراب الي اسئله العمل والتاثير والاصلاح مرورا بقنطره: (البناء والعلم والتزكيه)، وهذا تغيير عظيم والحمد لله تعالي، فارتفعت الامال في الجيل الصاعد وتنامت، حتي صرنا ننتظر منهم في المستقبل القريب ان يكون لهم اثر حقيقي علي مستوي الامه. والحمد لله رب العالمين.

ان يكون لهم اثر حقيقي علي مستوي الامه. والحمد لله رب العالمين. وهذا ولله الحمد مبشر بخير كبير ودال علي اهميه العمل والمشاريع حتي لو كان الواقع صعبا؛ فالبركه من الله، والتوفيق منه سبحانه.

وبخصوص الطبعه الجديده من هذا الكتاب فقد اجريت عليها بعض التعديلات وذلك في سياق مراجعه شموليه اجريها علي المؤلفات القديمه، ومن ثم اخراجها مره اخري بصوره انسب باذن الله تعالي.

ختاما اشكر الله تعالي علي ما وفق اليه واعان خلال السنوات السابقه من مشاريع موجعه الي الجيل الصاعد تمثلت في محض ٩ الملحق الصاعد تربوي كبير علي ارض الواقع، تبعه محضن تعليمي الكتروني واسع وهو (اكاديميه الجيل الصاعد الالكترونيه) ومؤلفات متعدده موجهه للجيل، اخرها (مقاومه التفاهه) ومواد مرئيه كثيره متعلقه بتعليم الجيل وهويته ومسيرته التزكويه والعلميه والاصلاحيه، والحمد لله رب العالمين.

أحمد بن يوسف السيد

١/٢/١٤٤٥ ه

* مقدمه

الحمد لله رب العالمين، والصلاه والسلام علي من بعثه الله رحمه للعالمين، اما بعد:

فقد اثارت رساله – من بين الاف الرسائل الوارده الي– قلقا كبيرا واهتماما خاصا في نفسي ارسلها شاب وصف نفسه بانه من الجيل الصاعد، بث فيها شجنه وقلقه المعرفي والفكري بعد ان وصف جيله بعبارات مختصره كاشفه عن مدي الاختلاف الرهيب بين الجيل الصاعد والجيل السابق.

فاستولت تفاصيل الرساله والاسئله التي تضمنتها علي ذهني وجالت في فكري وترددت علي خاطري، وقد قرات في ثناياها زفرات بين الحروف، وقلقا بين الجمل، وياسا بين العبارات؛ كما انني ادركت ان هذه الاسئله ليست خاصه بحاله السائل، بل تعم كثيرا من اترابه ولداته من الجيل الصاعد شبابا وشواب.

وقد تبدو هذه الاسئله – لدي بعض القراء– عاديه او ترفيه الا انني اري فيها خلاف ذلك، بل اني حين قراءتها كنت علي سفر ضيق الوقت، لكني لم استطع تاجيل الجواب او طرد السؤال.

3

الوقت، لكني لم استطع تأجيل الجواب أو طرد السؤال.

١١ الملحق الصاعد عن ذهني، فأخذت أتخيل ملامح الجواب ثم أكتبه، ولم أرجع من سفري إلا وقد سجلت المقطع المرئي الأول الذي تناولت فيه صفحات متعددة مرتبطة بالرسالة مما يهم الجيل الصاعد، كسؤال الهوية، وأشكال الفوضى المعرفية، وقضية الصحبة والزواج، والتعبد والتزكية وغير ذلك.

وقد صادف المقطع - بتوفيق الله تعالى - اهتماماً كبيراً من الفئة المستهدفة، ثم تتابعت سلسلة المقاطع على أثره تحت عنوان (إلى الجيل الصاعد) حتى بلغت ثمانية مقاطع، في أربع ساعات تقريباً. ومع كل تعليق يكتبه متابعو المقاطع ازداد قناعة بأهمية الموضوع وحساسيته وخصوصيته البالغة.

ولاجل ذلك رأيت أن لا أكتفي بالمقاطع المرئية بل أحرر كتاباً يكون مرجعاً للجيل الصاعد في أهم التحديات التي تواجههم.

ومما لا شك فيه أنه لا يمكن استيعاب كل مشكلات الجيل الصاعد في كتاب مختصر، ولكن يمكن بناء المنهجية المعينة على التفكير بطريقة صحيحة، وضرب الأمثلة الكثيرة لتكون نماذج صالحة للقياس، كما يمكن تناول القضايا ذات التأثير الكبير على حياة الإنسان العلمية والإيمانية والاجتماعية والأخلاقية.

وهذا كله ما حرصت على تناوله في هذا الكتاب، سائلاً الله تعالى البركة، والتسديد، والقبول، ودوام النفع.

١٦ المجلد الصاعد وقبل أن أبدأ بموضوعات الكتاب سأنقل لكم نص سؤال الأخ الكريم، الذي كان سبب كل هذا المشروع. وقد التمس مني الأخ المرسل أن لا أذكر اسمه كاملاً وأن أكتفي باسمه الأول: (طلال). فماذا قال طلال في رسالته؟

* * نص الرسالة التي نتج عنها مشروع الجيل الصاعد قال طلال: «أنا أنتمي إلى جيل كثير منا كانت حياته واهتماماته ترفيهية تافهة – أنمي، ألعاب، أفلام، كرة الخ – وكان ضعيفاً دينياً – بل أكثر – فمنا من لم يكن يصلي إلا الجمع، – إن صلى – ومعرفياً (جهل مركب شنيع)، ولم تكن له أهداف يسعى لها، يهيم في الحياة.

لم ينشأ هذا الجيل في حلق التحفيظ، وآخر عهده بالقراءة كتب موسوعية في طفولته، أو روايات في مراهقته، فجأة صارت أمامه خطط في شتى العلوم، يواجهها بما أعقبه نظام حياته السابق من خور في الهمة ومن مشاكل حقيقية في التركيز (attention).

فيقرأ قليلاً من هذا الكتاب وينقطع، ويريد مشاهدة سلسلة محاضرات عن موضوع ما، ويسجل في برنامج علمي وبرنامجين وثلاثة، وغير ذلك مما تعرفونه من الشكاوي التي يبثها للناس. يعاني في الانضباط، وهذا الانعدام الصورة الواضحة لما يريده من المعرفة، فلا هدف ولا مصبر.

وكثير منا مرضى نفسيون (الاكتئاب depression خصوصاً) فهذا جانب آخر يسترعي الانتباه.

١٤ الملحق الصاعد وهذا الجيل فيه خير عظيم، ذكي وعنده نية صالحة ورغبة في التغيير نحو الأفضل، ويقدر على الصبر بإذن الله. لكنه في حاجة إلى التوجيه والمساعدة، وفي حاجة إلى العناية والرعاية.

4

لكنه في حاجه الي التوجيه والمساعده، وفي حاجه الي العنايه والرعايه. وانا لما سلكت هذه السبيل - يقصد سبيل البرامج العلميه المفيده - كسرني فشلي في تحقيق مرادي، واعقبني ذلك خوفا يشلني.

علميا الان انا منقطع تماما، اوقفت جميع برامجي العلميه المنظمه، صوتا لنفسي من تعذيبها فيما لا - اظن - منه طائلا.

امر بفتره لو قيل لي صفها بكلمه اخترت لفظه (ضياع).

سؤال المليون دولار كما يقال: كيف اعرف من انا، ومن ارغب ان اكونه؟ كيف اقشع هذا الضباب الذي من حولي حتي تتضح رؤيتي وتصوري عن مستقبلي وعن علاقتي بالمعرفه والعلم، كيف اعرف ما احب وما اجيد؟ في انتظار اجابتك وفقنا الله واياك) انتهت الرساله.

يا الهي! هل اثارت فيكم ما اثارت في؟

هل اعدتم قراءتها مرارا كما فعلت؟

هل كونت لديكم ربطا بين الصور المتفرقه هناك وهناك بين شبكات التواصل؟

١٥ الحمد لله الحمد لله حقا انها رساله ذات طابع خاص جدا؛ ولذلك جاء الجواب عنها في هذا الكتاب، لا بطريقه الرد علي كل كلمه في الرساله، بل بمعالجه اسس المشكلات التي تضمنتها، وتناول اهم الموضوعات بتفصيل وتحليل.

ما بين الجيل الصاعد والجيل السابق والجيل العاثر

ان مما لا شك فيه ان هناك اختلافات حقيقيه وفروقات نوعيه بين الجيل الصاعد والجيل الذي سبقه، من ناحيه الاهتمامات وطريقه التفكير وطبيعه التدين والخلفيات المؤثره في النظر للقضايا.

واذا اردنا ان نحدد فاصلا زمنيا بين الجيلين، فلا بد ان نراعي ان التحديد الزمني الدقيق الذي يرصد التغيرات الفكريه والاجتماعيه يعد امرا شائكا معقدا يتسم بالتركيب والتداخل، ولا تنفع فيه الحديه،

الا انه يمكننا الجزم بان ظهور الاجهزه الذكيه ثم شبكات التواصل اضافه الي تطور الالعاب الالكترونيه يعتبر من اهم ما اسهم في صناعه التغييرات الفكريه والنفسيه لدي الجيل الصاعد - مع عدم اغفال تاثير الحروب والاوضاع السياسيه في بعض البلدان في السنوات الاخيره.

وبالتالي فان الجيل الذي ادرك شبكات التواصل وهو في المراحل الاولي من عمر التمييز والمراهقه فهو المقصود بوصف (الجيل الصاعد).

فضلا عمن نشؤوا بعد ذلك ممن اتصل بهذا الفضاء الالكتروني دون سن التمييز، بل من بدايه الطفوله.

١٧ الملحق الصاعد

5

الالكتروني دون سن التمييز، بل من بدايه الطفوله.

١٧ الملحق الصاعد

ولعل من ابرز معالم الاختلاف بين الجيلين التي حدثت بسبب شبكات التواصل واشدها تاثيرا: (تغير مصادر المعرفه) بحيث صار ابن الجيل الصاعد يتلقي جل معلوماته وافكاره بل ورؤيته للمجتمع والدين والحياه عبر عشرات المصادر المختلفه التي ينفذ اليها من شاشه هاتفه الجوال، وكثير من هذه المصادر لا يصلح لان يكون مصدرا للمعرفه الصحيحه المنضبطه.

كما ان هناك تاثيرات جانبيه خطره حدثت بسبب طبيعه التفاعل مع المعلومات في شبكات التواصل: كتشتت الذهن، وسرعه الملل، وتعود النظر الي التافهين والانجذاب للاضواء الاعلاميه، والركون الي المعلومات السريعه (المعلبه)، غير ان اشد صور الاشكال في هذا العالم الافتراضي الفسيح هي تصدر المتعلمين، وتقدم التافهين، وبروز السفهاء الذين يقودون دفه التوجيه غير المباشر للجيل الصاعد، وجراه الجاهلين علي الدين والشريعه.

كما ان مما يلاحظ علي الجيل الصاعد انه بدا يتفشي فيه انعدام المعلومات الثقافيه الاسلاميه الاوليه كالمواقف الاساسيه في السيره النبويه، وابرز قصص التاريخ الاسلامي واحداثه الكبري، اضافه الي بعض المعلومات الاساسيه المتعلقه بالتاريخ الحديث كقضيه فلسطين وما يرتبط بها.

ولاجل هذا كله فان القضيه تتطلب اهتماما بالغا، والتفاتا جادا ممن يعنيهم شان شباب المسلمين من ١٨ المجل الصاعد الاباء والمربين والمعلمين، بل ومن ابناء الجيل الصاعد نفسه، فهم يجب ان يتحملوا مسؤوليه جيلهم كذلك.

وياتي هذا الكتاب متوجها لابناء الجيل الصاعد ببعض القضايا التربويه والايمانيه والسلوكيه والاجتماعيه التي يحتاجون اليها، اضافه الي انه يخاطب من سميتهم (الجيل العاثر) ايضا وهو الجيل المتوسط بين الجيلين (الصاعد والسابق) ممن تاثروا بالسنوات الجديده وبقيت لديهم المؤثرات القديمه، غير انني انبه الي ان الكتاب انما هو موجه لمن التفت منهم الي نفسه متسائلا باحثا ناظرا مهتما بمستقبله الديني والمعرفي والنفسي، لا الي من هو غارق في بحر الملهيات، معرضا عن الارتقاء والاهتمام بنفسه ودينه.

واما الجيل السابق -الذي انتمي اليه- فهو وان لم يكن مقصودا بهذا الكتاب ابتداء الا ان بعض ما في الكتاب يفيدهم في توجيه من يمكنهم توجيهه من الجيل الصاعد؛ فالكتاب موجه كذلك الي المربين والاباء والمعلمين من جهه التنبيه الي بعض ما يشغل الجيل الصاعد ويشكل عليهم، ومن جهه الاجابات عن هذه المشكلات.

١٩ المجلد العاشر ٣

وقد رتبت رسائل هذا الكتاب كما يلي:

١ - لا تخش الفشل.

٢ - سؤال الهويه.

٣ - تحدي الايمان والثبات.

٤ - التفكير بين النقد والشك.

٥ - مشكله القدوات.

٦ - رباعيه التميز للنخبه.

٧ - الفوضي المعرفيه وترتيب الاوراق.

٨ - اهميه معرفه الجيل الصاعد للسياق التاريخي الحديث.

٩ - تحدي الشهوه والحب والزواج.

١٠ - الهدايه والاستقامه.

(1) لا تخش الفشل

6

## الشهوه والحب والزواج

## ١٠ - الهدايه والاستقامه

(1) لا تخش الفشل كثيراً. ما يمتنع أفراد متميزون من سلوك طرق المعالي بسبب خوفهم من عدم تحقيق نتائج كاملة ومن ثم الشعور بالفشل والإحباط لعدم بلوغ الكمال. وهذه السمة وإن كانت موجودة في كثير من السابقين إلا أنها تتكاثر في الجيل الصاعد بصورة واضحة، وهذا أمر في غاية الخطورة.

إنها تتكاثر في الجيل الصاعد بصورة واضحة، وهذا أمر في غاية الخطورة، لأن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى المبادرات والمشاريع الاستثنائية التي تتطلب إقداماً وجسارة وعدم تهيب للفشل.

سعياً في تفكيك بعض الأمور الملتبسة المتعلقة بهذه القضية فسأذكر خمس خطوات تعين على تجاوز بعض الإشكالات فيها.

### الخطوة الأولى: أعد تعريف الفشل

كثير مما يعتبره الناس فشلاً وخيبة وخسارة لا يكون في الحقيقة كذلك، بل قد يكون على العكس من ذلك نجاحاً ورشاداً وفلاحاً. ولو تأملت قصة نوح عليه السلام مع قومه لوجدتها من أفضل ما يعيد تعريف الفشل لدى الإنسان، فقد قال الله سبحانه وتعالى عنه عليه السلام ﴿وما ءامن معه الا قليل﴾ [18:2] ﴿ود: ٤٠﴾ مع أنه مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه ليلاً ونهاراً، سرا وجهاراً بشتى الطرق والوسائل، بالجدل والحجة والموعظة، ثم كانت النتيجة: ﴿فلم يرد هم دعلي الا فرارا﴾ [نوح: ٦].

يا إلهي! بعد هذا كله ازدادوا نفوراً وفراراً وإعراضاً! ولكن: هل فشل نوح عليه السلام في أداء رسالته؟! هل أضاع وقته سدى؟

إن نجاحه – في الحقيقة – لم يكن مرتبطاً بعدد من أسلموا معه وآمنوا، بل بكونه بذل الجهد واتبع الأمر وبلغ الرسالة وجاهد في إيصالها بأفضل الوسائل وصبر وصابر، ثم بعد ذلك لا يضره أنهم لم يستجيبوا، فهو لم يقصر، ولم يتوان، وقد كان العيب منهم؛ فهم إذا الفاشلون الذين جاءتهم فرصة السعادة والنجاة فكفروا بها ورفضوها!

وأما نوح عليه السلام فقد نال وسام «أولي العزم من الرسل» الذين أوصى الله نبيه محمداً ﷺ بسلوك طريقهم، قائلاً له: «فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم» ﴿الأحقاف: ٣٥﴾.

ومن يتأمل في النصوص الشرعية سيجد تأكيداً على هذا المفهوم في آيات وأحاديث كثيرة.

فنحن بحاجة – إذاً – إلى الانفكاك عن المفهوم المادي الضيق والمختزل للنجاح، وإعادة تعريفه ليتوافق مع التصور الإسلامي للحياة؛ فهذا يسهل الكثير من الأمور في مسيرة الإنسان ويزرع في نفسه طمأنينة يعلم من خلالها أنه ليس عليه إلا سعيه، وأن واجبه هو بذل أقصى جهده، فيدرك ببذله ذلك أنه نجح، سواء تحققت الغاية التي سعى لأجلها أم لا. ففي نهاية المطاف الأمور بيد الله عز وجل ماضية وفق تقديره.

### الخطوة الثانية: التهوين من أثر الإخفاق

لنفرض أن أحدنا عمل مبادرة نافعة أو انضم إلى برنامج علمي كبير، أو ابتدأ بخطة تطويرية لنفسه، ثم قصر أو كسل أو فتر أو لم يحقق أي ثمرة ولو كانت صغيرة من خلال هذا العمل، فكان ماذا؟! كم أتعجب من الذين يستسلمون سريعاً لإخفاقاتهم، وييأسون بعد أول محاولة.

إن الذي يطمح إلى المعالي، ويرغب في تحقيق إنجاز كبير في حياته فليطلق اليأس طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، وليصاحب الأمل، ويصادق العزيمة، ويرافق الإصرار.

### الخطوة الثالثة: توسيع دائرة الاهتمامات والنظر إلى الآخرة مع الدنيا:

7

## الخطوه الثالثه: توسيع دائره الاهتمامات والنظر الي الاخره مع الدنيا

ان من يجعل طموحه منحصرا في نطاق لا يتجاوز الاطار المادي الملموس الذي يحيط به فان اماله قد تتحطم سريعا، لان الدائره المحيطه به صغيره ضيقه، فاذا فقد بعض مكتسباته فيها فسيشعر انه فقد شيئا كبيرا، او انه خسر كل شيء، بينما كان عليه ان يوسع دائره اهتماماته، ويرفع سقف طموحاته.

بينما كان عليه ان يوسع دائره اهتماماته، ويرفع سقف طموحاته، وان يدرك مكانه الحقيقي في هذه الحياه، وان ينظر بعينين: عين للدنيا وعين للاخره، وان يتيقن انه مهما حصل من نقص في هذه الدنيا فهناك دار امامه لا كدر فيها ولا نصب، فيكون ذلك بمثابه العزاء الذي يعين النفس علي الصبر وتحمل اخفاقات الطريق.

ذلك بمثابه العزاء الذي يعين النفس علي الصبر وتحمل اخفاقات الطريق. فاذا فشل في احدي الدوائر الضيقه المحيطه به لم يمنعه ذلك من التطلع الي الدائره الابعد، هناك الي الجنه وسعتها ونعيمها.

ذلك من التطلع الي الدائره الابعد، هناك الي الجنه وسعتها ونعيمها. وهذه التوسعه في النظره ليست بالنظر للاخره فقط، وانما تشمل النظر للدنيا كذلك، فالحياه لا تنتهي عند موقف او تجربه، بل هي اوسع من ذلك بكثير، ومن ينظر للمستقبل تهن عليه مصيبه الحاضر.

## الخطوه الرابعه: السعي الي تحقيق النتائج الجيده لا الي الكمال التام

النقص صفه بشريه، ومن الجيد ان يسعي الانسان الي التقليل من اثارها دائما، ولكن لا ينبغي له تعليق النجاح والفلاح علي الخلق التام من النقص؛ اذ ان هذا لا يمكن ان يتحقق دائها.

ووجه الاشكال في تطلب الكمال التام هو ان الانسان قد يمتنع عن المساهمه في كثير من المبادرات النافعه، والمشاريع الطيبه – حتي مع احتياج الناس اليه – وذلك بسبب عدم ثقته بالنتائج، وخوفه من وجود النقص، وهذا هو ما احذر منه بالضبط.

واما السعي لتحقيق افضل النتائج، مع الحرص علي الاتقان، والتخطيط، وتجنب السلبيات = فهذا كله من الامر الحسن، والعمل الصالح ان شاء الله تعالي.

ومما يفيد في تصور هذا المعني قول النبي ﷺ: «اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران، واذا حكم فاجتهد ثم اخطا فله اجر» (١). فالاجر متحقق هنا لمن شهد له النبي ﷺ بانه اخطا وذلك لانه بذل ما عليه، واجتهد، فاصاب الاجر وان لم يصب في الحكم مع ان هذا في مقام خطر وهو مقام الحكم بين الناس الذي تتعلق به حقوقهم واموالهم وهذا يؤسس لحرص الشريعه علي الاجتهاد وبذل الاسباب اكثر من حرصها علي كمال النتائج وتمامها.

## الخطوه الخامسه: ارسم خطه لنفسك واجعل فيها مؤشرات للنجاح

مما يكسب الانسان الثقه، ويبعث فيه الامل: شعوره بالانجاز. وهذا الانجاز حين يكون مخططا له ثم يتحقق علي وفق ما خطط فان الفرح به يزداد، واثاره تكون اكبر من الانجاز غير المخطط له. ويبدو ان كثيرا من الراغبين في التميز يقعون في فخ الخطط المعقده، او المثاليه، مع وجود عقده الكمال لديهم من الاصل، فيدفعهم ذلك الي ترك التخطيط في حال الاخفاق ولو لمره واحده.

بينما المطلوب ان نضع خطه معقوله متوقعه النجاح، ونكتبها علي مراحل، مع كل مرحله يكون المرء قد حقق شيئا من الانجاز والنجاح.

(١) اخرجه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦).

8

علي مراحل، مع كل مرحله يكون المرء قد حقق شيئا من الانجاز والنجاح. مثلا: تقسم الخطه السنويه الي اربعه اقسام، كل ربع سنه تسعي فيه لتحقيق عده اهداف - كقراءه عشره كتب مثلا - ثم تقسم هذه الاهداف الي مراتب:

1اهداف واجبه ضروريه،
2اهداف مستحسنه من الجيد تحقيقها،
3اهداف تكميليه لا يضر تركها.

ثم لتعط لنفسك درجه معينه للنجاح في تطبيقها تقارب نسبه (٨٠٪) وليس (١٠٠٪)، وهذه الواقعيه تجعل تحقيق الاهداف قريبا ممكنا، لا بعيدا مستحيلا، كما انها تعطي المرء ثقه بقدرته علي التخطيط والجدوله والانجاز المنظم، وتذكر دائما ان الكمال عزيز.

علي التخطيط والجدوله والانجاز المنظم، وتذكر دائما ان الكمال عزيز، وان المطلوب منا الاجتهاد وبذل الاسباب، وان كثيرا من الناس يحرمون الخير الكثير لتهيهم خوض غمار المعالي بسبب خوفهم من الاخفاق والفشل.

* * *

(٢) سؤال الهويه

خوض غمار المعالي بسبب خوفهم من الاخفاق والفشل.

* * *

(٢) سؤال الهويه لقد تضمن سؤال ((طلال)) الذي عرضه في اول الكتاب موضوعات متعدده، من اهمها الاسئله التاليه: من انا؟ ومن اكون؟ وما الذي ينبغي ان اكونه؟ ويمكننا ان نلقب هذه التساؤلات بقلق الهويه، او اسئله الهويه، وهي من القضايا التي يعاني منها كثير من ابناء الجيل الصاعد، فكيف يمكن الجواب عنها؟

لا شك ان استقصاء موضوع الهويه يتطلب كتابا مستقلا يتناوله من جهاته بشكل متكامل، وقد قدمت ماده مرئيه بعنوان (تعزيز الهويه للجيل الصاعد) وذلك في خمس محاضرات، من الجيد المفيد مشاهدتها في هذا السياق، ويمكن ان اذكر بعض الاشارات المعينه علي الجواب عن الاسئله الكبري للهويه لا الصغري والجزئيه.

اولا: لا هويه للمسلم قبل فهم مبدا العبوديه وغايه الوجود: قال الله سبحانه وتعالي: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم انفسهم اولئك هم الفاسقون﴾ [الحشر: ١٩].

هل سبق ان تاملت في معني نسيان الانسان نفسه؟

الا تشعر بانها جمله معبره عن التيه والغفله الشديده والغبن والخسران؟

ان نسيان هؤلاء القوم لانفسهم ليس بعدم اعتنائهم بمظاهر صورهم وماكولاتهم ولذاتهم، فكل الفاسقين يعتنون بذلك، ولكن نسيانهم انفسهم هو عدم ادراكهم لغايه وجودهم ومن ثم تفريطهم فيما يصلح عاقبتهم، فيبتعدون عن التزام مقتضي العبوديه، فتكون النتيجه كما وصف الله تعالي في الايه الكريمه:

﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾ [الحشر: ١٩].

فيعيشون فاسقين خارجين عن النظام الذي يصلح نفوسهم ويزكيها، فهذه عقوبتهم في الدنيا، ثم هم في الاخره من الخاسرين.

قال الامام ابن عطيه رحمه الله تعالي في تفسيره لهذه الايه: يعطي لفظ هذه الايه، ان من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالي، وقد قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه: اعرف نفسك تعرف ربك،

وروي عنه انه قال ايضا: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه.

ان الانسان اذا تخلي عن مقعد العبوديه للواحد القهار مستبدلا اياه بصرح فرعون الذي بناه متكبرا متنكرا جاحدا، فانه سيغمض عليه كل شيء في الكون، ثم يغرق في يم الضعف البشري، وينتهي.

9

في الكون، ثم يغرق في يم الضعف البشري، وينتهي ﴿ ٣١ ﴾ المجلد العاشر كما انتهي فرعون وغيره؛ اذ ان كل شيء في الحياه سيبدو مضطربا امامه غير ذي معني، ولا يمكن ان يكون له معني - البته - بعيدا عن الايمان بالله الواحد القهار الذي احاط بكل شيء علما، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، وخلق الموت والحياه ليبلونا اينا احسن عملا، ثم يبعثنا ليوم النشور، للحساب والجزاء.

ليبلونا اينا احسن عملا، ثم يبعثنا ليوم النشور، للحساب والجزاء. ومن هنا نجد ان كثيرا من الشباب الذين الحدوا او تركوا الاسلام انما فعلوا ذلك حين نزعوا منظار العبوديه لخلق الكون، ولبسوا ارديه النديه، وصاروا يطرحون افكارهم المتعلقه بها ينبغي ان يكون عليه الكون والانسان، وكانهم خلقوا شيئا منها او يستطيعون، وهم في ذاتهم عبيد مقهورون اصلا لله سبحانه وتعالي.

المقصود: انه لا هويه للانسان الا باتساقه مع الفطره التي فطر الله الناس عليها، فطره العبوديه لله تعالي. ولنتذكر دائما، ان الانسان اذا لم يعرف ربه لم يعرف نفسه، واذا فقد ربه فسيفقد المعني في كل شيء، وسيكون نسيانه لربه هو ذاته اليوم الذي سينسي فيه نفسه. الملحق الصاعد ﴿ ٣٢ ﴾

نسيانه لربه هو ذاته اليوم الذي سينسي فيه نفسه. الملحق الصاعد ﴿ ٣٢ ﴾

ثانيا: محددات الهويه للشباب او الشابات من الجيل الصاعد:

1المحدد الاول: انا مسلم انتمي لامه كبيره: فمن واجباتي خدمتها والقيام عليها، والسعي لنصرتها، كل حسب استطاعته.
2المحدد الثاني: انا ابن ابي وامي وعائلتي: وهذا يحقق لي الشعور بالانتماء والجماعه والنصره، ومن واجباتي الاحسان اليهم، والصبر علي اذاهم.
3المحدد الثالث: انا زوج او زوجه، واب او ام: فالزواج لي ليس شيئا عابرا، وانما مقصد مهم، كما ان وجود الابناء مهم في حياتي، فانا اربيهم، واحرص علي صلاحهم، ومن ثم نفعهم للمجتمع والامه.
4المحدد الرابع: انا صديق صالح: فالاصدقاء والصحبه تعنيان لي امرا مهما، وتحققان سعاده لي وشعورا بالانس، كما انها من ابواب التعاون والصبر لتحقيق غايه الوجود. ولا شك ان نوع الاصدقاء يسهم في تحديد ملامح هويه الانسان، فلا تسل عن المرء وسل عن خليله. ﴿ ٣٣ ﴾ المجلد الصاعد
5المحدد الخامس: انا طالب علم انفع به الناس – وهذا للنخبه من الجيل الصاعد –. فليس للعلم – عندي – وقت ومرحله محدده تنتهي بانصرامها، بل هو من صفاتي التي تلازمني ما حييت، كما انني انفع به الناس، ولا اجعله حبيس صدري، وهذا الهدف سيصبغ هويتي بصبغه حسنه تملا حياتي وتصحح مساري.
6المحدد السادس: وهو محدد اضافي نرجو ان نراه في نخبه شباب الجيل الصاعد وهو (انا مصلح علي طريق الانبياء): وذلك ان الله تعالي وصف طريق الانبياء بالاصلاح في قوله علي لسان شعيب عليه السلام «ان اريد الا الاصلاح ما استطعت» ﴿ سوره هود: ٨٨ ﴾.

ثالثا: من اهم ما يعزز من هويه الشاب المسلم:

1تعزيز مرجعيه الوحي لديه وارتباطه بالكتاب والسنه باعتبارهما اساسا حاكما لطريق الانسان.
2تحقيق العبوديه لله. وقد سبق ذكرها.
3الشعور بالانتماء الي الامه الاسلاميه وهذا من اهم ما يعزز الهويه. الملحق الصاعد ﴿ ٣٤ ﴾
10

## القواعد:

الي الأمة الإسلامية وهذا من أهم ما يعزز الهوية.

الملحق الصاعد ٣٤

٤ - العناية بتاريخ المسلمين والانتماء العام إلى هذا الميراث التاريخي العظيم، فنحن أبناء الأبطال والفاتحين والعلماء والأئمة الصالحين.

٥ - العناية باللغة العربية فهي جزء أساسي من الهوية الإسلامية.

* * *

(٣) تحدي الإيمان والثبات

فهي جزء أساسي من الهوية الإسلامية.

* * *

(٣) تحدي الإيمان والثبات

لو أردنا أن نطلق لقبًا على المرحلة الزمنية القادمة التي ستواجه الجيل «الناشئ» – وهو الجيل الذي يلي الصاعد – لكان من أصدق الألقاب – فيها أتصور والله أعلم – لقب: (تحدي الإيمان والثبات على الدين)؛ وذلك أنني أرصد حالة التساؤلات الوجودية ومسباتها منذ سنوات، وجربت مئات أو آلاف الحوارات والنقاشات،

الوجودية ومسباتها منذ سنوات، وجربت مئات أو آلاف الحوارات والنقاشات، وفهمت من خلالها أمورًا كثيرة متعلقة بمشكلة الشك والتساؤلات الوجودية، إضافة إلى التأمل في مجريات الواقع مما له ارتباط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحالة الإيمان والتدين، فظهر لي من خلال ذلك كله أن المشكلة في تصاعد، وأن القادم أخطر مما نراه الآن من حالات الإلحاد المتفرقة،

أن المشكلة في تصاعد، وأن القادم أخطر مما نراه الآن من حالات الإلحاد المتفرقة، وأن مزالق الارتداد عن الإسلام ستصبح من الشباب أقرب من أي وقت مضى. وهذه النظرة ليست من باب التشاؤم وإنما من باب توقع ما سيحصل بناءً على ما يجري في الواقع اليوم مما نراه ونلمس آثاره القريبة، والله أعلم بالحال والمال.

الملحق الصاعد ٣٦

ونلمس آثاره القريبة، والله أعلم بالحال والمال.

الملحق الصاعد ٣٦

وإن من المهم غاية الأهمية ألا نتأخر أكثر في إدراك حجم المشكلة، ولا في إطلاق حملات الاستنفار لتثبيت الإيمان وتعزيز اليقين في نفوس أبناء الجيل الصاعد والناشئ. كما يجب على الباذلين من أهل الخير أن يسخروا ما يمكن تسخيره من أموال في إنشاء ورعاية المشاريع النافعة التي تصب في تعزيز هوية المسلم وتأصيل الثوابت لديه.

ورعاية المشاريع النافعة التي تصب في تعزيز هوية المسلم وتأصيل الثوابت لديه. وإلى الجيل الصاعد أوجه مجموعة من التوصيات بخصوص هذا التحدي الكبير:

لديه. وإلى الجيل الصاعد أوجه مجموعة من التوصيات بخصوص هذا التحدي الكبير:

١- العناية بقراءة الكتب التي تعزز اليقين وتثبت الإيمان بالحجج والبراهين، وهي في تزايد كبير بفضل الله تعالى، فالمكتبة الإسلامية أصبحت ممتلئة بالمؤلفات المعنية بشأن تعزيز اليقين وتثبيت الإيمان، بل صارت هناك مراكز تخصص جزءًا من منتجاتها لتغطية هذا الملف، كمركز تكوين ومركز دلائل ومركز رواسخ ومركز تبصر وغيرها.

الملف، كمركز تكوين ومركز دلائل ومركز رواسخ ومركز تبصر وغيرها. ومن الكتب الجيدة والمناسبة: كتاب النبأ العظيم لمحمد دراز، كما أنني كتبت عدة كتب يسهل قراءتها وفهمها للجيل الصاعد لتحقيق هذا الهدف، وهي: (محاسن الإسلام – كامل الصورة – سابغات – التفكير الناقد – البناء العقدي).

٣٧ الملحق الصادر

11

– كامل الصوره – سابغات – التفكير الناقد – البناء العقدي).

٣٧ الملحق الصادر وأود التنبيه إلى أن تعزيز اليقين لا يكون بالبحث عن الشبهات والرد عليها، ولا بالانشغال بأطروحات الملاحدة والمشككين، فهذا عمل الخاصة، وإنما المطلوب معرفة دلائل الحق وبراهينه، والعمل بمقتضى الحق، وأما الشبهات فيكفي معرفة أصول المنتشر منها بعد معرفة الصواب لا العكس، ويكون ذلك من المصادر المأمونة.

فكم من متحمس في نقاش أصحاب الشبهات وهو غير مبني بناء صحيحاً كانت عاقبته خسارة وضياعاً.

٢- الحرص على البناء الشرعي، وذلك بدراسة مرحلة التأصيل على أقل تقدير، وسيأتي شرح ما يتعلق بمراحل القراءة والدراسة الشرعية في موضوع الفوضى المعرفية بإذن الله.

٣- الاهتمام الخاص بمعجزة الإسلام: القرآن. والإنسان كلما اقترب من القرآن – حفظاً وفهماً وتلاوةً وتدبراً وعملاً – فإنه يزداد إيماناً، وتنفتح له أبواب الهداية والتوفيق، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال عن القرآن: «من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة» (١).

(١) صحيح مسلم (٢٤٠٨).

ومن أفضل صور العلاقة بالقرآن: تخصيص ورد للقراءة والتدبر والاستهداء، ويحسن أن يكون بالتدارس مع الصحبة الصالحة الطيبة، لتعلم ما في آيات القرآن من الإيمان والأحكام والعبر، وهذا من أفضل ما يمكن أن يفيد في تثبيت الإيمان واليقين.

٤- التسجيل في البرامج التعليمية الإلكترونية التي تعتني بتعزيز اليقين والإيمان والعلم الشرعي.

٥- القراءة في الكتب التي نقدمت الثقافة الغالبة - الثقافة الغربية المادية - لأن سقوط قيمتها من النفس يستلزم شبهاتها وإشكالاتها وتأثيراتها، وفي هذا السقوط خير عظيم، ومنها كتاب: سلطة الثقافة الغالبة لإبراهيم السكران، فرج الله عنه ونفس كربته.

٦- تنمية التفكير السليم، وتقوية الحس النقدي المعتدل، وسأذكر تفاصيل ذلك في الموضوع القادم.

* * *

(٤) التفكير بين النقد والشك

كيف يمكن للمرء أن يعيش اليوم في عالم يعج بالمغالطات على كافة أصعدته – السياسية والاجتماعية والإعلامية والفكرية – دون أن تكون لديه عقلية ناقدة يفحص بها ما يستقبل من معلومات وما يتلقى من أفكار؟!

لا شك أن من يفتقد المستوى النقدي الجيد فإنه سيتيه بين الأخبار المتضاربة، والآراء المتعارضة، والدعايات المتنوعة، والعقائد المختلفة.

إن الإسلام بجانب إتيانه بالأوامر والنواهي والأخبار قد أرشد إلى الاهتمام بالتفكير والأدلة والبراهين وعدم اعتناق العقائد وتبني الأقوال لمجرد كونها منتشرة أو شائعة، فنحن نقرأ قول الله تعالى:

«وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قريبهم من نذير إلا قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على أمة» ﴿الزخرف: ٢٣﴾، وقوله سبحانه:

«فلا إنما أعظهم بعاجلة أم تقوموا بكتاب مثل قبله فردي ثم تتفكروا ما يصاحبهم من جنة» ﴿سبأ: ٤٦﴾، وقوله سبحانه:

«إن عندكم من سلطان يهنذا» ﴿يونس: ٦٨﴾، والسلطان في القرآن معناه الحجة لا الحاكم أو الملك.

وقوله سبحانه: «فلا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ﴿النمل: ٦٤﴾.

المجلد ٤٠

12

«فلا هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين» ﴿النمل: ٦٤﴾.

كما اننا نجد ان النبي ﷺ يبين لنا يقظة المؤمن وكمال انتباهه وصعوبة خداعه؛ وذلك بقوله: «لا يلدع المؤمن من جحر واحد مرتين» (١).

وفي المقابل فإن الإسلام لا يدعو إلى السقوط في ظلمات الشك والريب، ولا إلى التعبت في اشتراط الدلائل، بل نجد أن القرآن يذم الكفار حين اشترطوا للإيمان شروطاً تحكيمية لا تتواءم مع طبيعة الحقائق، كما في قولهم: ﴿إن نؤمن لك حتى نرى الله جهره﴾ ﴿البقرة: ٥٥﴾، ﴿أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرفيك حتى تنزل علينا كتابا﴾ ﴿الإسراء: ٩٣﴾.

ولا يزال اليوم من يتبع هؤلاء المتعنتين بإنكار الأدلة الموصلة إلى الحقيقة الوجودية والدينية إذا لم تمر بدائرة (التجربة والحس)، وهذا ليس من النقد المتزن في شيء.

وسأذكر أهم سمات التفكير النقدي أو المفكر الناقد عارضاً إياها بطريقة مسهلة وقريبة من الواقع بحيث يمكن تطبيقها. وكلما ازداد المرء علماً اتسعت لديه دائرة التطبيق لهذه الصفات. «أخرجه البخاري (٦١٣٣) ومسلم (٢٩٩٨)».

سمات التفكير النقدي:

١اشتراط الدليل لقبول الدعوى: إن الدعاوي لا تساوي شيئاً ما لم يقرئها أصحابها بأدلة تثبت صحتها، فحين يقول قائل: إن هذا الأمر وقع في التاريخ، أو إن هذا الحكم منسوب إلى الشرع، ونحو ذلك، فإن هذا القول وحده لا يثبت شيئاً ما لم يكن معه دليل يدعم هذا الادعاء.

وكثيراً ما يقع اللبس في الواقع بسبب القبول للدعاوي غير المبرهنة.

٢اشتراط الصحة لقبول الدليل: ينظر المفكر الناقد عند نقده لأطروحة المخالف إلى ثلاثة أمور: إلى الدليل، وإلى نتيجته، وإلى طريقة الاستدلال التي توصل بها إلى النتيجة. فإذا تضمن أحدها خطأ ما اختلت أطروحته، وصارت محل استشكال في ميزان النقد العلمي، ومن أكثر ما يقع من الخطأ في ذلك: عدم صحة الدليل أما من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة، وقد شرحت ذلك بأمثلته في كتابي: (أصول الخطأ).
٣اشتراط (اللزوم) لقبول النتيجة من الدليل:
13

## الملحق الصاعد

### ثالثا: اشتراط (اللزوم) لقبول النتيجة من الدليل

لا يكفي لصحة الاستدلال بدليل ما أن يكون ثابتا في نفسه، ولا أن يكون فهم ألفاظه صحيحا، بل لابد أن يكون بين الدليل والمدلول (النتيجة) علاقة لزوم؛ أي: أن يكون الدليل مستلزما للنتيجة. فحين يقول قائل: إن وجود المصائب والكورات؛ يعني عدم وجود خالق، نقول له: إن دليلك لا يستلزم نتيجة أبدا.

فإن وجود المصيبة على شخص ما لا يستلزم انتفاء وجود من ينظر إلى وقوعها بعين الحكمة، فكيف لو كانت هذه المصائب والكورات في ظرف زمني يراد له أن يكون اختبارا وابتلاء، ويراد له أن يكون محلا لتمحيص الناس وتنقيتهم؟ أليس هذا مقتضى ما أخبر الله به عن حال الدنيا؟

### رابعا: اشتراط عدم مناقضة الدليل لما هو أرجح منه من القطعيات إذا كان ظنيا

إن من يتصف بالتفكير النقدي العلمي يفحص النتائج التي يتوصل إليها الناس كما يفحص الأدلة والاستدلالات، فإذا كانت النتائج تعارض أو تناقض نتائج أخرى ثبتت بأدلة أكثر قوة فإنه يقدم الأقوى على ما دونه، وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك في كتابي المشار إليه قريبا.

### خامسا: عدم قبول التناقض

إن التناقض بين أمرين يدل على أن أحدهما – فقط – صحيح؛ إذ إن النقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان. والمفكر الناقد لا يقبل الجمع بين النقائض، بل يدقق في المتناقضات ويرجح منها ما كان مستندا إلى دليل صحيح؛ أيا كان نوعه (خبريا أو عقليا أو حسيا).

كما أن المفكر الناقد ينفر من الأشخاص الذين تكثر التناقضات في أطروحاتهم، وأقول: (تكثر)؛ لأن الإنسان لا يخلو – لنقصه ونسيانه وجهله – من أن يقع في كلامه شيء من الاختلاف أو التناقض، ويكون مردودا عليه ما تناقض فيه، ولكن: إن يكثر ذلك في المرء ويفحش، فهذا دلالة على اضطراب أصوله واختلال قواعده المعرفية، ولسنا بحاجة إلى مزيد من الاختلال والاضطراب المعرفي في هذا الزمن.

### سادسا: التفريق بين المعارف القطعية والمعارف الظنية، والتعامل مع كل منهما بما يناسبه

إن المفكر الناقد يختلف عن المفكر الشكاك، فالناقد يدرك التفاوت بين المصادر، ومن ثم يتعامل مع كل منهما بما يليق به بحسب وجود البراهين المثبتة لقوة ذلك المصدر من عدمها. وأما الشكاك فيتخذ الشك منهجا له يعاند به في وجه الحقائق، ولا يفرق بين المصادر.

### طرق تحصيل التفكير الناقد:

14

## الملحق الصاعد

ولا يفرق بين المصادر.

* طرق تحصيل التفكير الناقد:

أولاً: تطبيق الصفات الست المذكورة آنفاً في التعامل مع الأخبار والمواقف التي تمر بالإنسان في حياته، فيكون الأمر في البداية أشبه بعرض المعلومات على حواجز تفتيش، ولكن مع مرور الوقت بالممارسة والمران يكتسب المرء ملكة النقد، فلا يستغرق اكتشافه لخلل ما سوى أجزاء من الثانية أحياناً.

ثانياً: طلب العلم الجاد المستمر، والتركيز على العلوم التالية في سبيل اكتساب المعرفة النقدية:

١- علم مصطلح الحديث: إذ ينمي القدرة على فحص ثبوت الأخبار، وطرق كشف دقيق خللها وعللها.

٢- علم أصول الفقه: وهو ينمي القدرة على فحص معاني الأخبار، واستنباط دلالاتها، والربط بين النصوص، وطريقة الجمع بين الأخبار حين تعارضها.

٣- علم الجدل والمناظرة: وهو ينمي القدرة على تنظيم الحجج وترتيبها، وكيفية عرضها بصورة واضحة بينة، ويعين على إدراك مغالطات الطرف المقابل. مع التنبه إلى عدم الاستغراق فيه، وعدم الانجرار من خلاله إلى علم المنطق.

ثالثاً: قراءة مؤلفات العلماء الذين تميزوا واشتهروا بعقليتهم الناقدة، على مر العصور في التاريخ الإسلامي، من أمثال ابن حزم، وابن تيمية، والذهبي، مع مراعاة التدرج المنهجي في قراءة كتبهم.

رابعاً: متابعة نتاج بعض المعاصرين المتمكنين ممن تميزوا بالفكر الناقد في المناظرات كأحمد ديدات، أو في الطرح التحليلي كعبد الوهاب المسيري في نظرته للعلمانية والحداثة.

**لفتات مهمة:**

- إن الولع بتوليد الأسئلة والشغف بمجرد طرحها دون الحرص على البحث عن إجابات ليس إلا سفسطة غير منتهية، لا تسمن ولا تغني من جوع. ومن اتخذ الشك مذهباً وقال به في كل ما يعرض له من مسائل فلن يحصل معرفة، ولن يصل إلى نتيجة، وسيتناقض في نفسه عندما يأخذ باليقين فيما يريد من الأمور.

أما التفكير الناقد: فيسعى للوصول إلى المعرفة اليقينية الصحيحة عن طريق النظر والموازنة بين الأوجه المختلفة للأمور؛ في حين أن التفكير الشكي هو حالة من العبثية التي لا تقود إلا إلى مزيد من التيه والتناقض.

- إن الدلائل التي تثبت وجود الله وصدق الوحي والنبوة، تقود للتسليم بكل ما يأتي من الوحي من أخبار، وإن لم يدرك الإنسان (وجه) معقولية بعضها، مع إدراك كونها لا تناقض العقل وإن كانت تحيره.

(٥) مشكلة القدوات

15

مع إدراك كونها لا تناقض العقل وإن كانت تحيره.

(٥) مشكلة القدوات: إن من أبرز المشكلات التي تواجه الجيل الصاعد مشكلة ضبابية الرؤية تجاه الرموز والقدوات: (بمن يقتدون؟ وعمن يأخذون؟ وإلى من يستمعون؟).

الرموز والقدوات: (بمن يقتدون؟ وعمن يأخذون؟ وإلى من يستمعون؟). ونفوس البشر مجبولة على حب الاقتداء، متشوقة لرؤية من ينزل لها الأوامر والنواهي النظرية متمثلاً إياها على أرض الواقع نموذجًا حيًا، ولذلك فإن الصحابة رضوان الله عليهم – بما شهدوه من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم – كانوا أقدر هذه الأمة على الاقتداء به؛ فحازوا بذلك مراتب السبق في الإيمان واليقين والثبات: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١].

والثبات: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. إلا أننا نعيش اليوم أزمة حقيقية في شأن المتصدرين لتوجيه الناس ورسم أفكارهم وسلوكهم في فضاءات الشبكة المفتوحة التي تتيح لكل أحد أن يكون له منبر يدعو الناس فيه إلى نفسه وأفكاره، خاصة في ظل انخفاض المستوى النقدي في تفكير كثير من الناس الذين يتابعون هذه الشبكات.

هذا بالإضافة إلى أن «بعض» المشتغلين بالدعوة والعلم لم يحسنوا تمثيل الرسالة التي يحملونها، كما أنهم من جهة أخرى لم يدركوا حجم التغير الواقع في لغة الخطاب وطبيعته وموضوعاته عند المتابعين لهم.

هذا بالإضافة إلى تربص المتربصين الذين يقومون باستغلال مقاطعهم وكتاباتهم - التي أخطؤوا فيها، أو كانت صوابًا ولكنها شوهت - لانتقاد الدعوة والتدين وليس لانتقاد الشخص بعينه، وأحيانًا لانتقاد الإسلام نفسه كما في بعض الحملات الإلحادية التي تصطاد في الماء العكر.

ومن المهم جدًا أن نقرر قاعدة كبرى في هذا الباب، ألا وهي أن المبادئ يجب أن تعلو على الأشخاص. وحين كانت المبادئ أعلى من الأشخاص كان الناس يتعاملون مع زلة العالم أو انحرافه بتوجيه أصابع الاتهام إليه لا إلى الدين أو العلم الذي يحمله، بل يقولون له: ألم يمنعك دينك؟! ألم يعصمك علمك؟!

ذلك كما يقول القائل لمن عمل شيئًا منافياً للحكمة: ألم يمنعك عقلك؟ ألا تفكر؟!

أما اليوم حين ضعفت المبادئ صار يُحسب خطأ العالم أو انحرافه على الدين نفسه لا على الشخص وحده عند كثير من الناس. وهذه مصيبة عظيمة جدًا، وباب شر وفتنة.

ولذلك فإن من الواجب إعادة ترتيب الهرم في وعي الناس وثقافتهم بتقديم المبادئ على الأشخاص الذين هم عرضة للفتنة واتباع الهوى أو عرضة للخطأ والزلل على الأقل.

وهذا المعنى بين جدًا في الشريعة وفي تراث أهل العلم الذين تحدثوا كثيرًا عن تفاوت حملة العلم في القيام بحقه، فعظموا العلماء الذين قاموا بحق العلم وجعلوهم أئمة في الدين، وذموا العلماء الذين تخلفوا عن القيام بحق العلم كل بحسب مستوى تقصيره.

وفي عصر النهضة الأوروبية وزمن امتداد قيم الحداثة والتنوير كان من أبرز أسباب تخلص تلك المجتمعات من الدين هو البدء بإسقاط رمزية رجل الدين، ثم تلا ذلك إسقاط الدين نفسه، وقد ساعد على ذلك فساد طائفة من رجال الدين والكنيسة، وتورطهم في عدد من الحروب الدموية، وسرقة أموال الناس وغير ذلك.

وفي المقابل فإن من أهم العوامل الداعية إلى الثبات على الدين والاستقامة في السلوك والتواؤم مع المبادئ والقيم وجود القدوات من العلماء والصالحين الذين يتمثلون ما يعتقدون به عمليًا، في بيوتهم ومع أقربائهم والناس من حولهم.

* صفات قدوات للجيل الصاعد:

16

بيوتهم ومع اقربائهم والناس من حولهم.

* صفات قدوات للجيل الصاعد:

بناء علي ما سبق ذكره من الاسئله التي تقلق الجيل الصاعد في موقفه من الرموز، وهي: (بمن نقتدي؟ وعمن ناخذ؟ والي من نستمع؟) فان تبيين الصفات التي تميز من يصلح للاقتداء ومن لا يصلح لمن اهم ما يحتاج هذا الجيل الي الجواب عنه.

من يصلح للاقتداء ومن لا يصلح لمن اهم ما يحتاج هذا الجيل الي الجواب عنه. وساذكر لاجل ذلك ثمان صفات للقدوات لعلها تقرب بعيدا، او تحل مشكلا، ولكن قبل ذلك سانبه الي امرين في غايه الاهميه:

او تحل مشكلا، ولكن قبل ذلك سانبه الي امرين في غايه الاهميه:

الأول: ان القدوه ليس معصوما من الخطا او الذنب، بل قد يزل ويخطئ ويذنب، فلا ينبغي اسقاط المرء عن مقام الاقتداء لمجرد كونه وقع في معصيه او ذنب ما لم يصل الي حد المجاهره بذنوبه، والمفاخره بها، والاصرار عليها، فهذا لا يكون قدوه بالمعني العام وان كان قد يقتدي به في بعض الاعمال بصوره جزئيه مما احسن فيه. كمثل الاقتداء بالمراه البغي التي سقت الكلب في هذا العمل بعينه.

فيه. كمثل الاقتداء بالمراه البغي التي سقت الكلب في هذا العمل بعينه.

الثاني: ان الصفات التي ساذكرها لا يتوقف اطلاق الوصف علي المرء بانه قدوه علي تحقيقه لجميعها وان كانت كلها مهمه، لكن ان اجتمعت اكثرها في شخص فيمكن ان يوصف بانه قدوه، كما ان مقامات الاقتداء تتعدد وتتنوع وليست كلها تتطلب توفر الصفات بمجموعها.

الاقتداء تتعدد وتتنوع وليست كلها تتطلب توفر الصفات بمجموعها. وساذكر في نهايه الموضوع ضوابط في بيان معني الاقتداء باذن الله تعالي.

الصفه الاولي: الانطلاق من المحكمات:

والمحكمات هي قضايا الدين الواضحه البينه الكليه. ان من اهم السمات التي يجب ان تتوفر فيمن يصلح ان يكون قدوه: انطلاقه من المحكمات لا من المتشابهات، وبناءه الفروع علي الاصول لا العكس؛ لانه انما تفقه الحياه ويؤخذ العلم بهذا، ولا يتيه المرء ويجتل سيره ويزل الا باختلال اصوله ومنطلقاته، اذ انها للمرء كالسكه للقطار؛ تضبط سيره وتضمن سلامته.

اذ انها للمرء كالسكه للقطار؛ تضبط سيره وتضمن سلامته.

وبناء علي ذلك فان من الواجب: اسقاط الاقتداء بمن يتتبع المتشابهات، ويثير الاشكالات في مقابل اهماله الارتكاز علي المحكمات والرد اليها. ﴿فاما الذين في قلوبهم ربه فيتبعون ما تشبه منه ابتغاه الفتنه وابتغاه تاويله﴾ ﴿آل عمران: 7﴾.

الصفه الثانيه: الجمع بين النصوص الشرعيه وبين مراعاه المقاصد والمصالح:

كثيرا ما ينشب الصراع بين معسكري النصوص والمقاصد، فالمعسكر الاول يعيب علي الثاني تمييع الدين والشريعه، ويعيب الثاني علي الاول جموده وبعده عن حاجه الناس وروح الاسلام.

والمطلوب مراعاه الامرين؛ فالطريقه الشرعيه لا تحدث صراعا بين النصوص والمقاصد، بل توائم بينها فتجعل النصوص علامات مرشده للفقيه في تعامله مع المقاصد، وتجعل المقاصد افقا يلحظه الفقيه وهو يتعامل مع النص.

فينتج لنا بهذا الاتزان فقه يجمع بين صفتين:

الأولي: الاتساق الشرعي مع المحكمات والقطعيات.

الثاني: التقدير للواقع وحسن التفاعل معه بما يحقق مقاصد الشرع العامه.

واما من لا يراعي مقاصد الشريعه ومصالح الخلق، او يراعي المصالح دون الاهتمام بالنصوص وتقديمها فكلاهما لا ينبغي ان يكون في صداره الرموز الصالحه للاقتداء.

الصفه الثالثه: الوعي وحسن فهم الواقع:

17

للاقتداء.

٥٣ اشعار المتالف

الصفه الثالثة: الوعي وحسن فهم الواقع:

لا بد للمرء لكي يستحق مقام القدوه ان يكون علي درايه بواقع الناس، فهذا رسول الله ﷺ يؤثر دفع مفسده نفور قومه – بادراكه انهم حديثو عهد بالاسلام – علي مصلحه بناء الكعبه لتعود علي ما كانت عليه زمن اسماعيل عليه السلام ﴿١﴾، وسبب المفسده التي يمكن ان يتاثر بها قومه هو ان بناء الكعبه يتطلب هدمها اولا؛ فدرا رسول الله الفتنه وقدم دفع المفسده علي جلب المصلحه من خلال ملاحظته لمستوي وعي الناس وطبيعه المرحله التي يعيشونها.

وكذلك فعل ﷺ حين رفض قتل راس المنافقين عبد الله بن ابي؛ لكيلا يقال ان محمدا يقتل اصحابه، فقدم درء مفسده الفتنه علي مصلحه التخلص من المنافق الاكبر. فالقدوه لا بد ان يكون واعيا بالواقع، بصيرا باعداء الاسلام وقادرا علي التفاعل مع هذا الواقع بحكمه. ﴿١﴾ انظر: صحيح البخاري (١٥٨٦).

٥٤ الصفه الرابعه: تقديمه مصلحه الامه علي مصلحه الفرد:

لا يكون المرء حقيقا بمقام القدوه الا بتقديم المسلمين ومصالحهم علي ما دون ذلك من المصالح، وهذا امر في غايه الاهميه، ومع كونه واضحا ومقررا في الشريعه الا ان من الناس من تغلبهم اهواؤهم ومصالحهم الشخصيه حتي ضمن اطار اشتغالهم في العلم الشرعي والدعوه الاسلاميه.

وقد شاهدت بعض النماذج علي ذلك، فمثلا: اعرف متخصصا في الحديث وعلومه قد رزق فهما وتمكنا كبيرا في هذا المجال، وكان يمكنه - في ظل الموجه التشكيليه علي الثوابت - ان يشتغل بحمايه السنه واثبات حجيتها ورد الشبهات المثاره علي علم الحديث وهي مجال اختصاصه، ولكنه شغل عن ذلك بصراعات جانبيه مع دعاه اخرين يختلف معهم منهجيا، حتي صار يعرض بهم في كل حين، بمناسبه او غير مناسبه.

وانا اظن انه ينطلق من مبدا تصحيح الاخطاء والمفاهيم وما الي ذلك، ولكن هذا المبدا يكون احيانا حيله شيطانيه خطيره يدخل بها علي الانسان.

٥٥ الملحق الصادر

وقد كتبت الي هذا الدكتور وامثاله رساله مفتوحه في فيس بوك، هذا نصها:

«هل تعلم ان ما تفعله ينفر كثيرا من المحايدين - من عشاق المعرفه - عن اطروحاتك؟ وهل تدرك ان الثقه بارائك واختياراتك العلميه قد اهتزت لدي كثير ممن كانوا يعتبرونها في السابق؟ وان منهم من لم يعد يطيق سماع شيء منك ولا قراءه حرف لك؟ !

وهل فكرت يوما بانه قد يكون من الخذلان والحرمان الذي تعيشه انه لا يكاد يسمع صوتك ولا يري حرفك حين تشتد هجمات الاعداء وتغشي سهامهم ثوابت المله واركانها، في الوقت الذي تكون فيه دائم الحضور والميجان ان مس جنابك ماس او عارض حضرتك معارض؟

يا عزيزي لن يلومك احد حين تدافع عن عرضك وارائك وشخصك بالقدر المعقول المعتدل الذي لا يقلب هرم اهتمامك ولا يضيع بوصله اهدافك ولا يغيبك عن رسالتك الشريفه في الحياه».

ومما يزيد هذه القضيه اهميه اننا في زمن تنتهك فيه حرمات الاسلام ويتسلط فيه الاعداء علي المسلمين، فالقدوه لا بد ان يكون له دور في هذه المعركه بالقدر الذي يستطيعه.

٥٦ الصفه الخامسه: تصديق القول بالعمل:

18

المعركة بالقدر الذي يستطيعه.

٥٦ الصفه الخامسه: تصديق القول بالعمل:

الإسلام ليس نظرية فلسفية، ولا ينفك التنظير فيه عن التطبيق بأي حال من الأحوال، فمن اكتفى بالكلام والشعارات العريضة، ثم ناقض عمله قوله فليس أهلاً لأن يكون قدوة.

ومما يؤسف له أن بعض الدعاة وقعوا في تناقضات شنيعة قبيحة – بحسن نية أو بسوئها – صارت محلاً للتفكه والتندر عند معادي الدعوة الإسلامية، وقد أدت هذه التناقضات إلى اختلال تدين طوائف من الشباب الذين كانوا يرون في بعض أولئك الرموز نموذجاً سامياً نزيهاً، ثم باتوا يرونهم يقلبون آراءهم وأقوالهم بحسب الموجه السائدة.

مع العلم بأن تغيير الآراء واختلاف الاجتهاد والفتوى أمر مقبول إذا كان مفهوماً يمكن تبريره، وأما أن تتغير الفتوى أو الرأي بسياقات لا تبرر فهذا لا يمكن أن يقبل، كمن يتابع بفتاواه رغبة الحاكم، فيبرر تصرفاته المناقضة للشريعة خوفاً أو طمعاً.

الصفه السادسه: التوازن والاعتدال:

إن من صفات القدوة ألا يكون من أهل الغلو بمختلف صوره، فلا يكون مغالياً في تعظيم الرجال ولا يكون مغالياً في تعظيم الحكام، ولا يكون مغالياً في التكفير، ولا يكون مغالياً في نقد التراث، ولا يكون مغالياً في نقد الدعاة، بل يكون معتدلاً متزناً، والاعتدال صفة من أهم صفات القدوة.

الصفه السابعه: عدم مخالفة الثوابت الشرعية:

إن من يخالف المحكمات والثوابت الشرعية - التي يستحيل تبدلها باختلاف الأحوال والأزمان، والتي استفاضت الأدلة الشرعية عليها وكانت محل قبول بين عامة علماء المسلمين - لا يكون حقيقاً بمقام الاقتداء. كمن يسقط حجيّة السنة، أو يعادي أصحاب رسول الله ﷺ أو يستبيح دماء المسلمين المعصومين المصلين استرضاء لحاكم أو وزير أو جماعة.

فالقدوة لا يخالف الثوابت الشرعية ولا يتجاسر على تجاوزها.

الصفه الثامنه: التنوع المعرفي:

إن تشعب الأفكار والقضايا في زمننا، وتداخل الموضوعات التي تشغل عامة الناس وخاصتهم، وتصدر رموز من المخالفين للثوابت الشرعية ممن يتحدثون في شتى الموضوعات، يتطلب إيجاد قدوات معرفية متنوعة الاهتمامات متعددة الثقافات لسد الفجوة، ورص الصف، وإحسان المعالجة. وهذا ليس شرطاً في القدوة، لكن من الحسن وجوده خاصة في زماننا هذا.

٥٨ الملحق الصاعد إشارات وتنبيهات وضوابط في موضوع الاقتداء:

أولاً: أعد ترتيب قائمة الرموز أو الشخصيات التي تعجبك، وحاول أن تعرضها على الصفات السابقة ذكرها، حتى تحصر مستحقي مقام الاقتداء منهم، وتحدد مؤهلاتهم التي أهلتهم لبلوغ هذا المقام العظيم لديك.

19

منهم، وتحدد مؤهلاتهم التي أهلتهم لبلوغ هذا المقام العظيم لديك.

ثانيا: وسع دائرة القدوات لديك تاريخيا، ولا تحصر نفسك بالأحياء منهم.

ثالثا: الاقتداء يكون بالاطروحات المقصودة لا المسكوت عنها، فالاصل انك ان وجدت انسانا جامعا للصفات السابق ذكرها تنظر الي ما قدم من عمل صالح فتقتدي به، واما النظر الي الحواشي والي ما لا يقصده او الي ما سكت عنه فهذا فيه نظر.

واما النظر الي الحواشي والي ما لا يقصده او الي ما سكت عنه فهذا فيه نظر.

رابعا: الاقتداء لا يعني المطابقة للمقتدي به؛ وذلك ان مقام التأسّي الكامل إنما هو خاص بالرسول ﷺ وحده دون غيره من البشر.

خامسا: توسيع مجالات الاقتداء لتشمل الأبواب الإيمانية والأخلاقية؛ إذ أن الاقتداء ليس مقتصرا على النواحي الفكرية أو المعرفية.

سادسا: طلب الاسترشاد من القدوات، وسؤالهم، واستشارتهم، وعدم الاكتفاء بالاستماع العام لمحاضراتهم والقراءة لكتبهم.

سابعا: ينقسم الاقتداء إلى ثلاثة مستويات بحسب تفاوت صفات الشخص المقتدي به:

1المستوى الأول: الاقتداء الجزئي المحدد بباب معين.
2المستوى الثاني: الاقتداء المنهجي والفكري والسلوكي العام.
3المستوى الثالث: الاقتداء التام الشامل في كل شأن من شؤون المقتدي به، وهذا لا يكون إلا للرسول صلى الله عليه وسلم.

تأمل في الواقع: لقد حظيت الأمة الإسلامية في القرن الفائت بمجموعة من المفكرين البارزين الذين قدموا أطروحات فكرية إسلامية متميزة واشتغلوا في حقول معرفية إنسانية متنوعة، إلا أنه كان كالسمه الملازمة لهم: ضعف علمهم التفصيلي بالتراث الإسلامي وما يستند إليه من الوحي، ولذلك فأنت ترى النقص في ثنايا أطروحاتهم باديا من هذه الجهة.

ثم إن الكفة الإسلامية مع نهايات القرن وبدايات الذي يليه – القرن الحالي – مالت إلى انتشار العلوم الإسلامية التراثية والاعتناء بها، وكان ذلك في كثير من الأحيان على حساب المعرفة الفكرية الضرورية التي تحتاجها الأمة في هذا الزمن الذي هي فيه تابعه فكريا لغيرها؛ فرأينا بسبب ذلك: الفصام النكد بين الحقلين الضروريين: الحقل الشرعي التراثي والحقل الفكري الواقعي.

ثم ها نحن في السنوات الأخيرة نشهد بوادر حالة جديدة فريدة، حالة يشق فيها شرعيون متمكنون عباب البحار الفكرية والواقعية بثبات واتزان وثقة، وهؤلاء إذا استمروا وتزايدوا واقتدي بهم الأذكياء الطموحون فإن أثرهم في الأجيال القادمة سيكون كبيرا بإذن الله تعالى.

* * *

(٦) رباعية التميز للنخبة

في موضوع سابق تحت عنوان (لا تخش الفشل) تحدثنا عن قضية الكمال وأن كثيرا من الناس يقعد عن المشاريع الطيبة والنافعة خوفا من النقص، وقد تقدم بيان ما في ذلك من الإشكال، وتقدم كذلك أن هذا لا يعني عدم تطلب الجودة والإتقان والتميز.

وبما أن الحديث في هذا الكتاب لنخبة الجيل الصاعد، فسأذكر أمورا أربعة تؤدي إلى التميز لهذه النخبة بإذن الله تعالى، وهي:

١العلم.
٢العبادة.
٣التفكير.
٤الدعوة.

الأمر الأول: العلم. إذا كان العلم في كل الأزمنة مهما فإنه في زماننا هذا يزداد أهمية، غير أننا نحتاج إلى علم متميز مبني على منهجية صحيحة، مع جد في التحصيل ومواظبة على البناء. وسبيل التميز في العلم الجمع بين ثلاثة أمور: المنهجية، والحفظ، ٦٢

20

وسبيل التميز في العلم الجمع بين ثلاثة أمور: المنهجية، والحفظ، والفهم - مع صلاح النية وصدق المقصد -.

والمنهجية أساس العلم، فالذي لا يبني علمه على منهجية واضحة سيحرق سنوات عمره ثم يكتشف لاحقاً أنه لم يحقق الثمرة المرجوة؛ ولأجل ذلك فإن الجيل الصاعد محتاج في العلم إلى بناء المنهجية الصحيحة، وسأذكر شيئاً منها في قضية الفوضى المعرفية.

أما الحفظ والفهم فمن المهم الجمع بينهما لا الانحياز إلى أحدهما دون الآخر، وذلك أن الحفظ كحفر البئر حتى يخرج الماء في قعره، والفهم كاستخراج الماء من البئر، فالحفظ هو المادة، والفهم الأدوات.

وليس المقصود بالحفظ: حفظ المتون فقط، بل إن الحفظ أوسع من ذلك بكثير، إذ أنه يشمل حفظ المسائل والقواعد الجامعة والضوابط والفروقات ونحو ذلك. كما أن الحفظ ليس بالضرورة أن يكون حفظاً نصياً لما يراد حفظه، وإنما على الأقل ما يؤدي إلى استظهاره وإمكان استحضاره عند الحاجة ولو بالمعنى.

وأما الفهم فهو أمر شريف به يتفاوت طلاب العلم، وكلما كان مسبوقاً بالحفظ فهو أفضل.

وسبيل تحصيل الفهم أمور متعددة، منها:

1العناية بتدبر وتفهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن التفتف بمعانيها يكسب الإنسان عقلاً حكيماً متصلاً بمعاني الوحي ومقاصده.
2الاهتمام بعلم أصول الفقه وعلوم اللغة العربية، وليس المقصود بعلوم العربية علمي النحو والصرف فقط، بل إدراك فقهها وأدبها وشعرها وبيانها، وحفظ عيون من شعرها ومتنها.
3إدمان النظر في كتب الأئمة الكبار المجتهدين الذين استعملوا فيها الفهم والقياس والاجتهاد، سواء ما كان منها في تفسير القرآن كتفسير الطبري والقرطبي وابن عاشور، أو ما كان في شرح السنة والحديث كالتمهيد لابن عبد البر، وفتح الباري لابن حجر رحمه الله وأحكام الأحكام لابن دقيق العيد، وكذلك كتب الفقه الموسعة المقارنة التي تعرض الأدلة والأقوال والترجيح بينها ككتاب المغني لابن قدامة والمجموع للنووي وغيرهما.
4التركيز على مؤلفات إمام بعينه وقراءتها كلها أو جلها حتى يخلص إلى القارئ تفكير المؤلف ومنهجيته ونقده ونظره وقياسه. ثم عمل ذلك مع مؤلفات إمام آخر، وهكذا، مثل ابن تيمية، وابن كثير، وابن القيم، والذهبي... الخ.
21

ابن تيميه، وابن كثير، وابن القيم، والذهبي...الخ.

٦٤ المجلد الصاعد ٥ - العناية بأبواب الوجوه والنظائر والفروق سواء ما كان منها في القرآن أو اللغة أو الفقه.

الأمر الثاني الذي يحتاجه الجيل الصاعد للتميز: العبادة:

لقد ظهر الجيل الصاعد وكل شيء حوله يدعو إلى الترفيه والتسلية واللعب، في وقت انتشار ثقافة مادية دنيوية محيطة، ومفاهيم ثقافية غير إسلامية غالبة، مع توجه كبير في شبكات التواصل إلى صناعة التفاهة واللامسؤولية.

وفي ظل ذلك كله كيف يمكن للشاب أن يكون متعبداً لله تعالى قائماً بالفرائض على وجهها مستكثراً ما استطاع من النوافل؟ هنا يكمن التحدي الحقيقي، وهنا يعظم أجر من يجاهد نفسه في الله ولله تعالى.

إن من المهم غاية الأهمية أن يتقوى الإنسان بالله معتصماً به متوكلاً عليه راجعاً إليه منيبا خاشعاً مخبئاً، فلا قوة للإنسان ولا استقرار ولا انطلاق إلى المعالي إلا بالله تعالى، ولذلك فليكن من أهم مهماتك وأولى أولوياتك أن تأخذ لنفسك نصيباً من عبادة الله تعالى، بحسب الأولوية والأهمية، فتبدا بإحسان الفرائض ثم النوافل.

٦٥ الحمد لله تعالى ولتعتن عناية خاصة بذكر الله تعالى، فالذكر شأنه عظيم، وهو في الميزان ثقيل، مع كونه على النفس خفيفاً سهلاً، والموفق من وفقه الله تعالى.

الأمر الثالث: منهجية التفكير:

من المهم في الوقت الذي تصنع فيه التفاهة والترويج والصنعة الإعلامية أن ننمي التفكير الناقد لدينا حتى لا تمر علينا المغالطات وتروج التفاهات. ومن المهم في الوقت ذاته ألا يكون التفكير الناقد وسيلة لرد ما هو صحيح كما يفعله كثير من مغروري المثقفين.

إن الإسلام قد أحيا منهجية عظيمة للتفكير بالاستناد إلى البراهين، وطلبها من أصحاب الدعاوي، فانت ترى في خطاب الله تعالى للمشركين قوله سبحانه: ﴿إن عندكم من سلطان بهذا﴾ [يونس: ٦٨] وقوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [النمل: ٦٤] وقوله:

وقوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [النمل: ٦٤] وقوله: ﴿أأتوني بكتاب من قبل هذا أو أثاره من علم إن كنتم صادقين﴾ [الأحقاف: ٤] وقوله: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٢٣] إلى آخر الآيات التي تؤسس لقيمة البرهان والاستناد إليه وعدم البناء على

٦٦ الحقب الصاغر.

22

تؤسس لقيمه البرهان والاستناد اليه وعدم البناء علي ٦٦ الحقب الصاغر مجرد التقليد، في الوقت الذي يثبت فيه كبري العقائد الاسلاميه بالبراهين القاطعه. كما ان الاسلام احيا التوازن وذم التعنت في طلب الايات بعد قيام الحجه، كما في ايات سوره الاسراء: ﴿وقالوا لن تؤمن لك حتي تقجر لنا من الارض ينبؤها﴾ (١) ﴿الاسراء: ٩٠﴾ الي اخر الايات.

كل هذا يجعل العقل المسلم عقلا برهانيا متوازنا، يخضع للحق ان استبان له، ويرفض الخرافات والاساطير والعقائد الفاسده التي لا دليل ولا برهان عليها، سواء كان مصدرها اقوال الاباء والاجداد، ام كان مصدرها فلاسفه او متخصصين في علوم طبيعيه او اجتماعيه او غير ذلك.

الأمر الرابع الاخير الذي يحتاجه النخبه من الجيل الصاعد: الدعوه الي الله تعالي:

ان مما لوحظ انتشاره في نخبه الجيل «السابق» الحرص علي مبدا الدعوه الي الله بمختلف الوسائل وفي شتي المجالات والاماكن، وقد اخذ هذا الاهتمام بالدعوه صورا ذات شهره، مثل توزيع الشريط الاسلامي، والوعظ والتذكير في الجلسات الشبابيه علي الشواطئ والارصفه، وغير ذلك، وقد ادي ذلك الي صلاح كثير من الشباب الغافلين، ممن وقعوا في المخدرات والفواحش والجليل الصادق والعقوق وترك الصلوات ونحو ذلك.

وبصرف النظر عن الاخطاء التي كان يمارسها بعض المشتغلين بالدعوه والتي كان لها تاثير سلبي علي طوائف من الناس – والواجب اجتنابها وعدم التهاون فيها – الا ان الجو العام الذي يعيش الجيل الصاعد في فضائه هو جو بعيد عن الدعوه الي الله تعالي، بل علي العكس من ذلك، اذ انه جو يكرس مبدا الفرديه، ويؤكد علي تشويه فكره الدعوه ويربطها بمصطلحات ومفاهيم للسخريه والاستهزاء؛ مثل مصطلح «الاستشراف» ونحو ذلك، وهذا امر في غايه الخطوره.

ان الدعوه الي الله تعالي منهاج عظيم سار عليه المرسلون، وفاز باتباعهم عليه من امتهم الموفقون قال الله سبحانه وتعالي: ﴿قل يتايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدي فانما يهتدي لنفيقه ومن صل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوحيل﴾ ﴿يونس: ١٠٨﴾.

وقال سبحانه مبينا شرف الدعاه اليه ﴿ومن احسن قولا ممن دعا الي الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين﴾ ﴿فصلت: ٣٣﴾.

ان الدعوه الي الله تعالي اذا كانت حياه للانسان، فان هذا الانسان يكون اسعد الناس واغناهم، كما انه يكون اثبتهم علي دين الله سبحانه وتعالي؛ ومن فوائدها انها تصحح للمرء نيه العلم، فان من يتنفس هم الدعوه الي الله الا طلب العلم فانها يطلبه ليكون زادا له في احياء الاسلام، وخدمه الامه الاسلاميه، وارشادها الي مفتاح دار السعاده طريق ربه سبحانه، وقد قال الامام ابن القيم رحمه الله تعالي في كتابه (مفتاح دار السعاده): (من طلب العلم ليحيي به الاسلام، فهو من الصديقين ودرجته بعد درجه النبوه)(١).

* * *

(١) مفتاح دار السعاده (1/121).

(٧) الفوضي المعرفيه وترتيب المنهجيه العلميه

23

دار السعاده (1/121).

(٧) الفوضي المعرفيه وترتيب المنهجيه العلميه

اذا نظرنا الي حال كثير من المهتمين بالقراءه والمحبين لها نجد انهم – وان كانوا قد تجاوزوا مشكله الكسل والخمول – وقعوا في فخ الفوضويه والشتات. الست تري تنقلهم بين البرامج العلميه لا يتمون اكثر ما ابتدأوه منها؟

الست تري تنقلهم بين البرامج العلميه لا يتمون اكثر ما ابتدأوه منها؟ والست تلحظ شكوي الكثير منهم بعد سنوات من الاهتمام بالقراءه انهم لا يتذكرون من مقروءاتهم شيئا سوي عناوين الكتب واسماء المؤلفين؟! ثم، انك اذا امعنت النظر، واقتربت من الواقع اكثر، فستري ان منهم من لم تزده القراءه الا اضطرابا وقلقا، فلم تدفع عنه شبهه، ولم تحل له اشكالا،

القراءه الا اضطرابا وقلقا، فلم تدفع عنه شبهه، ولم تحل له اشكالا، ولم تقد افكاره للبناء والرقي، بل شتتت ما كان من امره مجتمعا، وبددت من حاله ما كان مؤتلفا. كما ان من هؤلاء الموصوفين بعدم الترتيب المنهجي في بنائهم المعرفي من يقع في وحل الجهل المركب، فيري في نفسه مثقفا مؤهلا للخوض فيها لا يحسن! اليس قد قرا للفيلسوف والامام والمفكر والروائي؟

للخوض فيها لا يحسن! اليس قد قرا للفيلسوف والامام والمفكر والروائي؟ فما المانع بان يشاركهم في تخصصاتهم بالنقد والتوجيه الملحق الصاعد ٧. والاعتراض؟! وبما ان منابر شبكات التواصل الاجتماعي متاحه لاي احد فليتخذ له منبرا لنشر ثقافته وسيجد له من المتابعين والمؤيدين ما قد لا يتحقق لافضل المتخصصين في مجالاتهم العلميه؛ وبهذا يتم تسليح العلم وتقزيم المعرفه.

في مجالاتهم العلميه؛ وبهذا يتم تسليح العلم وتقزيم المعرفه. وبعكس ذلك فان من اهم الثمرات التي تتحقق عند تنظيم المعرفه واحكام بنيانها لدي الفرد المسلم احترام العلم، وتقدير العالم، وسمو النقد، والرقي بالمجالس والحوارات، ومن ثم صناعه حاله معرفيه عامه متسقه محكمه، تكون مساهمه في اداره عجله الرقي بالامه ونهضتها.

* * *

قواعد منظمه للقراءه والبناء المعرفي:

عجله الرقي بالامه ونهضتها. * * * قواعد منظمه للقراءه والبناء المعرفي:

1الاصل في البناء العلمي الا يكون عبر الاجتهاد الذاتي في تحديد الكتب والمقررات وانما يكون عبر توجيه المعلم المختص، ولكن الطالب يحتاج الي ان يكون عنده وعي بمراتب العلوم ودرجات الكتب حتي يسير علي فهم وبصيره.
2ان يكون عنده وعي بمراتب العلوم ودرجات الكتب حتي يسير علي فهم وبصيره. وقد يسر الله تعالي بعض البرامج العلميه الالكترونيه في هذه المده، وفيها ترتيب منهجي طيب، يتعرف الطالب من خلاله علي العلوم ويدرسها ويترقي فيها بين التاصيل والبناء والتمكين،
3من خلاله علي العلوم ويدرسها ويترقي فيها بين التاصيل والبناء والتمكين، ومن اهمها برنامج البناء المنهجي -ادام الله نفعه وبركته- فالاصل ان يسير الطالب علي مثل هذه البرامج او علي الدروس علي ارض الواقع ان وجد من اهل العلم والثقه والامانه من يتعلم علي يديه.

وهذا ذكر لبعض القواعد المفيده في القراءه والبناء المعرفي لزياده الوعي.

القاعده الاولي: تقسيم الكتب والمواد الي مراتب والتعامل مع كل مرتبه منها بما ينبغي لها: لكل مرحله معرفيه يمر بها طالب العلم كتب تخصها وتناسبها، ولا يصلح تقديم المتاخر منها علي ما ينبغي تقديمه.

٧٢ المجلد الصاعد وهي بهذا الاعتبار علي خمسه اقسام:

24

## القواعد:

ينبغي تقديمه. ٧٢ المجلد الصاعد وهي بهذا الاعتبار علي خمسه اقسام:

### أ. القسم الاول: كتب مداخل العلوم والتاصيل الاولي «مرحله التاصيل»:

لكل علم من العلوم مواد تاصيليه اوليه تفتح ابواب هذا الفن وتعرف الطالب بمسائله، وهي ضروريه في قانون التدرج، لان سنه العلم الماضيه هي البدء بصغار العلم قبل كباره، ومن لا يلتزم بها فانه يقع في اشكالات متعدده، منها: الانقطاع وعدم الاستمرار.

وكتب القسم الاول تتفرع الي فرعين:

1مداخل العلوم.
2المتون التاصيليه الاوليه.

فاما مداخل الفنون فتتناول ما يلي:

أ. التعريف العام بالفن المراد دراسته. ب. التعريف باهم كتبه ورموزه. ج. التعريف باهم موضوعات العلم. د. التعريف بتاريخ العلم.

واما المتون التاصيليه فتتناول اصول مسائل الفن واهم احكامه بدون ادله او بذكر الادله مختصره. فالمداخل تعد مقدمه لهذه المتون وللفن بشكل عام.

* طريقه التعامل مع كتب مرحله التاصيل:

١من المهم في كتب المرحله التاصيليه ان تقرا علي متخصص او مشتغل بالفن الذي ينتمي اليه الكتاب؛ كونها الخطوه الاولي نحو فهم هذا الفن وادراكه. فان لم يجد الطالب متخصصا في بلده ليتلقي عنه مباشره، فلا باس من تعويض ذلك بالدروس المصوره المرفوعه علي الشبكه.
٢ولا يكاد يوجد مجال معرفي - وخاصه الفنون الشرعيه - ليس فيه من هذه الدروس المصوره لكبار المتخصصين، وهذه من النعم الكبيره علي اهل الاعذار والغربه والاشغال.
٣وهذه المتون يحسن حفظها لمن لديه القدره والوقت الكافيان.

### ب. القسم الثاني: الكتب البنائيه «مرحله البناء»:

اذا كان افتتاح كل علم يكون بامرين هما (التعرف علي ملامح العلم عن طريق دراسه مدخل اليه + دراسه متن تاصيلي فيه) فاننا نتحدث هنا عن كتب بنائيه تكون غالبا شارحه للكتب ٧٤ المجلد الصاعد التاصيليه، فهي تزيد عليها بذكر الفروع والادله واقوال العلماء وذكر الضوابط والقواعد وما الي ذلك.

* والمطلوب في التعامل مع كتب هذه المرحله قراءتها مرتين او ثلاث مرات، اذ ان الذي يميز الكتب البنائيه عن كتب القسم الاول ان فيها مزيدا من التفصيل والادله والاقوال فيلزم تكرار القراءه فيها والا ستذهب المعلومات.

* ومن المهم في هذه المرحله وجود المشرف العلمي. وهذا يختلف عن المرحله الاولي التي تكون الدراسه فيها كلها علي يدي متخصص او مشتغل بالعلم. ولكن في المرحله الثانيه ليس بالضروره ان يدرس كل الكتاب علي يدي الشيخ او المعلم، وانما يكون مشرفا فقط، يرجع اليه فيما يشكل في اثناء القراءه.

مثال: قد يدرس الطالب في العقيده في مرحله التاصيل: «متن العقيده الطحاويه» علي يد متخصص يفك له عباراتها وغوامضها ويذكر له اهم مسائلها. ولكن في مرحله البناء، يقرا بنفسه احد شروحها المتينه كشرح ابن ابي العز الحنفي او احد شروح كتاب اخر من كتب العقيده.

ويكرره مع مراجعه المشرف فيما يشكل عليه ويغمض.

٧٥ الحمد لله الحمد لله (١) المشوق الي القراءه وطلب العلم علي العمراني الطبعه الثانيه (٩٧).

### ج. القسم الثالث: الكتب المركزيه «مرحله التمكين»:

25

## القسم الثالث: الكتب المركزية

«مرحلة التمكين»: إذا أمعنت النظر في كل تخصص معرفي ستجد أن فيه كتبًا تحظى باهتمام بالغ من ذوي الشأن والاختصاص، فتكثر شروحاتهم عليها وتعليقاتهم وملاحظاتهم، أو يتواردون على التوصية بالكتاب وذكر أهميته وأثره. كما أن هذه الكتب المركزية تكون جامعة لأصول العلم الذي تتحدث عنه، وأحيانًا تكون مركزية الكتاب لكونه أول كتاب ألف في فن معين، فيحمل في طياته جذور الفن ومنطلقاته وركائزه.

وفي الحقيقة فإن من أعظم أسرار التميز المعرفي: الاهتمام بهذه الكتب المركزية قراءةً وتفهمًا ومراجعةً ونظراً.

وقد كان من سنة العلماء العناية بمثل هذه الكتب، وتكرار قراءتها، فعلى سبيل المثال لقب الشيخ جمال الدين أحمد بن محمد الأشموني الشافعي بـ«الوجيزي» لحفظه كتاب «الوجيز» في الفقه الشافعي للغزالي وعنايته به، ولقب الإمام الزركشي بـ«المنهاجي» نسبة إلى «منهاج الطالبين» للإمام النووي.

وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، في ترجمة المزني صاحب الشافعي أنه قال: «أنا أنظر في كتاب الرسالة منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه مرة إلا وأنا استفيد شيئًا لم أكن عرفته».

وذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة القاضي الرامهرمزي مؤلف الكتاب الذائع: «المحدث الفاصل» قال: (ما أحسنه من كتاب. قيل: إن السلفي - يقصد أبا طاهر السلفي بكسر السين - كان لا يكاد يفارق كمه) أي إنه كان يدمن النظر في هذا الكتاب.

* كيف نتعامل مع هذا النوع من الكتب؟

الجواب: بالتكرار، ولا يكتفي بتكرارها مرتين أو ثلاث، بل يجب ألا يقل التكرار عن خمس مرات، ولا يعني ذلك أن يكون التكرار متتالياً، بل المقصود أن تتم مراجعته مرارًا ولو كان في كل نصف سنة مرة. ولضمان الإحاطة بالكتاب واستيعابه ينصح بتلخيصه إلى جانب التكرار، وسيأتي ذكر قواعد التلخيص إن شاء الله تعالى.

(١) طبقات الشافعية الكبرى السبكي (٢/ ٩٩) (٢) سير أعلام النبلاء الذهبي مؤسسة الرسالة (١٦/ ٧٣).

## أمثلة على كتب مركزية:

- في علم الحديث: «مقدمة ابن الصلاح».

- في علم أصول الفقه: «الرسالة» للشافعي.

- في مقاصد الشريعة: «الموافقات» للشاطبي.

- في السيرة النبوية: «سيرة ابن هشام».

- في النحو: «شرح ابن عقيل على الألفية».

- في علوم القرآن: «البرهان» للزركشي.

- في الرقائق والسلوك: «رياض الصالحين ومدارج السالكين».

- في التاريخ الإسلامي: «البداية والنهاية» لابن كثير.

وليست هذه الأمثلة على سبيل الاستقصاء والحصر.

* ملاحظة: الكتب المركزية ليس بالضرورة أن يكون لكل فن كتاب واحد منها، بل يمكن أن يكون في الفن عدة كتب مركزية، ثم إذا تعمقت في تخصصات الفن، فستجد كتابًا أو كتبًا مركزية في كل فن.

ففي علوم الحديث مثلاً: يضاف شرح علل الترمذي وتحرير علوم الحديث أو فتح المغيث للسخاوي. ليكون المجموع مع ما سبق ذكره ثلاثة كتب.

26

ليكون المجموع مع ما سبق ذكره ثلاثة كتب. الملحق الصاعد ٧٨

* ملاحظة «٢»: في بعض الأحيان يقع اشتراك بين المرحلة الثانية (البنائية) والمرحلة الثالثة (التمكين)؛ وذلك أنه قد يقع التميز لبعض الكتب الشارحة للمتون التأسيلية للوصول إلى درجة عالية من التحرير والشمولية والإتقان وحسن العرض والمعالجة لمسائل الفن، فتحظى بعناية كبيرة من أهل الاختصاص، فتكون مشتركة بين البناء والتمكين في نفس الوقت.

من أهل الاختصاص، فتكون مشتركة بين البناء والتمكين في نفس الوقت. مثال: كتاب شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي الذي سبق ذكره في المرحلة الثانية، فإن هذا الكتاب يمكننا أن نعده من الكتب المركزية في مجال الاعتقاد النظري.

فإن هذا الكتاب يمكننا أن نعده من الكتب المركزية في مجال الاعتقاد النظري.

* ملاحظة «٣»: كما يقع الاشتراك أحيانًا بين المرحلتين: الثانية والثالثة. فإنه قد يقع الاشتراك بين كتب مرحلة التمكين وكتب مرحلة التخصص أو الكتب المطولة.

الاشتراك بين كتب مرحلة التمكين وكتب مرحلة التخصص أو الكتب المطولة. فعلى سبيل المثال: يحتل «تفسير الطبري» مكانة استثنائية في علم تفسير القرآن، ويصح أن يوصف بالكتاب المركزي دون تردد، لأنه صار قطبًا دار في فلكه المفسرون وأشادوا به كثيرًا حتى إنه قل عالم كتب في التفسير بعده دون أن يرجع إليه ويطالع ما كتبه على الآيات القرآنية من بيان ورواية وتفسير.

أن يرجع إليه ويطالع ما كتبه على الآيات القرآنية من بيان ورواية وتفسير. على أنه في الوقت ذاته يعد من الكتب المطولة في مجال التفسير.

٧٩ أشعار المتأملات د.

القسم الرابع: كتب التخصص:

المطولة في مجال التفسير. ٧٩ أشعار المتأملات د. القسم الرابع: كتب التخصص: يقصد بكتب التخصص الكتب التي تتناول مسائل أو موضوعات معينة من الفن بدراسة خاصة، فعلى سبيل المثال في الفقه نجد كتبًا تتحدث عن أحكام المعاملات المالية المتعلقة بالمصارف والبنوك من جهة فقهية، وفي الحديث نجد كتابًا يتحدث عن منهج البخاري في التعليل،

من جهة فقهية، وفي الحديث نجد كتابًا يتحدث عن منهج البخاري في التعليل، وفي أصول الفقه نجد كتابًا يتحدث عن أفعال النبي ﷺ والأحكام المتعلقة بها، وفي علوم القرآن نجد كتبًا تتحدث عن الناسخ والمنسوخ في القرآن، وهكذا.

* وهذا القسم لا ينبغي البدء به قبل إتمام القسم الثالث (التمكين) أو على أقل تقدير ضبط المستوى الثاني جيدًا.

إتمام القسم الثالث (التمكين) أو على أقل تقدير ضبط المستوى الثاني جيدًا. من الأمور التي تشعرك بالإنجاز: (التخصص) في مجال معرفي معين؛ لأن تراكم المعرفة وتكرار القراءة وتكريس البناء في مجال محدد يؤدي إلى عمق الفهم لهذا المجال، وإدراك مداخله ومخارجه وتاريخه ومكوناته، ومن ثم يستطيع المرء المشاركة في هذا المجال بالكتابة أو المحاضرة وغير ذلك، وهذه المشاركة تشعر الإنسان بالثقة الكبيرة.

أو المحاضرة وغير ذلك، وهذه المشاركة تشعر الإنسان بالثقة الكبيرة.

الملحق الصاعد ٨٠ ه.

القسم الخامس: المطولات والكتب الموسوعية: ينتهي سلم كتب كل فن بالمراجع الكبرى والمطولات الواسعة التي كتبت فيه، وهذه المطولات يستودع فيها كل شيء متعلق بهذا الفن، ولا يشذ عنها إلا قليل من الموضوعات، وهي كتب مهمة للمتخصص، فإذا تخصصت في مجال فلا بد أن تكون عندك أمهات الكتب فيه ومطولاتها.

27

فاذا تخصصت في مجال فلابد ان تكون عندك امهات الكتب فيه ومطولاتها.

* الكتب المطوله ليس بالضروره ان تقرا كامله، وانما تكون مرجعا للبحث والتحليل والتحضير. ومن الجيد للمتخصص ان يقرا كتابا علي الاقل من المراجع الكبري في فنه.

* امثله علي المطولات: كتاب المغني لابن قدامه المقدسي في الفقه الحنبلي، وكتاب المجموع للنووي في الفقه الشافعي، وكتاب تفسير الطبري في التفسير، وكتاب فتح الباري في فقه السنه،...الخ.

٨١ الملحقات

القاعده الثانيه: قسم قراءتك الي انواع، واعط كل نوع ما ينبغي له:

يمكننا تقسيم انواع القراءه الي ثلاثه انواع، كل نوع منها له نظامه؛ فاذا رتبت نفسك وقراءتك علي هذه الانواع فستبعد عنك بابا عظيما من ابواب الشتات المعرفي:

1النوع الاول: قراءه الاطلاع والاسترواح:

المقصود بها: الاطلاع غير المجدول علي بعض الكتب دون ضروره اتمامها، ويلبي هذا النوع من القراءه حاجه النفس وتشوفها لمطالعه الجديد من الكتب، واسترواحها بالكتب الممتعه في الادب والشعر والقصص والتاريخ وما الي ذلك. كما انها تعطي القارئ مساحه من المرونه والتنوع، وتكسر شيئا من الصرامه والسام اللذين قد يقع فيهما الانسان اذا ما وضع لنفسه جدولا مقيدا ودقيقا.

فهذا النوع ينبغي ان يكون موجودا عند القارئ وطالب العلم، ولكن لا بد ان يصنفه في ذهنه، فحين يقرا بهذا النوع من القراءه يجب ان يكون مدركا انه يقرا للاطلاع، لا للبناء، ولا للتاصيل، ولا للتمكين او التخصص.

٨٢ الملحق الصاعد

وينبغي ان يضع حدا لهذه القراءه فلا يجعلها تاخذ كل وقته، ولا يجعلها الاصل، وانما الاصل الذي ينبغي ان يسيطر علي غالب وقته المعرفي هو النوع الثاني من القراءه.

2النوع الثاني: قراءه بناء السلم المعرفي:

هذا النوع من القراءه يستلزم وضع خطه متدرجه يسير القارئ وفقها بتدرج ورويه؛ لان ابواب المعرفه كثيره متفرقه متفاوته، ولن يستطيع المرء الوصول الي ما يطمح اليه من معرفه مثمره ومفيده دون السير علي سلم معرفي يراعي سنه التدرج والبناء المنظم.

وعلي هذا الاساس قسمت مراحل بناء هذا السلم الي المراحل الخمس التي سبق ذكرها في اقسام الكتب في القاعده الاولي، وهي:

ا. التاصيل.

ب. البناء.

ج. التمكين.

د. التخصص (وتشمل كتب التخصص والكتب المطوله).

* ملاحظه: المطلوب من القارئ الذي يريد ان يبني معرفه جيده ان ياخذ من اصول الفنون ما يجعله متمكنا من اهم ابوابه، ولذلك لا غني له عن اتمام المرحله الثانيه، ويستحسن ان يتم المرحله الثالثه ايضا من كل الفنون، ثم يتفرغ لواحد منها فيتخصص فيه، فاذا بلغ في التخصص مبلغا حسنا، يمكنه ان يتخصص في فن اخر، وهكذا.

٣النوع الثالث: قراءه حل النوازل:
28
٣النوع الثالث: قراءة حل النوازل:

تطرأ على الإنسان أمور في حياته اليومية تضطره للرجوع إلى مصادر تعينه على معرفة الصواب فيها، سواء من الناحية الفقهية أو العقدية، كحال المسافر إن أراد معرفة أحكام الجمع والقصر، ونحو ذلك. فهذا النوع من القراءة يتعامل معه بظرفه الزمني أو المكاني، ولا ينبغي أن يشغل القارئ حتى يكون مرتهناً به.

القاعدة الثالثة: دون الفوائد بأنواع التدوين الثلاثة:

يقلل البعض من قيمة التدوين ويعلي من شأن الحفظ، ويعكس آخرون القضية. وعند النظر والتأمل فإن التوازن بينهما هو الأصوب والأكثر نفعاً، وسأعرض باختصار لأهم أنواع التدوين التي تفيد طالب العلم وتشكل له مع مرور الوقت مرجعاً خاصاً تكثر فائدته ويعظم نفعه.

أ. التدوين على الكتاب نفسه:

تعوّد على ملء الصفحات البيضاء الفارغة في أول الكتاب وفي آخره بالفوائد الجديدة عليك من نفس الكتاب، وذلك بكتابة رأس الفائدة ورقم الصفحة، ولا تدع معلومة ذات قيمة – سواء الحلم الحياتي للمحاضرات – دون تدوين، وهذا مفيد جداً في المراجعة لاحقاً.

ب. التدوين في الدفتر الجامع للفنون:

من الحسن أن يكون لدى طالب العلم دفتر كبير مقسم إلى فنون متنوعة، ينقل إليه المهم والمركزي من الفوائد المتعلقة بهذا القسم مما قرأه في بطون الكتب، أو استمع إليه من أهل العلم والاختصاص. فيصبح هذا الدفتر بعد زمن موسوعة جميلة من الفوائد المهمة المقسمة على الفنون والعلوم.

ج. التدوين في دفتر التخصص:

إذا تخصصت في علم معين أو اهتممت به اهتماماً بالغاً، فلتجعل لنفسك دفتراً خاصاً بهذا العلم لا تكتب فيه أي فائدة ليست متعلقة به، ولتنقل إليه تلك الفوائد من مختلف الكتب التي تقرؤها في شتى الفنون. ولنفترض مثلاً أنك مهتم بالتاريخ الإسلامي، فإنك ستجد معلومات تاريخية في أثناء قراءتك في كتب الفرق والمذاهب، وفي كتب العقائد، وكذلك في كتب الأدب وفي كتب السياسة، وفي الفلسفة وغير ذلك.

29

الادب وفي كتب السياسه، وفي الفلسفه وغير ذلك.

٨٥ الملحقات المتاخره

فكل فائده (مهمه) تمر عليك مما لها ارتباط بالتاريخ؛ سواء وجدتها في كتب التاريخ او في غيرها، فلتنقلها الي هذا الدفتر الخاص بالتاريخ، ثم ستجد بعد سنوات ان هذا الدفتر قد صار من اغلي ما لديك؛ لانك نقشت حروفه علي مدي سنوات طويله من بطون الكتب وستكرره مستمتعا بفوائده حتي تحفظه او تكاد.

طويله من بطون الكتب وستكرره مستمتعا بفوائده حتي تحفظه او تكاد.

القاعده الرابعه: لخص الكتب المهمه والمركزيه:

ان من اهم ما يرسخ المعلومات ويقربها للمراجعه السهله ان يكتب القارئ خلاصه الكتاب المهم الذي يري انه يفيده كثيرا في مسيرته ومنهجيته المعرفيه، وقد عرف بعض العلماء بالعنايه التامه بتلخيص الكتب كالامام الذهبي الذي لخص مائتي كتاب تقريبا كما ذكره الدكتور بشار عواد في كتابه عن الامام الذهبي وتاريخه.

تقريبا كما ذكره الدكتور بشار عواد في كتابه عن الامام الذهبي وتاريخه.

ولابد لطالب العلم ان يعتني بالتلخيص عنايه تامه، وساذكر بعض القواعد المختصره في موضوع التلخيص:

١- ليس كل كتاب يلخص؛ وانما تلخص الكتب المركزيه، وبعض الكتب البنائيه المهمه.

٢- طريقه التلخيص تبدا برسم الخارطه المعرفيه للكتاب عبر تشجير موضوعاته، وعناوينه وفصوله، ثم تنقل هذه المشجره الي دفتر تفرق فيه؛ اي: تكتب كتابه نثريه فيه مع تباعد فيها بينها، ثم الملحق الصاعد ٨٦ ثملا خلاصات المعلومات المتعلقه بهذه العناوين من الكتاب.

وباختصار فالفكره هي ان نضع خطه التلخيص اولا؛ عبر كتابه العناوين، ثم نملا المعلومات ونسد الفراغات.

٣ - التلخيص لا يتناول الاستطرادات التي لا علاقه لها بصلب موضوع الكتاب؛ بل محل هذه الاستطرادات ان تكتب في الصفحات البيضاء في اول الكتاب؛ بحسب ما سبق بيانه في النوع الاول من انواع التدوين.

٤ - من المهم جدا مراجعه التلخيصات بين كل فتره واخري.

القاعده الخامسه: التكرار سر علاج النسيان:

لا تحل مشكله النسيان بخلطه سحريه او ضربه حظ، وانما حلها يكمن في تكرار المقروء من كتب مركزيه ومحاوله هضمها واستيعابها علي اتم وجه. فتكرار الكتب المركزيه في كل فن خمس مرات تقريبا سيرسخ كثيرا من المعلومات.

ومن المعينات علي ذلك ما سبق ذكره في التدوين والتلخيص، فالكتابه المستخلصه من الكتب المقروءه يسهل مراجعتها، والمراجعه تثبت المعلومات.

٨٧ الملحق الكتاب وصايا عامه في القراءه:

- اذا اقتنيت كتابا جديدا فاشبع نهمتك بالاطلاع علي فهرسه ومواضع منه، ثم لا يقطعك عن جدولك القرائي.

- اذا ابتدات في قراءه كتاب فلا تتركه حتي تتمه. (ويستثني من ذلك الاطلاع علي الكتاب الجديد، والكتاب الذي يستبين لك انه بالغ العسر عليك عباره: وكذلك ما يقرا للاطلاع والنوازل).

- لا تقرا الكتاب مره واحده الا اذا كان جزئيا او تكميليا او روايه.

- افهم الخارطه المعرفيه للكتاب.

- اكتب الخارطه المعرفيه للكتاب.

- تكرار الكتب المركزيه سر من اسرار التقدم المعرفي والاتقان.

- اعرف موقع الكتاب وتسلسله في قائمه العلم الذي ينتمي اليه وسياقه الزمني.

- كلما كونت قاعده معرفيه حول موضوع ما سهل عليك الازدياد فيه وفهم الكتب المتعلقه به وسرعه قراءتها.

- بعد قراءه كل خمسه كتب جديده راجع كتابين سبقت الملحق الصاعد ٨٨

30

- بعد قراءة كل خمسة كتب جديدة راجع كتابين سبقت الملحق الصاعد ٨٨ قراءتهما.

- إذا أشكل عليك شيء في أثناء القراءة فلك لن تراجعه إن كان لا يقطعك؛ وخاصة إذا كان يدور حوله كلام كثير، وإلا فالأفضل الاستمرار في القراءة. وختامًا طالب العلم والمعني الرسالي:

إذا كانت نية طالب العلم عظيمة متعلقة بالإسلام وأهله من جهة الإصلاح والاحياء، فلا بد أن يظهر ذلك عليه، وهذه بعض الآثار التي تظهر أو ينبغي أن تظهر على طلاب العلم الذين يريدون بطلبهم إياه إحياء الإسلام:

١- إدراكهم لأهمية الوقت وحرصهم على ساعات أيامهم وعدم إهدارها.

٢- توقد عزائمهم، وتجدد هممهم، وارتباطهم الدائم بالعلم.

٣- التزامهم بالمعنى الرسالي في تحديد خارطتهم العلمية والإصلاحية؛ لا بما يفرض عليهم من نتائج الخلافات والصراعات وحظوظ النفس التي تؤطر مسيرتهم وتحجم أهدافهم وتضيق آفاقهم!

٤- استقامتهم السلوكية بموافقة أعمالهم لمعلوماتهم.

٥- سدهم للثغور العلمية التي يفتحها الأعداء في بنيان ٨٩ الملحق الصادر ٨ الإسلام، فيجاهدونهم بالقرآن جهادًا كبيرًا، ويظهرون الدين بالحجة والبيان والبرهان على الدين كله، ويراغمون المنافقين بكشف مكائدهم وتضليلاتهم البيانية التي يلمزون فيها الحق وأهله.

٦- اهتمامهم بأمر المسلمين، واجتهادهم في معرفة أحوالهم، وفي تعلم ما يجعلهم مدركين لما يحتاجه واقع المسلمين من إصلاح.

٧- لا يجعلون من تعليمهم العلم وسيلة لبناء مجدهم الدنيوي أو لزيادة أرصدتهم المالية، بل يبذلون العلم لمن يحتاجه بقدر استطاعتهم؛ دون مزايدات واشتراطات تحرف العلم عن مساره إلى مسار التجارة والأموال.

٨- قلة خلافهم على إخوانهم، وبعدهم عن الجدل والخصومات، وعدم انشغالهم بأخطاء العلماء والدعاة.

وقد يبدأ البعض مسيرته العلمية بهذه النية الشريفة ثم ينحرف عنها ويتبع هواه أو تقعد به همته بسبب ذنوبه، فليذكر المرء نفسه بالغاية دائمًا، وليكثر من الاستغفار ليصفو له القلب، وليتوكل على الله توكلًا حقيقيًا جازمًا في مسيرته للإسهام في إحياء الإسلام.

* * *

(٨) أهمية إدراك الجيل الصاعد للسياق التاريخي الحديث

إن المرحلة الزمنية التي يعيشها الجيل الصاعد مرحلة في غاية السخونة والاضطراب؛ من الناحية السياسية والأحداث الكبرى، كما أنها مرحلة اضطراب فكري كبير وتفرق واختلاف بين المسلمين.

31

كما أنها مرحلة اضطراب فكري كبير وتفرق واختلاف بين المسلمين. والذي لا يفهم شيئًا من مكونات الواقع الذي يعيشه فإنه يكون لقمة سائغة للجيل والتضليل والشائعات.

الواقع الذي يعيشه فإنه يكون لقمة سائغة للجيل والتضليل والشائعات. ومما لا شك فيه أن المعرفة الواعية بالتاريخ الحديث - ابتداءً من حملة نابليون على مصر تقريبًا - من الناحية السياسية والفكرية تعطي أهم المفاتيح لإدراك الواقع، فالقرنان الماضيان ضما واحتويا بذور الأشجار التي تظلنا اليوم بظلال من يحاميم سوداء حالكة. وقد كان العلماء يقولون متحدثين عن التاريخ القديم: «إن من لا يقرأ التاريخ لا يفهم الواقع»، وهم يقصدون بذلك فهم سنن التاريخ التي تتكرر، غير أن قراءة التاريخ الحديث تزداد أهمية على قراءة التاريخ القديم بمراحل، فالقضية ليست مجرد فهم فلسفة التاريخ واستخراج السنن منه – وهذا مهم جدًا – وإنما القضية أنك تعيش اليوم أحداثًا متصلة اتصالًا محكمًا وثيقًا بحبال

القضية أنك تعيش اليوم أحداثًا متصلة اتصالًا محكمًا وثيقًا بحبال ٩٢ الملحق الصاعد متينة بالأمس، فمن يرى اليوم وحده لن يفهم شيئًا.

٩٢ الملحق الصاعد متينة بالأمس، فمن يرى اليوم وحده لن يفهم شيئًا. ولكن هذه المعرفة تتطلب جهدًا كبيرًا وجلداً على القراءة والمطالعة ومشاهدة الإنتاجات التاريخية المرئية المعتبرة، ولا يوجد كتاب - فيما أعلم - يجمع كل ما ينبغي معرفته عن القرنين الماضيين، فالمطلوب تنويع المصادر لتحقيق هذه المعرفة من مختلف اتجاهاتها.

فالمطلوب تنويع المصادر لتحقيق هذه المعرفة من مختلف اتجاهاتها. وستجد - في طريق معرفتك بهذا التاريخ المهم - عوامل وأحداثًا كبرى اجتمعت في أزمنة متقاربة بالنسبة لعمر هذه الأمة المحمدية: (الاستعمار - الاستشراق - التغريب - الحروب العالمية - الصهيونية - حروب الاستقلال - الانهيار الحضاري - سيطرة الإعلام - الاسترقاق القيمي - الدولة الحديثة - القومية العربية - العلمانية - الاشتراكية - الشيوعية...).

الحديثة - القومية العربية - العلمانية - الاشتراكية - الشيوعية...). وستمر بك شخصيات يتطلب تحقيق القول فيها قراءة عدة كتب، كشخصية جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، وأحيانًا تمر بك أحداث أو قضايا تحتاج إلى مطالعة عدة مصادر لفهمها على وجهها؛ كدور النصارى العرب في اختراق التماسك الإسلامي عبر الصحافة في القرن التاسع عشر وتأثير ذلك على ما بعده. ٩٣ الملحق الصادر

عبر الصحافة في القرن التاسع عشر وتأثير ذلك على ما بعده. ٩٣ الملحق الصادر وسأذكر أهم العناصر والموضوعات التي ينبغي أن تراعي البحث فيها وتتطلب الجواب عنها، والتي يمكن أن ترتب لك الخارطة المعرفية المجملة للقرنين الماضيين.

والتي يمكن أن ترتب لك الخارطة المعرفية المجملة للقرنين الماضيين. أولًا: القرن التاسع عشر ميلادي ونهايات القرن الثامن عشر:

1لمحة عامة عن طبيعة الحياة الاجتماعية والسياسية قبل حملة نابليون على مصر.
2حملة نابليون وتفاصيلها.
3فهم الصراع الإنجليزي الفرنسي في تلك المرحلة.
4لماذا لم تحقق حملة نابليون غاية أهدافها؟
5حكم محمد علي باشا (النشأة والسيرة والآثار والعائلة والأبناء الذين حكموا إلى منتصف القرن العشرين).
6البعثات التعليمية التي أرسلها محمد علي باشا.
7رفاعة الطهطاوي وحسن العطار.
8الاستعمار الفرنسي للجزائر.
9حرب محمد علي باشا على الدرعية «تاريخها وآثارها وموقف علماء القرن التاسع عشر منها».
10نشوء الصحافة العربية ودور نصارى العرب فيها. ٩٤ المجلد الصاعد
32

- نشوء الصحافة العربية ودور نصاري العرب فيها.

- استعمار إنجلترا للهند وتأثيره على الحركات الدينية هناك.

- توسع الاستعمار في المنطقة العربية.

- جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

- حكم السلطان عبد الحميد والأحداث التي وقعت في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

- الحركة الصهيونية (الجذور – النشأة – الأفكار – الأحداث) والمؤتمرات في القرن 19.

ثانياً: القرن العشرون:

- الهيمنة الإنجليزية العظمى وعملها.

- نهاية حكم السلطان عبد الحميد وسيطرة الاتحاديين.

- وعد بلفور.

- الحرب العالمية الأولى.

- نهاية الدولة العثمانية.

- مقاومة الاستعمار فكرياً وعسكرياً وعلمياً في مصر والجزائر والمغرب وتونس.

- الإصلاح العثماني في الجزائر (ابن باديس والأبراهيمي) والفكري (مالك بن نبي).

- الشيوعية.

- تحرير «تغريب» المرأة في المنطقة العربية؛ قاسم أمين نموذجاً.

- الأدباء العرب في النصف الأول من القرن العشرين وتأثيراتهم (المدرسة المصرية نموذجاً).

- الجذور العلمانية في المنطقة العربية (علي عبد الرازق وكتابه أصول الحكم نموذجاً).

- احتلال فلسطين.

- المستشرقون (رموزهم – نشاطهم – مؤلفاتهم – أهدافهم).

- الجماعات والحركات الإسلامية بكل اتجاهاتها في القرن العشرين والقرن (21).

- الحرب العالمية الثانية.

- الأمم المتحدة والنظام العالمي.

- حروب الاستقلال وما تلاها.

- جمال عبد الناصر «دراسة تفصيلية معمقة».

- سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الشيوعية.

- صعود الليبرالية الغربية وانتشارها.

- الحداثيون العرب في المدرسة المغربية (تونس والمغرب: أركون، الجابري، الشرفي) والمدرسة المصرية (حسن حنفي...).

- ونقض الأطروحة الحداثية في كتابات إبراهيم السكران وغيره.

- العولمة.

- الصحوة الإسلامية (رموزها – معالمها – آثارها – الأحوال الدينية قبلها – الثورة الإيرانية الشيعية وآثارها).

- ثم تاريخ وأحداث القرن (21) وهي التي نعيشها الآن. ومن أبرزها:

- أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها، ومنها الحرب على الإرهاب، الحرب على العراق، التضييق على العمل الإسلامي في العالم، وغيرها.

- الربيع العربي.

- الثورات المضادة للربيع العربي، والمحاربة الشمولية للجماعات الإسلامية وبقايا الصحوة الإسلامية.

- هذه كلها نقاط فقط في سياق أحداث كبرى وأمور عظيمة أسهمت في تغيير الواقع. وقد ابتدأت سلسلة مرثية بعنوان (جرعة وعي للجيل الصاعد) وسلسلة (تاريخ الفكر العربي والإسلامي) لتناول شيء يسير من أطراف هذه الأحداث والأفكار، غير أنها لا تكفي، وقد سئلت كثيراً عن مراجع لهذه الموضوعات.

- في الحقيقة فإن المرجع الجامع غير موجود بحسب علمي وإن كانت المراجع كثيرة لكل حقبة بعينها ما بين المكتوب والمرئي. ومن المهم أن يكون هناك قاعدة شرعية ومنهجية لدى القارئ في مثل هذه السياقات الفكرية حتى لا ينزلق في مستنقعاتها.

(9) تحدي الشهوة والحب والزواج.

33

(9) تحدي الشهوه والحب والزواج مما لا يشك فيه معايش للواقع، ان من اشد الامور التي تلح علي شباب اليوم – ذكورا واناثا –: موضوع الحب والزواج وما يرتبط بهما من قضايا، بل ربما تكون هذه القضيه هي الاولي علي الاطلاق؛ من حيث ملامستها للشباب بصوره متكرره وملحه اينما اتجهوا.

وفي الحقيقه، فنحن نعيش في زمن ربما لم يمر علي البشريه منذ خلق الله ادم عليه السلام الي يومنا هذا زمن مثله من ناحيه طبيعه انتشار الشهوات وبواعثها والتفنن في الدعوه اليها بشتي صور الدعايه والاعلام، حتي صارت الاباحيات صنعه متكامله لها اهلها ومنتجوها وممثلوها وشركاتها ومصانعها ومخرجوها ومروجوها، واصبحت تجاره ضخمه تدخل اموالا طائله علي عرابيها.

ومع تواصل الانحطاط وتتابع سيل الاباحيات انتقلوا الي التجديد في نوع ما يعرض، فروجوا للشذوذ والمثليه، وبرروا زنا المحارم ودعوا اليه بشتي الوسائل، ومررت بذلك شتي انواع الرذيله الي الناس، متجاوزه كل القيم والحدود الاخلاقيه التي طالما اتفق عليها العقلاء فضلا عن اهل الدين والورع، بل لقد تم تجاوز قيم الحريه والخصوصيه التي يتغنون بها، فصار يعرض علي مستعمل الشبكه – دون طلب ولا بحث – صور من عفن هذا العالم اللااخلاقي بمختلف طرق الدعايه.

وفي المقابل، تزداد الدائره ضيقا علي الحلال، فالزواج المبكر يجازب فكريا وثقافيا – فضلا عن كونه عسر جدا من الناحيه الماديه والاجتماعيه – بل اننا اليوم امام حمله محاربه الزواج نفسه سواء اكان مبكرا او متاخرا!

وصار من المستحيل – تقريبا – في اغلب دول العالم العربي ان يتزوج الشاب قبل ان يتخرج من الجامعه (بعمر ٢٣ عاما) ثم يجد وظيفه مناسبه (في سن ٢٥ او اكثر) ثم يبدا بتكوين نفسه ماديا حتي يمكنه البدء بالخطوات العمليه للزواج (٢٧ / ٣٠)، وليس من الطبيعي – ابدا – ان يبلغ الشاب في عامه الخامس عشر تقريبا، ثم يواجه كل هذا الكم من التحديات في الشهوات ثم لا يستطيع ان يصرف شهوته في الحلال.

وبالنسبه للفتيات فالمشكله تظهر بصوره اكبر من الناحيه العاطفيه والاجتماعيه والنفسيه، بينما في الشباب تتمثل المشكله من الناحيه الجنسيه بصوره اكبر واكثر حده – مع حضور القضيه العاطفيه بطبيعه الحال –، وهذا الفرق راجع الي طبيعه تكوين الجنسين، وقد قال الله تعالي: ﴿وليس الذكر كالانثي﴾ [ال عمران: ٣٦] وهذا ما لا يفهمه كثير من الجنسين عن اشقائه في الجنس الاخر.

34

يفهمه كثير من الجنسين عن اشقائه في الجنس الاخر.

٩٩ الملحقات المتاخره

س: كيف يمكن التعامل بطريقه صحيحه مع تحدي الشهوات قبل الزواج؟

الجواب، بعده امور ساذكرها مرتبه:

١- ادراك عاقبه الولوج الي عالم الشهوات المحرمه:

٢- كثير من الشباب لا يدرك اثر انسياقه وراء الشهوات المحرمه، سواء اكان ذلك من ناحيه الاثر الشخصي او الاثر المستقبلي علي الحياه الزوجيه والاجتماعيه، والواقع ان كثيرا من البيوت هدمت بسبب تعلق طرف من اطرافها بمشاهده الافلام الاباحيه قبل الزواج، ثم لم يستطع التخلص منها او تركها بعده؛ فادت الي نفور الطرف الاخر - بعد اكتشافه للحقيقه - ومن ثم انهدام البيت.

٣- وعلي المستوي الشخصي فان تاثير الاباحيات علي تفكير الانسان وجديته وتركيزه كبير جدا، خاصه اذا كنا نتحدث عن نخبه من الجيل الصاعد تسعي لبناء معرفي وايماني متميز.

٤- كما ان تاثيرها علي صفاء قلب الانسان ومن ثم تعبده القلبي وتفكره الايماني كبير ايضا.

٥- ولاجل ذلك كله فان اول خطوه في التعامل مع بحر الشهوات المحيط هو ادراك العواقب وتصور المالات السيئه التي يمكن ان تحدث للانسان ان لم يتدارك نفسه ويهرب من الكارثه،

١٠٠ المعجزه الصاعده وان الامر ليس سهلا او مؤقتا او عابرا.

٦ - ادراك زيف عالم الشهوات المعاصر وخداعه:

٧ - ان ما يعرض في الافلام والمقاطع الاباحيه انما هو اوهام وخيالات وصنعه اعلاميه ترويجيه لا تمت للواقع بصله! بل انها تصنع صوره من الوهم المتوهج الزائف الذي يسيطر علي تفكير الانسان وعقله ويجذب اليه ذرات جسده،

ثم اذا اصطدم بالواقع الذي سيجده في الحياه الانسانيه الطبيعيه بعد الزواج فلن يجد فيه ما كان يراه في الافلام الدعائيه المصنوعه! ومن ثم - ان لم يتدارك نفسه - فانه لن يرضي بالواقع الطبيعي،

وسيظل لاهثا خلف الصوره الزائفه التي قدمت له عبر منتجين متخصصين وكاميرات وممثلين وممثلات انما يتغذون ويربحون ماديا من هذه الصنعه الوقحه!

٨ - وما الذي سيحصل لحياته وقلبه وايمانه وبيته واولاده ومصدر دخله اذا ظل باحثا عن الوهم مطاردا له؟

٩ - سيفقد الصفاء والنقاء والحياه البيضاء العفيفه ويتجه الي دهاليز مظلمه وعوالم لا تعرف من معاني غايات الوجود شيئا.

ولذلك، فانني ارجو ممن يقرا كلماتي هذه ممن هو متاثر ببعض هذه الاباحيات او يشاهد شيئا منها، ان يتخذ قرارا جازما قاطعا

١٠١ الملحق الصادر

35

يشاهد شيئا منها، ان يتخذ قرارا جازما قاطعا ﴿ ١٠١ ﴾ الملحق الصادر ومباشرا، وان يكون صادقا وحازما فيه، بمقاطعتها بالكليه؛ لانها ليست مجرد نظر الي حرام – وكفي بذلك زاجرا – وليست مجرد معصيه عاديه، وانما هي وحل كامل اذا انزلق الانسان فيه وغرق في اعماقه فانه لن تصفو له حياه زوجيه ولا معرفيه ولا روحيه، وسيستعصي عليه الخروج منه مستقبلا.

حياه زوجيه ولا معرفيه ولا روحيه، وسيستعصي عليه الخروج منه مستقبلا.

١٠ - ولكن ماذا لو حاول الانسان الجاد ترك هذا الوحل وعزم علي التوبه ثم لم يستطع، بمعني انه يعود ثم يترك ويعود وهكذا؟

علي التوبه ثم لم يستطع، بمعني انه يعود ثم يترك ويعود وهكذا؟

١١ - الحل يكمن في دوام المحاوله والتكرار، مع ادمان الاستغفار والدعاء والاجتهاد، وعدم الياس، ثم اغراق العقل والبدن في امور واعمال وبرامج مفيده علميا وصحيا واجتماعيا حتي لا يبقي للانسان كبير وقت؛ بشرط ان يكون ذلك مع صحبه صالحه تعين وترتقي بالانسان.

كبير وقت؛ بشرط ان يكون ذلك مع صحبه صالحه تعين وترتقي بالانسان.

س: ما الذي يعين المرء علي التخلص من مشاهده الاباحيات؟

وترتقي بالانسان.

س: ما الذي يعين المرء علي التخلص من مشاهده الاباحيات؟ قبل الجواب اود القول بانني علي وعي تام بقدر التحديات والصعوبات التي تواجه الشباب في الواقع؛ ولكن هذا لا يمنع من تقديم بعض الوسائل التي قد تعين الانسان وتدفعه خطوه نحو الامام، في سبيل ايصاله لمرحله التوازن النفسي والتخلص من متابعه الاباحيات، او عدم الانتكاسه بعد الانفكاك عنها، ﴿ ١٠٢ ﴾ الملحق الصاعد

الاباحيات، او عدم الانتكاسه بعد الانفكاك عنها، ﴿ ١٠٢ ﴾ الملحق الصاعد ومع صعوبه الواقع فالحل ليس مستحيلا، ونفس المؤمن العزيزه وعزيمته وارادته تقهر كل ما هو شيطاني باذن الله تعالي.

١- العزه والكرامه:

وارادته تقهر كل ما هو شيطاني باذن الله تعالي.

١- العزه والكرامه: لا تتعامل مع هذه القضيه علي انها مجرد شهوه فقط بل علي انها اراده استعباد لك، ومحاوله لتقزيم عقلك وتقييد تفكيرك واختياراتك من قبل صانعي تلك المواد، فلا ترض بان تكون اسيرا عندهم ولا بان تكون عبدا لتلك المشاهد، وانفر منها عزه وكرامه وحريه واستعلاء بنفسك وايمانك وعبوديتك لله،

وانفر منها عزه وكرامه وحريه واستعلاء بنفسك وايمانك وعبوديتك لله، واعلم انها لا تريد تدميرك فقط، بل تقصدك انت وبيتك واسرتك ومجتمعك وامتك، فكن علي وعي بهذا الخطر ان انت استسلمت لها.

٢- الصحبه الصالحه:

فكن علي وعي بهذا الخطر ان انت استسلمت لها.

٢- الصحبه الصالحه: مهما تخيلت من اثر حسن لوجود الصحبه الصالحه في حياتك فانها في الحقيقه اكثر نفعا واحسن اثرا، والصحبه الصالحه اذا كانت محفوفه بالمحبه والصدق والوفاء والتناصح والتعاون علي البر والتقوي فانها من اعظم كنوز الدنيا واغلاها، بل ان الدنيا لا يتحسر علي فقدانها اذا لم تكن هذه الصحبه في حياتك، وهي من اهم ما يعين المسلم علي مواجهه التحديات وخصوصا في هذا

في حياتك، وهي من اهم ما يعين المسلم علي مواجهه التحديات وخصوصا في هذا ﴿ ١٠٣ ﴾ الحمدللهثمانه الباب الذي نتحدث عنه، وهو باب الشهوات. فاسع الي البحث عن الصحبه الصالحه التي تعينك وتدفعك للخيرات، املا حياتك بهم وامض جل وقتك بينهم؛ فانهم خير معين ومؤنس تستعيض به عن غيره من الملهيات.

٣ - الزواج عند القدره:

36

خير معين ومؤنس تستعيض به عن غيره من الملهيات.

٣ - الزواج عند القدرة:

إن إرشاد النبي ﷺ للشباب بالزواج واضح وصريح: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أعض للبصر وأحصن للفرج»(١). وهذا التوجيه كاف لا يحتاج إلى تعليق وتفصيل من جهة الأهمية.

٤ - الصوم:

وتلك وصيته ﷺ في تمام الحديث الذي سبق ذكره آنفًا، حيث قال بعد الوصية بالزواج: «فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» أي وقاية ومانع. وذلك أن الصوم يخفف وطأة الشهوة ويحصر مداخلها.

وقد يقال إن إرشاد النبي ﷺ إلى الصوم يمكن أن يستفاد منه بصورة أعم في كل ما يمكن أن يفيد في تحقيق أثر الصوم من الوسائل، والله أعلم.

(١) صحيح البخاري (١٩٠٥).

١٠٤ الحبيب الصادق

٥ - تذكر الآخرة، ودوام استحضار لقاء الله سبحانه وتعالى، وأن في الآخرة من النعيم ما يستعيض الإنسان به عما فاته من ملذات الدنيا، وفيها من العذاب ما لا ينتفع معه بأي لذة محرمة حصلها.

حسناً، وماذا عن الحب والعاطفة والتواصل بين الجنسين في غير إطار الزوجية؟

وماذا عن الحب والعاطفة والتواصل بين الجنسين في غير إطار الزوجية؟

بداية أود أن أشير إلى أننا يجب أن نتخلص من الثقافة التي صدرت ولا تزال تصدر لنا عبر المسلسلات والأفلام في قضايا الحب والزواج. وهل انهارت كثير من علاقات الحب الصادقة الطاهرة إلا حين أشرابت أعناق المتحابين إلى تحقيق ما تشربوه من ثقافة المسلسلات، فانهارت عليهم آمالهم، وتقطعت أواصر حبهم بسبب ذلك؟!

إن عالم الأفلام والمسلسلات ينتمي إلى فضاء غير الذي ننتمي إليه، إنه ينتمي إلى فضاء التجارة والشهرة والإثارة والصنعة الإعلامية، وهو فضاء لا يتقابل مع الواقع الحقيقي إلا في بعض صوره، ومع الأسف الشديد فإن ما لا يقل عن جيلين أو ثلاثة أجيال من المسلمين قد تأثر كثير من أبنائها بثقافة المسلسلات، وخاصة النساء.

١٠٥ الملحق المضاعف

ولك أن تنظر إلى الثقافة السائدة بين النساء في القضايا التالية:

- التعدد. - الموقف من أخوات الزوج. - الموقف من زوجة أخ الزوج. - الحب قبل الزواج. - التصرف عند الغضب من الزوج. - الخيانة الزوجية.

فستجد أن كثيرًا من التصورات المتعلقة بالقضايا السابقة ليست تصورات ذاتية إسلامية أصيلة، وإنما هي مستعارة من ثقافة الإعلام.

فلكي نسير في الاتجاه الصحيح إلى الحب والزواج فلا بد أن ننتفض ونثور ضد الثقافة المستعارة التي عقدت مشكلاتنا، وعمقت أزماننا.

ومن جهة أخرى فإن هناك أناسا من المنسوبين إلى شيء من العلم الشرعي أو الدعوة والفضل، تعاملوا مع بعض القضايا المتعلقة بالحب والتواصل بين الجنسين بصورة من التشدد غير المقبول، والتضييق الذي لا يتسق مع سعة الشريعة الإسلامية.

(1) جاء ذلك في حديث مرسل - منقطع - عن النبي ﷺ.

37

الاسلاميه،

١٦

(1) جاء ذلك في حديث مرسل - منقطع - عن النبي ﷺ. ومن هنا نشأت حالات من التمرد والنفور دون تمييز بين ما هو من حدود الله وبين ما نشأ عن اجتهادات بعض المفتين مما لم يوفقوا فيه إلى الصواب.

الله وبين ما نشأ عن اجتهادات بعض المفتين مما لم يوفقوا فيه إلى الصواب. وبعد هذا كله أقول: أما الحب قبل الزواج؛ فإنه إن كان شعورًا قلبيًا فقط فهو غير محرم، وهو في كثير من أحيائه غير اختياري، وقد يكون فاتحة خير تدفع نحو الحلال، فتحرك الشعور بالحب أو الإعجاب من رجل لامرأة أو العكس لا يعد ذنبًا ولا حرامًا، إلا أن اتبعه بقول أو فعل محرم، كالنظر، أو الخضوع بالقول، أو ما هو أكبر من ذلك كما هو معلوم.

محرم، كالنظر، أو الخضوع بالقول، أو ما هو أكبر من ذلك كما هو معلوم. ولكن إذا وجد هذا الشعور وأمكن أن يتمم بالزواج فليتخذ من يشعر به ما يستطيع من الوسائل المناسبة لتحقيق الزواج، فإنه لم ير للمتحابين مثل النكاح، كما روي في الأثر (١)، وهذا في إطار الاستطاعة والمناسبة بطبيعة الحال، وهو بالنسبة للرجال أسهل، ولكن بالنسبة للمرأة فيمكنها الإفصاح بذلك عند من يفهمها من محارمها أو صديقاتها، ليكونوا وسطاء لها في تتميم حبها.

من يفهمها من محارمها أو صديقاتها، ليكونوا وسطاء لها في تتميم حبها. ولكن: ماذا لو كان الوصول إلى الحلال مستحيلاً - وليس فقط صعبًا - لمن شعرت تجاهه بالحب؟ (1) جاء ذلك في حديث مرسل - منقطع - عن النبي ﷺ.

١٠٧ أشعار المتأمل

(1) جاء ذلك في حديث مرسل - منقطع - عن النبي ﷺ. ١٠٧ أشعار المتأمل هنا لا بد من إخراج النفس من أحلامها، وإدراك الواقع على حقيقته، حتى لا تذهب الأعمار سدى، ولا تنقضي الأيام والليالي في العذاب والألم، وليس معنى ذلك أن يقلب الشعور إلى كراهية وعداوة كما يفعله البعض! لا، وإنما المطلوب التصالح مع الواقع، وطرد الأوهام، والالتفات إلى ما يمكن تحقيقه.

المطلوب التصالح مع الواقع، وطرد الأوهام، والالتفات إلى ما يمكن تحقيقه. وقد يقول قائل: وأني لي بذلك؟ كيف يمكنني طرد الشعور الذي سيطر علي واستولى على كياني؟

لي بذلك؟ كيف يمكنني طرد الشعور الذي سيطر علي واستولى على كياني؟ ولا شك أن الأمر في غاية الصعوبة لمن بلغ في الحب درجات متقدمة، ولكن مما يساعد على ذلك أن يوسع الإنسان من دائرة محبوباته، ويرتبها، فأعظم محبة يجب أن تسيطر على قلب الإنسان هي محبته لربه وتعلقه به، وهي المحبة التي يجب ألا تقارنها محبة، ثم محبة رسوله ﷺ، ومحبة ما جاء به،

المحبة التي يجب ألا تقارنها محبة، ثم محبة رسوله ﷺ، ومحبة ما جاء به، ثم محبة الوالدين والإخوة والأخوات، ثم الأصدقاء، وكذلك الانشغال العملي بأمر يحبه الإنسان كالعلم أو كمهنة معينة، المهم ألا يستسلم المرء لأسر التعلق بشخص معين لا يرى شيئًا إلا هو!

١٨ مرحلة الطريق إلى الزواج (الاختيار وخطوات الزواج):

١ - الزواج وطلب العلم:

38

## الطريق إلى الزواج (الاختيار وخطوات الزواج):

١ - الزواج وطلب العلم:

يتمتع بعض الشباب ذوي الطموح العالي في العلم والطلب عن الزواج أو التبكير به، ويعتبرونه شاغلاً وصارفاً، ويكثرون الاستشهاد بحال بعض العلماء الذين تفرغوا للعلم وآثروا العزوبة على الزواج.

وفي الحقيقة فإن من يعتقد من الشباب المعاصر أن الزواج - الموفق المناسب - معيق عن طلب العلم فهو واهم، بل إن الزواج الطيب المناسب من أهم الوسائل المعينة على طلب العلم والاستقرار، خاصة مع تنامي دوائر المغريات والشهوات.

وقد حدث الله سبحانه وتعالى نبيه ﷺ عمن سبقه من الرسل وهم صفوة خلقه فقال: ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية﴾ [الرعد: ٣٨]. وزاد رسوله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى تأكيداً عندما سمع برجل من أصحابه يقول له إنه لن يتزوج - تزهداً -، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «أما والله إنّي لاخشاكم الله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(١).

(١) أخرجه البخاري في (٥٠٦٣).

٢ - أهمية متابعة الدورات التعليمية للحياة الزوجية:

يوجد - على الشبكة - كثير من المحاضرات والدورات المفيدة في فقه الزواج والتعامل بين الزوجين، يتناول فيها ما يتعلق بأحوال الرجل والمرأة وخصائصهما والفروقات بينهما، وكيف ينظر كل منهما للآخر، وما الذي يتوقعه وينتظره كل طرف من صاحبه، وما الذي يجبه ويكرهه.

ومن المهم متابعة نخبة من هذه الدورات والمواد المفيدة قبل الزواج، لأن كثرة التحديات والمشكلات تتطلب زيادة معرفة من أهل الاختصاص الذين تعرفوا على كثير من أسباب المشكلات وعواقبها.

والواقع يشهد بتميز أزواج اهتموا بتعلم ما يتعلق بالحياة الزوجية قبل الزواج، حيث استطاعوا التعرف بعمق على ما يحتاجونه تجاه الطرف الآخر. ومن الأسماء التي أرشح متابعة دوراتهم وأطروحاتهم في هذا السياق: د. ميسرة طاهر.

٣ - الاختيار:

لا شك أن قضية الاختيار تتربع على سلم الأهمية في الزواج الناجح، وقد أرشد النبي ﷺ إلى أهمية الاختيار بقوله: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»(١).

ونظراً لأن حديثي في هذا الكتاب موجه إلى الفئة الواعية من الجيل الصاعد، المهتمة بإكمال مسيرتها المعرفية والفكرية والإصلاحية والدعوية؛ فإن قضية اختيار شريك الحياة من أهم الأولويات التي تجب العناية بها؛ لأنها تؤثر تأثيراً بالغاً على مسيرة الإنسان في مختلف نواحيها.

وهنا سؤال، وهو: هل أختار من يشاركني في تحقيق أهدافي أم يكفي أن يكون منسجماً معي غير معارض لي ولو لم يكن مشاركاً؟ والجواب دون تردد في الشق الثاني من السؤال، وهو الموافقة وعدم المعارضة ولو لم تكن هناك مشاركة في نفس المشاريع.

هذا وإن من أعظم ما يعين المرء على حسن الاختيار: معرفة المرء لنفسه ابتداء، فليس الاختيار مبنياً على الأحلام والأوهام، وإنما على معطيات الواقع وما أنت عليه وما تأمل أن تكون عليه (١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٩٠).

39

## القواعد:

١١١ المجلد العاشر مع وجود السعي الحقيقي لتحقيق هذا الأمل.

٤ - الصفات التي يقوم عليها الاختيار:

إن الميزان الأساسي للاختيار هو: الدين والخلق، وهو معيار عظيم جامع لصفات خيرية شتى.

ومن أبرز ما يحدد التدين:

أ - الالتزام بالفرائض، وخاصة الصلاة: الذي يفرط في ركن من أركان الإسلام ويترك الصلاة إلى أن يخرج وقتها عمدًا أو تهاونًا وكسلاً قد يفرط فيها هو أقل من ذلك، ولا مجال للمخاطرة بقبول شريك في الحياة مفرط في الركن العملي الأعظم من أركان الإسلام.

ب - بر الوالدين وهو من أهم علامات توفيق المرء، كما أن من أهم علامات الخذلان: عقوق الوالدين.

ويجب الحذر التام ممن كان مفرطًا في شأن والديه تفريطًا بينًا يدخل في مسمى العقوق، مع العلم أن هناك حالات استثنائية يكون الأب فيها متعنتًا مع ابنه غليظًا شديدًا فظًا، وأحيانًا يكون معاديًا لتوجهه الإسلامي المحافظ، فهنا لا عبرة بغضب الأب فيها لا يد للابن فيه، مع العلم أن الله تعالى قد أوصى بصحبة الوالدين بالمعروف ولو كانا مشركين داعين ابنهما إلى الشرك مجاهدين له في ذلك.

ج – اجتناب الكبائر، والبعد عن الفواحش.

د – الخلق الحسن: قد يوجد إنسان محافظ على الصلوات وظاهره التدين، ولكنه يكون سيء الخلق، متكبرًا مستعليًا، وهذا بلا شك يدل على وجود خلل في تدينه، فالخلق من الدين، ومنشأ الخلل عند هذا إما من سوء الفهم للشريعة، أو بتغلغل شيء من النفاق في القلب أو غير ذلك.

وكيف يقاس الخلق؟

هناك جوانب متعددة للقياس، وسأذكر في العنوان التالي بعض وسائل ذلك، غير أن من أولويات النظر في قياس الخلق أن يبحث في جانب الكبر والتواضع، فهما مفتاحان لمعرفة كثير من الخصال الأخرى؛ لأن لهما توابع ولوازم كثيرة في الحياة اليومية والتعاملات.

وهذا مما ينبغي الانتباه إليه في موضوع الاختيار:

إدراك ما يمكن إدراكه ومعرفته من شخصية الطرف الآخر، مما يظهر في تعامله مع الآخرين وفي شؤون الحياة بشكل عام؛ وسبب ١١٣ المجلد العاشر.

40

مع الاخرين وفي شؤون الحياه بشكل عام؛ وسبب ﴿ ١١٣ ﴾ المجلد العاشر ذلك ان الحياه اليوم اصبحت ذات تعقيد كبير، كما ان نفسياتهم صارت متباعده ومختلفه؛ اذ اسهمت عوامل خارجيه في تكوين افكارهم وشخصياتهم ورؤاهم، ومن ابرزها شبكات التواصل الاجتماعي.

الا انني انبه الي ضروره الحذر من المبالغه في قضيه الشخصيات وانماطها؛ حتي تصبح هي المعيار الاساسي للاختيار، فالتوافق في الشخصيات ليس كل شيء.

٥ - تكاليف الزواج:

لا شك ان من اصعب التحديات التي تواجه الشباب الراغب في الزواج: مشكله التكاليف الماليه، المتمثله في المهور ومكان الاحتفال، والوليمه، والمتطلبات والمستلزمات الاخري المتعلقه بالزوجه وليله الزواج، هذا بالاضافه الي تكاليف السكن والاثاث وتوابع ذلك.

في حين ان الامر في السابق لم يكن بهذه الصوره المعقده؛ سواء من الناحيه الماليه او الاجتماعيه، مما كان اثره عدم وجود مشكله اجتماعيه ضخمه اسمها: الزواج والعنوسه والطلاق.

ولان هذه المشكله تنبع من ثقافه مجتمعيه واسعه نتيجه مؤثرات ثقافيه وانعكاسات لتفقد الحياه بشكل عام؛ فان الشباب لن ﴿ ١١٤ ﴾ الحقب الصاعد يستطيعوا تجاوز الازمه او الخروج منها بشكل فردي، بل يجب ان يتم ذلك عبر تغيير المفاهيم وقلب الموازين؛ من خلال بث ثقافه مضاده لهذه العادات من قبل الشباب الواعي من الجنسين، ولا بد من تقديم نماذج عمليه موثقه يحتسب في اظهارها لاجل تصحيح الخطا وتقويم السلوك، وخاصه لو كانت الزوجه هي التي تسعي في ذلك.

فانا اعرف ان كثيرا من الشباب لا يهمهم ان يكون الزواج ضخما او مشهودا من القاضي والداني، ولكن كثيرا من البنات وامهاتهن يتعثن في الشروط والمعايير، والامل في بنات الجيل الصاعد – الواعيات منهن – بكسر هذه الحواجز بالاصرار والعزيمه.

كما ان جزءا كبيرا منها يكمن في وعي اولياء الامور بضروره التيسير علي الخطاب، حتي لو ووجهوا باعتراضات من داخل العائله والاسره، فيجب ان يؤخذ الامر علي محمل الجد، والا تكن فتنه في الارض وفساد كبير.

ختاما؛ فان حاجتنا الي التزكيه المستمره الدائمه عظيمه، وحاجتنا الي اصلاح قلوبنا حتي تحب الايمان وتكره الكفر والفسوق والعصيان بالغه، واذا زكت النفس وصلح القلب فان مرور الفتن والشهوات عليه يختلف تاثيره عن مرورها علي القلب المريض، وشتان شتان بين القلبين، وبين النفسين، فالله الله يا شباب الجليل الصاعد الجيل باصلاح القلوب وتزكيه النفوس ففيها الوقايه العظيمه من الفتن.

* (١٠) الهدايه والاستقامه

41

النفوس ففيها الوقايه العظيمه من الفتن.

* (١٠) الهدايه والاستقامه

إن من أبرز الأسئلة التي تشغل الجيل الصاعد، سؤال: كيف نعرف الحق عند اختلاف العلماء والدعاة والتيارات والتوجهات، سواء من جهة الاختلاف في العقائد، أو الفتاوى، أو من جهة الاختلاف في الآراء والأفكار المعاصرة، كيف نعرف الحق والصواب من بين هذه الأمور الملتبسة؟

سأتحدث في هذه الفقرة عن بعد آخر في الجواب عن السؤال غير الجانب المعرفي - مع أهميته -، فأنا أتحدث هنا عن التوفيق الإلهي الذي يقود الإنسان ويهديه إلى الصواب في مجال الاختلاف، وأما الجانب المعرفي والمنهجي فيما يتعلق بالمناهج المعاصرة فقد فصلت فيه في كتاب "بوصلة المصلح".

بداية الإسلام يقرر بشكل واضح: أن الهداية ليست نتيجة لمجرد المعرفة، بمعنى أن وجود المعرفة الصحيحة لا يستلزم بالضرورة وجود من يلتزم بهذه المعرفة ويسير على ضوءها، ولأجل ذلك كان على من يريد أن يبصر الحقيقة ويهتدي بها أن يجمع إلى عامل المعرفة غيره من العوامل التي تعين على بلوغ الحقيقة - وهي ما سأذكر شيئاً منها في هذه الفقرة بإذن الله تعالى -.

وهذه القضية في غاية الوضوح، فإن كثيراً من أمم الأنبياء السابقين الذين كذبوا بهم، ومن أمة النبي ﷺ لم يكن ينقصهم معرفة الحق، وإنما افتقدوا التجرد والاتباع والانقياد لله سبحانه وتعالى، والتسليم لحكمه وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم﴾ [القصص: ٥٠]، وذلك لأن بلاغة كان الغاية في البيان، والحق الذي معه في غاية الوضوح، ومع ذلك لم يستجب كثير من الناس، فالذي منعهم هو الهوى، والهوى صور كثيرة جداً.

وقد كنت – قديماً – قد كتبت بحثاً مختصراً بعنوان (مفاتيح البصيرة عند النوازل والفتن) في عين هذا الموضوع، وسأقتبس منه بعض القول في المفاتيح التي تفتح بها أبواب الهداية والتوفيق الإلهيين، غير أن أول ما يجب أن يبدأ به للوصول إلى الهداية هو التخلص من موانعها ومعوقاتها، فهذا أمر في غاية الخطورة.

المفتاح الأول: التخلص من موانع الهداية: هل هناك موانع للهداية؟ وهل يمكن أن يطلب الإنسان الإيمان فيحرم منه بسبب أعمال عملها؟ وهل يقع أن يقرأ إنسان كتاب الله تعالى فيحال بينه وبين الاقتباس من نوره وفهم آياته؟ الجواب في كل ذلك: نعم، نعم!

ألم يقل الله سبحانه وتعالى: «سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق» [الأعراف: ١٤٦]؟ وقال: «والله لا يهدي القوم الظالمين» [التوبة: ١٩].

42

١٤٦]؟ وقال: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [التوبه: ١٩]. وقال: «كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون» [المطففين: ١٤]. وقال: ﴿ونقلب افيدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرز﴾ [الانعام: ١١٠]؟

والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، وسأذكر شيئاً من هذه الأعمال المؤثرة على القلوب إغلاقاً وصرفاً ونفاقاً مع أدلتها من كتاب الله جل وعلا:

أولاً: الظلم والتكبر والترفع على الناس والفساد في الأرض، والدليل على كونها من أسباب الضلال وموانع الاهتداء: قول الله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على قلب متكبر جبار﴾ [غافر: ٣٥]. وقوله: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦].

وليس وبال الظلم والتجبر والطغيان منحصراً في المتلبسين بهذه الأعمال وحدهم، بل إنه متعدٍ إلى من يقاربهم ويخالطهم ويركن إليهم، بمعنى أن الإنسان لكي يبتعد عن أن يحرم الهداية بسبب الظلم، فلا يتلبس به ولا يقترب من أصحابه. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة هود: ﴿ولا ترسلوا إلى الذين ظلموا فتمسكوا النار﴾ [هود: ١١٣]. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى لرسوله: ﴿ولولا أن تبتسلك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ [الإسراء: ٧٤] - أي لو فعلت -، ﴿إذا لادفنك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٥].

ثانياً: التهاون في أوامر رسول الله وتعمد مخالفتها، ويدخل في ذلك إنكار السنة والتشكيك فيها، والتقليل من مكانتها، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فليحذر الذين يحالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: ٦٣]، والهاء في (أمره) تعود إلى النبي ﷺ.

فالله تعالى يجذرنا من أن تصيبنا فتنة إن نحن خالفنا أمر رسوله ﷺ. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (١) عن هذه الآية: (أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً أو ظاهراً أن تصيبهم فتنة، أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة).

وهذه قضية خطيرة يغفل عنها المشككون الطعانون في سنة النبي ﷺ، بينما يدركها -غاية الإدراك- سادة المسلمين وعظماؤهم، ويبرز.

43

وعظماؤهم، ويبرز ﴿ ٩٠/٦ ﴾ ١٢١ الجليل الشاذ ١٣١ ذلك بوضوح في موقف أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مع فاطمة رضي الله عنها في قصة الميراث، وذلك حين جاءت فاطمة رضوان الله عليها إلى أبي بكر؛ تطلب ميراثها من أبيها رسول الله ﷺ، وكان عند أبي بكر نص من النبي ﷺ أن الأنبياء لا يورثون، وأن ما تركوه من مال فهو صدقة، فلم يعطها إياه لأجل ذلك.

ولولا أنه رأى في نفسه أن السنة حجة ملزمة ومصدر تشريعي؛ لما تمسك بهذا القرار مقابل إصرار فاطمة رضوان الله تعالى عليها، ثم قال - وهذا موضع الشاهد من القصة -: «إني أخشى أن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ» والقصة في صحيحي البخاري (١) ومسلم (٢).

فإذا كان أبو بكر رضي الله عنه يخشى من الزيغ بسبب تركه شيئًا من الأوامر النبوية فكيف بمن دونه؟

ثالثًا: تراكم الذنوب على المرء حتى يسود قلبه فيعمي عن رؤية الحق، قال الله: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ [المطففين: ١٤] وقد أخرج الإمام الترمذي رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت، حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ [المطففين: ١٤] وقال الترمذي عن هذا الحديث: (١) حسن صحيح.

وعند التأمل في هذا المعنى وهو معنى تأثير القلب بسبب الذنوب - فإن المؤمن العاقل يخشى من التهاون في الذنوب؛ لأن آثارها تتراكم في القلوب، حتى تشكل غلافًا وحجابًا، ما لم يصقل المرء قلبه بالتوبة والاستغفار.

رابعًا: إخلاف العهد مع الله تعالى والسير على طريق الكذب، قال الله تعالى: ﴿ فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ﴾ [التوبة: ٧٧].

خامسًا: رد الحق بعد استبانته، كما قال الله تعالى: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ [الأنعام: ١١٠].

فهذه بعض الأعمال التي لا تتم الهداية إلا بالتخلص منها؛ فلنحرص أشد الحرص على البعد عنها، وعلى التوبة والاستغفار إن وقعنا في شيء منها، وإذا خلا القلب من هذه الموانع صار محلًا صالحًا للبصيرة النافذة التي لا يحول بينها وبين الحق عتمة ولا غلس.

44

يحول بينها وبين الحق عتمه ولا غلس.

(1)

(٣٣٣٤) ١٢٣

(1) المفتاح الثاني: التعلق والاعتصام بالله والإنابة إليه وتحقيق التوحيد قلبًا وسلوكًا والتعلق والبعد التام عن الشرك بكل صوره:

قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولو يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهدون﴾ [الأنعام: ٨٢]. والمراد بالظلم في الآية: الشرك، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذ قال: لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولو يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهدون﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين فقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك، إنما هو الشرك». ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]. أخرجه البخاري (١).

وهذا الحديث مع الآية يدل على أن من يجتنب الشرك بحيث لا يخالط إيمانه فإنه يكون من المهتدين.

وقد قال الله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى﴾ [الزمر: ١٧]. ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾ [الزمر: ١٨].

(1)

(٣٤٢٩) ١٢٤ | الجليل الصادق ٢٢

المفتاح الثالث: الإنابة:

الإنابة هي: الرجوع إلى الله والإقبال عليه، فمن وجدته دائم الرجوع إلى الله، منجذبًا دواعي قلبه إليه، مقبلًا بظاهره وباطنه إلى مولاه فإنه عبد منيب، و*الله يجتي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب* [الشورى: ١٣].

فمن أراد هداية الله وتوفيقه وتسديده فليكن دائم الرجوع إليه، إن أخطأ فليبادر بالاستغفار، وإن تشعب قلبه في أودية الدنيا فليسارع بتجديد إيمانه، *فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله* [الزمر: ٢٢].

وما أخسر صفقة المنشغل بدنياه عن الإنابة إلى ربه، إنها خسارة الانتفاع بآيات الله؛ فقد قال سبحانه وتعالى: *وما يتذكر إلا من ينيب* [غافر: ١٣].

وتذكر دائمًا أن ثمرة الإنابة الهداية؛ قال الله سبحانه: *قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب* [الرعد: ٢٧].

قال البغوي - رحمه الله - في تفسير قول الله *وما يتذكر إلا من ينيب* [غافر: ١٣]: (يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره).

١٢٥ الحمد لله تعالى

المفتاح الرابع: التمسك بالقرآن:

45

## المفتاح الرابع: التمسك بالقران

إن الفرح بالقران، وتلاوته بالليل والنهار، والتدبر في آياته، والوقوف عند حدوده لمن أكبر أسباب الاهتداء ومن أعظم مفاتيح البصيرة، والأدلة من كتاب الله وسنة رسوله على ذلك كثيرة، منها:

1قال الله تعالى: ﴿ذلك الحجت لا رب فيه هدي للمتقين﴾ [البقرة: ٢].
2وقال تعالى: ﴿إن هذا القران يهدي لله هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩].
3وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كتاب الله فيه الهدي والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدي، ومن أخطاه ضل». أخرجه مسلم.

فمن أراد أن يكون مهدياً فليكن لكتاب الله تاليا، وبه مستمسكاً، وآياته متأملاً متدبراً، فإذا رزق الخشية مع ذلك، والتأثر بآيات القران فقد أخذ من الهداية بأوثق سبيل؛ قال الله سبحانه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلبت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدي الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ [الزمر: ٢٣].

## المفتاح الخامس: المجاهدة في الله

قال الله تعالى: ﴿والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩].

قال الشنقيطي في أضواء البيان: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين جاهدوا فيه، إنه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: لنهدينهم».

وهذه الآية: ﴿والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ هي أعم من مجرد مجاهدة الكفار بالسلاح، فالذي تحيط به الشهوات المحرمة وهو يجاهد نفسه ليجانيها لا لشيء إلا لله فإنه داخل في الآية، والذي يرى الجهل منتشراً بين المسلمين فيجاهد نفسه ليتعلم شرع ربه بنية تعليم الناس دينهم داخل في هذه الآية، وقس على ذلك.

قال النسفي رحمه الله: «والذين جهدوا»: أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين. فمن أراد الهداية والبصيرة، فلا يكن كسولاً ضعيفاً مستسلماً لأهوائه، منقاداً للشيطان، ولكن ليكافح ويجاهد.

## المفتاح السادس: الاعتصام بالله سبحانه وتعالى

هل سبق أن تأملت قول الله تعالى: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي﴾ [آل عمران: ١٠١]؟ أليس يدل دلالة واضحة على طريق من أوثق طرق الهداية والبصيرة والتوفيق؟

إن المرء الذي تراه كلما ضاقت به الأمور يجد السعة في بث شكواه إلى الله، وكلما كثر عليه الأعداء لم يجد منهم ملجأ إلا إلى الله، وكلما التبست عليه الأمور، واختلطت أمامه السبل توكل على الله في طلب الهدي واستبانة الحق؛ فإنه هو الموفق المهدي المسدد؛ نتيجة اعتصامه بالله تعالى.

فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد وطريق السداد وحصول المراد.

ومما جاء في القرآن مؤكداً على ارتباط الهداية بالاعتصام، قول الله سبحانه: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم مبينا﴾ [النساء: ١٧٤].

## المفتاح السابع: طلب الهداية من الله تعالى وكثرة الدعاء بذلك

لا تصح صلاة امرئ إلا بطلبه الهداية من الله؛ لأن قراءة سورة الفاتحة فرض، وفيها هذا الطلب: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]، ونحن نقرؤها – فعلاً – في كل صلاة غير أن تتفاوت في صدق الافتقار إلى الله في طلبنا الهداية منه.

وقد جاء في الحديث القدسي الصحيح قول الله تعالى: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم».

ومن عجيب منزلة هذا الطلب، وصية النبي ﷺ لرجل من خيار هذه الأمة بأن يدعو الله سائلاً إياه الهداية، فقد قال علي رضي الله عنه: قال لي رسول الله ﷺ: «قل: اللهم اهدني، وسددني، واذكر بالهدي هدايتك الطريق والسداد سداد السهم».

هذا مع أن علياً مشهود له بأن الله يجبه.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدي والتقى والعفاف والغنى». أخرجه مسلم.

## خاتمة

إلى الجيل الصاعد: لا يستهينن أحد منكم بنفسه، ولا يتركن حمل مسؤولية الأمة لغيره، وابدؤوا من اليوم بالعناية بأنفسكم، فالأيام تمضي، والمستقبل قريب، والعمر قصير، والأمة تنتظركم.

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد بن يوسف السيد ٢٥ جمادى الأولى ١٤٤٠ ٣١ يناير ٢٠١٩

تم تصحيحه وتعديله في ٣/٢/١٤٤٥ هـ ١٩/٨/٢٠٢٣ م في إسطنبول. ولله الحمد أولاً وآخراً.