الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
كامل الصورة

كامل الصورة

الشيخ أحمد السيد 176 صفحة 586 مقطع 62 قسم

كتاب تأسيسيّ في عرض أدلّة صحّة الإسلام وصحّة ثوابته

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## كامل الصورة لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت

أحمد بن يوسف السيد

حقوق الطبع والنشر محفوظة

الطبعة الخامسة ٢٠٢٣ - ١٤٤٥

منار الفكر

الترقيم الدولي: 978-625-98831-8-2

AKŞEMSETTİN MAH. ŞAİR FUZULİ SK. GÜNAYDIN APT. NO: 5A FATİH İSTANBUL

f ☑ F ☐ FikirManar +905556600088

www.fikirfeneri.net

info@fikirfeneri.net

## كامل الصورة لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت

أحمد بن يوسف السيد

### جدول المحتويات

| المحتوى | الصفحة | | --- | --- | | مقدمة الطبعة الخامسة | ٩ | | مقدمة | ١٣ | | الباب الأول: دلائل أصول الإسلام | ١٥ | | أولاً: إثبات وجود الله سبحانه | ٢٢ | | ثانياً: الغاية من الوجود | ٣٠ | | ثالثاً: إثبات النبوة وصحة القرآن الكريم | ٤٨ | | رابعاً: محاسن الإسلام | ٥٢ | | مكانة القيم الأخلاقية والسلوكية في الإسلام: | ٥٩ | | الباب الثاني: مصادر التلقي الشرعية والموقف منها | ٦١ | | مصادر التلقي الشرعية | ٦٢ | | مدخل في التسليم لأمر الله ورسوله | ٦٨ | | حجيّة السنة النبوية | ٧٦ | | مكانة السنة في التشريع الإسلامي | ٨١ | | كيف يحكم المحدثون على الحديث بالصحة؟ | ٨٧ | | علم العباقرة | ٩٩ | | الإجماع | ١٠٩ | | الباب الثالث: فهم الإسلام | ١١١ | | الدين، بفهم من؟ | ١١٤ | | الفهم الصحيح | ١١٥ | | المحكم والمتشابه | ١١٨ | | بين نصوص الشريعة ومقاصدها | ١٢٢ | | لماذا يختلف العلماء؟! | ١٢٤ | | أسباب الاختلاف بين العلماء | ١٢٧ | | هل الاختلاف رحمة؟ | ١٢٩ | | من يمتلك الحقيقة؟! | ١٣٧ | | الباب الرابع: قضايا يدور حولها الجدل | ١٣٩ | | الحكمة من وجود الشر | ١٤٧ | | دعوى مظلومية المرأة في الإسلام | ١٥٧ | | الحرية | ١٦٣ | | الدين والعقل | ١٦٨ | | التشكيك في الإسلام بسبب تأخر المسلمين | ١٧٢ | | الخاتمة | ١٧٥ |

### مقدمة الطبعة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصل اللهم ربنا على نبيك محمد وعلى آله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد؛ أما بعد:

فإني أحمد الله تعالى على ما وفق وبارك في هذا الكتاب وذلك بكثرة الطلب عليه وكثرة تداوله في الأوساط الشبابية والبرامج التعليمية والأندية الثقافية، وهو كتاب تأسيسي سهل اللغة متنوع الموضوعات، يهدف إلى تعزيز اليقين بصحة الإسلام وتقوية الثقة به، ورد الشبهات عنه، وقد قسمته إلى أربعة أبواب:

1دلائل أصول الإسلام
2مصادر التلقي الشرعية والموقف منها
3فهم الإسلام
4قضايا يدور حولها الجدل

وقد أضفت إلى هذه الطبعة التي تصدرها دار (منار الفكر) إضافات مهمة وحذفت منه أشياء؛ لعله بها يزداد فائدة ومناسبة. وأسأل منه القبول والتوفيق والبركة إنه سميع عليم.

11/3/21

٢٠٢٣/١٠/٦

### مقدمة

الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيد المرسلين محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه المتبعين، أما بعد:

2

علي سيد المرسلين محمد وعلي اله الطيبين واصحابه المتبعين، اما بعد: ابتدات قصه هذا الكتاب في العاشر من شهر ربيع الثاني عام ثلاثه وثلاثين واربعمائه والف (١٤٣٣ ه / ٢٠١٢م)، حين نشرت عبر قناتي في موقع (يوتيوب) اول حلقه من السلسله المرئيه: (كامل الصوره).

عبر قناتي في موقع (يوتيوب) اول حلقه من السلسله المرئيه: (كامل الصوره). ولم يكن يخطر ببالي حينها ان هذه السلسله ستمتد الي تاريخ كتابه هذه الاسطر الموافق لمتصف شهر صفر من عام تسعه وثلاثين واربعمائه والف (١٤٣٩ ه / ٢٠١٧).

وخلال هذه الاعوام السته انفتحت لي مسارات متعدده عبر بوابه برنامج كامل الصوره، ربما كان اهمها: التواصل المستمر مع شريحه واسعه من الشباب المستهدفين بالبرنامج اصاله، مما كان له اثر كبير في تطوير معرفتي بما يشغل عقول الشباب من تساؤلات وتحديات فكريه متجدده متسارعه عبر مضخات شبكات التواصل الهائله.

١كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

ظلت حلقات سلسله التواصل تتسع من الطرفين حتي جاء التتويج الكبير متمثلا في برنامج صناعه المحاور الذي يهدف الي تعزيز اليقين بصحه الاسلام وثوابته، ويعتني بمحاربه اصول الشبهات ونقدها، وقد تخرج منه خلال دفعاته الثنائيه اكثر من عشرين الف طالب بفضل الله تعالي وتوفيقه.

مازي اختيار العنوان:

لا يخفي علي من مارس التاليف او انتاج البرامج ان اختيار عنوان الكتاب او البرنامج يشكل تحديا كبيرا، فان الجمع بين:

- الجده، - والتشويق، - والدلاله علي المضمون، - مع الاختصار،

يضيق مجالات الاختيار ويستنفر طاقمات الذهن والفكر.

علي ايه حال، فقد قمت بهذا العصف الذهني ذاتيا قبل نشر اول حلقه من البرنامج، لعدم معرفتي - في تلك المرحله - بمن يشاركني نفس الاهتمام بمجال البرنامج، ثم صار من بركه البدء في هذا المجال ان تعرفت علي المهتمين به، ونشات بيننا علاقات.

١١كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

نشات بيننا علاقات ١١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» متينه بفضل الله تعالي، فرزقت بزملاء واحبه انما هم من النعيم المعجل في هذه الحياه.

انطلقت في اختيار العنوان من منشا الاشكال الذي كنت الاحظه علي المتاثرين بالشبهات المثاره ضد الثوابت الاسلاميه، الا وهو عدم (الاحاطه) علما بالقضيه المستشكله، بل النظر اليها من زاويه ضيقه انما تظهر جزءا من صورتها وتخفي باقي اجزائها. فاخترت - بعد طول تفكير - عنوان (كامل الصوره) اشاره الي اهميه اتمام التصور تجاه المسائل التي تتناول بالنقاش والنقد.

اشاره الي اهميه اتمام التصور تجاه المسائل التي تتناول بالنقاش والنقد.

من الصوره الي الكتاب:

بعد انجاز ست عشره حلقه مصوره من البرنامج جاءت فكره تحريرها مكتوبه مرتبه علي صياغه تناسب اخراجها في كتاب، فتم ذلك - بفضل الله تعالي - وصدر الكتاب في معرض الكتاب الدولي بالرياض عام خمسه وثلاثين واربعمائه والف (١٤٣٥)، ثم تبعه الجزء الثاني في العام التالي (١٤٣٦) مستوعبا ثمان حلقات جديده.

واحمد الله تعالي علي ما رايت من الاهتمام بجزئي الكتاب بين الشباب في انديه القراءه وغيرها، كما سرني قيام بعض الاساتذه الجامعيين الافاضل بتقرير بعض حلقات البرنامج علي الطلاب ١٢ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» او عرضها والارشاد اليها.

3

كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» او عرضها والارشاد اليها. وبعد نفاد الكتاب من السوق اراد الزملاء في مركز تكوين اعاده طباعه الكتاب واقترحوا علي جمع الجزئين في كتاب واحد، فاستحسنت الفكره، وبدات العمل علي اعاده ترتيب الكتاب وتحريره، وقد كنت اظن اني انتهي من ذلك في وقت يسير، واخبرت اصحاب الدور الذين تكرر سؤالهم عن الكتاب بذلك،

لكني فوجئت بان التحرير يتطلب وقتا طويلا خاصه واني اضفت الي الكتاب اشياء كثيره جدا، ومواضيع متعدده، وقد حال دون اتمامي اياها - في وقت يسير -: كثره الصوارف.

وها هو الكتاب بعد ضم جزئيه واعاده ترتيبه وتحريره والاضافه اليه اضافات كثيره زائده علي اصله، وبعد حذف مواضع كثيره منه اقدمه للقراء الكرام في نسخته الاولي التي ربما تتبعها نسخ اخري. واسال الله الكريم العون والتسديد والبركه والتوفيق، وصل اللهم علي نبينا محمد.

احمد بن يوسف السيد

الباب الاول: دلائل اصول الاسلام

اولا: اثبات وجود الله.

ثانيا: الغايه من الوجود.

ثالثا: اثبات النبوه وصحه القران.

رابعا: محاسن الاسلام.

اولا: اثبات وجود الله سبحانه

حين يسال متحير: «ما الدليل علي وجود الله؟»، فمن المهم - قبل الاجابه عن سؤاله - التاكد من طبيعه الدليل الذي يريده لاثبات وجود الله ﷺ؛ اذ ان كثيرا من المتحيرين في وجود الخالق - فضلا عن المنكرين الملحدين - يتركون الادله الواضحه السهله القريبه، ويتطلبون الطرق الوعره الطويله التي قد لا توصل الي نتيجه اصلا،

وقد يشترطون شروطا - في الدليل الموصل الي معرفه الله - راجعه الي اذواقهم واستحساناتهم الشخصيه، وليس الي معايير منهجيه، وموازين موضوعيه.

فهؤلاء مهما تذكر لهم من الادله والبراهين فانها لا تنفعهم طالما انها لا توافق الاستحسانات الشخصيه التي وضعوها، وذلك كقول بني اسرائيل لموسي ﷺ: ﴿ان نزلن لك حتي نري الله جهره﴾ ﴿البقره: ٥٥﴾ فهم هنا حصروا دليل الايمان في الرؤيه الحسيه، وهو تعنت ورثه عنهم المتعنتون من غير المؤمنين بالله ورسوله في سائر الازمان الي زماننا هذا؛ ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يحكمنا الله او تاتينا ايه كذلك قال الذين من قبلهم مشل قولهم تشبهت فلولهم﴾ ﴿البقره: ١١٨﴾ بينما لو تاملت في الحجج والبراهين الموصله الي عموم الحقائق القطعيه في مختلف المجالات؛ لوجدت ١٦ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

4

المجالات؛ لوجدت ١٦ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» أنها لا تنحصر في الرؤية الحسية مطلقًا، فعلى سبيل المثال: إيماننا القطعي بوجود بعض الشخصيات التاريخية كأفلاطون وأرسطو وصلاح الدين الأيوبي ليس سبيله الرؤية البصرية ولا الحس المباشر، بل عمدته الخبر - وهو جزء من مصادر المعرفة -.

إن إثبات وجود الله أمر فطري عقلي قريب لا يجهد العقل في الوصول إليه؛ إذ إنه قائم على مبدأ يجده الإنسان مركوزًا في عقله بحيث لا يمكنه التخلي عنه البتة، وهو مبدأ: (الاستدلال بالأثر على المؤثر)، بل إن عامة الملحدين الذين يتنكرون لوجود الخالق سبحانه يطبقون هذا المبدأ في سائر أمور حياتهم وإن أنكروه في باب الألوهية.

إن البحث فيما وراء الآثار والأفعال والأحداث عن المؤثرين والفاعلين والمحدثين لا يمكن أن يتخلى عنه البشر - مطلقًا - إلا في حالة فقدانهم عقولهم، إذ لا يمكن للبشر أن يتصوروا حدوث الأشياء بعد عدمها دون وجود أسباب لذلك تناسب طبيعة تلك الحوادث.

وإذا كان العقل البشري لا يقبل تصور حدوث (صورة إنسان متقنة) على ورقة بيضاء بدون وجود سبب يمتلك الخبرة والإرادة والقدرة التي أوجد بها الصورة على الورقة، فإن عدم قبوله ١٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» لحدوث الإنسان - نفسه - دون وجود فاعل قادر عليم = أولى وأحرى.

وقل مثل ذلك في سائر الأشياء الحادثة بعد العدم. وكلما كان الأمر الحادث الناشئ أكثر إتقانًا وتعقيدًا اشتدت الضرورة في النفس للبحث عما وراء ذلك الأمر المحدث المتقن من السبب الذي يناسب هذا الإتقان والتعقيد، فإن العقل لا يقنع - عند النظر في الأمور الحادثة - بمجرد وجود سبب وراءها، بل لا بد أن يكون السبب مناسبًا للصفة التي نشأ عليها هذا الأمر الحادث.

فإذا كانت عقولنا لا تقبل تصور قيام طفل عمره ثمانية أشهر - مثلاً - بصناعة جهاز كمبيوتر وذلك بسبب التنظيم البالغ التعقيد في جهاز الكمبيوتر والذي يتطلب معرفة وخبرة وعقلاً ناضجًا؛ فإننا - كذلك - لا يمكن أن نقبل بأن يكون من أنشأ هذا الكون البالغ في التعقيد والخاضع لأدق القوانين جاهلاً أو عاجزًا، فضلاً عن أن يكون الكون ناشئًا بلا سبب ولا فاعل أصلاً.

ومع أن هذه القضية في غاية الوضوح والسلاسة فإن كثيرًا من الناس يعرضون عن هذا الوضوح والقرب، فيعقدون ما حقه التبسيط، ويعسرون ما حقه التيسير، فيتطلبون أدلة معقدة على وجود الله سبحانه لا تتوقف معرفة الحق عليها.

وقد تأملت عامة ما يثار من إشكالات واعتراضات في هذا الباب فوجدتها ناشئة من أحد أربعة أمور:

الأمر الأول: الانحراف في باب مصادر المعرفة ووسائل اكتسابها: والمقصود بالانحراف في باب مصادر المعرفة، هو حصر طرق اكتساب المعرفة في مصدر واحد مع إهمال بقية المصادر.

5

المعرفه، هو حصر طرق اكتساب المعرفه في مصدر واحد مع اهمال بقيه المصادر. واهم المصادر التي يمكننا ان نكون المعرفه عن طريقها، هي: العقل، والحس – كالابصار واللمس – والخبر الصحيح الصادق، كما اننا نكتسب من الفطره معارف اوليه تعتبر اساسا لكثير من المعارف المكتسبه لاحقا.

مثال علي الانحراف في مصادر المعرفه:

اذا قلت للملحد: اننا نؤمن بوجود الله سبحانه اعتمادا علي دلائل العقل القطعيه، وعلي الفطره. فيقول لك: ولكني لا اثق الا بالادله الحسيه التجريبيه المبنيه علي الملاحظه في المختبر، وبما ان ادله وجود الله ليست كذلك؛ فانه لا يؤمن به. فهذا الالحاد سببه الانحراف في باب مصادر المعرفه، مع تكبر.

فانه لا يؤمن به. فهذا الالحاد سببه الانحراف في باب مصادر المعرفه، مع تكبر «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» - لا يسلم منه الكثير - عن الخضوع للحق الذي من لازمه مخالفه للهوي.

الامر الثاني: عدم تصور حقيقه ادله المؤمنين والتسويه بينها وبين شبهات الملحدين:

كثيرا ما يستهتر الملحدون بادله المؤمنين علي وجود الله، فيصورونها علي غير حقيقتها، حتي يظن الجاهل ان ادله المؤمنين انما هي مغالطات وتعصب وايمان جامد، وهذا غير صحيح.

مثال ذلك: التسويه بين المبدا العقلي الفطري الضروري: (كل حادث لا بد له من محدث) وبين فرضيه خياليه سخيفه قررها احد اكبر الملاحده في العصر الحديث مصورا بها ان احتمال وجود الله كاحتمال وجود ابريق في الفضاء لا تستطيع ان تثبت وجوده ولا ان تنفيه، وهذه مغالطه ناشئه عن التسويه بين المخلفات، فالابريق لا اثر له، بينما كل شيء نراه في الكون هو من اثار وجود الله وقيوميته.

كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

الامر الثالث: ادعاء نتائج غير صحيحه لفقدانها شرط التلازم:

ان من شروط صحه الاستدلال ان تكون النتيجه مستنتجه من الدليل بطريق اللزوم، واما الاستدلال بالادله الصحيحه علي نتائج لا تلزم منها فهذا خلل يمارسه كثير من الملحدين ومثيري الشبهات ضد السنه والثوابت.

مثال ذلك: الاستدلال بالنظريات والقوانين العلميه التي تفسر حركه الكون او نشوء المخلوقات علي نفي وجود الخالق؛ وهذا استدلال يفتقد التلازم، فان وجود القانون لا يلزم منه عدم وجود مدبر له.

الامر الرابع: الكبر والهوي:

ان العقل البشري حال خلوه من المؤثرات لا يطيق الاطمئنان الي افتراض نشوء هذا الكون بكل ما فيه نتيجه العشواء والصدفه، وان الاعتراف بوجود خالق عظيم عليم قدير وراء كل هذا الاتقان والاحكام – الذي له ملايين الشواهد في الانسان والحيوان والكون– امر تدعو اليه الفطره ويستوجبه نظر العقل وترنو اليه النفس وتطمئن، وانما يحصل جحود ذلك بسبب كثره الشبهات.

كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

6

بسبب كثره الشبهات ٢١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» المعارضه للنظر العقلي المستقيم، وللفطره السويه الصحيحه، مع مزيج من الهوي والكبر، الذي يدفع بالانسان الي الاستنكاف عن الخضوع والذل لله سبحانه، وعن مخالفه هوي النفوس ورغباتها:

عن الخضوع والذل لله سبحانه، وعن مخالفه هوي النفوس ورغباتها: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا حجار ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير﴾ (غافر: ٥٦).

وأكثر انحراف الناس على مر التاريخ هو بسبب هذه الأهواء في النفوس؛ لأن الاعتراف بوجود الله وألوهيته يستلزم مخالفة الهوى والكبر، والخضوع لقوانين الله وشريعته، وهذا فيه فقدان الكثير من المكتسبات الدنيوية التي اعتاد عليها أهل الدنيا الراكنون إليها.

ثانياً: الغاية من الوجود

إذا كان كل شيء في هذا الكون – ابتداءً من أصغر ذرة في جسم الإنسان مروراً بالمجرات وانتهاءً بما لا يزال يكتشف إلى اليوم في هذا الكون الفسيح – يدل على أنه ليس نتاج الصدفة، فإنه يدل – كذلك – على وجود الغاية وانتفاء العبثية وراء إيجاده.

وإثبات الغاية ونفي العبثية هو أمر زائد على مجرد نفي الصدفة والعشوائية، فإن نفي الصدفة يعني أن هناك سبباً مناسباً وراء الشيء الذي حدث – فقط – وأما نفي العبثية فيعني أن هذا السبب كان له حكمة وغاية وقصد في إيجاد ما أوجد وليس لمجرد العبث.

وإذا نظرت إلى هذا الكون العظيم، فستجد أن:

– اتقانه المذهل،

– وأحكامه المعجز،

– وجماله المدهش،

– وتناسقه العجيب،

– وسيره على قوانين منتظمة وثوابت كونية – أجبرت العلماء ٢٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» على اتساع أحداقهم اندهاشاً من هذه الدقة العجيبة.

– وانضباطه في أدق الأشياء وأصغرها - كالحلية وما فيها من عمل معجز، وما تحويه من المعلومات الوراثية الدقيقة،

– وغير ذلك مما لا ينتهي من شواهد الدقة في الكون والإنسان.

كل ذلك ينفي عند العاقل المتأمل فكرة العبثية وانعدام الغاية في إيجاده، فإن الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٧].

فلماذا كل هذا الاتقان المخيف إذا كانت القضية مجرد لعب وهو عبث؟

﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الحكيم﴾ [المؤمنون: ١١٥-١١٦].

فوجود الغاية والحكمة العظيمة ظاهر من خلال التأمل في المخلوقات واستعمال مبدأ (دلالة الأثر على المؤثر)، ولكن السؤال: ما هي هذه الغاية العظيمة؟ وكيف نعرفها؟

إذا نحن أثبتنا وجود الخالق العظيم الحكيم، ثم أثبتنا بالدلائل والبراهين أنه أرسل رسلاً وأنزل كتباً ليبين للناس ما يريد منهم - وسيأتي ذكر هذه البراهين إن شاء الله -؛ فإن البحث عن الجواب من خلال رسالة الله الخالق - نفسه - والاهتداء بالعلم الذي أنزله كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٢٤

7

بالعلم الذي انزله كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ﴿ ٢٤ ﴾ علي رسله هو عين العقل ومقتضي الحكمه الصحيحه. فان الانسان اذا وقف - اثناء رحله بحثه عن هذا السؤال الكبير - علي مصدر يهديه ويرشده، وثبت لديه ان هذا المصدر سبب كل معرفه، واصل كل علم، وان هذا المصدر هو سبب الوجود كله؛ فان اعراضه عنه، وبحثه عن غيره لا يدل الا علي جهل او استكبار.

كله؛ فان اعراضه عنه، وبحثه عن غيره لا يدل الا علي جهل او استكبار. ان الله ﷺ كما جعل للناس علامات وقوانين يهتدون بها الي طرق البر والبحر والجو، ويتفاعلون معها وينطلقون علي ضوئها الي افاق ماديه عظيمه، فانه جعل للناس علامات يهتدون بها الي الحقائق الغائيه المعرفيه الكبري التي اوجد الكون لاجلها.

يهتدون بها الي الحقائق الغائيه المعرفيه الكبري التي اوجد الكون لاجلها. فالي اين يذهب الانسان في الاوديه الموحشه بعيدا عن انوار الوحي الذي انزله الله لينير عقل الانسان ويسكن روحه؟ لقد جرب الانسان ركوب سفينه ارائه المحضه، وخوض بحار البحث عن حقائق الكون الكبري دون استعانه باي ادله خارجيه، فلم يصل الي ما يشفي صدره من الجواب.

الكبري دون استعانه باي ادله خارجيه، فلم يصل الي ما يشفي صدره من الجواب. نعم؛ قد يتوصل بنظره العقلي الصحيح - ان سلم من المعارض وكان متجردا (وما اقل المتجردين) - الي اثبات وجود خالق لهذا الكون، والي بعض ما ينبغي ان يكون عليه من صفات، والي ﴿ ٢٥ ﴾ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ضروره انعدام العبثيه وراء هذا الخلق، ولكن: هل هذا كل شيء؟

ضروره انعدام العبثيه وراء هذا الخلق، ولكن: هل هذا كل شيء؟ اننا اذا عرفنا ضروره انعدام العبثيه وتاكدنا من وجود غايه عظيمه؛ فكيف السبيل الي تحديد هذه الغايه؟

وتاكدنا من وجود غايه عظيمه؛ فكيف السبيل الي تحديد هذه الغايه؟ ان الانسان يريد الوصول الي معرفه تفصيليه بخالقه وخالق كل شيء، يريد ان يتعرف عليه، ويتواصل معه، انه يشعر في نفسه بالتعظيم تجاهه، لكن يريد ان يعرف كيف يعظمه علي الوجه الذي يحبه؟ يريد ان يمجده، ويثني عليه، انه يريد من هذا الخالق العظيم جبر كسره، وتقويه ضعفه، واناره دربه.

انه يريد من هذا الخالق العظيم جبر كسره، وتقويه ضعفه، واناره دربه. ان الانسان يريد ان يعرف مبداه ومصيره، يريد ان يعرف ما يريده الخالق منه، فهو يحتاج الي بيان شاف ممن يعلم حقائق كل شيء ويحيط بها سبحانه، يسهل عليه معرفه ما وراء المحسوس، ويكشف له جواب ما يقلق عقله من تساؤلات.

عليه معرفه ما وراء المحسوس، ويكشف له جواب ما يقلق عقله من تساؤلات. ولان الخالق سبحانه كامل الصفات، فقد اقتضت حكمته ورحمته ان يبين للانسان هذه الحقائق، وان يكون بيانه لها عن طريق صفوه من البشر بلغوا الغايه في الصدق والامانه والتقي، يختارهم الله بعلمه: ف- «الله اعلم حيث يتجعل رسالته» ﴿ ٣ ﴾ [الانعام: ١٢٤]، ويقيم الدلائل علي صدق رسالتهم، وصحه نبوتهم.

﴿ ١٢٤ ﴾، ويقيم الدلائل علي صدق رسالتهم، وصحه نبوتهم. ﴿ ٢٦ ﴾ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

8

وصحه نبوتهم.

٢٦ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

إن المتأمل في القرآن الكريم -الذي هو آخر رسالة ينزلها الله على عباده- سيجد أن حظًا كبيرًا من آياته تعرفنا بالله سبحانه، بل إن أعظم آية في هذا الكتاب العظيم أنها هي تعريف بالله -آية الكرسي-، وأعظم سورة في القرآن أنها هي حمد لله وثناء عليه وتوكل عليه واستعانة به -سورة الفاتحة-،

وكذلك السورة التي ثبت عن النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن -الإخلاص-، إنها هي تعريف بالله تعالى وتمجيد له.

قال سبحانه: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ (الطلاق: ١٢). فهذه الرسالة الإلهية الخاتمة تعرف البشرية بعظمة وجلال وكمال خالقهم جل وعلا،

كما أنها تعرفهم بأن إرادتهم الحرة محل لابتلاء الله لهم ليعبدوه طوعًا واختيارًا، فيثيب مطيعهم بأعظم الثواب، ويعاقب عاصيهم بأشد العقاب، فقال ﷺ: «تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير» (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور) (الملك: ١-٢).

وقال سبحانه: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكانت عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [سورة هود: ٧].

٢٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

وقال سبحانه: ﴿إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون﴾ [يونس: ٤].

ويبين الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه أنه غني عن عباده، وأنه غير محتاج إليهم، وأن من اهتدى وأطاع فقد فاز وحصل الربح لنفسه، ومن ضل وابتعد فقد خسر وكان الوبال عليه.

ويذكر عباده بأن وراء إيجاده لهم أمر عظيم من معرفة الحق والباطل والخير والشر وما يتبع ذلك من انقسام الناس بينهما ثم الصراع بين الفريقين الذي يستخرج أحسن ما في الوجود من كمال مخلوق، وأسوأ ما فيه من الشر، وفي ذلك أعظم آية على كمال الله المتفرد الذي يخضع له أحسن ما في الوجود اختيارًا.

قال الله جل وعلا: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لأخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ [الأنبياء: ١٦-١٨].

وقال: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٥-١١٦].

٢٨ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

9

## ٢٨ كامل الصوره

«لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وقال عز وجل: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] قال الشافعي رحمه الله: السدي: الذي لا يؤمر ولا ينهي!

وقال في غاية البيان: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]

وقال الله عز وجل: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون﴾ [هود: ١١٨-١١٩] مختلفين.

إن الغاية من الوجود إذاً، هي:

1معرفة الله العظيم.
2التقرب إليه اختياراً.
3إثابة المحسنين بأعظم النعيم.
4إيجاد الحق والباطل امتحاناً واختباراً لينتج عن ذلك اصطفاء أفضل المخلوقات وإبعاد أرذلهم ومعاقبتهم.
5ظهور آثار صفات الله سبحانه من العلم والخلق والحكمة والقدرة والعزة والرحمة... الخ من غير احتياج لهم.

العلم والخلق والحكمة والقدرة والعزة والرحمة... الخ من غير احتياج لهم.

## ٢٩ كامل الصوره

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» - هذا شيء مما ظهر لنا من الحكمة في ذلك، ولا يحيط أحد بحكمة الله علماً، والله سبحانه لا يسأل عما يفعل، وهو الأعلم بتمام حكمته، ونحن نجتهد في فهم ما بينه لنا منها، وهو غني عنا وعن فهمنا وعبادتنا، سبحانه وتعالى.

* * *

ثالثاً: إثبات النبوة وصحة القرآن الكريم

تنوعت أساليب الطاعنين في نبوة المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، واختلفت شبهاتهم وتعارضت في سبيل تكذيبها، وبذلوا جهوداً امتدت على طول أربعة عشر قرناً ليثبتوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يأت بالقرآن من عند الله تعالى، فلم يفلحوا.

وبعد أن اتفق العالمون بلسان العرب منهم على الاندهاش والتعجب من عظمة القرآن الكريم وبلاغته وفصاحته، اختلفوا في الجواب عن سؤال: من أين جاء النبي ﷺ بالقرآن؟ فتارة يقولون عن النبي إنه ساحر تتنزل عليه الشياطين.

فقال الله لهم: ﴿هل أنبأكم على من تنزل الشياطين﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تنزل على كل أفاك أثيم﴾ [الشعراء: ٢٢٢] وهم يعلمون أن النبي ﷺ لم يكن أفاقاً ولا أثيماً، إذ أن ألسنتهم لم تجف بعد من حديثهم عن صدق محمد وأمانته.

وتارة يقولون إنها يعلمه بشر، ثم لم يجدوا في فصحاء العرب ولا بلغائهم المعروفين من يمكنهم أن ينسبوا القرآن إليه فنسبوه إلى حداد رومي أعجمي في مكة زعموا أنه معلم الرسول ﷺ، فقال الله جل وعلا: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر﴾

## ٣١ كامل الصوره

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

10

انما يعلمه بعثو ٣١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ﴿النحل: ١٠٣﴾. ثم جاء المتاخرون منهم ليقولوا انه سرق مضامين القران من الكتب المقدسه قبله، لانهم وقفوا علي بعض التشابهات بين قصص القران وقصص التوراه والانجيل، ولكنهم غفلوا عن امور متعدده تجعل شبهتهم هذه علامه علي افلاسهم وعجزهم امام الحق وسطوته.

تجعل شبهتهم هذه علامه علي افلاسهم وعجزهم امام الحق وسطوته. فالتشابه في القدر الصحيح من القصص انما هو من العلامات المؤيده لصدقه ﷺ وليس العكس، اذ ان سبيل علم النبي ﷺ بتلك القصص الصحيحه انما هو الوحي، لانه امي لم يكن يستطيع قراءه الكتب المقدسه، ولانها لم تكن مترجمه الي اللغه العربيه في ذلك الزمن اصلا، اضافه الي ان القساوسه كانوا يضنون بنسخ الكتاب المقدس ويطونها عن العامه ليكونوا وسطاء بينهم وبين الرب.

كما انه قد فات اولئك المشككين ان القران الكريم قد خالف قصص الكتابين في مواضع كثيره ثبت في بعضها مؤخرا بوسائل الاثبات التاريخيه صدق ما تفرد به القران الكريم، كعدم تسميته حكام مصر وقت يوسف ﷺ بالفراعنه مع ان الكتاب المقدس كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٣٢ سماهم بذلك، ثم ثبت تاريخيا انها لم تكن مرحله حكم الفراعنه.

واضاف القران علي قصص الكتاب المقدس امورا كثيره افردت في كتاب، علي ان القران فيه بيان واضح انه مصدق لما بين يديه، فوجود التشابه في بعض المضامين هو مما اخبر به القران نفسه وليس مما اكتشفه خصومه.

واما طعنهم علي شخص النبي ﷺ فان اوائلهم اتهموه بتهم متعارضه يظهر فيها الاضطراب والحنق والشعور بالعزيمه، فقالوا عنه: (ساحر وكاهن ومجنون وشاعر ومعلم) وغير ذلك، ثم جاء المتاخرون فنبشوا كتب السير والتاريخ والادب؛

ليستخرجوا بمنظار الكراهيه والحقد اي موقف يطعنون به علي النبي الكريم فاهانوا في سبيل تحقيق ذلك كل منهج علمي معتبر، حيث اعرضوا عن الاخبار التي توفرت فيها شروط الثبوت والصحه وتمسكوا بكل اثر منقطع الاسناد يرويه مجهول او كذاب.

وهم جميعا - متقدهم ومتاخرهم - يفرون عن وسيله التخطئه الواضحه التي ارشدهم الله اليها، فقال لهم: ﴿وان كنتم في رب مما نزلنا علي عبدنا فاتوا بسوره من مثله﴾ وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين ﴿١٠﴾ فان لم تفعلوا ولم تفعلوا فاتقوا النار الي وقودها الناس وللجاره اعدت للكافرين ﴿١١﴾﴿البقره: ٢٣-٢٤﴾.

وتحداهم كذلك بقوله: ﴿قل لين اجتمعت الياس واجن علي ان ياتوا بعشله﴾ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ ﴿الاسراء: ٨٨﴾.

11

ان ياتوا بعشله ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقد نزلت هذه الآية في وقت كانت قريش مستعدة فيه للتنازل عن كنوزها كلها لتغلب النبي ﷺ، ولقد كانت بضاعة البيان - حينذاك - رائجة أي رواج، وكان كثير من العرب خارج مكة يتربصون برسول الله ﷺ الدوائر، ويحرصون على محاربتهم وهزيمتهم، كما فعلوا في غزوة الأحزاب؛ فما بالهم وقفوا جميعاً مشدوهين مدهوشين أمام هذا التحدي؟

الم يكن اجتماعهم على ان ياتوا بمثل هذا القرآن أسهل عليهم من المعارك التي خاضوها مع النبي ﷺ؟!

ألم تكن أنفتهم - وهم وجوه العرب - تابي عليهم أن يتركوا هذا التحدي الذي أعلنه خصمهم أمام الناس إلا بخوض غباره ومحاولة الانتصار فيه؟ خاصة وأنه استفزهم بإعلانه أنهم لن يستطيعوا أن يكسبوا هذا التحدي، مع أنه أباح لهم أن يستقوا بمن شاءوا، وأن يستعينوا بمن أرادوا.

كتب الدكتور محمد دراز رحمه الله في كتابه النفيس (النبا العظيم) واصفاً التحدي الذي في سورة البقرة المختوم بقوله كامل الصورة «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ﴿ فإن لم تفعلوا ولم تفعلوا فاتقوا النار ﴾ [البقرة: ٢٤] بقوله:

«فانظر أي الهاب، وأي استفزاز: لقد أجهز عليهم بالحكم الباب المؤبد في قوله: ﴿ ولم تفعلوا ﴾، ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء، وأبناء الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم. ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلماً يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك حيلة يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعاً بالقلم واللسان.

ومضى عصر القرآن والتحدي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا بهذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن على ما عجز عنه أوائلهم؛ لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل.

12

٣٥ كامل الصوره

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» باشياعهم من قبل. ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا أشد عجزا، وأقل طمعا في هذا المطلب العزيز فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم... ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها»(١) اه.

ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها»(١) اه. وهذا التحدي القرآني باق ما دامت السماوات والأرض، فمن كان في ريب من القرآن فدونه هذا الميدان فليبد صفحته، وليعلن عن نفسه، وليأت بسورة من مثله؛ فإن لم يفعل ولن يفعل فليتق النار فإنها حق.

الأخبار الغيبية:

من المعلوم أن الإنسان مهما بلغت ثقته بحدسه فإنه لا يستطيع أن يراهن على قدرات الآخرين التي تتقلب وتتبدل، ولا بد له -لو أخبر بشيء مستقبلي لا دخل له بالحسابات والتوقعات العلمية- أن يجعل لنفسه طريق رجعة فيما لو لم يقع هذا الأمر الذي تنبأ به، وأما أن يأتي إنسان فيتحدث عن أخبار غيبية كثيرة، متنوعة

(١) النبأ العظيم، محمد دراز، طبع دار طيبة (ص ١٠٥ - ١٠٦). كامل الصوره

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٣٦

في موضوعاتها، متباينة في أزمان وقوعها، مختلفة في متعلقاتها، فمنها ما هو متعلق بتغيرات كونية، ومنها ما هو متعلق بأحداث سياسية، ومنها ما هو متعلق بأمور اجتماعية، ومنها ما هو متعلق بأشخاص بأعيانهم حول مصيرهم بعد عشرات السنين من وقت الخبر: بقوة وثقة وجزم وقطع، ثم يقع ما أخبر به على الهيئة التي أخبر بها، فإن ذلك كله ليس في نطاق قدرات البشر.

فإذا تقرر ذلك؛ فتأمل معي هذه الأخبار الغيبية في القرآن:

١ - قال الله تعالى: ﴿التربي المؤمنون﴾ والتربي المؤمنون ﴿متعده بالعزة﴾ والعزة ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده بالعزة﴾ ﴿متعده

٣٧ كامل الصوره

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

﴿متعده ٣٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

المسلمين في نفس اليوم الذي يتوج فيه الروم على الفرس، وذلك من قول الله تعالى: ﴿وتوفيهم بفرح المؤمنون﴾ (١) ينصر الله ولا شك أن في الآية أخبارا بفرح المؤمنين بالنصر، لكن الخلاف في متعلق هذا النصر: هل هم المسلمون أم الروم.

تري ما الدافع لأن يعرض النبي ﷺ دعوته لخطر التكذيب - لو لم يكن واثقا تمام الثقة - بحديثه الجازم عن نتيجة حرب لم تنشب بعد، بين أكبر جيوش العالم في ذلك الوقت، وزيادة على ذلك يجدد الفترة الزمنية التي ستكون ظرفا لوقوع هذه الحرب الكبرى.

ماذا لو لم تنشب هذه الحرب؟ وماذا لو نشبت ولكن كانت النتيجة فيها لصالح الفرس؟ بل وما ذا لو انتصر الروم ولكن بعد المدة الزمنية المحددة أو قبلها؟ ألا يجعل ذلك للكفار حجة في تكذيبهم وإعراضهم؟ بلى، والله! غير أنه لم تنصرم بضع السنوات المذكورة في الآية إلا وقد نشبت الحرب بين الفرس والروم، وانقضت بانتصار الروم على

٣٨ كامل الصوره

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

13

بانتصار الروم علي ٣٨ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» الوجه الذي جاء في القران؛ بل ويري طائفه من المؤرخين ان ذلك كان بالتزامن مع انتصار المسلمين في معركه بدر؛ ليكون ذلك كله دليلا علي ان القران من عند الله عالم الغيب وحده.

بدر؛ ليكون ذلك كله دليلا علي ان القران من عند الله عالم الغيب وحده.

٢ - الوعد الثاني: قال الله تعالي عن مشركي قريش: ﴿سيهرم الجمع ويولون البشر﴾ [القمر: ٤٥] وهي ايه مكيه نزلت قبل اي قتال بينهم وبين المسلمين، وهي ايه فيها خبر مستقبلي لا يمكن الجزم والقطع به الا ممن يعلم الغيب وحده، لان الظرف الذي نزلت فيه هذه الايه كان ظرفا صعبا علي المسلمين في مكه،

لان الظرف الذي نزلت فيه هذه الايه كان ظرفا صعبا علي المسلمين في مكه، اذ كان يصدق عليهم لقب (المستضعفين) حيث كانوا في حاله اضطهاد ديني شديده، فاي جمع ذاك الذي سيهزم؟ وهل ستولي هذه القوه العظمي - قريش - ادبارها امام هؤلاء المستضعفين؟ كيف يكون ذلك،

العظمي - قريش - ادبارها امام هؤلاء المستضعفين؟ كيف يكون ذلك، واذا كان الخبر من باب التفاؤل والرجاء فلماذا لا ياتي بصيغه تحتمل الوقوع او تغلبه ولكن يبقي فيها تجويز لخلافه بدلا من هذا الجزم. وما هي الا سنوات يسيره حتي بدا عز الاسلام في المدينه، ثم جاء جمع المشركين الي حتفه ببدر، وهزموا، وولوا الدبر، وصدق الله وعده ونصر جنده.

الي حتفه ببدر، وهزموا، وولوا الدبر، وصدق الله وعده ونصر جنده.

٣٩ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

٣ - الوعد الثالث: قال الله تعالي: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤول يا بالحق لتنظل المسجد الحرام ان شاء الله وامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا﴾ قريبا (١) [الفتح: ٢٧].

لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا﴾ قريبا (١) [الفتح: ٢٧]. هذه الايه نزلت في صلح الحديبيه، العام السادس من الهجره، وفيها وعدان مستقبليان:

١ - دخول المسجد الحرام بامان مع اداء العمره.

٢ - انه سيكون قبل هذا الدخول فتح قريب. ثم يقع هذان الوعدان كما اخبر الله تعالي.

قبل هذا الدخول فتح قريب. ثم يقع هذان الوعدان كما اخبر الله تعالي. ففي العام السابع من الهجره فتحت خيبر، وكان فتحها خيرا كبيرا للمسلمين، ثم وفي نفس العام دخل النبي ﷺ واصحابه مكه، معتمرين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون، ليكون ذلك دليلا اخر علي ان هذا القران من عند الله ﷺ.

لا يخافون، ليكون ذلك دليلا اخر علي ان هذا القران من عند الله ﷺ.

٤ - الوعد الرابع: الاخبار الجازم باعلي اساليب الجزم والتاكيد بانتصار النبي ق في الدنيا قبل الاخره، كما قال الله عز وجل: ﴿من كان يظن ان لن يصره الله في الدنيا والاخره فليمدد بسبب الي السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن حجبه ما يقيط﴾ (١) [الحج: ١٥] ٤٠

14

فلينظر هل يذهبن حجبه ما يقيط ﴿ (١) [الحج: ١٥] ﴾ ٤٠ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وتاملوا معي جمال تفسيرها: قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: «من كان» من الكفره الحساده له ﷺ «يظن ان لن ينصره الله»؛ أي: ان لن ينصر الله نبيه محمدا ﷺ، «فليمدد بسبب الي السماء» أي: بحبل الي السماء؛ أي سماء بيته، والمراد به السقف: لأن العرب تسمي كل ما علاك سماء كما قال: وقد يسمي سماء كل مرتفع، وانما الفضل حيث الشمس والقمر.

والمعني: فليعقد راس الحبل في خشبه السقف، «لم ليقطع»؛ أي: ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلي مع الحبل المعلق في السقف حتي يموت، وانما اطلق القطع علي الاختناق؛ لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه؛ ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس: قطع.

فلينظر اذا اختنق «هل يدهبن حجبه» أي: هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه ﷺ في الدنيا والاخره. والمعني: لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ.

٤١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» (١) وحاصل هذا القول: ان الله يقول لحاسديه ﷺ، الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون ان ربه لن ينصره: موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محاله علي رغم انوفكم، وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتاده، وعكرمه، وعطاء، وابو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو اظهرها عندي.

وما يشهد لهذا المعني من القران قوله تعالي: ﴿واذا خلوا عضوا عليكم الانتامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم﴾ ﴿ [ال عمران: ١١٩] ﴾. انتهي اختصار هذا الكلام البديع من الامام محمد بن الامين الشنقيطي تغمده الله برحمته من كتابه اضواء البيان (١).

واما الوعود الغيبيه في السنه النبويه الصحيحه فهي كثيره جدا، يطول المقام بذكرها، وفيها من التفصيلات المتعلقه بالاشخاص والاحداث الشيء العجيب كالاخبار باستشهاد عمر وعثمان رضي الله عنهما، مع انهما خليفتان يحكمان دوله عظيمه، والاخبار بان عمارا تقتله فئه باغيه،

والاخبار بان الحسن يصلح بين فئتين من المسلمين، وكالاخبار بظهور الخوارج، وكالاخبار بان فاطمه ابنته هي اول من يموت من اهله بعده، الي غير ذلك من الاخبار الصحاح.

(١) اضواء البيان دار عالم الفوائد (٥٠/٥٢ - ٥٣).

٤٢ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بين اصدق الصادقين واكذب الكاذبين:

15

## اليقين وتثبيت الثوابت

بين اصدق الصادقين واكذب الكاذبين: كتب ابن ابي العز الحنفي رحمه الله كلمه جميله حول النبوه، وقد ذكر معناها –قبله– ابن تيميه رحمه الله، وهي كلمه مطربه للعقل، منعشه للذهن، ومنذ ان وقفت عليها وانا احب تكرارها في كل موطن تذكر فيه دلائل نبوه محمد ﷺ.

قال ﷺ: «النبوه انما يدعيها اصدق الصادقين، او اكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا الا علي اجهل الجاهلين، بل قرائن احوالهم تعرب عنها، وتعرف بها، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيره فيها دون دعوي النبوه، فكيف بدعوي النبوه؟» ﴿١﴾ اه.

واذا انطلقنا لنري شواهد صدق محمد ﷺ فسنري من كثرتها ما نعلم به السبب الذي لاجله قال عبد الله بن سلام حين راه: «عرفت ان وجهه ليس بوجه كذاب» ﴿٢﴾.

فقبل ان يبعثه الله بالرساله لبث عمرا في قومه بمكه لا يرون منه الا شواهد الصدق والامانه، حتي استحق فيهم لقب (الصادق الامين)، ولذلك؛ فانه ﷺ اول ما خاطبهم بالرساله اتكا علي ما يعرفونه عنه من صدق وبعد عن الكذب؛ فقال لهم: «ارايتكم لو اخبرتكم ان خيلا تخرج بسفح هذا الجبل؛ اكثنم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا! قال: فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» ﴿١﴾.

وحين ذهب ابو سفيان الي الشام قبل اسلامه، وكان سيد قريش وقائدها ضد رسول الله، استدعاه هرقل عظيم الروم ليعلم منه خبر محمد ﷺ، فساله عن عدد من الامور التي اراد بها التوصل الي معرفه حقيقته، فكان فيها ساله: «هل كنتم تتهمونه بالكذب؟» فاجابه ابو سفيان: لا. فقال له هرقل قوله حكيمه: «وسالتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ان يقول ما قال فذكرت ان لا؛ فقد اعرف انه لم يكن ليذر الكذب علي الناس، ويكذب علي الله» ﴿٢﴾.

وحين كسفت الشمس في اليوم الذي مات فيه ابراهيم ابن النبي ﷺ قال الناس: (كسفت الشمس لموت ابراهيم) فماذا كان رد النبي محمد ﷺ علي هذا الكلام؟ هل ايدهم عليه؟ او علي الاقل سكت؟ ﴿١﴾.

16

صحيح البخاري (٧). ٤٤ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بل قام فيهم خطيبا مصححا هذا الاعتقاد الخاطئ، معظا ربه وخالقه ومولاه قائلا: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينتكسفان ليموت أحد ولا لجياته» (١).

ثم أرشدهم إلى الصلاة والاستغفار والصدقة؛ وذلك لأنه رسول من عند الله، ولو قيل مثل هذا الكلام في حق ملك من ملوك الدنيا لكان شأنه في التعامل مع هذا التعظيم لابنه آخر.

ومن شواهد صدقه ﷺ أنه بلغ القرآن كاملا مع أن فيه آيات عتاب الله له، كقوله ﷺ: ﴿عبس ورفضك أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يرفقك﴾ [عبس: ١-٣].

وقوله: ﴿لم أدنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣]؟

وقوله: ﴿يـأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزوك﴾ [التحريم: ١].

وقوله: ﴿وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].

أخبروني بالله عليكم لو لم يكن محمد رسول الله حقا، أكان يبلغ هذه الآيات؟ ما الذي يضطره لقول هذا الكلام الذي يقرؤه الناس إلى يوم القيامة إلا أنه مأمور بتبليغه؟ (١) صحيح البخاري (١٠٤٣) صحيح مسلم (٩٠٢).

٤٥ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وكثير من آيات القرآن الكريم فيها بيان واضح بأن النبي محمدا عليه الصلاة والسلام عبد لله، مبلغ رسالة ربه، وأنه لا يضر ولا ينفع، ولا يعلم الغيب، وأنه ليس له من الأمر شيء، فبلغها كما أمر، وهذا من دلائل صدقه ونبوته عليه الصلاة والسلام.

فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وقوله: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾ [آل عمران: ١٢٨]، قال: ﴿إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا﴾ [الجن: ٢١-٢٢]، وقوله: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب﴾ [الأنعام: ٥٠].

وقوله: ﴿قل ما حسن بدعا من الرسول وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩].

ومن دلائل نبوة محمد ﷺ: حفظ الله له ونصره إياه كما أخبره ووعده في القرآن، فعلى مر ثلاث وعشرين عاما قضاها رسول الله في تبليغ الرسالة تعرض فيها لكل أنواع الأذى لكن لم يستطع أحد من أعدائه قتله، على كثرة المحاولات من مختلف الأعداء؛ فالله سبحانه أنزل عليه ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] فعصمه، وأيده بسكينته، وجنده، حتى أتم الرسالة، وبلغها، ونزلت شهادة الله له من السماء: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣].

ودخل الناس في كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٤٦ دين الله أفواجا، وفتحت مكة.

17

## اليقين وتثبيت الثوابت

دين الله أفواجًا، وفتحت مكة. وإذا أردت أن تدرك الحفظ الإلهي له فانظر إلى بيته الذي كان في المدينة، فلم يكن حصنًا كحصون اليهود، ولا قلعة كقلاع الروم، وإنما حجرات لا حارس عليها ولا بواب، إلا عين الله التي تحرسه.

ففي صحيح البخاري من طريق ثابت البناني، قال: سمعت أنس بن مالك يقول لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم، قال: فإن النبي ﷺ مر بها وهي تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري» فقالت: إليك عني، فإنك خلو من مصيبتي. قال: فجاء ورها ومضى، فمر بها رجل، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قالت: ما عرفته،

ومضى، فمر بها رجل، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله ﷺ، قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا. فقالت: يا رسول الله، والله ما عرفتك. فقال النبي ﷺ: «إن الصبر عند أول صدمة» (١). ومع ذلك فقد كان الله سبحانه يحفظه من كل شر، وينجيه من كل كيد.

ومن دلائل نبوته ﷺ أنه كان ينق بوعد الله له، فلا يهتر قلبه في أحرج الظروف وأصعبها؛ متوكلاً على خالقه ومولاه، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن أبا بكر الصديق حدثه، قال: «نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا» (١) صحيح البخاري (٧١٥٤).

«نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا» (١) صحيح البخاري (٧١٥٤). كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه، أبصرنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (١).

وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أخبره: أنه غزا مع رسول الله قبل نجد، فلما قفل رسول الله قفل معه، فادركتهم القائلة في واد كثير العضاء - أي الشجر -، فنزل رسول الله وتفرق الناس في العضاء، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله تحت سمره فعلق بها سيفه. قال جابر: فيمنا نومه،

ثم إذا رسول الله يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله: «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال لي: من يمتعك مني؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس» ثم لم يعاقبه رسول الله (٢).

(١) صحيح البخاري (٤٦٦٣) صحيح مسلم (٢٣٨١).

(٢) صحيح البخاري (٤١٣٥) صحيح مسلم (٨٤٣).

رابعًا: محاسن الإسلام

18

صحيح البخاري (٤١٣٥) صحيح مسلم (٨٤٣).

رابعا: محاسن الاسلام

كثيرا ما يتم الحديث عن محاسن الاسلام نظريا، غير ان اكثر من يدرك محاسن الاسلام علي حقيقتها، واكثر من يشعر بحلاوه الايمان ويتذوقها هو الملتزم بتعاليم الاسلام وادابه في نفسه ومع اهله وجيرانه، وفي معاملاته، وفي خلوته، اذ ان الاسلام يغرس في نفس من يلتزم به قيما مطلقه متجاوزه للزمن.

اذ ان الاسلام يغرس في نفس من يلتزم به قيما مطلقه متجاوزه للزمن، نابعه من ضمير الفرد –ولو غاب القانون الرادع–، وهي اسمي من النفعيه المجرده، واعلي من كونها صادره عن تنظير فيلسوف او حكيم او مجموعه مشرعين.

والالتزام بهذه القيم حال غياب الرقيب يكسب المؤمن شعورا تاما بالثقه والاطمئنان لجمال هذا الدين العظيم، لانه يري اثره عليه في منعه من الظلم والبغي والخيانه والفواحش، ومهما قيل بعد ذلك في الاسلام من تهم وتشكيكات فانها لا تكون ذات قيمه وبال عنده لان عنده ما يعارضها.

(« لقد تميز الاسلام علي سائر الديانات الموجوده اليوم بوضوح العقيده في (الاله) من جهه الكمالات المتعلقه به، ولذا فان العقل لا يجد تكلفا في قبول الاعتقاد الاسلامي في الله ٤٩ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»)

الاسلامي في الله ٤٩ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» سبحانه، بخلاف الخرافات والاساطير الموجوده في تصورات كثير من البشر تجاه الاله، وهذه القضيه من اظهر القضايا في دين الاسلام، والاستدلال عليها لا يحتاج الي كبير عناء، فالقران من اوله الي اخره تمجيد وتعظيم وتنزيه له عز وجل.

والسوره التي اخبر النبي ﷺ انها اعظم سوره في القران هي السوره التي تبدا بحمد الله والاعتراف بانه رب العالمين، وانه مالك يوم الدين، وتبين العلاقه بين المخلوق وبين الخالق بالتعظيم الذي ينبغي للخالق، بانه لا يعبد الا هو، ولا يستعان الا به، فهذه اعظم سوره.

وكذلك اعظم ايه في القران، كلها متعلقه بالاله من اولها الي اخرها، وهي ايه الكرسي. ولا يوجد عند امه من الامم المتدينه تعظيم للاله بمثل ما في ايه الكرسي. ثم انه قد صح عن النبي ﷺ ان في القران سوره تعدل ثلث القران، وهي سوره الاخلاص، واذا تاملت فيها وجدت ان جميع السوره انها هي تعظيم وتنزيه له.

بينما اذا نظرت فيها جاء عن الخالق في سائر الاديان فلن تحتاج الي كبير جهد لتدرك الفارق بين الاسلام وبين غيره، بل ان المقارنه ٥٠ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بين الاسلام وغيره في هذا الباب ظالمه.

19

«لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بين الاسلام وغيره في هذا الباب ظالمه. ومن جمال وكمال وعظمه التصور الاسلامي عن الله جل وعلا انه لا يقتصر علي مجرد الوصف الكامل، بل هذا الوصف يقتضي التعبد والخضوع والذل لله عز وجل. وفي ذلك يقول فريد الانصاري رحمه الله: «فالربوبيه اذن - لمن عرفها حقا وصدقا - جالبه للمحبه؛

الله: «فالربوبيه اذن - لمن عرفها حقا وصدقا - جالبه للمحبه؛ لانه اذا كانت الالهيه - وهي عقيده المحبه وما تفرع عنها خوفا ورجاء كما اصلنا - مبنيه علي الربوبيه فمعني ذلك ان الربوبيه ذات خواص تجلب اليها القلوب فتاهبها!» (١). اذن فهذا الاعتقاد الاسلامي العظيم في الله ﷺ - علي وضوحه وجلاله وجماله - فانه يزداد جمالا علي ذلك باقتضائه التعبد لهذا الاله ﷺ.

وجماله - فانه يزداد جمالا علي ذلك باقتضائه التعبد لهذا الاله ﷺ. ومن المعلوم عند علماء الاعتقاد الاسلامي ان من اهم الادله القرانيه في الرد علي المشركين الاستدلال بتوحيد الربوبيه وبصفات الله ﷺ وكماله علي توحيد الالهيه واستحقاق الله له» (٢). «ان من اهم ما يبرز محاسن الاسلام ويرسخها في النفس: النظر الي احوال الجاهليه - سواء ما كان منها متقدما علي الاسلام

في النفس: النظر الي احوال الجاهليه - سواء ما كان منها متقدما علي الاسلام (١) جماليه الدين، معارج القلب الي حياه الروح، لفريد الانصاري (٤٥). (٢) من كتابي: نظرات منهجيه في محاسن الاسلام. ٥١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

في محاسن الاسلام. ٥١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» او متاخرا عن بدايته – ورؤيه الجانب الاصلاحي العظيم الذي جاء به الرسول ﷺ في مقابل ما كان منتشرا ومتجذرا في نفوس العرب من الناحيه الاعتقاديه والسلوكيه ومن ناحيه العادات والاعراف والتقاليد.

من الناحيه الاعتقاديه والسلوكيه ومن ناحيه العادات والاعراف والتقاليد. اننا لا نتحدث عن نتائج اصلاح عادي يقارب نتائج الحركات الاصلاحيه القديمه والحديثه، بل نتحدث عن حاله استثنائيه فريده في التاريخ، عبر عنها احد اشهر المؤرخين في التاريخ الحديث (ول ديورانت) مع كونه لا يؤمن برساله النبي ﷺ، بل وقد اثار شيئا من الطعونات والتشكيكات فيه،

يؤمن برساله النبي ﷺ، بل وقد اثار شيئا من الطعونات والتشكيكات فيه، غير ان سطوه الحقيقه عليه ابت الا ان تخرج منه هذا الكلام؛ وذلك في كتابه (قصه الحضاره)، حيث قال: «واذا ما حكمنا علي العظمه بها كان للعظيم من اثر في الناس، قلنا: ان محمدا كان اعظم عظماء التاريخ، فقد اخذ علي نفسه ان يرفع المستوي الروحي والاخلاقي لشعب القت به في دياجير الهمجيه حراره الجو وجذب الصحراء،

الروحي والاخلاقي لشعب القت به في دياجير الهمجيه حراره الجو وجذب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانيه فيه اي مصلح اخر في التاريخ كله، وقل ان نجد انسانا غيره حقق كل ما كان يحلم به» (١)(٢). (١) قصه الحضاره (١٣/٤٧). (٢) من كتابي: نظرات منهجيه في محاسن الاسلام. كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٥٢ مكانه القيم الاخلاقيه والسلوكيه في الاسلام:

وتثبيت الثوابت» ٥٢ مكانه القيم الاخلاقيه والسلوكيه في الاسلام: اذا كان الايمان اهم ما يعيش المسلم لاجل المحافظه عليه، ثم تجد في نصوص الشريعه ما ينفي الايمان عن المرء اذا لم يلتزم ببعض القيم الاخلاقيه كحسن الجوار مثلا، او تجد فيها ما يجلي حقيقه كون المرء مسلما بصفه سلامه المسلمين من لسانه ويده، فان لك ان تتخيل محل القيم الاخلاقيه والسلوكيه وشانها في الاسلام اذا.

فان لك ان تتخيل محل القيم الاخلاقيه والسلوكيه وشانها في الاسلام اذا. وقد جمع الدكتور محمد دراز رحمه الله الايات القرانيه المؤسسه للقيم الاخلاقيه في اخر كتابه دستور الاخلاق في القران. واخترت -هنا- طائفه يسيره من الاحاديث النبويه (الصحيحه) التي تشير الي ما تقدمه السنه النبويه في مجال اثر الايمان «السلوكي» و«القيمي» وتظهر شيئا من محاسن الاسلام،

في مجال اثر الايمان «السلوكي» و«القيمي» وتظهر شيئا من محاسن الاسلام، وصدرت كل حديث من هذه الطائفه المختاره بعنوان: (تعلمنا من الحديث الصحيح). ٥٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» اما بعد:

١ - فقد تعلمنا من الحديث الصحيح ان: «المؤمن من امنه الناس علي اموالهم وانفسهم» (١).

20

من الحديث الصحيح ان: «المؤمن من امنه الناس علي اموالهم وانفسهم»(١). وهنا تنكسر الشعارات وتسقط اللافتات التي يعلقها بعض الناس متظاهرا بالايمان، اذ ان الايمان عند حضور الذهب والفضه يقاس بقدر التزام المرء بالامانه.

اذ ان الايمان عند حضور الذهب والفضه يقاس بقدر التزام المرء بالامانه.

٢ - وتعلمنا من الحديث الصحيح ان النبي ﷺ اقسم بالله ثلاثا ان مؤذي جاره ليس مؤمنا، وذلك بقوله: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يامن جاره بوائقه»(٢)؛ ومعني بوائقه اي شروره. فهل يبقي شك - بعد ذلك - في ان الايمان عمل وسلوك؟!

٣ - وتعلمنا من الحديث الصحيح ان «من شر الناس يوم القيامه عند الله ذا الوجهين الذي ياتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه»(٣).

(١) رواه الترمذي (٢٦٢٧) وقال: حسن صحيح.

(٢) صحيح البخاري (٦٠١٦).

(٣) صحيح البخاري (٦٠٥٨) صحيح مسلم (٢٥٢٦).

٤ - تعلمنا من الحديث الصحيح ان التواضع رفعه، وان العفو عز (١).

٥ - وتعلمنا من الحديث الصحيح ان ننظر الي المراه المؤمنه بعدل وموازنه، فان كرهنا منها خلقا رضينا منها الاخر (٢).

٦ - تعلمنا من الحديث الصحيح الدفاع عن المال المكتسب من الحلال، شرف وكرامه ولو قتل المرء وهو يدافع عنه فانه شهيد (٣).

٧ - تعلمنا من الحديث الصحيح انه لا ينبغي للمؤمن ان يكون مغفلا مخدوعا، فان الرسول ﷺ يقول: «لا يلدع المؤمن من جحر واحد مرتين» (٤).

٨ - وتعلمنا من الحديث الصحيح حجم المسؤوليه التي تقع علي عاتق الفرد تجاه ما يحصل من تجاوزات في المجتمع (كائنا من كان هذا المتجاوز) فقد قال النبي ﷺ: «مثل القائم علي حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا علي سفينه، فاصاب بعضهم اعلاها وبعضهم اسفلها، فكان الذين في اسفلها اذا استقوا من الماء، مروا علي من فوقهم، فقالوا: لو انا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم تؤذ من فوقنا، فان يثركوهم وما ارادوا هلكوا جميعا، وان اخذوا علي ايديهم نجوا ونجوا جميعا»(١).

القائم علي حدود الله هو الذي يامر بالخير وينهي عن الشر.

استهموا يعني اقترعوا، اي عملوا بينهم قرعه ليتقسموا اعلي السفينه واسفلها. وهذا حديث يصور المجتمع بالسفينه الواحده التي لا تبلغ هدفها الا بالتعاون علي المحافظه عليها، والتعاون علي منع اصحاب الاهواء الشخصيه من اغراقها -بغباء- لتحقيق مصالحهم التي تعميهم عن النظر في مصلحه المجتمع باسره.

٩ - تعلمنا من الحديث الصحيح الحرص علي حسن المظهر ف «ان الله جميل يحب الجمال»(٢).

(١) صحيح البخاري (٢٤٣٩).

(٢) صحيح مسلم (٩١).

وعلي حسن رائحه الفم، ف«السواك مطهره للفم مرضاه للرب»(١).

21

وعلي حسن رائحه الفم، ف«السواك مطهره للفم مرضاه للرب»(١).

١٠ - تعلمنا من الحديث الصحيح: احسان الظن ف«الظن اكدب الحديث»(٢).

١١ - وتعلمنا حمل امور الناس علي الظاهر وعدم الدخول في تحليل النوايا «اشقفت عن قلبه؟»(٣).

١٢ - تعلمنا من الحديث الصحيح ان للمراه المسلمه من المكانه ما استحقت به ان يخصها النبي ﷺ بالتوصيه يوم اجتماع اكبر عدد من الناس في حياته - في الحج - بقوله: «اتقوا الله في النساء»(٤).

١٣ - تعلمنا من الحديث الصحيح وجوب مراعاه مشاعر من يشترك معنا في المجلس؛ «فلا يتناجي انتان دون الثالث»(٥).

١٤ - وتعلمنا من الحديث الصحيح بث روح الامل والعمل الصالح امام المخطئ ليعوض ما فاته، كما فعل النبي ﷺ مع من صدرت منه قبله لا تحل له؛ فخاطبه بقول الله ﴿ان الحسنات﴾.

(١) سنن النسائي (٥).

(٢) صحيح البخاري (٥١٤٣).

(٣) صحيح مسلم (٩٦).

(٤) صحيح مسلم (١٢١٨).

(٥) صحيح البخاري (٦٢٩٠).

٥٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» يذهبن السيئات ﴿هود: ١١٤﴾(١).

١٥ - تعلمنا من الحديث الصحيح مكانه الوالدين، ومنزله الارحام، وحق الجار، بل والوفاء لاصدقاء الاب بعد موته كما في الحديث الصحيح «ان من ابر البر صله الرجل اهل ود ابيه»(٢).

١٦ - وتعلمنا من الحديث ان الحياء من خير الصفات التي من الممكن ان تكون في الانسان، ولكن في المقابل لا يحسن ان تمنع هذه الصفه صاحبها من قول الحق والقيام والصدع به، فالنبي ﷺ كان «اشد حياء من العذراء في خدرها»(٣)، ومع ذلك فقد صعد علي الصفا امام قريش صادعا بالحق قائلا «اني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»(٤) ولم يترك ناديا من نواديهم لم يدع فيه الي سبيل ربه.

١٧ - تعلمنا من الحديث الصحيح ان «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع»(٥)، فالشح الهالع يمنعه من اخراج ماله ويصيبه بالجزع ان انفق شيئا منه.

(١) صحيح البخاري (٤٦٨٧).

(٢) صحيح مسلم (٢٥٥٢).

(٣) صحيح البخاري (٣٥٦٢).

(٤) صحيح البخاري (٤٧٧٠).

(٥) سنن ابي داود (٢٥١١).

٥٨ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

22

داود (٢٥١١). ٥٨ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» والهلع: الجزع، والجبن الحالع: هو الذي كانه يخلع قلب صاحبه من ضعفه وخوره فيمنعه من القيام بالحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.

فيمنعه من القيام بالحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. ولن يفي هذا المقام المختصر بعشر ما يمكن ان نتعلم (افرادا ومجتمعات) من الحديث النبوي، من قواعد في الفكر والمنهج والمفاهيم والاحكام والاداب والاخلاق تظهر لنا عظمه هذا الدين وحسنه وجماله.

والاحكام والاداب والاخلاق تظهر لنا عظمه هذا الدين وحسنه وجماله. هذا وقد كثرت المؤلفات والرسائل والبحوث في هذا الباب، حتي ان هناك من الدراسات المطوله ما افرد في اظهار محاسن باب واحد من ابواب التشريع الاسلامي كباب الحرب مثلا، وقد ذكرت في اوائل كتابي: نظرات منهجيه في محاسن الاسلام طائفه من الكتب والدراسات في باب محاسن الاسلام مقسمه بحسب طريقه تصنيفها وبحسب متعلقها، فليراجع.

الاسلام مقسمه بحسب طريقه تصنيفها وبحسب متعلقها، فليراجع. الباب الثاني: مصادر التلقي الشرعيه والموقف منها « التسليم لامر الله ورسوله (الكتاب والسنه).» « حجيه السنه. « حجيه الاجماع. مصادر التلقي الشرعيه هذا العنوان مهم جدا، واحسان التعامل معه يحل كثيرا من المشكلات المعرفيه والمنهجيه لدي المسلم.

واحسان التعامل معه يحل كثيرا من المشكلات المعرفيه والمنهجيه لدي المسلم. وقد قدمت في هذا العنوان عده مواد تناولت فيها ما لم اتناوله في هذا الكتاب، واختار منها مادتين اري مناسبه الاحاله اليها هنا: ١ - الهدايه المعرفيه؛ وهي ماده مرئيه قدمتها لنخبه من شباب الجيل الصاعد، وفيها تاسيس منهجي لقضيه المعرفه ومصادر التلقي الشرعيه وكيفيه التعامل معها.

تاسيس منهجي لقضيه المعرفه ومصادر التلقي الشرعيه وكيفيه التعامل معها. ٢ - سلسله مصادر التلقي الشرعيه؛ وهي ماده مرتبه كذلك قدمت فيها تثبيت مصادر التلقي الشرعيه -وخاصه السنه- بصوره موسعه مبرهنه.

فيها تثبيت مصادر التلقي الشرعيه -وخاصه السنه- بصوره موسعه مبرهنه. ومن المواد المفيده في هذا الباب -من جهه الاثبات او من جهه الرد علي المخالفين-: كتاب التسليم للنص الشرعي للدكتور فهد العجلان، وكتاب ينبوع الغوايه الفكريه للشيخ عبد الله العجيري، وكتاب منهج الاستدلال علي مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن. مدخل في التسليم لامر الله ورسوله

علي مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن. مدخل في التسليم لامر الله ورسوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنه اذا قضي الله ورسوله امرا ان يكون لهم الحيره من المرهم ﴿١٦﴾ [الاحزاب: ٣٦]. (التسليم) لفظ شرعي وارد في كتاب الله ﷺ، وليس من مبتكرات طائفه من الطوائف، فقد

لفظ شرعي وارد في كتاب الله ﷺ، وليس من مبتكرات طائفه من الطوائف، فقد قال الله تعالي: ﴿فلا وزيك لا يؤمنون حتي يحصموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ ﴿٢٧﴾ [النساء: ٦٥]. والتسليم لله ورسوله يكون في الاخبار وفي الاوامر علي حد سواء:

٦٥]. والتسليم لله ورسوله يكون في الاخبار وفي الاوامر علي حد سواء: ١- فالتسليم للخبر الشرعي هو التصديق به، سواء اكان خبرا عن شيء سابق او خبرا عن شيء مستقبل. وكثيرا ما ياتي الله عز وجل في كتابه باخبار غيبيه تتجاوز حدود المحسوس ويكون التصديق بها من جمله التكليف الذي امر الله به عباده، فالله جل وعلا لم يكلفنا بالعمل فقط بل كلفنا بالتصديق وامتدح المصدقين

فالله جل وعلا لم يكلفنا بالعمل فقط بل كلفنا بالتصديق وامتدح المصدقين فقال: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ ﴿٣٠﴾ [البقره: ٣]. ٦٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

23

﴿ البقرة: ٣ ﴾

٦٣ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

٢ - والتسليم للأمر يكون بالقبول الداخلي له ثم بالانقياد والعمل بمقتضاه. وأعظم التسليم للأوامر ما كان فيه مخالفة للهوي أو ما كان مبنياً على الانقياد التام ولو لم تظهر المصلحة للعبد فيه.

للهوي أو ما كان مبنياً على الانقياد التام ولو لم تظهر المصلحة للعبد فيه. ولذلك فإن الله ﷺ أظهر لنا موقف خليله وحبيبه إبراهيم ﷺ حين أمره بذبح ابنه إسماعيل ﷺ فقابل ذلك بتمام التسليم مع أن الحكمة من هذا الأمر قد لا تكون ظاهرة لإبراهيم ﷺ، فلما أسلما وتلهم للجحيم ﷺ ﴿ الصفات: ١٠٣ ﴾ أنزل الله الفداء بالذبح العظيم!

للجحيم ﷺ ﴿ الصفات: ١٠٣ ﴾ أنزل الله الفداء بالذبح العظيم! والتهوين من عبادة التسليم ينزع من العبد سر عبوديته لله التي هي في الحقيقة حريته في هذه الحياة.

ينزع من العبد سر عبوديته لله التي هي في الحقيقة حريته في هذه الحياة. وكثيراً ما تثار أسئلة للتهوين من هذه العبادة التي لم يفهم أكثر الخلق سرها وجمالها، فتجد من يقول: «ماذا بقي من مجالات للعقل إذا كان الدين مبنياً على التسليم؟» و«هل التسليم الممكن اليوم إلا التسليم لآراء الرواة ونقل الأخبار فلماذا الحديث عن التسليم؟» ونحو ذلك من الأسئلة.

ونقل الأخبار فلماذا الحديث عن التسليم؟» ونحو ذلك من الأسئلة. إن حقيقة التسليم ليس فيها أي تعطيل للعقل، بل هي مقتضى العقل ولازمه؛ فإن العقل حين يثبت صحة الرسالة المحمدية ٦٤ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

صحة الرسالة المحمدية ٦٤ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بالأدلة والبراهين، فإنه إنما يثبت أنها من عند الله جل وعلا الذي له تمام العلم وكمال الحكمة، الذي لا يجوز عليه الخطأ أو النقص، ثم هو -أي العقل- يدرك من حاله في نفس الوقت أن قدراته محدودة في الإحاطة بكل شيء علماً، وهذا يقتضي أن يسلم محدود العلم والقدرة لمن هو كامل في علمه وحكمته وقدرته، بشرط أن يثبت أن ما سلم به ثابت النسبة إلى الله سبحانه.

وقدرة، بشرط أن يثبت أن ما سلم به ثابت النسبة إلى الله سبحانه. ومع ذلك، فإننا لا نقول بانتهاء دور العقل بهذا التسليم، بل إن هناك مجالات متعددة لحركته بعد التسليم، منها:

(١) مجال التفهم والتدبر والاستنباط من النص.

(٢) مجال استخراج الحكم والمقاصد والعلل من مجموع النصوص.

(٣) مجال الجمع بين النصوص التي يكون ظاهرها التعارض.

(٤) مجال تنزيل النص على الواقع وملابساته ومتغيراته.

وإذا استعرضنا سيرة أصحاب رسول الله ﷺ ومواقفهم حيال ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه فسنجد أسمى صور الامتثال والانقياد والتسليم للأخبار والأوامر التي تصدر عن المصطفى ﷺ، حتى عند التعارض مع هوى النفس أو تقدير المصلحة،

التي تصدر عن المصطفى ﷺ، حتى عند التعارض مع هوى النفس أو تقدير المصلحة، ٦٥ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وقد كان الدافع لهذه الطاعة الفريدة: الإيمان التام بأن محمداً رسول رب العالمين ﷺ، وأنه صادق في تبليغه وأوامره، مع المحبة التامة له ﷺ. وهذه إشارة سريعة إلى بعض المواقف:

24

واوامره، مع المحبه التامه له ﷺ. وهذه اشاره سريعه الي بعض المواقف:

في العام الخامس من الهجره اجتمع جيش للكفار باعداد لم تجتمع قبل ذلك، وهو جيش الاحزاب، فحاصروا المدينه، واعانهم يهود بني قريظه فارهبوا المسلمين في اهليهم من وراء ظهورهم اثناء الحصار، وقد كان البرد شديدا وقاسيا فوق ذلك.

وفي تلك الظروف قام الرسول ﷺ في احدي ليالي الحصار بين اصحابه قائلا: «من ياتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامه؟». فهو يريد في تلك الحال الشديده ان يذهب احد اصحابه متسللا الي معسكر المشركين لياتيه بالخبر، وكان كل واحد من الصحابه يتمني لو كفاه اخوه هذه المهمه مادام ان النبي ﷺ لم يامر شخصا بعينه.

وحين لم يقم احد من الصحابه ﷺ نظر الرسول ﷺ الي حذيفه ﷺ وقال: «قم يا حذيفه»، فماذا كان موقفه تجاه هذا الامر النبوي؟

لم يات حذيفه رضي الله عنه بالتعليلات والاعتذارات، ولم يتاخر او يتردد حين وقع التعيين عليه، فقال: «فلم اجد بدا اذ دعاني باسمي ان اقوم» ثم قام من فوره وذهب الي معسكرهم وحصلت له القصه المعروفه في موضعها (١).

موقف اخر:

زوج معقل بن يسار رضي الله عنه اخته لاحد الصحابه، ثم حصل بينهما شيء فافترقا، وبعد مده من هذا الافتراق ارادا التراجع عن تراض، فاخذت الحميه معقل بن يسار، فقال للصحابي: «زوجتك وفرشتك واكرمتك؛ فطلقته، ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود اليك ابدا!»، فنزل قول الله تعالي: ﴿واذا طلقتم البساء فبلغن اجلهن فلا تعصلوهن ان يسكحن ازواجهن﴾ [البقره: ٢٣٢] اي فلا تمنعوهن من ذلك.

فلما سمعها معقل بن يسار لم يقل: «انا قلت كلمه، ولن اغيرها، والرجل عند كلمته»، الي اخر هذه الكلمات، بل قال: «الان افعل يا رسول الله»، قال: «فزوجها اياه» (٢).

موقف ثالث:

كان الصحابه رضي الله عنهم سنه الحديبيه متلهفين للعمره متشوقين لها بعد انقطاعهم عن مكه سنوات عديده، فتهيؤوا واحرموا ولبوا، وسابقتهم اشواقهم حتي قاربوا دخول الحرم، فمنعهم المشركون، وجرت بينهم مفاوضات طويله انتهت بلائحه من البنود والشروط راي فيها بعض المسلمين غضاضه عليهم، فتضاعف الهم باجتماع منعهم من البيت مع الشروط الاخري التي راوا فيها ما راوا من الغضاضه، ووقع الاتفاق علي ان تكون العمره في السنه التي تليها، فامرهم النبي ﷺ بحلق رؤوسهم والتحلل من احرامهم، وكان الحال شديدا حتي قيل ان بعضهم كاد يقتل بعضا من الغم (كما في صحيح البخاري) (١)،

ولكنهم ما ان راوا النبي ﷺ سبقهم بحلق راسه وبالتحلل من احرامه حتي قاموا واتبعوا هديه ولا يعرف عن واحد منهم الامتناع عن اتباعه في ذلك اليوم.

والخلاصه ان المطلوب من المسلم وجوبا تجاه الاخبار والاوامر الشرعيه هو الايمان والتسليم والانقياد، فان هذا هو معني الاسلام اصلا، وهو الاستسلام لله تعالي.

حجيه السنه النبويه:

ينظر بعض الناس الي احاديث النبي ﷺ باعتبار انها مجرد ركام من المرويات، لا يجزم في شيء منها بنسبته الي النبي ﷺ، ولا تتجاوز كونها محل استئناس في بعض ابواب الدين؛ ولذلك؛ لا يرون انها مصدر مستقل من مصادر التشريع الاسلامي!

25

ابواب الدين؛ ولذلك؛ لا يرون انها مصدر مستقل من مصادر التشريع الاسلامي! وهذا يخالف دلاله القران، والسنه، وعمل الصحابه، والاجماع، وواقع الشريعه.

فاما القران فانه مليء بالارشاد الي سنته ﷺ، فمن ذلك مثلا:

١ - النصوص القرانيه التي فيها الامر برد التنازع الي الله والرسول: قال الله ﷺ: ﴿فان تنازعتم في شيء فردوه الي الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]. فقوله: ﴿فان تنازعتم في شيء﴾ يشمل كل شيء؛ ﴿فردوه الي الله والرسول﴾. المراد بالرد الي الله: الرد الي كتابه - وهذا واضح لكل احد -، وكذلك فان الرد الي الرسول: هو الرد الي شخصه في حياته، والي سنته بعد مماته.

وكذلك فان الرد الي الرسول: هو الرد الي شخصه في حياته، والي سنته بعد مماته، وهذا ما اجمع عليه اهل العلم؛ قال ابن حزم رحمه الله: «والبرهان علي ان المراد بهذا الرد انما هو الي القران والخبر عن رسول الله ﷺ؛ لان الامه مجمعه علي ان هذا الخطاب متوجه الينا، والي كل من يخلق، ويركب روحه في جسده الي يوم القيامه من الجنه والناس» (١).

وقال ابن القيم رحمه الله: «الناس اجمعوا ان الرد الي الله سبحانه هو الرد الي كتابه، والرد الي الرسول ﷺ هو الرد اليه نفسه في حياته والي سنته بعد وفاته» (٢).

٢ - النصوص القرانيه الامره بطاعه الرسول ﷺ؛ فان فيها دلاله بينه علي وجوب اتباع سنته؛ لانها ايات ليست خاصه بوقت حياته، ومن قال بخصوصها فقد ادعي دعوي عارضه لا دليل عليها.

وكذلك فان الصحابه لم يكن لهم حكم خاص في التشريعات الاسلاميه، وانها هم من هذه الامه الماموره باتباع رسولها، وكذلك فان حكم الرسول لا يتغير بموته.

فنخرج من ذلك كله بان اتباع سنته المنقوله الينا عن طريق الثقات هو السبيل لامتثال اوامر الله في كتابه بطاعه رسوله، كما قال الشافعي رحمه الله في كتابه (جماع العلم): «فهل تجد السبيل الي تاديه فرض الله عز وجل في اتباع اوامر رسول الله ﷺ او احد قبلك او احد بعدك! ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ الا بالخبر عن رسول الله ﷺ؟» (١).

(١) الاحكام في اصول الاحكام لابن حزم دار الافاق (١/ ٩٧).

(٢) اعلام الموقعين لابن القيم دار الجيل (١/ ٣٩).

26

بعدك! ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ إلا بالخبر عن (١) رسول الله ﷺ؟ وأما دلالة السنة (وإن كان الاستدلال بها لا يفيد في مناقشة منكر جميع السنة، لأنه لا يعتبر السنة حجة، غير أن معرفة هذه الأحاديث تفيدنا في حجاجه من جهة معينة، وهي فيها لو استدل علينا بشيء من السنة، فإننا نطالبه بعرض جميع ما نؤمن به لا أن يقوم بانتقاء بعض الأحاديث وترك بعضها)، فقد قال النبي ﷺ:

«لا الفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به وتهيت عنه، فيقول: لا ندري، وما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»

وهذا حديث رواه الشافعي في كتاب (الرسالة) (٢) ورواه غير واحد من أصحاب السنن (٣) من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن رسول الله ﷺ وهو حديث إسناده صحيح.

وهذا الحديث نص في المسألة دل على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله ﷺ مما زاد على القرآن. وروي الحديث من وجه آخر من طريق المقدام بن معدي.

(١) جماع العلم للشافعي / مكتبة ابن تيمية (ص ٢١-٢٢). (٢) الرسالة للشافعي / دار الوفاء (٤٠). (٣) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن أبي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣).

كرب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه. وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله»(١).

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فاجلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»(٢) وإسناده لا بأس به.

وصدق رسول الله، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما زادنا هؤلاء المنكرون إلا يقينا.

وأما دلالة عمل الصحابة رضوان الله عليهم على حجة السنة (والقول في الاستدلال بالأخبار عنهم هو نفس القول في الاستدلال بالسنة على منكرها؛ فإن كثيرا من منكري السنة يذكرون في سياق استدلالهم على قولهم أخبارا للصحابة، يرون أنها تؤيد موقفهم، فمن المهم – والحال كذلك – معرفة أخبار

(١) سنن الترمذي (٢٦٦٤). (٢) مسند الإمام أحمد (١٧١٧٤).

كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

27

(١٧١٧٤). كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٧٢ الصحابة التي تفيد تقديرهم للسنة وعملهم بها، فهذا متواتر عنهم في مواقف كثيرة، بل إنه لا يعرف عن أحد منهم ترك الاحتجاج بالسنة، والعجيب أن بعض الناس لا يعرف عن الصحابة إلا روايات ضعيفة يتخذها دليلاً على عدم حجيّة السنة، كالتي جاءت عن أبي بكر ﷺ بحرق خمسمائة حديث.

وإذا أتوا بروايات صحيحة عنهم فإنهم يقعون في سوء الاستدلال بها من وجهين:

1الوجه الأول: إساءة فهمها، كالاستدلال بموقف عمر ﷺ مع أبي موسى ﷺ، حين روى أبو موسى حديثاً عن النبي ﷺ في الاستئذان، فطلب عمر من أبي موسى أن يأتيه بمن يروي معه هذا الخبر عن رسول الله. فيستدلون بهذا الخبر على عدم حجيّة أحاديث الآحاد، وهذا غلط، فإن شهادة هذا الواحد مع أبي موسى لم تخرج الخبر عن دائرة الآحاد؛ لأن حديث الآحاد ليس هو حديث الشخص الواحد، وإنما هو ما دون المتواتر. أيضاً، فما كان موقف عمر من هذا الحديث بعد أن جاء أبو موسى بشاهد معه؟

هل رده؟ أم هل قال: هذه روايات غير ملزمة؟ بل أخذ به، وقال متحسراً على عدم معرفته بهذا الحديث: «الهاني عنه الصفق بالأسواق»(١).

2الوجه الثاني: إغفال الروايات الأخرى عن الصحابة في احتجاجهم بالسنة، فمن ذلك مثلاً:

موقف أبي بكر الصديق ﷺ في قضية الميراث: قال الله ﷺ: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] وهذه الآية عامة؛ تقتضي أن المال ينتقل من الآباء إلى الأبناء بالموت. فجاءت فاطمة ﷺ إلى أبي بكر؛ تطلب ميراثها من أبيها رسول الله ﷺ، وطلبها يوافق ظاهر القرآن،

وكان عند أبي بكر نص من رسول الله ﷺ أن الأنبياء لا يورثون، وأن ما تركوه من مال فهو صدقة، - وهذا النص ثابت في صحيحي البخاري ومسلم(٢) - فلم يعطها إياه لأجل ذلك. ولولا أنه رأى في نفسه أن السنة حجة ملزمة ومصدر تشريعي؛ لما تمسك بهذا القرار في مقابل إصرار فاطمة ﷺ،

وقال مبيناً أهمية النص النبوي وعدم جواز مخالفته: «إني أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ»(١).

28

جواز مخالفته: «إني أخشى أن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ» ﴿١﴾. وكان عمر رضي الله عنه لا يورث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فعدل عمر عن رأيه إلى هذا النقل ﴿٢﴾.

وكان عمر رضي الله عنه يشدد في النهي عن أداء صلاة التطوع في الأوقات المنهي عنها ﴿٣﴾، وكان يضرب على ذلك بالدرة. مع أن هذا النهي إنما ثبت بسنة رسول الله ﷺ وليس في كتاب الله.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الحف أولى بالمسح من ظاهره» ﴿٤﴾. قال: وقد «رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» ﴿٤﴾. فعلي ﷺ ترك القياس الذي رآه في هذه المسألة، وقدم عليه فعل رسول الله ﷺ، وهذا يدل على اعتباره الشديد لهذه القضية.

ومواقف الصحابة ﷺ في احتجاجهم بالسنة أشهر من أن يستدل عليها؛ إلا أنه حين تغيرت المفاهيم، وكثرت الشبهات، صار الإنسان محتاجًا إلى ذكر الأدلة والشواهد على ذلك! ﴿١﴾ صحيح البخاري (٣٠٩٣) صحيح مسلم (١٧٥٩).

(٢) سنن أبي داود (٢٩٢٧)، سنن الترمذي (١٤١٥)، سنن ابن ماجه (٢٦٤٢).

(٣) ينظر: موطأ مالك (٥٩٠) مصنف عبد الرزاق (٣٩٦٤).

(٤) ينظر: مسند أحمد (٧٣٧) سنن أبي داود (١٦٢).

أما دلالة الإجماع على حجب السنة: فقد قال ابن عبد البر القرطبي المالكي رحمه الله في مقدمة (التمهيد): «أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار - فيما علمت - على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافًا» ﴿١﴾. وهذا إجماع على حجب خبر الواحد فضلاً عن المتواتر.

وقال ابن حزم رحمه الله: «وكذلك إجماع أهل الإسلام كلهم جنهم وإنسهم في كل زمان ومكان على أن السنة واجب اتباعها، وأنها ما سنه رسول الله ﷺ...، فاعلموا رحمكم الله أن من اتبع ما صح برواية الثقات مستندًا إلى رسول الله ﷺ، فقد اتبع السنة يقينًا» ﴿٢﴾.

وقال الشوكاني رحمه الله في (إرشاد الفحول): «إن ثبوت حجب السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا» ﴿١﴾ التمهيد لابن عبد البر وزارة عموم الأوقاف (٢/١) ﴿٢﴾ الأحكام في أصول الأحكام (٤/١٢٨).

29

(٤/١٢٨) ٧٦ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام» ﴿١﴾. وتأمل قوله: «لا حظ له في الإسلام» فمثل هذه الجملة لا تقال في مسائل الإجماع الظني. وقال المعلمي رحمه الله في (الأنوار الكاشفة) حين تكلم عن حجيّة خبر الأحاد، قال: «والحجج في هذا الباب كثيرة، وإجماع السلف على ذلك محقق» ﴿٢﴾.

مكانة السنة في التشريع الإسلامي:

إضافة إلى ما تقدم ذكره من أدلة القرآن والسنة وعمل الصحابة والإجماع على حجيّة السنة ووجوب اتباعها، فلنتأمل في هذا السؤال: لو لم يكن عندنا غير القرآن، ولا يوجد أي حديث من أحاديث الرسول ﷺ؛ فهل نستطيع أن نؤدي عباداتنا الشرعية الأساسية بصورة صحيحة أم لا نستطيع؟ لنبتدئ بالصلاة:

كم صلاة أمرنا بأدائها في اليوم والليلة؟! هل هذا مذكور في ﴿١﴾ إرشاد الفحول للشوكاني دار الكتاب العربي (١/٩٧).

(٢) الأنوار الكاشفة للمعلمي عالم الكتب (١/٦٧).

٧٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» القرآن؟

الجواب: ليس مذكورًا في القرآن، ولكنه مذكور في السنة. وإذا علمنا أن المطلوب منا خمس صلوات فكم ركعة نؤدي في كل صلاة؟ هل هذا مذكور في القرآن؟ الجواب: لا، وإنما هو مذكور في السنة. وإذا كان الله قد أمرنا في كتابه بالمحافظة على أوقات الصلوات، فمتى يدخل وقت العصر - مثلاً - ومتى يخرج؟ هل فصل هذا في القرآن؟

الجواب: لا، وإنما جاء تفصيله في السنة! وإذا كان النبي ﷺ قد قال لرجل صلى أمامه: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ﴿١﴾ لأنه أخل بركن الطمأنينة، فهل هذا الركن - الذي لا تصح الصلاة إلا به - مذكور في القرآن؟ الجواب: لا، ليس مذكورًا صريحًا في القرآن وإنما جاء ذكره في السنة.

هذا كله في فريضة واحدة من فرائض الإسلام، وهي الصلاة! فإذا انتقلنا إلى «الزكاة» سنجد أن الله ﷺ أمرنا في القرآن بأداء ﴿١﴾ صحيح البخاري (٧٥٧) صحيح مسلم (٣٩٧) ٧٨ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» الزكاة وذكر عقوبة مانعها، ولكن: هل تجب الزكاة في القليل والكثير من الأموال؟ أم أن هناك حدًا معينًا إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة؟

وإذا كان الحد الذي تجب فيه الزكاة معينًا، فما مقدار ما يخرج منه لتبرأ ذمة المزكي؟ النصف أم الثلث أم الربع أم العشر أم ربع العشر؟ هل هذه الأشياء مذكورة في القرآن؟ الجواب: لا، وكلها مذكورة في سنة النبي ﷺ.

وإذا انتقلنا إلى «الحج» من أركان الإسلام فمن المعلوم أن هناك مواقيت مكانية لا يتجاوزها الحاج أو المعتمر إلا بإحرام، فما هذه المواقيت؟ ومن أين علمنا ذلك؟ كل هذا مذكور في سنة النبي ﷺ بالتفصيل، وليس مذكورًا في القرآن. ومن أظهر شعائر الحج رمي الجمرات؛ فهل ذكر ذلك في القرآن؟

الجواب: لا، ليس مذكورًا فيه، بل في سنة النبي ﷺ! والأعجب من هذا كله أننا لم نعلم أن للإسلام أركانًا خمسة إلا ٧٩ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» من طريق السنة! ولو نظرنا إلى سائر أبواب الشريعة سنجد مثل ما تقدم ذكره في أركان الإسلام من وجود أحكام هامة لم تذكر إلا في السنة.

30

مثل ما تقدم ذكره في أركان الإسلام من وجود أحكام هامة لم تذكر إلا في السنة. ولا شك أن هذه الأمثلة تبين لنا أهمية السنة ومحلها من التشريع، وأنها ليست مجرد أخبار يستانس بها!

وقد يرد سؤال بعد التقرير السابق، وهو: ألم يقل الله عز وجل: ﴿وذكرنا عليك الكتاب بينات ليشترىهم﴾ [النحل: ٨٩]؟ فلماذا لم يتم ذكر هذه الأحكام المهمة في القرآن؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن من تبيان القرآن أن الله جل وعلا قال فيه ﴿وما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] وقال: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ [المائدة: ٩٢] وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] والسنة داخلة في هذا كله.

وقد ذكر الله ﷺ في كتابه أن النبي ﷺ يبين لنا ما نزل إلينا، ويعلمنا الكتاب والحكمة - التي هي السنة -. وأيضاً، فقد قال الله ﷺ: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [النساء: ٥٩].

وفي هذه الآية إشارة إلى أن الله سبحانه سيحفظ سنة نبيه ﷺ حتى تكون مرجعاً عند النزاع. وفيها دلالة أيضاً على أن أحاديث الرسول ﷺ - مع القرآن - شاملة لجميع أبواب الشريعة، لأن الأمر بالرجوع إليها عند النزاع يدل على وجود فصل النزاع فيها.

اعتراض: يدعي بعض المنكرين أنه لا إشكال لديهم مع أقوال الرسول ﷺ وإنما إشكالهم مع طريقة نقلها وتوثيقها؛ فيقولون: إن علم الحديث ليس جديراً بأن يوثق به، فيردون السنة بهذه الحجة. وللجواب عن هذا الاعتراض؛ نفصل القول في شيء من منهجية المحدثين وطريقتهم في توثيق السنة.

كيف يحكم المحدثون على الحديث بالصحة؟ أهل الحديث يحكمون على الحديث بأنه صحيح إذا توفرت فيه خمسة شروط، وهذه الشروط - إجمالاً - هي:

١عدالة الرواة،
٢وضبطهم،
٣واتصال الإسناد،
٤وسلامة الحديث من الشذوذ،
٥وسلامته من العلة.

وأما تفصيلاً، فكما يلي:

**الشرط الأول: (عدالة الرواة):** يروي الخبر عن رسول الله ﷺ في كتب السنة عن طريق سلسلة من الرواة، من صحابة النبي ﷺ إلى مصنفي الكتب، وقد تتكون هذه السلسلة من ثلاثة من الرواة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من ذلك. فاشترط المحدثون لقبول خبر الرواة في هذه السلسلة أن يكون كل واحد منهم عدلاً. والعدالة هي السلامة الدينية، وضدها الفسق، فالذي يعرف بالمعاصي وارتكاب المحرمات لا يكون عدلاً، ولا يعتمد على ما روي، فالمحدثون لا يقبلون خبره؛ لأنه إذا تجرأ على الحرام بلا توبة؛ فقد يتجرأ فيكذب على رسول الله ﷺ!

إذا تجرأ على الحرام بلا توبة؛ فقد يتجرأ فيكذب على رسول الله ﷺ! وإن قال قائل: قد يتلبس إنسان بالصلاح ظاهراً، ويكون في باطنه فاسداً، وربما يضع الحديث ويكذب على رسول الله ﷺ مستغلاً مظهره الزائف! فنقول: إن هذا الأمر لم يفت على المحدثين! فإذا كانوا يقولون في بعض العباد الكبار ذوي الصلاح الحقيقي: لا تقبلوا أحاديثهم! لأنهم اختبروها وعرضوها على أحاديث الثقات، فوجدوا أنهم لم يضبطوا الحديث؛ فإذا كانوا قد اكتشفوا أخطاء هؤلاء مع صلاحهم الحقيقي فكيف لا يكتشفون كذب أولئك مع صلاحهم المزيف؟

**الشرط الثاني: (الضبط):** لا بد لقبول خبر الراوي - في ميزان المحدثين - أن يعرف - زيادة على العدالة - بالضبط والإتقان. لأن الراوي قد يكون عدلاً صالحاً، ولكنه لا يضبط الأخبار، فمثل هذا لا يخشى من تعمده الكذب وإنما يخشى من خطأ وغلطه. وكيف يعرف النقاد ضبط الراوي وإتقانه؟

31

الثوابت» ٨٧ وغلطه.

كيف يعرف النقاد ضبط الراوي واتقانه؟ يعرفون ذلك بعدد من الوسائل، منها اختبار الراوي، ومنها اختبار مروياته ومقارنتها بروايات الثقات. قال ابن الصلاح في النوع الثالث والعشرين من انواع علوم الحديث في كتابه (علوم الحديث):

«يعرف كون الراوي ضابطا بان نعتبر (اي نعرض ونختبر) روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فان وجدنا رواياته موافقه –ولو من حيث المعني– لرواياتهم، او موافقه لها في الاغلب، والمخالفه نادره، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وان وجدناه كثير المخالفه لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نختج بحديثه»(١).

وهذا هو المنهج الذي سار عليه المحدثون في الحكم علي الرواه: اختبار احاديثهم وعرضها ومقارنتها باحاديث باقي الثقات. وعلي قدر توافق روايات هذا الراوي المختبر مع روايات الثقات يحكمون عليه بالضبط والاتقان. وبقدر مخالفته لهم في النقل بزياده او نقصان، او تغيير اسم او قلب اسناد او غير ذلك من الاخطاء.

النقل بزياده او نقصان، او تغيير اسم او قلب اسناد او غير ذلك من الاخطاء (١) علوم الحديث (١٠٦)، دار الفكر، تحقيق نور الدين عتر.

٨٤ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» المتعلقه بالضبط يعرفون مستوي ضعفه!

الشرط الثالث: (اتصال الاسناد):

يحرص المحدثون علي التاكد من اتصال اسناد الروايه التي يراد الحكم عليها، فاذا وجدوا انقطاعا فيها فانهم يحكمون عليها بالضعف -في الجمله-؛ لانها اذا لم تكن متصله فمعني ذلك ان هناك بعض الرواه قد سقطوا من الاسناد، ونحن لا نعلم حال هذا الراوي الذي سقط، هل هو عدل ضابط ام لا.

الشرط الرابع: (السلامه من الشذوذ):

يرجع مصطلح الحديث الشاذ عند المحدثين الي معنيين:

1الأول: مخالفه الثقه للثقات. فان الراوي اذا خالف روايه الثقات فانهم يردون حديثه ويعتبرونه شاذا.
2الثاني: ان يتفرد راو لم يعرف بالتقدم في الضبط والاتقان باصل من الاصول عن النبي ﷺ او بما لا يحتمل مثله ان يتفرد به. فان احاديث النبي ﷺ قد شاعت وذاعت بين الرواه، وخاصه في طبقه اتباع التابعين فما بعد، فلاجل ذلك يستنكر المحدثون بعض انواع التفرد من الرواه، ويطبقون في ذلك قواعد عقليه وتجريبيه نافعه جدا، منها: النظر الي حال الراوي المتفرد، والي قرائن في الاسناد والي قرائن في المتن لا يسع المجال لبسطها، وبعد تحكيم هذه القرائن قد يقبلون التفرد وقد يردونه، فليس كل تفرد مقبول، ولا كل تفرد مردود.

الشرط الخامس: (السلامه من العله):

وهذا الشرط هو الميدان الاكبر لابداع علماء الحديث وظهور تقدمهم وفهمهم. فقد ياتيهم اسناد تتوفر فيه الشروط الاربعه الماضيه: عداله رواته، وضبطهم، واتصال اسناده، وسلامته من الشذوذ. ومعني ذلك ان ظاهره الصحه، ولكن هذا غير كاف عند العلماء، فقد يكشفون فيه عله خفيه تظهر غالبا مع جمع طرق الحديث، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الفروسيه):

«وقد علم ان صحه الاسناد شرط من شروط صحه الحديث وليست موجبه لصحه الحديث؛ فان الحديث انما يصح بمجموع امور منها: صحه سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، والا يكون راويه قد خالف الثقات او شد عنهم» (١).

(١) الفروسيه لابن القيم دار عالم الفوائد (١٨٦). كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٨٦

32

(١٨٦). كامل الصورة «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ٨٦

ولذلك؛ فإن الناقد إذا أراد الحكم على رواية فإنه يجمع أسانيدها، ويقارن بينها متأملاً بعين الخبير، ويستعمل قرائن كثيرة؛ ليرجح بعض هذه الأسانيد على بعض حال اختلافها. وبطريقة المقارنة هذه يكتشف علماء الحديث أخطاء الثقات، ويستخرجون العلل الخفية، وهنا تظهر عظمة علم الحديث، ودقته.

وقد ذكر الإمام ابن الصلاح رحمه الله في علوم الحديث، في النوع الثامن عشر، نقلاً عن الخطيب البغدادي أنه روي عن الإمام علي بن المديني قوله: «إن الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه»(1).

وبمجموع هذه الشروط الخمسة يتبين لنا قدر الحالة الاختزالية التي يتعامل بها طائفة من الشباب مع السنة وعلومها وطريقة التعامل معها.

* * *

(1) علوم الحديث (91). علم الغباقرة

كثيرة هي التساؤلات والاتهامات الموجهة نحو علم الحديث في هذا الزمن خاصة، وبعض هذه الاتهامات يستحق أن يجاب عنه بتفصيل لعله يزيل اللبس الحاصل، والبعض الآخر حين يسمعه أو يقرؤه المتخصص في علم الحديث فإنه يتعجب من الوصول إلى هذه الدرجة من الظنون التي ينافح عنها أصحابها بدعوى التجديد والتحرر، وهي في الميزان العلمي لا تساوي صفراً!!.

وخلاصة هذه التساؤلات والاتهامات تنادي بأن علم الحديث ليس كافياً ولا دقيقاً في إثبات صحة نسبة الكلام المنسوب إلى النبي ﷺ من عدم صحتها، وأن هذا العلم اختلط بأوزار السياسة والألاعيب وبالطائفية حتى تحكمت فيه وأثرت في تكوينه ونتائجه.

وأستطيع أن أجزم بأن أغلب من يلقي هذه الاتهامات ليس لديه اطلاع كاف على هذا العلم الذي يتحدث عنه، فضلاً عن أن يكون مختصاً فيه! إن السعي لإثبات دقة علم الحديث وصواب موازينه وعدها يحتاج إلى كلام طويل جداً وإلى عرض لأمثلة كثيرة تثبت صحة هذه القضية.

٨٨ كامل الصورة «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ولعلي هنا أتحدث معكم عن جزء يسير من أجزاء هذا العلم كمثال على باقيه، وهو ما يتعلق برواة الأحاديث، وكيفية الحكم عليهم بكون أحدهم ثقة أو ضعيفاً.

قد تتعجب إن قلت لك بأن علماء الحديث قد دونوا في سجلات ضخمة معلومات لآلاف الرواة الذين رووا أحاديث النبي ﷺ، وكأنها سجلات إلكترونية لطلاب جامعة من الجامعات المتقدمة التي لديها ملف متكامل عن كل طالب بمعلوماته الشخصية والعلمية وتاريخه الدراسي السابق واللاحق ومستواه وتقييماته وما إلى ذلك.

وهذا الأمر ليس تخرصاً بل واقعاً، وسأضرب مثالا بكتاب من هذه الكتب التي تعتبر سجلاً ضخماً للآلاف من الرواة.

إنه كتاب (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) لمؤلفه الإمام العالم أبو الحجاج يوسف المزي. كانت وفاته عام ٧٤٢هـ. وهذا الكتاب مطبوع في خمسة وثلاثين مجلداً!! حوت هذه المجلدات أكثر من ثمانية آلاف ملف لرواة الأحاديث الذين لهم رواية في الكتب الستة التي هي: البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه!

وأما باقي الرواة الذين لم يرووا في هذه الكتب الستة مثل الرواة ٨٩ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» في مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي ومستدرك الحاكم، فلهم كتب أخرى تتحدث عنهم غير كتابنا (تهذيب الكمال).

33

الحاكم، فلهم كتب أخرى تتحدث عنهم غير كتابنا (تهذيب الكمال). والعجب أن هذا الكتاب الضخم (٣٥ مجلداً) إنما هو مختصر من كتاب أكبر منه اسمه الكمال، فكتابنا هذا هو «تهذيب» لكتاب (الكمال) الذي صنفه الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله.

«تهذيب» لكتاب (الكمال) الذي صنفه الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله. يجوي كل ملف من ملفات الرواة الموجودة في كتاب تهذيب الكمال، هذه المعلومات عن الراوي: اسمه، اسم أبيه، قبيلته، كنيته، روي عن من، ومن روي عنه، تاريخ وفاته، حاله من ناحية الثقة أو الضعف، ذكر بعض الأمور الحديثية المتعلقة بروايته إن كان من الرواة الذين في أحوالهم تفصيل.

بعض الأمور الحديثية المتعلقة بروايته إن كان من الرواة الذين في أحوالهم تفصيل. وهنا نستعرض أنموذجاً من هذه الملفات حتى تتضح الصورة. اخترت لك واحداً من الرواة في هذا الكتاب العظيم، اسمه يحيى بن زكريا، وأتركك مع هذا النص الذي اختصرته كثيراً لأن ملف هذا الراوي طويل جداً. وكثرة هي الملفات الطويلة في هذا الكتاب.

٩٠ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» قال المزي: (١)

٩٠ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» قال المزي: (١) «يحيى بن زكريا بن أبي زائدة واسمه ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي أبو سعيد الكوفي مولي امرأة من وداعه وقيل مولي محمد بن المنتشر الهمداني.

سعيد الكوفي مولي امرأة من وداعه وقيل مولي محمد بن المنتشر الهمداني. روي عن أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الثقفي (د. ت. ق)، وإسرائيل بن يونس (م)، وإسماعيل بن أبي خالد وحارثة بن أبي الرجال (ق)، وحجاج بن أرطاة (م. س)، وحريث بن أبي مطر (ق)». وذكر شيوخاً كثيرين مع ذكر رموز بعد هؤلاء الشيوخ حذفتهم للاختصار.

شيوخاً كثيرين مع ذكر رموز بعد هؤلاء الشيوخ حذفتهم للاختصار. ربما تلاحظ هذه الرموز التي يضعها المصنف أمام كل شيخ من شيوخ يحيى بن أبي زكريا وهذه الرموز هي من أكثر الأشياء المبهرة في هذا الكتاب، بل وفي علم الحديث، ولشرحها باختصار إليك ما يلي: تذكر أننا قلنا في البداية أن هذا الكتاب خاص برواة الكتب الستة، وهذه الكتب كل واحد منها له رمز، فالبخاري خ، ومسلم (١) تهذيب الكمال (٣١/٣٠٥ ط. الرسالة).

٩١ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ط. الرسالة). ٩١ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» م وأبو داود د، والترمذي ت، والنسائي س، وابن ماجه ق، فحين يذكر لنا المؤلف ما يلي «روي عن أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الثقفي (د ت ق)» (فمعنى ذلك أن رواية يحيى بن أبي زكريا عن هذا الشيخ الذي هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ليست موجودة في كل الكتب الستة، وإنما في (د) الذي هو أبو داود، وفي (ت) الذي هو الترمذي، وفي (ق) الذي هو ابن ماجه، فقط!

هو أبو داود، وفي (ت) الذي هو الترمذي، وفي (ق) الذي هو ابن ماجه، فقط! وهذه الدقة أشبه ما تكون بالخيالية إذا علمت أنها شملت الآلاف من الرواة، وكل راو منهم له شيوخ كثيرون. إضافة إلى أنه يصنع نفس الشيء في نسبة رواية تلاميذ الراوي عنه، ويضع الرموز كما ستقرأ هنا.

في نسبة رواية تلاميذ الراوي عنه، ويضع الرموز كما ستقرأ هنا. حيث قال: (روي عنه إبراهيم بن موسى الفراء (خ م د) وأحمد بن حنبل (م) وأحمد بن منيع البعوي (د ت س) وأسد بن موسى (د) وإسماعيل بن أبان الوراق (ص د) وإسماعيل بن توبة القزويني (ق) والحسن بن عرفه وحسين بن علي الكوفي (د) - وذكر تلاميذ كثيرين جداً روا عنه حذفتهم أيضاً للاختصار - (١).

(د) - وذكر تلاميذ كثيرين جداً روا عنه حذفتهم أيضاً للاختصار - (١). ثم بدأ هنا في نقل كلام المحدثين في حال هذا الراوي من حيث الثقة والضبط (وأيضاً باختصار شديد)، قال المزي: (١) تهذيب الكمال (ج ٣١ / ص ٣٠٦ ط الرسالة).

٩٢ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

34

ط الرساله). ٩٢ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» قال ابراهيم بن موسي الفراء عن ابي خالد الحمر: كان جيد الاخذ.

وقال ايضا، عن الحسن بن ثابت: نزلت بافقه اهل الكوفه يعني يحيي بن ابي زائده.

عن الحسن بن ثابت: نزلت بافقه اهل الكوفه يعني يحيي بن ابي زائده. وقال عبد الله بن احمد بن حنبل، عن ابيه، واسحاق بن منصور، واحمد بن سعد بن ابي مريم، عن يحيي بن معين: ثقه.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت: ليحيي بن معين: «اسماعيل بن زكريا احب اليك، او يحيي بن زكريا؟» قال: «يحيي احب الي».

قلت: «هما اخوان عندك؟» قال: «لا».

وقال علي بن المديني: هو من الثقات. وقال في موضع اخر: لم يكن احد بالكوفه بعد الشوري اثبت من ابن ابي زائده.

وقال في موضع اخر: انتهي العلم الي ابن عباس في زمانه، ثم الي الشعبي في زمانه، ثم الي الخوري في زمانه، ثم الي يحيي بن ابي زائده في زمانه.

وقال ابو حاتم: مستقيم الحديث، صدوق، ثقه.

وقال النسائي: ثقه، ثبت. ٩٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

(وقال العجلي: ثقه، وهو ممن جمع له الفقه، والحديث، وكان علي قضاء المدائن، ويعد من حفاظ الكوفيين للحديث، مفتيا، ثبتا، صاحب سنه)(١).

اذا، فقد قرر المحدثون ان هذا الراوي ثقه ومن اعلي درجات الثقات لانهم وصفوه بالثبت زياده علي وصفهم له بالثقه.

ومع هذا كله ارجو ان تقف معي علي هذه العباره فهي مهمه جدا وتبين الدقه العجيبه عند المحدثين: قال المزي:

(وقال الغلاب، وعباس الدوري، عن يحيي بن معين: كان يحيي بن زكريا كيسا ولا اعلمه اخطا الا في حديث واحد، حدث عن سفيان، عن ابي اسحاق)(٢).

لاحظ ان هذا الراوي مع انهم امتدحوه وقالوا فيه من الثناء بالضبط الشيء الكثير، الا انه لم يفتهم انه اخطا في حديث واحد، بل وعلموا وحددوا الحديث الذي اخطا فيه!!

ثم ختم المزي ترجمه هذا الراوي بكلام اهل العلم في سنه وفاته، فمما نقله في هذا ما يلي:

(قال الميتم بن عدي: توفي في خلافه هارون. (١) تهذيب الكمال (ج ٣١ / ص ٣٠٨–٣٠٩ ط الرساله).

(٢) تهذيب الكمال (ج ٣١ / ص ٣١٠ ط الرساله). ٩٤ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

وقال علي بن المديني: مات سنه اثنتين وثمانين ومائه.

وقال هارون بن حاتم، ومحمد بن سعد، ومحمد بن عبد الله الحضرمي: مات بالمدائن سنه ثلاث وثمانين ومائه، زاد محمد بن سعد هو قاض بها (١).

نقلب هذه الورقه الجميله لننتقل الي ورقه اخري لا تقل عنها جمالا، وهي تتحدث عن كيفيه حكم المحدثين علي الرواه بكون احدهم ثقه او ضعيفا.

الذي يعرف علم الحديث يدرك ان هناك مجموعه من افذاذ هذا العلم تميزوا في الحكم علي رواه الاحاديث، ولكن قد يتعجب غير المتخصص من بعض النقاط في هذه القضيه، فمثلا:

يحكم المحدث علي راو انه ثقه او ضعيف، وليس هذا الراو معاصرا له، بل يكون قد مات قبل ولاده هذا المحدث!! فكيف استطاع الحكم عليه؟!

كذلك، كون المحدث يحكم علي راو عاصره او لم يعاصره بانه متقن في الحفظ، الا يحتاج هذا الي مقياس دقيق يميز به مستوي حفظه وضبطه؟

(١) تهذيب الكمال (ج ٣١ / ص ٣١١ ط الرساله). ٩٥ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

تعال معي الي هذا الموقف لنستكشف الاجابه:

35

## اليقين وتثبيت الثوابت

تعال معي الي هذا الموقف لنستكشف الاجابه:

«قال يحيي بن معين: «قال لي اسماعيل بن عليه يوما: كيف حديثي؟ قلت: انت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها احاديث الناس. فرايناها مستقيمه. قال: فقال: الحمد لله»(١).

ما الذي لاحظته في القصه؟

اسماعيل بن عليه احد الرواه المشهورين جدا يسال ابن معين الذي يعتبر استاذ الحكم علي الرواه، فيقول: كيف حديثي؟ يعني: كيف رواياتي، كيف ضبطي فيها انقله من الاحاديث؟ فرد عليه ابن معين بانه مستقيم الحديث، فرد عليه اسماعيل يساله نفس السؤال الذي طرحناه بالاعلي: كيف عرفت اني ضابط مستقيم الحديث؟ كيف يعرف المحدثون ذلك؟

كيف عرفت اني ضابط مستقيم الحديث؟ كيف يعرف المحدثون ذلك؟ فقال ابن معين عبارته المهمه «عارضنا بها احاديث الناس. فرايناها مستقيمه»، اي: اجرينا عمليه اختبار ومقارنه لروياتك واحاديثك التي نقلتها مع مرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا ان رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا انك ثقه من اثر هذه المقارنه العمليه، والاختبار الدقيق!!

فعلمنا انك ثقه من اثر هذه المقارنه العمليه، والاختبار الدقيق!! (١) معرفه الرجال - روايه ابن محرز (٣٩/٢) ٩٦ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

وهذا هو المنهج الذي سار عليه المحدثون في الحكم علي الرواه: اختبار احاديثهم وعرضها ومقارنتها باحاديث باقي الثقات. وعلي قدر التوافق المتكرر من هذا الراوي مع الثقات يكون مستوي ضبطه واتقانه. وبقدر مخالفته لهم في النقل بزياده او نقصان، او تغيير اسم او قلب اسناد او غير ذلك من الاخطاء المتعلقه بالضبط يعرفون مستوي ضعفه!

وقد تقدم قول ابن الصلاح في ((كتابه علوم الحديث)):

يعرفون مستوي ضعفه! وقد تقدم قول ابن الصلاح في ((كتابه علوم الحديث)): (يعرف كون الراوي ضابطا بان نعتبر (اي نعرض ونختبر) روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فان وجدنا رواياته موافقه –ولو من حيث المعني– لرواياتهم، او موافقه لها في الاغلب، والمخالفه نادره، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وان وجدناه كثير المخالفه لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه)(1).

وان وجدناه كثير المخالفه لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه)(1).

ولاجل هذا تجد ان كثيرا من اهل الحديث يقبلون الحديث ممن عنده مخالفات عقديه ويخرجون له في كتب الصحاح مع انهم ينكرون عليه مخالفته اشد الانكار اذا كان صادقا وثبت ان حديثه مستقيم متقن، ومن ابرز الامثله علي ذلك صحيحا البخاري (1) مقدمه ابن الصلاح (ص/ ٦١)

ابرز الامثله علي ذلك صحيحا البخاري (1) مقدمه ابن الصلاح (ص/ ٦١) ٩٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

36

الصلاح (ص/ ٦١) ٩٧ كامل الصوره ﴿لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت﴾ ومسلم. وقد استقصي ابن حجر رحمه الله في «هدي الساري في مقدمه شرحه لصحيح البخاري» جميع الرواه في صحيح البخاري الذين اخذ عليهم مخالفات عقديه وبين نوع المخالفه وشيئا من التفصيل في ذلك. وهذا الكلام ينقض كلام بعض المتسرعين الذين يوهمون بكلامهم ان قبول الاحاديث وردها لم يكن يعتمد علي قضيه الضبط والصدق بل علي المذهب فقط!!

الاحاديث وردها لم يكن يعتمد علي قضيه الضبط والصدق بل علي المذهب فقط!! ومع انه يوجد من اهل الحديث من لا يروي عن اهل البدع، الا ان كثيرا من المحدثين قبل احاديثهم علي تفصيل معروف في كتب علم الحديث.

الا ان كثيرا من المحدثين قبل احاديثهم علي تفصيل معروف في كتب علم الحديث. وهذا الاختزال في تصور وتصوير منهج المحدثين في الحكم علي الرواه وقبول احاديثهم، يشبهه الاختزال الخاطئ لمنهجهم في الحكم علي الاسناد والمتن، حيث يدعي ان حكمهم انما هو علي الاسناد فقط. وهذه دعوي غير صحيحه ابدا، فان المحدثين يراعون النظر الي المتن، بل قد يحكمون علي الراوي بالضعف اذا اتي في المتن والتي يرويها باشياء منكره لا تعرف!! وتفصيل هذا يطول جدا.

اذا اتي في المتن والتي يرويها باشياء منكره لا تعرف!! وتفصيل هذا يطول جدا. ٩٨ كامل الصوره ﴿لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت﴾ والمراد من هذا الاستعراض السريع لجزء يسير من علم الحديث ان نعرف دقه هذا العلم وانضباطه وصلاحيته لان يكون ميزانا في القبول والرد لما ينسب الي النبي ﷺ من اقوال وافعال.

٩٩ كامل الصوره ﴿لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت﴾ الاجماع

وافعال. ٩٩ كامل الصوره ﴿لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت﴾ الاجماع في السابق كان بحث موضوع الاجماع وما يتعلق به من تفصيلات واحكام مرتبطا بعلماء الشريعه وخاصه علماء اصول الفقه، وفي الوقت الراهن لم يعد الحديث عن هذا الموضوع مقتصرا علي المتخصصين في العلم الشرعي، وانما صار يطرحه العالم والجاهل، حتي بات محل اشكال عند شريحه من الشباب المسلمين المهتمين بالفكر والثقافه،

حتي بات محل اشكال عند شريحه من الشباب المسلمين المهتمين بالفكر والثقافه، وصار من غير المستغرب ان تجد شابا او شابه – لم يدرسا شيئا من علوم الشريعه – يستدلان بعباره الامام احمد: «من ادعي الاجماع فهو كاذب»(١) وينزلانها علي غير الوجه الذي قيلت فيه.

ادعي الاجماع فهو كاذب»(١) وينزلانها علي غير الوجه الذي قيلت فيه. لن اتناول هنا مسائل الاجماع وتفصيلاته الدقيقه في ابواب اصول الفقه، وانما احاول تقديم رؤيه نقديه للتعامل المعاصر مع قضيه الاجماع بشكل غير منهجي. دعونا نبدا اولا بذكر شيء من واقع التصورات المعاصره الخاطئه في باب الاجماع:

نبدا اولا بذكر شيء من واقع التصورات المعاصره الخاطئه في باب الاجماع: (١) مسائل احمد بن حنبل روايه ابنه عبد الله نشر: المكتب الاسلامي (ص ٤٣٨ - ٤٣٩).

١٠٠ كامل الصوره ﴿لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت﴾ ١ - فمن ذلك: تجويز خطا جميع الامه علي مر قرونها، وربط ذلك بعدم حجيه الاجماع!

37

تجويز خطأ جميع الأمة على مر قرونها، وربط ذلك بعدم حجيّة الإجماع!

١ - ومنه أيضًا: عدم التفريق بين الإجماع القطعي والإجماع الظني، وبين ما هو متعلق بالمعلوم من الدين بالضرورة وما ليس كذلك.

٢ - ومن ذلك: الخلط بين التقليد المذموم وبين قبول إجماع المسلمين واتباعه.

٣ - ومنه أيضًا: تسويغ الخروج عن الأسس المنهجية العلمية العامة المتفق عليها بين العلماء في الجملة؛ كاشتراط موافقة اللغة العربية لصحة تفسير آيات القرآن، وكاعتماد السنة مصدرًا تشريعيًا.

فمثل هذه التصورات بعيدة كل البعد عن مسألة: هل الإجماع حجة أم ليس بحجة. وإنما هي خلط ومغالطات مبنية على سوء تصور لموضوع الإجماع وأدلته.

فأما تجويز خطأ جميع الأمة على مر قرونها وربط ذلك بأن الإجماع ليس بحجة! فإن مدعي هذه الدعوى يعارض الآيات والأحاديث التي جاء فيها بيان خيرية هذه الأمة وعدالتها، كقول الله سبحانه: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف﴾ [آل عمران: 110] «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

فإذا كانت الأمة على مر قرونها يجوز عليها أن تجتمع على ضلالة فإنه ينبني على ذلك جواز أمرها بالمنكر ونهيها عن المعروف؛ وهذا يعارض الآية.

كما أن الله جل شأنه قال: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: 143] ومعنى وسطًا أي خيارًا عدولًا ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ فهذه تزكية لمجموع الأمة.

وقال معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه: سمعت نبي الله ﷺ يقول: «إنكم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل» أخرجه الإمام أحمد - واللفظ له - والترمذي وابن ماجه وغيرهم (١)، وهو حديث صحيح.

فهل يعقل أن تجتمع هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على باطل وضلالة؟! إن هذا يتعارض - تمامًا - مع هذا التفضيل والتعديل الإلهي لهذه الأمة.

(١) مسند أحمد (20029) سنن الترمذي (3001) سنن ابن ماجه (4287) (4288).

38

(٤٢٨٨). ١٠٢ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ومن الأحاديث التي يحسن ذكرها في موضوع الإجماع: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»(١).

وهذا الحديث يدل على أن الأمة لا تعدم في وقت من الأوقات من يقول بالحق؛ قال النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: «وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»(٢) فضعيف» اه (٣).

قد يسلم بعض هؤلاء المستشكلين بأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكنهم يقولون: إنه لا يمكن أن يقع إجماع أصلاً؛ لأن العلماء متفرقون في البلاد، لا يجمعهم ديوان يحصي أقوالهم؛ فلا حاجة لذكر نصوص خيرية الأمة وأفضليتها.

وفي الحقيقة فإن هذا الكلام غير دقيق؛ لأنهم لا يفرقون بين إجماع قطعي وإجماع ظني، ولا بين إجماع توارد أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم على نقله وإقراره، وبين إجماع يتفرد بنقله عالم واحد من مذهب واحد. وبعد هذا كله يأتون بعبارة (١) صحيح مسلم (١٩٢٠).

واحد. وبعد هذا كله يأتون بعبارة (١) صحيح مسلم (١٩٢٠). (٢) سنن ابن ماجه (٣٩٥٠). (٣) شرح النووي على مسلم دار إحياء التراث العربي (١٣ / ٦٧).

١٠٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

الامام أحمد - الذي لا يعرفونه إلا في باب الإجماع بل ربما يصفونه ويعيرونه بالتشدد في غير هذا الباب - والتي قال فيها: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»، وفي الحقيقة فإن أخذ عبارة الإمام أحمد هذه وترك عباراته الأخرى في نفس الموضوع = انتقائية غير موضوعية، أو جهل مبني على قلة اطلاع أو انعدام رغبة في البحث عما يخالف ذلك عن الإمام نفسه.

فقف معي - أيها القارئ الكريم - على هذه النصوص الأخرى عن نفس هذا الإمام رحمه الله لتعرف مدى الانتقائية التي يقوم بها بعض هؤلاء المشككين، أو الجهل الذي يعيش فيه أكثرهم:

قال القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله: «الإجماع حجة مقطوع عليها يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ. وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث: في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج من أقوالهم؟ أرايت إن اجمعوا، له أن يخرج من أقوالهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع لا ينبغي أن يخرج من أقوال الصحابة إذا اختلفوا» اه (١)

(١) العدة في أصول الفقه، تحقيق: د. أحمد المباركي. (٤/ ١٠٥٨ - ١٠٥٩).

١٠٤ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

39

- ١٠٥٩). ١٠٤ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

قال ايضا: «وادعي الاجماع في روايه الحسن بن ثواب، فقال: اذهب في التكبير من غداه يوم عرفه الي اخر ايام التشريق(١)، فقيل له: الي اي شيء تذهب؟ قال: بالاجماع، عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس» (١).

قال: بالاجماع، عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس» (١).

وقال الامام ابو داود في مسائله: «سمعت احمد قيل له: ان فلانا قال: قراءه فاتحه الكتاب –يعني: خلف الامام– مخصوص من قوله: ﴿واذا فريق القربان فاستمعوا له﴾ ﴿الاعراف: ٢٠٤﴾ فقال: عمن يقول هذا؟! اجمع الناس ان هذه الايه في الصلاه» (٣).

فقال: عمن يقول هذا؟! اجمع الناس ان هذه الايه في الصلاه» (٣).

فهذا نص واضح ثابت عن الامام احمد يدعي فيه الاجماع علي امر شرعي، فهل نطبق عليه عبارته: «من ادعي الاجماع فهو كاذب» ام نحاول فهمها علي الوجه الذي يستقيم مع تطبيقاته هو؟!

ولماذا يتم الاعتماد علي عباره واحده دون العبارات الاخري؟

(١) ينظر: مسائل الامام احمد روايه ابي داود السجستاني (ص ٨٨) وروايه ابنه عبد الله (ص ١٢٩-١٣٠) ومسائل الامام احمد واسحاق بن راهويه (٢/٢١٧٢).

(٢) العده (٤/١٠٦٠).

(٣) مسائل الامام احمد روايه ابي داود السجستاني/مكتبه ابن تيميه (ص ٤٨).

الامام احمد روايه ابي داود السجستاني/مكتبه ابن تيميه (ص ٤٨).

١٠٥ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

(١) التحرير شرح التحرير في اصول الفقه للمرداوي امكتبه الرشد (٤/١٥٢٨).

اذا كانت القضيه انتقائيه؛ فقد يقول قائل انه يريد ان ينتقي العباره التي فيها اثبات الاجماع ويلغي العباره التي فيها ان دعوي الاجماع كذب!

ولا شك ان المنهج المرضي عند اهل العلم والذي سلكوه في التعامل مع عباره احمد هو توجيهها وفهمها في ضوء تطبيقاته واقواله الاخري، لا الاتكاء عليها لابطال الاجماع!

ومن التوجيهات التي ذكرها اهل العلم في عبارته (من ادعي الاجماع فهو كاذب):

التوجيهات التي ذكرها اهل العلم في عبارته (من ادعي الاجماع فهو كاذب): ان الامام احمد قال ذلك انكارا علي فقهاء المعتزله.

قال المرداوي في التحبير: «وقال ابن رجب في اخر شرح الترمذي: واما ما روي من قول الامام احمد: «من ادعي الاجماع فقد كذب فهو انما قاله انكارا علي فقهاء المعتزله، الذين يدعون اجماع الناس علي ما يقولونه، وكانوا من اقل الناس معرفه باقوال الصحابه والتابعين» (١) اه.

يقولونه، وكانوا من اقل الناس معرفه باقوال الصحابه والتابعين» (١) اه.

١٠٦ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ومما يؤيد هذا الفهم: تمام عباره احد نفسه، فانه قال في روايه ابنه عبد الله: (من ادعي الاجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوي بشر المريسي والاصم)(١) اه.

40

كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوي بشر المريسي والاصم ﴿١﴾ اه. وبشر المريسي والاصم ﴿٢﴾ من رؤوس المبتدعه في وقت احد. ويزيد الامر وضوحا: قول ابن تيميه رحمه الله: «انما فقهاء المتكلمين كالمريسي والاصم يدعون الاجماع ولا يعرفون الا قول ابي حنيفه ومالك ونحوهما، ولا يعلمون اقوال الصحابه والتابعين» ﴿٣﴾ اه.

وقريب من ذلك قول ابن القيم رحمه الله: «وليس مراده – اي: الامام احمد – بهذا استبعاد وجود الاجماع، ولكن احمد وائمه الحديث بلوا بمن كان يرد عليهم السنه الصحيحه باجماع الناس علي خلافها، فين الشافعي واحمد ان هذه الدعوي كذب، وانه لا يجوز رد السنن بمثلها» ﴿٤﴾ اه.

(١) العده في اصول الفقه. (٤/١٠٥٩).

(٢) هو عبد الرحمن بن كيسان ابو بكر الاصم المعتزلي صاحب المقالات في الاصول ذكره عبد الجبار الهمذاني في طبقاتهم (لسان الميزان ت ابي غده دار البشائر الاسلاميه: ٥/١٢١).

(٣) المسوده في اصول الفقه دار الكتاب العربي (ص ٣١٦).

(٤) ينظر: مختصر الصواعق المرسله (ص ٥٨٣).

(ص ٣١٦). (٤) ينظر: مختصر الصواعق المرسله (ص ٥٨٣).

١٠٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ومن التوجيهات لعباره احمد كذلك: انها محموله علي جهه الورع في الدعوي، بمعني ان دعوي الاجماع امر صعب، فلعل هناك خلافا لم يبلغ مدعي الاجماع؛ فلذلك ارشد الامام احمد الي استعمال عباره: «لا اعلم فيه اختلافا» ونحوها، لانها اقرب الي الواقع.

وهذا لا ينفي ان يدعي العالم المطلع علي اقاويل الناس الاجماع ان تيقن وقوعه، كما فعل احمد نفسه ذلك!

قال القاضي ابو يعلي رحمه الله في (العده): «وظاهر هذا الكلام ان احمد قد منع صحه الاجماع، وليس ذلك علي ظاهره، وانا قال هذا علي طريق الورع، لجواز ان يكون هناك خلاف لم يبلغه، او قال هذا في حق من ليس له معرفه بخلاف السلف» ﴿١﴾ اه.

واعود بعد ذلك لاقول: ان كثيرا من المستشكلين للاجماع لا يميزون بين مراتب الاجماع وتفاوتها قوه وضعفا؛ فالاجماع الذي تجد العلماء متوازدين علي نقله: حنفيهم ومالكيهم وشافعيهم وحنبليهم وظاهريهم، ولا يعلم بعد الاستقراء نص عن احد المجتهدين يخالفهم؛ فيبعد ان يقال فيه: وما يدريهم لعل الناس اختلفوا؟

ومن الناس - اي العلماء - الا هم؟! (١) العده (٤/١٠٦٠).

١٠٨ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

فكيف اذا كان مستند الاجماع نص نبوي صحيح ظاهر الدلاله علي الامر المجمع عليه؟

كان مستند الاجماع نص نبوي صحيح ظاهر الدلاله علي الامر المجمع عليه؟ كاحاديث الرجم مثلا، فانها احاديث صحيحه لا ريب في صحتها، ثم توارد العلماء علي نقل الاجماع علي ما جاء فيها من الحد، فمثل هذا الاجماع = قطعي مستنده النص، وهو متحقق الوقوع، غير ان هؤلاء المعاصرين يستسهلون تناول المواضيع دون تحقيق، ودون تفريق بين المختلفات.

وهذا العبث في باب الاجماع ليس هو الوحيد في زماننا هذا الذي استبيحت فيه حرمات الدين والعلم، وفتحت فيه المنابر لكل احد -مع تضييق كثير منها علي خيار المصلحين- فراينا رؤوس الضلاله الجهال يفتون بغير علم فضلوا واضلوا.

* * *

الباب الثالث: فهم الاسلام « الدين، بفهم من؟ « بين نصوص الشريعه ومقاصدها.

41

الباب الثالث: فهم الاسلام

« الدين، بفهم من؟ »

« بين نصوص الشريعه ومقاصدها. »

« لماذا يختلف العلماء؟ »

« من يمتلك الحقيقه؟! »

الدين، بفهم من؟ لا يصح اسلام احد حتي يؤمن بان القران كلام الله الذي نزله علي عبده ورسوله محمد ﷺ، وان كل ما فيه حق، وقد تم بيان ادله ذلك في هذا الكتاب، ولله الحمد.

وهذه قضيه لا ينازع فيها المنتسبون للاسلام، غير ان هناك ظاهره فتن بها البعض، حيث تخلصوا بها من الحقيقه السابقه دون ان يتبرؤوا من القران، وهي ظاهره القراءه المفتوحه للنص القراني؛ فتجدهم يقولون: نحن نؤمن بالقران، ولكن لا نؤمن بفهمك انت للقران، ولا بفهم العلماء السابقين ولا اللاحقين، ولا نسلم لفهم احد من المسلمين، وانما لكل واحد منا قراءته الخاصه للنص القراني، يفهم منها ما شاء ان يفهم دون ان يخطئ طرف من الاطراف الاخر، وعلي ذلك فلا يوجد فهم ملزم، او - بالاصح - لا يوجد اسلام محد ملزم! !

اذكر اني ناقشت احد هؤلاء، فقلت له: ما حكم الزنا في القران؟ فقال: التحريم، قلت: جيد، ما رايك لو جاء شخص فقال: (انا لا افهم من النصوص القرانيه تحريم الزنا، وانما الاغتصاب فقط)؛ فما رايك في قوله؟ فقال: لا اعتبره مخطئا!

أرايتم كيف يتم التخلص من الاسلام بخداع النفس؟! ويقول احدهم: «لا توجد في عالم البشريه مفاضله بين حكم الهي وحكم بشري؛ لان كل حكم يتولاه الانسان، حتي لو كان يرتكز علي شريعه الهيه سيصبح بالضروره بشريا، تنعكس عليه اهواء البشر وتحيزاتهم واطااعهم وكل جوانب ضعفهم»(١) اه.

ولذلك تراهم يقولون: لا يوجد شيء اسمه الحكم بالقران، ولم ينزل القران ليحكم!

واذا كان الموضوع بهذا الفهم، فلماذا يامرنا الله برد التنازع الي القران في قوله: ﴿فان تنتزعتم في شيء فردوه الي الله والاسلول﴾ [النساء: ٥٩] ومن المعلوم ان الرد الي الله هو الرد الي كتابه، والرد الي الرسول هو الرد الي سنته، كما اجمع علي ذلك علماء المسلمين،

نقل الاجماع علي ذلك ابن القيم رحمه الله في اعلام الموقعين. ونقل ابن حزم قبله الاجماع علي اننا مخاطبون بهذه الايه وكل مسلم الي يوم القيامه. ويستفاد من الايه اننا اذا احتكمنا الي الكتاب والسنه فسنجد فيهما فصل النزاع، بينما يستلزم قول هؤلاء ان رجوعنا الي الكتاب والسنه سيزيدنا نزاعا؛

لان لكل انسان فهمه، ولا يوجد (١) الحقيقه والوهم في الحركه الاسلاميه المعاصره لفقؤاد زكريا دار الفكر للدراسات والنشر (ص ١٤٩).

أي قوانين وضوابط لفهم النص! ونقول لهؤلاء: هل يوجد اي حقيقه متفق علي فهمها في القران؟

42

النص! ونقول لهؤلاء: هل يوجد أي حقيقة متفق عليها فهمها في القرآن؟ فإن قالوا: لا، نقول لهم: إذن؛ لماذا أنزل القرآن؟ ألم ينزل ليكون حجة لله على عباده؟ ألا يعني هذا أن ترك الناس دون قرآن لا يضرهم شيئًا، لأنه لم يأت بأي حقيقة جديدة؟ فلم يمتن الله علينا بهذا البيان والهدي والموعظة؟ لماذا وصفه الله بأنه كتاب يخرج من الظلمات إلى النور:

﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين 66﴾ فيه: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ﴿١٥ - ١٦﴾ [المائدة: ١٥-١٦].

وان قالوا: بلى، فيه حقائق، ولكنها لا تتجاوز أصابع اليدين، كالتوحيد والصلاة والزكاة وصوم رمضان وأداء الحج. نقول لهم: ما المعيار الذي جعلكم تعتبرون هذه الأمور حقائق واضحة المعاني متفقًا عليها؟

بالطبع لن يكون معياركم الإجماع المعروف عند العلماء، لأنهم أجمعوا على أحكام كثيرة في القرآن زيادة على ما ذكرتم. كالحكم ببطلان كل دين سوى الإسلام، وكتحريم الربا والزنا والقول على الله بلا علم وغير ذلك، ولن يكون تدخلكم في تحديد الفهم ١١٤ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

المتعلق بهذه الأحكام بأولى من إجماع العلماء على أحكام قرآنية كثيرة؛ فهم أهل الاختصاص.

ثم، لو كان لكل شخص قراءته ولا نستطيع أن نخطئ أحدًا؛ فلماذا نجد هؤلاء الذين يدعون إلى القراءة المفتوحة للنص يخطئون بعض القراءات الأخرى؟! حيث نجدهم يقيمون قراءات بعض الإسلاميين للقرآن بأنها قراءات غالية في فهم النص.

فعلى أي أساس حددوا المعنى المعتدل ليحكموا على غيره بالغلو؟ ألم يقولوا بأن القراءات مفتوحة؟ إذاً فليقرأ كل شخص قراءة فردية، وليفهم كل شخص ما يريد، فلا تنقدوا الناس، والتزموا مبادئكم.

الفهم الصحيح: إن الله ﷺ أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فلا يجوز لنا أن نفسر القرآن بغير ما تقتضيه اللغة العربية الفصحى من معان وسياقات. وأيضًا؛ فإن القرآن يفسر ببعضه، فقد تجد آية محكمة تفسرها آية مبينة، وأخرى متشابهة تفسرها آية محكمة، ولذلك؛ اعتنى أهل العلم بتفسير القرآن بالقرآن.

ثم، إن رسول الله ﷺ قد بين في سنته كثيرًا من آيات القرآن. ١١٥ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

43

من آيات القرآن ﴿ ١١٥ ﴾ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت». ولذلك فمن معايير الفهم الصحيح للقرآن أن يتم على ضوء سنة مبلغه ﷺ. فكثير من الأوامر المحجمة في القرآن كالأمر بالصلاة والزكاة جاء تفصيلها على لسان النبي، ولا يمكن أداؤها إلا على ما بين رسول الله ﷺ.

ثم إن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وعاصروا وقت النزول، ولازموا رسول الله ﷺ، وهذا يؤهلهم إلى أن يكونوا أفهم الناس للقرآن. وهذا لا يعني أنه لم يعد هناك حاجة لتفسير القرآن وفهمه بعد الصحابة؛ فهذا كلام باطل، وإنما المقصود أن نهتم بأقوالهم وتقريراتهم في التفسير، ونجعل لها مكانتها وقيمتها، وألا نضرب بتفسيرهم عرض الحائط.

المحكم والمتشابه:

بين الله ﷺ أن من آيات القرآن ما هو محكم ومنها ما هو متشابه، فقال: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات» ﴿ ١ ﴾ [آل عمران: ٧]. قال إمام المفسرين الطبري رحمه الله مفرقًا بين المحكم والمتشابه: «المحكمات من أي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل – أي التفسير – غير وجه واحد، والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجهًا» (١).

قال الشيخ عبد الله العجيري في كتابه النافع (ينبوع الغواية الفكرية): «كل مذهب له أفكاره المحورية المركزية التي تمثل محكمات المذهب وثوابته، والتي يعد المستقلب عليها خارجًا ضرورة عن حد المذهب، فمن ينادي بإلغاء الحريات لا يمكن أن يكون ليبراليًا، ومن يدعو لإلغاء مرجعية الشعب في الحكم لا يمكن أن يصير ديمقراطيًا، وهكذا يقال في الإسلام: فيه منظومة تشريعية تفصيلية محكمة لا يصح الخروج عنها» (٢) (اه).

وفي هذه القضية رد على من يقول لا يوجد أي فهم يمكن أن يحكم بصحته أو بخطئه، ورد كذلك على من يقول لا يوجد حقائق متفق عليها أو ينبغي أن يكون متفقًا عليها في القرآن الكريم.

وفي الحقيقة فإن هذه الإشكالية نابعة عن تقديس الذات، ولها ارتباط بالنزعة الفردانية، وهي متصلة كذلك بحالة العبثية التي تنامت في العالم وشملت مختلف قضاياه وموضوعاته، وهي تختلف تمامًا عن روح الإسلام ومقاصده؛ فالاسلام لم يأت ليكون رأيًا من الآراء أو ليتعامل به بنقيض مقاصده ومحكماته، بل هو دين الله وشريعته وحكمه، بين واضح، من يأخذ به ينجو، ومن يتركه يضل ويهلك.

* * *

بين نصوص الشريعة ومقاصدها

44

به ينجو، ومن يتركه يضل ويهلك.

بين نصوص الشريعة ومقاصدها يخطئ كثير من الناس الفهم للإسلام حين لا يراعون مقاصد الشريعة في تقريراتهم، وقد عرفت مقاصد الشريعة بأنها: المعاني والأحكام التي راعاها الشارع في تشريع الأحكام. وعرفت كذلك بأنها: المعاني الغائية التي اتجهت إرادة الشارع إلى تحقيقها عن طريق الأحكام الشرعية. ومن أمثلة مقاصد الشريعة:

1 - مقصد تحقيق العبودية لله وإعلاء كلمته وإظهار دينه.

2 - مقصد حماية الضروريات الخمس، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال.

3 - مقصد اجتماع كلمة المؤمنين وعدم تفرقهم.

4 - مقصد منع الظلم وتحقيق العدل.

وكلما ازداد الإنسان علماً بالنصوص الشرعية صار أكثر أهلية لفهم مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأن المقاصد بنيت على نصوص الكتاب والسنة، وهي في الغالب لا تبنى على نص واحد أو اثنين، بل على مجموعة من النصوص، ولذلك فإن من يظن أنه سيفهم مقاصد الشريعة من تعريفات عامة، وقوالب جاهزة فقد أخطأ، فبدون إدراك الجزئيات لا تدرك الكليات.

ومن أهم الأمور المعينة على فهم الإسلام فهماً جيداً: الإدراك بأن مقاصد الشريعة على مراتب ودرجات من حيث الأهمية، وأن بعضها يقدم على بعض عند التزاحم، ولا يمكن تقديم المقصد الأدنى على المقصد الأعلى، فمقصد حفظ الدين - مثلاً - مقدم على مقصد حفظ النفس، ولذلك شرع الجهاد في سبيل الله ﷺ وهو عمل تزهق فيه الأرواح لتحقيق المقصد الأعظم الذي هو حفظ الدين وإعلاء كلمته.

ولذلك فإن فهمنا للنصوص والمقاصد بناءً على أولوية الغاية التي خلقنا لأجلها، والتي بعث الله الرسل لتحقيقها وهي عبادة الله وحده لا شريك له، قال ﷺ: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. يضمن سلامة وصلة الفهم عند الحديث عن الإسلام عموماً وعن المقاصد خصوصاً.

ولذا فلننتظر بهاء الذهب عبارة أستاذ علم المقاصد الشاطبي رحمه الله إذ يقول: «الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبداً لله».

وهذا المقصود الذي هو تحقيق العبودية لله تعالى هو أخص مقاصد الشريعة التي تميزها عن غيرها من الديانات الوضعية أو المذاهب البشرية، ولذلك؛ فإن من الخطأ الكبير عند الحديث عن مقاصد الشريعة في الإسلام (الاكتفاء) بالمقاصد المشتركة مع المذاهب الوضعية البشرية، كمقصدي: العدل والحرية وترك المقاصد المميزة للإسلام عن غيره.

ويغفل بعض المسلمين عن هذا المعنى من باب الحرص على بث المشتركات بين البشرية، والصواب أن بث المشتركات لا يكون على حساب تشويه ما يتميز به الإسلام ويختص به عن غيره.

والخلاصة أن معرفة مقاصد الشريعة والفقهية في تنزيلها، ومراعاة ترتيبها من جهة الأهمية عند التزاحم = من أهم ما يعين على فهم الإسلام بصورة صحيحة.

واكتساب ذلك لا يكون عبر قراءة كتاب أو كتابين في علم المقاصد دون وجود بناء علمي شرعي سابق، إذ إن محل تفقه المقاصد إنما يكون بعد العلم بالنصوص وبقواعد فهمها المبثوثة في علم أصول الفقه.

45

## كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» في علم أصول الفقه

ومن الميزات المترتبة على فهم مقاصد الشريعة أنها تشكل حماية دون الانحراف في فهم النصوص انحرافًا شمولياً، لأن المقاصد هي الغاية، واليات فهم النصوص هي المنهج والطريقة، ولا يستغني السائر عن أي منهما.

### 15 لماذا يختلف العلماء؟!

(إذا كان الدين واضحًا فلماذا يختلف العلماء؟ وما موقفنا نحن من هذا الاختلاف؟)

هذا سؤالان يطرحان بشكل متكرر عبر شبكات التواصل وفي الندوات الفكرية والأمسيات الشبابية. وقبل عرض الأسباب الداعية لاختلاف العلماء، أود أن أوضح الموقف الخاطئ الذي يقوم به كثير من الناس، وهو الانتقاء من بين الأقوال الفقهية – لا على أساس القرب من الدليل –،

بل على قدر توافق القول الفقهي مع ما يحبه ويرغبه ويشتهيه المختار، فينتقي لنفسه القول المحبوب من بين أقوال عالم ما، ثم يرد كثيرًا من أقوال نفس هذا العالم في مسائل أخرى، والمعيار في قبوله ورده هو مقدار قرب القول من مزاجه ورغبته!

إن نوزع في هذا الاختيار يحتج بأن في المسألة خلافًا، ويظن أن مجرد وجود الخلاف إيذان بأن ينتقي من الأقوال ما يشاء! ولا شك أن هذا العمل إنما هو عبارة عن عملية تلفيقية تجميعية، تركب في النهاية صورة غير شرعية لم يقل بها أحد من العلماء بهذا التجميع!

هذا العمل التجميعي الانتقائي، قد تحدث عنه الإمام ابن عبد البر رحمه الله، وهو من علماء المالكية، فقال: «الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله»(١). بمعنى أنه ليس للمرء حجة أن يعمل بالشيء لأنه – فقط – فيه اختلاف بين العلماء!

إذن، ما الموقف الصحيح من هذا الاختلاف الحاصل بين العلماء؟

بداية يجب أن نعلم أن كثيرًا من الاختلافات بين أهل العلم هي من الأمور التي يسع فيها الاختلاف ويسوغ، ولا يطلب من كل مسلم أن يعرف الأصوب من بين ما ذهبوا إليه، وقد اصطلح أهل السنة على أربعة مذاهب فقهية جمعت اشتات المدارس الفقهية قبلها، وانتظم في سلكها ما بعدها.

وهذه المذاهب هي وسيلة لمعرفه الشريعة لا غاية، ولا ينفرد أي منها بالصواب المطلق، بل يتوزع الصواب فيما بينها، ولا يجزم بالخطأ في كثير مما اختلفوا فيه لأحد منهم؛ وذلك لكثرة الاعتبارات التي يقع من خلالها تقرير الحكم.

(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٥ ط. ابن الجوزي).

يمكن أن يوصف بعض ما ذهب إليه بعضهم بالخطأ وغيره بالصواب وهو على درجات كذلك.

46

يوصف بعض ما ذهب إليه بعضهم بالخطأ وغيره بالصواب وهو على درجات كذلك. والمطلوب من المسلم أن يسأل عما يشكل عليه علماء بلده الذين يثق بدينهم وعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله ومذاهب العلماء، هذا كله في حق العوام ومن لا يمتلك اله العلم الكافية لمعرفة الصواب فيما وقع فيه الاختلاف.

أسباب الاختلاف بين العلماء:

١ - عدم بلوغ النص الشرعي للعالم

من المعلوم أن أحاديث الرسول ﷺ كثيرة جداً، وقد وقع لبعض الصحابة ﷺ ولطوائف من العلماء بعدهم الفتوى في بعض المسائل خلافاً للدليل بسبب أن الدليل لم يبلغهم أصلاً، وهم معذورون في ذلك. لكن الأمر مختلف بالنسبة لمن بلغه الخلاف في المسألة؛ إذ لا عذر له في الأخذ بقول العالم الذي لم يبلغه الدليل مع سماعه بقول العالم الآخر الذي معه الدليل.

مثال ذلك: قصة عمر بن الخطاب ﷺ حين أنكر على أبي موسى الأشعري ﷺ انصرافه من بابه بعد أن استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له، فإن أبا موسى كان معه علم من النبي ﷺ أن من استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له أنه ينصرف، وكان هذا خافياً على عمر، مع أن عمر أفصح من أبي موسى بلا نزاع! ومثل هذا يحصل للفقهاء والعلماء قديماً وحديثاً، أن يخفي على أحدهم دليل صريح في المسألة، فيخالف هذا الدليل لأنه لم يعلمه أصلاً، ويكون معذوراً في مخالفته.

لكن، أنت يا من بلغك الخلاف: حين سمعت كلام الطرف الآخر، وعرفت أن معه الدليل، فليس لك عذر في أن تأخذ قول العالم الأول الذي لم يبلغه الدليل.

٢ - الاختلاف في فهم الدليل

بعد غزوة الأحزاب أراد الرسول ﷺ أن يؤدب بني قريظة على غدرهم فقال للصحابة ﷺ معجلاً إياهم: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»؛ فخرج الصحابة ﷺ، وأدركهم وقت صلاة العصر في الطريق، فقالت طائفة منهم: لا نصلي إلا في بني قريظة كما قال الرسول ﷺ. وقالت طائفة أخرى: لم يقصد الرسول ﷺ أن لا نصلي إلا في بني قريظة لكنه قصد أن يعجلنا، فصلوا في الطريق؛ فلما وصلوا إلى الرسول ﷺ لم يعنف أي واحد من الفريقين لأن الذين صلوا ﷺ أخذوا بالأمر الإلهي السابق بالصلاة في وقتها، والذين أخروها أخذوا بظاهر الأمر المتأخر بعدم الصلاة إلا في بني قريظة.

إذن فمن أسباب اختلاف العلماء: اختلافهم في فهم الدليل الشرعي.

٣ - توهم وجود معارض للدليل

وذلك أن يكون العالم قد بلغه الحديث، وتكون دلالته واضحة، ولكنه توهم وجود دليل آخر أقوى منه معارض له من آية أو حديث، فيحمل الحديث الذي معه على أنه منسوخ أو أنه في صورة خاصة، أو يرجح الدليل الآخر عليه إن لم يستطع الجمع بين الدليلين.

والأسباب التي يختلف بسببها العلماء كثيرة لا يسع لها هذا المقام والواجب إحسان الظن بأئمة المسلمين، ومعرفة أنهم يعظمون كتاب الله وسنة رسوله ولا يتعمدون مخالفتها. وقد بين ذلك بصورة موسعة مع بيان أسباب مخالفة العالم للدليل: ابن تيمية رحمه الله في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».

هل الاختلاف رحمة؟ روي عن النبي ﷺ أنه يقول: «اختلاف أمتي رحمة» وهذا الأثر لا يصح عن الرسول ﷺ من جهة إسناده. وحكم المحدثون عليه بالضعف.

47

لا يصح عن الرسول ﷺ من جهه اسناده. وحكم المحدثون عليه بالضعف. (١)

هذا من جهه الاسناد، لكن هل هو صحيح المعني؟ وهل الخلاف رحمه ام لا؟

الجواب فيه تفصيل فكثير من الخلاف بين العلماء هو خلاف رحمه لان فيه سعه وتيسيرا علي المسلمين؛ وذلك في المسائل التي يكون الخلاف فيها معتبرا، وقد يكون في بعض الاقوال العلميه المعتبره مخرج من نازله او ضائقه تحل بالامه فيتسع عليها الحال بقول من اقوال اهل العلم ولو كان علي خلاف ما اعتاد عليه الكثير.

وقد يكون الخلاف فتنه علي البعض بسبب التعصب للمذاهب والعلماء او الاقوال، وقد يكون فتنه كذلك حين يبني المرء دينه علي الاقوال الشاذه ويتتبع الرخص.

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ومن الحسن التذكير بان هناك كثيرا من القضايا الشرعيه المتفق عليها بين علماء الاسلام ليس فيها اختلاف بينهم، ومن المهم التركيز علي هذه القضايا المتفق عليها لانها في الغالب تعود الي العمل المطلوب من اداؤه شرعا، ونحن امه عمل وامه انتاج.

* * *

من يمتلك الحقيقه؟!

كثيرا ما نشعر بالامتعاض الشديد تجاه الاشخاص الذين يعتقدون انهم يمتلكون الحقيقه في كل القضايا التي يتحدثون عنها، سواء اكان ذلك في القضايا الدينيه او حتي في القضايا الحياتيه العاديه، واذا تاملنا احوال الناس – اعني المنتمين الي الاسلام منهم – في موقفهم من امتلاك الحقيقه، نجد انهم ينقسمون الي ثلاثه اقسام:

– في موقفهم من امتلاك الحقيقه، نجد انهم ينقسمون الي ثلاثه اقسام:

« فمنهم من يعتقد بانه صاحب الحق دائما وفي كل القضايا، وان مخالفه علي باطل وخطا.

« ومنهم من يعتقد انه علي الحق في بعض المسائل ومخالفه فيها علي خطا، ولكنه يؤمن ايضا بان كثيرا من المسائل التي يري فيها الصواب انها مسائل اجتهاديه، وان قول مخالفه يحتمل الصواب، وله حظ من النظر.

« اما القسم الثالث فهو قسم اصحاب نظريه (نسبيه الحقيقه) حيث يرون ان الامر نسبي في جميع الاختلافات، وان الجميع يمتلك قدرا من الحقيقه، وانه ليس هناك شيء من الاراء يسمي باطلا، بل قد يصل بعضهم الي ان يري ان الاديان الاخري غير الاسلام موصله الي الله تعالي!

لكي لا يكون الخلاف مجملا فيضيع الحق فيه بين عبارات عامه غير محرره فان التفصيل في هذه القضيه بحسب موضوع الخلاف قد يكشف عن اللبس الذي يعتري البعض فيها.

فنبتدئ اولا بالخلاف بين الاديان:

ان هذه القضيه في القران والسنه الي درجه من الوضوح والجلاء بحيث لا تحتاج الي اكثر من ايمان واتباع، فالادله فيها ليست مشكله ولا خفيه، فالقران والسنه يدلان بوضوح وقوه علي ان كل الاديان بعد ظهور الاسلام باطله، وان الله ﷺ ارسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله،

وان من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخره من الخاسرين، وان فكره التثليث عند النصاري، والتكذيب بالنبي عندهم وعند اليهود = كفر بالله صريح، وما يتعلق به البعض من نصوص الثواب العامه فانه من المجمل او المتشابه الذي يرد الي المحكم البين،

والا فلا يمكن ان يجتمع فهمهم لتلك النصوص مع سائر النصوص الواضحه في الامر باتباع النبي ﷺ والتحذير من معصيته ومخالفته.

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

48

ومخالفته.

١٣١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ونحن نقرا في الفاتحه في كل صلاه: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿[الفاتحه: ٦-٧]﴾ والمراد بالمغضوب عليهم: اليهود. والمراد بالضالين: النصارى. قال ابن أبي حاتم الرازي: «لا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا»(١).

قال ابن أبي حاتم الرازي: «لا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا»(١). وهذا إذا كان في الأديان المنسوخة التي يخفها التحريف؛ فإن بطلان الشرك وإنكار الإله من باب أولى وأحرى.

ثانيا: الخلاف بين طوائف الأمة الإسلامية في القضايا الاعتقادية:

بين النبي ﷺ للناس ما يجب عليهم اعتقاده كما بين لهم ما يجب عليهم عمله أو تركه، ولم يجعل الله تعالى أمور الاعتقاد موكولة للآراء؛ فإنها لا تجمع على شيء في قضايا الاعتقاد، ألسنا نرى أن استحسانات بعض الناس قادتهم إلى عبادة الفأر والبقر والحجر والشمس والقمر، كما أن آراء أخرى جعلت أصحابها يعتقدون أن دفع الضر مرتبط بخيط يحيط معصم الإنسان.

بينما نجد أن الإسلام قد جاء في قضايا الاعتقاد ببيان واضح، (١) تفسير ابن كثير (١/١٤٤ ط. طيبه).

كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» (١٣٢)

ونور الهي لا ريب فيه، وبين النبي ﷺ للمسلمين ما يجب عليهم في الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وقضائه وقدره وملائكته واليوم الآخر، وأكد على أهمية الاتباع وعدم الاختراع في قضايا الدين اعتقادا وعملا فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١). وقال «وكل بدعة ضلالة» (٢).

ولا شك أن العدول عن الإيمان والتسليم بما في نصوص الوحيين إلى معارضتها بالآراء من أكبر المحدثات في الدين ولا ريب، وقد كان النبي ﷺ حريصا على أمته أشد الحرص، ومهتمًا غاية الاهتمام ببيان الدين،

وهو قد بلغ النصوص المتعلقة بالاعتقاد على كثرتها دون أن يرشد أمته إلى موقف خاص يقفونه تجاهها يختلف عن موقفهم من نصوص الأحكام، ولو كانت هناك طريقة معينة خاصة يريد منا التعامل بها مع نصوص الاعتقاد لارشدنا إليها،

خاصة وأن هناك من يدعي أن الأخذ بظواهر هذه النصوص – دون تمثيل – كفر بالله أو سوء اعتقاد في حقه سبحانه، ولو كان الأمر كذلك لوجدنا البيان والإرشاد من أغير الناس على ربه وعلى العقيدة – محمد ﷺ.

(١) صحيح البخاري (٢٦٩٧) وصحيح مسلم (١٧١٨).

(٢) صحيح مسلم (٨٦٧).

١٣٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

49

(٨٦٧). ١٣٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وقد تلقي عن النبي ﷺ اصحابه هذه الحقائق بتسليم ويقين، فلم يعارضوها بقياسات فاسدة، ولا بآراء مجردة. ويعرف صدق ذلك بمعرفة أحوالهم مع النبي ﷺ تجاه ما يشكل عليهم من أمور الدين، فقد كانوا يسألونه ويستوضحون منه في مختلف أبواب الدين، وهذا محفوظ عنهم في مصنفات السنة وكتب الآثار.

فإذا علم ذلك فإننا لا نجدهم استشكلوا نصوص الاعتقاد التي سمعوها من رسول الله ﷺ، وما حصل من أفراد المسائل المتفرقة مما هو محفوظ في باب القدر قوبل بالتسليم بعد البيان من النبي ﷺ.

بينما لا نجد مثل هذه الاستشكالات في نصوص الصفات التي امتد الخلاف بين الأمة في الموقف منها إلى يومنا هذا بعد أربعة عشر قرناً من وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

وفي أواسط وأواخر عهد الصحابة بدأ التغير في هذا الصفاء الاعتقادي في عدد من الأبواب؛ كباب الإيمان وباب التكفير والشفاعه، والقدر، والصحابة وأهل البيت، ولا نجد بين الصحابة اختلافاً في الموقف من هذه التغيرات، ولا يوجد أي صحابي انتسب إلى هذه الأقوال المنحرفة، بل كان لهم موقف قوي في إنكارها.

مثال ذلك: أخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن قوماً بالبصرة من طلاب العلم وقراء القرآن ينكرون القدر، قال: «إذا لقيتهم فاخبرهم أني بريء منهم وأتهم براء مني، والذي يخلف به عبد الله لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً، فانفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر»(١).

وقد حفظ التابعون عن الصحابة علومهم، فنقلوا عنهم التفسير والفقه والقضاء والحديث، ودونت أقوالهم في مصنفات ضخمة كمصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما، فلم نجد عنهم ما يخالف موقفهم من تلكم النصوص في حياة النبي ﷺ.

ومع امتداد الزمن وموت الصحابة وفتح البلدان والاختلاط بين الثقافات والأديان، تأثر بعض المسلمين بمواد علمية مستمدة من ثقافات أخرى أوجبت لهم موقفاً من نصوص الاعتقاد وقضاياه يختلف كل الاختلاف عن منهج أصحاب رسول الله ﷺ.

ونشأت فرق ومذاهب صار لها حضور بين الناس حتى تبنى بعض ملوك بني العباس شيئاً من هذه المذاهب فانتصر لها بالقوة، وحارب العلماء الذين التزموا بالنهج الأول كأحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله، وقصته في الابتلاء والسجن والضرب في ذلك معلومة. (١) صحيح مسلم (٨).

والصواب في هذه الاختلافات ليس مع الجميع بل مع من سار على نهج أصحاب رسول الله الذي ورثوه عن المصطفى ﷺ، ولا يعني ذلك قطع الأواصر والعلائق بين المسلمين من جهة التعامل والتعاون خاصة مع استهداف المسلمين فيما هو أكبر من ذلك من أصول ديانتهم.

50

والتعاون خاصه مع استهداف المسلمين فيما هو اكبر من ذلك من اصول ديانتهم. فالمطلوب في هذا الخلاف بيان الحق بدليله، ونصيحه المسلمين، وارشادهم الي الحق الذي كان عليه اوائل هذه الامه، وبيان خطا ما نشا من التفرق بعد ذلك، مع عدم الانشغال بالجدل والخصومات وعدم رفض سبل التعاون بين المسلمين في دفع عدوها الصائل علي اصول دينها وثوابتها وحقوقها.

بين المسلمين في دفع عدوها الصائل علي اصول دينها وثوابتها وحقوقها.

ثالثا: جانب الاختلاف بين الفقهاء في المسائل الفقهيه وهذا تحدثنا عنه في فصل مستقل في هذا الكتاب، فراجعه ايها القارئ الكريم مشكورا تحت عنوان لماذا يختلف العلماء؟

الباب الرابع قضايا يدور حولها الجدل:

1الحكمه من وجود الشر في الدنيا.
2دعوي مظلوميه المراه في الاسلام.
3الحريه.
4الدين والعقل.
5التشكيك في الاسلام بسبب تاخر المسلمين.

الحكمه من وجود الشر:

إن عدم إحسان التعامل مع سؤال (لماذا يوجد الشر وتحدث المصائب مع ان الله رحيم) أدي الي شك شريحه من الشباب والفتيات في وجود الله ﷺ، وبعضهم تجاوز الشك والحيره الي صريح الانكار والجحود. وما اكثر ما تغيب الحقائق بسبب النظره الجزئيه ونقص التصور وتعجل الاحكام قبل التامل، مع انهم حين الحدوا وتركوا الاسلام هل وجدوا تفسيرا صحيحا لموضوع الشر؟!

حين الحدوا وتركوا الاسلام هل وجدوا تفسيرا صحيحا لموضوع الشر؟! لا؛ بالطبع، انهم لم يجدوا ولن يجدوا تفسيرا منطقيا سلبيا لهذا الموضوع في دائره الالحاد؛ لانهم يعتقدون ان الذي مات مظلوما مقهورا فان نهايته تحت التراب ولن ياخذ حقه ابدا، والذي مات ظالما جبارا فان نهايته كذلك تحت التراب ولن يعاقب علي طغيان، وهذه مفارقه غير مفهومه في ميزان العداله ابدا.

ويتوهم مثيرو هذا السؤال التعارض بين المصيبه والرحمه، مع ان وقوع المصائب والابتلاءات موافق لخبر الله تعالي وليس معارضا له، فالله ﷺ قد اخبرنا في كتابه في مواضع كثيره انه سيبتلي عباده بانواع من البلاء، منها الخوف والجوع ونقص الاموال ﴿ 140 ﴾ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

ونقص الاموال ﴿ 140 ﴾ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» والانفس الثمرات، وهو سبحانه يذكر حكمه ذلك في كتابه؛ فالتعامل مع هذا السؤال وكان الله لم يخبرنا فيه بشيء يعد نقصا في التصور والبحث.

لكي نحسن النظر في قضيه وجود الشر، ونجمع بينها وبين وجود الخالق الحكيم فلنتامل هذه الحقائق الاسلاميه:

الحقيقه الاولي: ﴿ وما هذه الحياه الدنيا الا لهم ولات قانحا التحرهن لهي الحيوان ﴾ [العنبوت: 64].

لا يمكن ان يفهم احد الحكمه من وجود الشر قبل ان يوقن ان هذه الدنيا دار مؤقته وانها دار امتحان وابتلاء ونقص، وان الذي ينتظر رؤيه الكمال المطلق فيها فانه معارض للحكمه الالهيه التي اقتضت ان تكون الدار الاخره هي دار الكمال، وان تكون هي الحيوان: اي الحياه الدائمه الباقيه، فالاسلام يؤكد ان هذه الدنيا ليست في نظر الله شيئا.

فان قيل: هذا يفيد المؤمنين، ولكن اذا تحدثنا مع الملحدين فكيف نقنعهم بذلك؟ فالجواب: ان قضيه الحكمه من وجود الشر لا يمكن فهمها ﴿ 141 ﴾ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

51

لا يمكن فهمها ١٤١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بدون ايمان بالله وباليوم الاخر، فاذا كان المناقش ملحدا فلا بد من الرجوع معه الي المربع السابق وهو مربع اثبات وجود الله ثم اثبات صدق رسالته، - وكل ذلك ممكن بدلائل العقل وليست برهنته متوقفه علي نص يستلزم الايمان المسبق-؛ فاذا ثبت هذان الامران: (الوجود والرساله) فقد ثبت اليوم الاخر والبعث، وهو المربع الذي نناقش فيه هنا.

قال الله تعالي عن يوم القيامه: ﴿اليومه متخزك حل نفسه يما حسبت لا ظلر اليوم﴾ [غافر: ١٧].

فيقضي الله يوم القيامه بين عباده بالحق، ياخذ للمظلوم حقه، ويعاقب الظالم علي ظلمه، وليس هذا علي صعيد البشريه فحسب، بل يشمل ذلك الحيوانات؛ فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي انه قال: «لتودن الحقوق الي اهلها يوم القيامه، حتي يقاد للشاه الخلحاء من الشاه القرناء»(١).

أي ان الشاه التي لم يكن لها قرون في الدنيا فتطحت من قبل ذات القرون تأخذ حقها يوم القيامه، حتي الشياه! فكيف بابن ادم؟ ! والذي عاش فقيرا بئيسا واحسن في حق ربه فانه يغمس في الجنه غمسه ينسي بها كل بؤس وكل شقاء مر به. (١) صحيح مسلم (٢٥٨٢).

فالذي يختزل نظرته الي الشرور التي تقع علي الانسان فيجعلها نظره دنيويه فقط، فهو بلا شك سيري في الامر ظلما، ولكننا نؤمن تماما بان الدنيا انما هي معبر الي الدار الاخره. فلا بد من فهم قضيه وجود الشر في ضوء هذه الحقيقه: الدنيا ليست دار جزاء ولا اخذ حقوق انما هي دار امتحان واختبار.

الحقيقه الثانيه: الله جعل للانسان اراده يختار فيها بين الخير او الشر، وذلك لاجل التكليف، فالمجبر لا يمكن تكليفه، والمخير هو الذي يمكن تكليفه.

وحين يختار الانسان الشر (كالقتل والظلم والسرقه والاغتصاب والاضطهاد ومنع الحقوق ونحو ذلك) فانه ينسب اليه لا الي الله فالشر ليس اليه سبحانه، واكثر الشرور الموجوده في الدنيا انما هي بسبب الانسان ومن صنعه، فالمخلفات الصناعيه التي تسبب الامراض، والحروب التي يقتل فيها ملايين الاشخاص = كلها من صنع الانسان.

والله سبحانه سيستوفي للمظلومين حقوقهم من الظالمين، ولكن في الدار الاخره التي اراد سبحانه ان يجعلها دار وفاء واستيفاء. ١٤٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

52

واستيفاء. ١٤٣ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ^{}[]

وقد يعترض علي هذه الحقيقه بان الله قدر كل شيء وعلمه. ويجاب عنه بان يقال: نعم الله قد ر كل شيء وخلق كل شيء، ولكن هناك فرق بين الاراده الكونيه وبين الاراده الشرعيه له، فليس كل ما قدره احبه، وكذلك فان من تقديره ان جعل للانسان اختيارا حقيقيا، فكيف لا ينسب لصاحب الاختيار نتائج اختياراته؟

وقد يعترض كذلك ببعض المصائب والكوارث التي ليست من فعل الانسان مباشره كالبراكين ونحوها، ويجاب عن ذلك بالحقائق الاخري التي ذكرتها هنا، اضافه الي ان ما يجري من كوارث في الكون علي انواع، فبعضه عقوبه علي فساد الناس، وبعضه جريان لقوانين وسنن تتطلبها حركه الكون وتوازن البيئه ونحو ذلك،

وبعضها تذكير للانسان بعظمه خالقه في مقابل محدوديه قدرته البشريه وضعفه امام اقدار الله تعالي، وغير ذلك من الحكم التي يعلمها الله سبحانه.

الحقيقه الثالثه:

ان كثيرا من الشرور التي نراها ليست شرورا محضه من كل وجه، بل يكون فيها جوانب خير، وكم في ثنايا ما نراه شرا من خير كبير، فقد يصاب الانسان بمرض يكون سببا صارفا له عن شر اعظم منه، وقد يخسر الانسان صفقه ماليه ربما لو كسبها لطغي ١٤٤ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

لو كسبها لطغي ١٤٤ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وتجبر، وقد يموت للانسان ولد ربها لو عاش لكان وبالا عليه، وقد يكون الانسان مستحقا للنار بعمله –وهي الكارثه الحقيقيه– فيصيبه الله بمصيبه فيصبر عليها فيجزيه علي صبره بالجنه –وهي الخير الحقيقي الدائم-.

فالله ﷺ لا يخلق شرا مخضا، ولا ينسب اليه الشر كما في الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ: «والشر ليس اليك»(١).

الحقيقه الرابعه:

ان الله جل وعلا يري ما لا نري، ويعلم ما نجهل، ويخلق ما لا نعلم، وهو الحكيم الذي ظهرت اثار حكمته علي كل شيء من خلقه، والرحيم الذي اطعمنا ونحن في بطون امهاتنا وسخر لنا كل شيء حولنا؛ فنحن نسلم بهذا الاصل، فلو راينا شيئا لا نعلم حكمته فان العقل يقتضي جر القياس كما نفعله في كل باب اخر.

فاننا حين نري شركه منتجه لصناعات متقنه غايه الاتقان، ونخبر منتجاتها فنري تميزها واتقانها واحكامها ثم نري شيئا في بعض منتجاتها غير مفهوم الفائده فاننا نستصحب اصل جوده منتجاتهم واتقان عملهم فنبحث عن فائده خفيه او حكمه متواريه،

فما بال بعض الناس يسارع في جحوده اذا كان الامر متعلقا بالله جل وعلا الذي خلق فسوي واحسن كل شيء خلقه؟

الحقيقه الخامسه:

53

## الثوابت

وعلا الذي خلق فسوي واحسن كل شيء خلقه؟

الحقيقة الخامسة: ان الله عز وجل جعل من السنن في هذه الدنيا: المدافعة بين الحق والباطل، ولذلك خلق ابليس رأس الشر، ولم يجعل له من سلطان على الناس الا الاغواء وتزيين المعصية والكفر، ولم يتركنا الله سبحانه دون بيان ما يعترض طريقنا من خطر الشيطان وحزبه واغوائهم؛ فقال سبحانه:

﴿إن الشيطان لكم عدو فانتئذوه عدوا﴾ [فاطر: ٦]؛

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ [النور: ٢١]

فمن اتبعه كان من حزبه حزب الباطل ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولـئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ [المجادلة: ١٩]، ومن جاهده وتطلب رحمة الله ورضاه كان من المفلحين الراضين المرضيين.

فالبعض يغيب عنه هذا المعنى الذي أراده الله تعالى ثم يسأل عن بعض التفصيلات سؤال المعترض، فيسأل عن سبب خلق ابليس، وعن سبب وجود الطغاة، ونحو ذلك.

كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ١٤٦

الحقيقة السادسة:

ان وجود الله قد ثبت بدلائل كثيرة متنوعة ضرورية قطعية لا يصمد أمامها شيء من الشبهات ولا يصل إلى مستواها من الدلالة، وعلي ذلك؛ فإن تجاهل هذه الأدلة بسبب شبهة معينة - كشبهة وجود الشر- إنما هو في الحقيقة تغليب للجانب الأضعف على الجانب الأقوى، وتقديم للفرع على الأصل، وتغافل عن الثغرات الموجودة في الشبهة في مقابل الإتقان الموجود في الأصل.

دعوى مظلومية المرأة في الإسلام

اطلعت على بعض المقاطع المعدة بأسلوب درامي مؤثر يرسم صورة الأنثى كمظلومة تحت مظلة الإسلام، وقد نجحت مثل هذه الرسائل في استهلال ضعيفات الإيمان إلى ظلمات الشك ثم الإلحاد.

وكثيرا ما يدخل المشككون في الإسلام من باب المرأة؛ يستثيرون بذلك عواطف المسلمات اللاتي لم يعرفن دينهن حق المعرفة، وفي الحقيقة فإن خطابهم التشكيكي هذا لا يعدو أن يكون غشا وتدليسا!

ويستبين ذلك بمعرفة الأمور التي يتجاهلونها ويتغافلون عنها حين يتحدثون عن موضوع المرأة في الإسلام. وسأذكرها في نقاط:

أولا: اغفالهم جوانب الإكرام التي حظيت بها المرأة في الإسلام:

فهل سمعتم أحدا منهم يذكر أن الله ضرب مثلا للمؤمنين بامرأتين يقتدي بها الرجال والنساء؟

كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ١٤٨

54

## الرجال والنساء؟

١٤٨ كامل الصورة

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» قال الله تعالى: ﴿ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب أتنا عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ﴾ [التحريم: ١١-١٢].

فهل الدين الذي يجعل المرأة قدوة لرجاله يكون دينا يحتقر المرأة؟!

فهل الدين الذي يجعل المرأة قدوة لرجاله يكون دينا يحتقر المرأة؟! وهل وجدتم من هؤلاء المشككين أحدا يذكر مكانة الأم التي حظيت في الإسلام بمنزلة لا يمكن أن تحظى بها في أنظمة الدنيا كلها! فاسأل أي مسلم يعرف دينه: من أعظم الناس حقا عليك بعد رسول الله؟ فسيقول لك: أمي! فإن سألتَه من أين أخذت ذلك؟ فسيقول: من الإسلام.

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»(١).

وإذا أخذنا بالمنطق الساذج الذي يأخذ به ضعفاء العقول، فسنقول: إن الإسلام يفضل المرأة على الرجل! لأن هذا الحديث فيه تفضيل الأم على الأب! (١) صحيح البخاري (٥٩٧١).

١٤٩ كامل الصورة

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وهل عرج أحد هؤلاء المشككين على ذكر فضل الإحسان إلى الأنثى في الإسلام؟

وهل عرج أحد هؤلاء المشككين على ذكر فضل الإحسان إلى الأنثى في الإسلام؟ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة إلا وهو» وضم أصابعه(١).

لقد جاء هذا الحديث في وقت كان العرب يعتبرون ولادة الأنثى شرا وعارا، فإما أن يمسكوها على هون أو يدسّوها في التراب! وهل هناك مطلب للمسلم أعلى من أن يكون يوم القيامة مع النبي ﷺ؟ فانظر كيف جعل الإحسان إلى الأنثى طريقا لذلك! مع أنه لم يأت حديث خاص في فضل تربية الذكر - في حد علمي-! (١) صحيح مسلم (٢٦٣١).

كامل الصورة

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

١٥ثانيا: إغفالهم ذكر التخفيف والتسهيل على المرأة في عدد من الأحكام الشرعية في مقابل التشديد فيها على الرجل.

فيجوز للمرأة لبس الذهب ويحرم ذلك على الرجل.

ويجوز للمرأة لبس الحرير ويحرم على الرجل.

ويجب على الرجل بذل المال وجوبا للزوجة كنقمة مستمرة ولو كانت غنية، ولا يجب على المرأة الإنفاق عليه!

ويجب على الرجل حضور صلاة الجماعة في المسجد - على الراجح من أقوال الفقهاء - ولا يجب ذلك على المرأة.

ويجب الجهاد على الرجال كفاية أو عينا - على حسب الحال - ولا يجب ذلك على النساء. مع أن الجهاد فيه تعريض النفس للتلف.

وتؤخذ الجزية من الرجال غير المسلمين ولا تؤخذ من النساء!

قال ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة): «ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم. قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. وقال أبو محمد في المغني: «لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا»(١) اه.

(١) أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/١٤٩) المغني لأبي محمد ابن قدامة (٩/٣٣٨).

١٥١ كامل الصورة

«لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

١٦ثالثا: إغفالهم الآثار السلبية الكثيرة المترتبة على الانفلات من تشريعات الله للمرأة!
55

الآثار السلبية الكثيرة المترتبة على الانفلات من تشريعات الله للمرأة! فبأي ذنب يتم إسقاط ملايين الأجنة سنوياً بعمليات الإجهاض التي تسببت بها علاقات غير شرعية؟ وإذا كانت الروح قد نفخت في كثير من هذه الأجنة؛ فبأي ذنب قتلت؟!

وإذا كانت الروح قد نفخت في كثير من هذه الأجنة؛ فبأي ذنب قتلت؟! أليس لهذا الجنين حق الحياة؟! أم أن حرية الشهوة مقدمة؟ وإذا كان مصير هذه الأرواح البريئة القتل والازهاق؛ فلماذا يتم تسهيل العلاقات التي تسببت في تكوينها من الأصل؟! حقاً إنها حرية مزيفة!

تسهيل العلاقات التي تسببت في تكوينها من الأصل؟! حقاً إنها حرية مزيفة! ومن ذلك أيضاً: منع الأب من تقييد حرية ابنته حين تسير في طريق منحرف، مع أنه ربما يكون قد تعب في تربيتها قرابة عشرين سنة! بذل فيها ماله وجهده وراحته، ثم إذا صارت في فور شبابها وقدر أنها قررت أن تقيم علاقات غير شرعية - مثلاً - فيحال بينه وبين منعها مما قد يدنس شرفها وهي غارقة في بحر لا تعرف أغواره؟!

وبين منعها مما قد يدنس شرفها وهي غارقة في بحر لا تعرف أغواره؟! الإجماع لابن المنذر (ص ٦٢). ١٥٢ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» فهم يعتبرون منعه إياها من ممارسة حريتها - غير الشرعية - ظلماً، ولا يرون في الحيلولة بينه وبين إبعادها عن هذه الأمور ظلماً ولا غضاضة!

ولا يرون في الحيلولة بينه وبين إبعادها عن هذه الأمور ظلماً ولا غضاضة! ومن ذلك أيضاً الانتكاسة الفطرية التي يسمي فيها الشذوذ الجنسي مثليّة وميلاً طبيعياً؟! وحين سهل المنفلتون من شرع الله طرق إقامة العلاقات المحرمة، فتحت أبواب الخيانة الزوجية على مصراعيها! واختلطت الأنساب! وكم من الأبناء غير الشرعيين من صارت المرأة وحدها هي التي تتحمل أعباء تربيتهم والإنفاق عليهم.

من صارت المرأة وحدها هي التي تتحمل أعباء تربيتهم والإنفاق عليهم. ولذلك؛ تجد أن المرأة تعمل في أي مجال لتحصل المال، فقد نشرت وزارة العمل الأمريكية في موقعها الرسمي (١) إحصاء يبين أن ٨٩٪ من نسبة العاملين في البيوت كخدمة ونظافة هم من النساء!! .html.20lead2007/http://www.dol.gov/wb/factsheets (1) ١٥٣ «كامل الصورة» لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت

(1) ١٥٣ «كامل الصورة» لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت.

رابعاً: أنهم لا يقرؤون حكمة الله تعالى في تشريعاته المتعلقة بالمرأة:

إنهم لا يقرؤون حكمة الله تعالى في تشريعاته المتعلقة بالمرأة: فالله ﷺ حين شرع الأحكام فإنه شرعها باعتبار كونها مرتبطة بالآخرة وبكونها مرتبطة كذلك بمقاصد الإسلام وغاياته الكبرى والتي تحقق العبودية لله ومخالفة الهوى وتزكية النفوس، فإذا شرع الله أمراً فإنه لا يفهم من الخارج منفكاً عن مقاصد الإسلام وغاياته!

شرع الله أمراً فإنه لا يفهم من الخارج منفكاً عن مقاصد الإسلام وغاياته! فحين تحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية مثلاً، فهذا فيه حماية لتشريع آخر عظيم في الإسلام وهو تحريم الزنا، فيحمي هذا التشريع المعظم بمجموعة من التشريعات التي تحميه، وهكذا في بقية التشريعات. فمن يأتي ليحاكم الإسلام من خارجه أو بناءً على ثقافة دنيوية مادية فإنه يقيم محاكمة غير مستقيمة.

أو بناءً على ثقافة دنيوية مادية فإنه يقيم محاكمة غير مستقيمة.

خامساً: أنهم يتغافلون عن التناقضات بين ما يطرحونه وبين الواقع. فهم حاربوا الزواج الشرعي ممن سموهن بالقاصرات، فإذا بالإحصاءات تثبت نسبة كبيرة للحمل غير الشرعي بين هذه الفئة! ١٥٤ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

56

هذه الفئه! ١٥٤ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» وهم يحاربون التعدد في الزواج أشد الحرب، مع أن التعدد لا إجبار فيه، وإنما المرأة هي التي تختار أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة، ثم يمارسون تعدد العشيقات وتعدد العاشقين! وهم ينادون بالحرية في علاقات المرأة ثم يمنعونها من حريتها وحقها حين تختار الزواج من متزوج!

سادساً: إنهم يعتبرون رؤيتهم أصلح للمرأة وأنفع لها من نظام خالقها سبحانه، فيساوونها بالرجل مساواة مطلقة من كل وجه.

وهذا يخالف طبيعة تركيب كل منهما، وأما في نظام الله سبحانه فإن التساوي بين الرجل والمرأة هو الأصل في الأحكام، ولكنه ليس تساوياً مطلقاً في كل شيء، فهناك أحكام تخص الرجل، وأحكام تخص المرأة ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ [ال عمران: ٣٦]. والعدل ليس في المساواة بل في إعطاء كل ذي حق حقه.

سابعا: إنهم ينسبون إلى الإسلام العادات الخاطئة التي فيها ظلم للمرأة! فمثلاً: حين يقوم ولي المرأة بإكراهها على الزواج ممن لا ترغب في الزواج منه، فإنهم ينسبون ذلك إلى الإسلام؛ لأن الذي قام بذلك شخص مسلم، والصواب أن هذه العادة مما جاء في الإسلام النهي عنها، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكن» (١).

فهذه سبع ثغرات تتخلل خطاب المشككين في الإسلام عن طريق موضوع المرأة، وهي كافية في كشف الاستغلال السيء والانتقاء المبني على الهوى من الطاعنين في الإسلام.

وبعد ذلك فإن الموقف الصحيح تجاه الشبهات المثارة على الإسلام من باب المرأة ليس هو الدفاع فقط، بل الهجوم على الطرف الآخر المليء بالعورات والنقص والخلل والمشكلات والكوارث في باب المرأة، فحال المرأة الذي وصلت إليه البشرية اليوم يرثى له، وخاصة في الغرب، والحديث عن النماذج الموضحة لذلك يطول.

كما أن مما أود التنبيه عليه في الختام أن المرأة المسلمة اليوم بحاجة إلى خطاب يرفعها وتنتهض به فتعتز بدينها وهويتها، ثم تحمل على عاتقها مسؤولية نجاتها في الآخرة كما قال النبي ﷺ لابنته فاطمة: «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً» (١).

كما أن عليها أن تحمل على عاتقها المسؤولية تجاه الإسلام والمسلمين، فهي جزء من الإصلاح الذي ينبغي أن يتحقق في هذه الأمة، وذلك بما يناسبها ويتفق مع حدود الله ﷺ.

وقد تحدثت بإسهاب عن هذه القضية في سلسلة مستقلة بعنوان «التأصيل المنهجي لقضايا المرأة».

(١) صحيح البخاري (٥١٣٦) صحيح مسلم (١٤١٩). ١٥٦ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

57

في سلسله مستقله بعنوان «التاصيل المنهجي لقضايا المراه».

٤٤ الحريه ان من اعذب الكلمات التي يسمعها الانسان: كلمه «الحريه»، كم تشعر ان حروفها تنبض بالحياه، والسعه، والاشراق، والانطلاق. وكم يكره الانسان ان يكون مقيد الحريه من انسان مثله ياكل ويشرب ويقضي حاجته، فما الذي يميزه حتي يتحكم في حريات الناس لاجل انه اوتي منصبا او ملكا؟ وما الفرق بيننا وبينه حتي يكمم فم من شاء، ويقذف في السجن من شاء؟

وما الفرق بيننا وبينه حتي يكمم فم من شاء، ويقذف في السجن من شاء؟ ونحن في زمن انتشر فيه الظلم والجور والعدوان علي الناس من قبل كثير من الدول والحكومات والانظمه السياسيه، فسلبت حريه الانسان في كثير من اموره التي جعلها الله له.

ان تسلط الانسان علي الانسان قصه قديمه تكررت كثيرا علي مر القرون والازمان، وفي مختلف البلدان، وحين بعث الله الرسل لهذه المجتمعات البشريه كانت رسالتهم افضل وسيله للتخلص من تسلط الانسان علي الانسان، الي خضوع الجميع للواحد الاحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد.

١٥٨ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» بل ان رساله الرسل كان فيها من معاني الحريه ما هو اكثر من ذلك، وهي تخليص الانسان من معاني العبوديه الخفيه التي لا يشعر بها، كالخضوع للمال وعبادته، او للشهوه وعبادتها.

فقد صح عن رسولنا ﷺ انه قال: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الحميصه، تعس وانتكس واذا شيك فلا انتفش»(١). والدعوات الي الحريه حين لا تراعي هذا المعني فهي في الحقيقه ليست دعوات الي حريه ساميه شريفه، بل هي حريه سطحيه، وفي باطنها عبوديه رهيبه لمن لا يستحق العبوديه.

ان النقاش حول الحريه، والجدل الدائر في موضوعها يحتاج الي تفصيل في الاحوال قبل اطلاق الاحكام العامه التي يضيع معها الحق؛ لان مصطلح الحريه بات محملا باعباء فكريه وتاريخيه ثقيله، ولم يعد ذلك اللفظ الساذج الحر.

واخطر شيء علي الافهام استعمال المصطلحات المحمله بالاعباء التاريخيه والخلافات الفكريه دون بيان يجلي حدودها ويكشف عن معاني الصواب فيها. صحيح البخاري (٢٨٨٧). (١)

١٥٩ «كامل الصوره» لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت وقد افترق الناس امام مصطلح الحريه الي طوائف شتي، فمنهم من غلب جانب الاستنكار والتشكيك في نظرته الي هذا المصطلح، فتجده يفر من استعماله، بل وقد ينكر بعض معانيه الصحيحه ويعارضها؛ حتي تري انه في خطاباته يرسخ – باسم الاسلام – بعض معاني الاستعباد والذل للبشر من ذوي السلطه والنفوذ مما لا يرضاه الله ﷺ، وهؤلاء خطر علي الاسلام.

وطائفه اخري لم تكن حره في استعمالها لمصطلح الحريه، فهي ماسوره ضمن نماذج تاريخيه او تفسيريه معينه للحريه لا تقبل الخلاف فيها ولا النزاع، بينما اذا نظرت الي حقيقه هذه النماذج وجدتها تدعو الي نوع من الحريه يفسد الانسان ويطيح بكرامته وينزع عنه كل ما يميزه عن الحيوانات،

فتحت هذه النماذج يتم الدفاع عن الشذوذ الجنسي، وعن ممارسه الفاحشه مع الكلاب وغيرها، كما يغلب فيها جانب الانانيه بصوره مقيته، فانت تري انه لا حقوق ضمن هذه النماذج للاجنه التي تزهق ارواحها بالملايين في مقابل حريه حامل الجنين في ممارسه شهواتها كما تشاء.

الموقف العدل من قضيه الحريه يكون في التوسط بين موقفي الطائفتين المذكورتين: ١٦٠ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

58

المذكورتين: ١٦٠ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» فيتم الجمع بين تبني لفظ الحرية ونصرته والدعوة إليه والدفاع عنه في مضامينه الصحيحة وبين التزام حدود الله تعالى التي فرضها في كتابه وعلى لسان رسوله، فتكون العبارة الصحيحة لحدود الحرية هي (حريتي تنتهي عند حدود الله).

فتكون العبارة الصحيحة لحدود الحرية هي (حريتي تنتهي عند حدود الله). ومن جهة أخرى ف(لا بد من التفريق في مساحة الحرية في الإسلام بين ما يعتقده الشخص في نفسه وبين ما يعلن به بين الناس، فالاسلام يقبل بوجود الكفار في أرضه، مع بقائهم على كفرهم بشروط، منها: عدم إعلان الطعن في الدين وعدم المجاهرة بالكفر.

علي كفرهم بشروط، منها: عدم إعلان الطعن في الدين وعدم المجاهرة بالكفر. ويحصل اللبس -أو التلبيس- في هذه النقطة حين لا يتم التفريق بين المقامين، فتجد من يستدل بتعايش الكفار مع المسلمين في التاريخ الإسلامي على تشريع قوانين تجعلهم كالمسلمين في باب الدعوة إلى دينهم، والتشكيك في الإسلام، وهذا غلط؛ إذ أن اعتقادهم في أنفسهم وفي بيئتهم المغلقة شيء، وإعلانهم ونشرهم لما يعتقدون -مما أنكره الإسلام- شيء آخر.

وأعلانهم ونشرهم لما يعتقدون -مما أنكره الإسلام- شيء آخر. وقريب من هذا: الخلط بين الحرية التي يتيحها الإسلام في السؤال عما يشكل على الإنسان من قضايا الدين، وبين بث هذه الإشكالات في الناس وإفساد صفاء عقيدتهم ويقينهم. ١٦١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

ويقينهم. ١٦١ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» فالصورة الأولى فيها مساحة كبيرة من الحرية ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ﴿البقرة: ٢٦٠﴾ ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك﴾ ﴿يونس: ٩٤﴾

فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك﴾ ﴿يونس: ٩٤﴾ فالواجب ألا يوصد باب السؤال والنقاش والحوار أمام المستشكلين ومن عندهم شك أو ريب، وأما أن ينتقل هذا الشك والريب إلى صورة الإعلان والتشكيك، فهذا من المنكر الذي يجب إنكاره شرعاً(١).

إلى صورة الإعلان والتشكيك، فهذا من المنكر الذي يجب إنكاره شرعاً(١). وبسبب تأثير ثقافات غير إسلامية فقد ظن البعض أن الحرية في الإسلام تعني ترك الكفر والباطل ينتشران دون منع أو مجاهدة، وفات هؤلاء مواقف عديدة يحكيها الله في القرآن ترد قولهم هذا، فمثلاً: «إبراهيم ﷺ كسر الأصنام في غير حضرة قومه ومن غير مشورتهم.

فمثلاً: «إبراهيم ﷺ كسر الأصنام في غير حضرة قومه ومن غير مشورتهم. » موسى ﷺ لما رجع إلى قومه ووجدهم يعبدون العجل الذي صنعوه من ذهبهم وحليهم، أخذه فحرقه ورماه في البحر ﴿وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا له﴾ (١) سابغات، ط ٣، ص ١٦٧ بتصرف ١٦٢ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

بتصرف ١٦٢ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» لتنيفته في اليوم نسقاً ﴿٩٧﴾ ﴿طه: ٩٧﴾ والرسول محمد ﷺ لما دخل مكة يوم فتحها كان حولها ثلاثمائة وستون صنماً، فلم ينتظر الإذن من قريش لتحطيمها، فكسرها وهو يقول: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (١) ﴿الإسراء: ٨١﴾.

* * * الدين والعقل

59

البطل ان البطل كان رهوقا ﴿ (١) [الاسراء: ٨١] ﴾

* * *

الدين والعقل كما افترق الناس في شأن الحرية على النحو الذي أشرت إليه فقد افترقوا في الموقف من العقل كذلك،

فمنهم طائفة اتخذت موقف التوجس والتخوف عند الحديث عن العقل، حتى أدخلوا بعض صور الاستدلال العقلي الصحيح المحمود في دائرة نقدهم وذمهم، وذلك لاستغراقهم الشديد في نقد المتكلمين مع عدم إدراكهم لدقائق الفرقان بين الحق والبطلان في قضايا العقل والنقل.

ومنهم طائفة أخرى نفخت كلمة العقل ثم ملأتها بصور الهوى، والرأي الفاسد، ورفعت سيف الإرهاب الفكري ضد كل من يخالف أهواءهم وآرائهم الفاسدة، فصاروا يتهمون مخالفهم بالجمود والتحجر ومخالفة العقل.

وشر منهم طائفة طعنت في أصل الرسالة المحمدية، وكفرت بالقرآن الكريم، لظنهم أن آياته تتعارض مع معطيات العقل الصحيح، وليس كذلك، بل كان التعارض مع شبهات غير مكتملة الأركان، قدموها على آيات القرآن باستعجال وسوء فهم. كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ١٦٤

والموقف العدل من العقل هو التوسط، وذلك بالجمع بين كونه مصدراً للمعرفة وبين احترام حدوده التي لا يستطيع تجاوزها. وها هنا بعض النقاط والقواعد المهمة في باب العقل والنقل أذكرها على شكل فقرات:

١ - أبرَزَ القرآن مكانة العقل واستعمل الأدلة العقلية واعتبرها ميداناً ذا أهمية في بناء الحجج، (وقد وردت مادة العقل في القرآن تسعاً وخمسين مرة، كلها تفيد أن انتفاء العقل مذمة، هذا سوي ذكر مرادفاته كالألباب والأحلام والحجر، وذكر أعماله كالتفكر والتذكر والتدبر والنظر والاعتبار، والفقه والعلم) (١).

٢ - الأدلة العقلية فيها القطعي المتفق عليه بين العقلاء وفيها الظني، والتسوية بينهما خطأ كبير، فمخالفة الدليل العقلي القطعي: انحراف وسفسطة، بينما مخالفة الدليل العقلي الظني لدليل أرجح منه موقف صحيح غير معارض العقل.

مثال الدليل العقلي القطعي: القول بأن كل حادث لا بد له من محدث. فهذه ضرورة عقلية قطعية لا يخالفها إلا مكابر. وبهذا الدليل نستدل على ضرورة وجود خالق لهذا الكون؛ لأنه حادث. (١) الأدلة العقلية النقلية، سعود العريفي (٣٨) ١٦٥ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

60

(٣٨) ١٦٥ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» ولا يمكن ان يتعارض الدليل العقلي القطعي مع اي دليل قطعي اخر سواء اكان عقليا ام خبريا ام حسيا، واما ما يصادم القطعيات فهو ظني او غير صحيح من اصله. وكذلك الادله النقليه بعضها ظني من جهه الثبوت، فلو افترض وجود تعارض من كل وجه بينها وبين دليل عقلي قطعي فان المقدم هو القطعي، والعكس كذلك.

كل وجه بينها وبين دليل عقلي قطعي فان المقدم هو القطعي، والعكس كذلك. مع التنبيه الي ان احاديث الاحاد فيها القطعي وفيها الظني، وليست كلها ظنيه، وقد اثبت ذلك من وجوه في كتابي «تثبيت حجيه السنه»(١) و«سابغات»(٢).

٣ - اهميه التفريق بين محارات العقول، وبين محالاتها، اي التفريق بين ما يستبعد عقلا وبينما يستحيل عقلا:

وبين محالاتها، اي التفريق بين ما يستبعد عقلا وبينما يستحيل عقلا: فالشريعه قد تاتي بالامر الذي يجبر العقل، او يكون مستغربا، ولكن لا تاتي بما هو محال في العقل ولا بما يناقضه! قال ابن تيميه رحمه الله في الجواب الصحيح: «يجب التفريق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته، فالاول من محالات العقول، والثاني من محارات العقول، والرسل يخبرون بالشاني». (١)

وقال ايضا في نفس الكتاب: «الانبياء عليهم السلام قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول». (٢).

٤ - ما يقال فيه انه يناقض العقل من صحيح نصوص الشرع لا يكون كذلك عند التحقيق، فان الناس يتوسعون في باب التعارض دون تحرير وفحص لوجوه الجمع الممكنه، بينما اعتني المحققون من علماء اصول الفقه والحديث بتحرير قضيه التعارض، وجعلوا لها اهميه بالغه، ورتبوا خطوات محكمه في التعامل مع ما يتوهم تعارضه من الادله،

ولم ينطلقوا من مبدا جواز مناقضه الشرع لمقتضيات الادله العقليه الصحيحه بل من مبدا عدم التعارض بين صحاح الادله ايا كان نوعها: الخبر ام العقل ام الحس.

٥ - من اكبر عوامل الخطا في ما يدعي فيه التعارض مع العقل:

(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيميه (٤/ ٣٩١).

(٢) المرجع السابق (٤/ ٤٠٠).

(٣) سابغات، الطبعه الثالثه (١٦٠-١٦١)

١٦٧ كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت» اعتبار المرء فهمه الشخصي معيارا للعقل، فما قبله فهو العقل وما رفضه فهو نقيض العقل، وهذا غير سائغ، فان عوامل استنكار الذهن متعدده، منها طبيعه التكوين، ومدي سعه المعلومات في الذهن، ورصيد الخبره، وغير ذلك، وعليه؛ فلا ينبغي الاستعجال في دعوي مناقضه العقل فقد يكون منشا الاستنكار راجعا الي طبيعه تخص الشخص المستنكر ولا تعم جميع العقلاء.

* * *

التشكيك في الاسلام بسبب تاخر المسلمين

61

المستنكر ولا تعم جميع العقلاء.

* * *

التشكيك في الاسلام بسبب تأخر المسلمين يردد كثير من الملحدين والمشككين في الاسلام هذه الأسئلة: لماذا يعيش العالم الاسلامي متأخراً عن العالم الغربي وعن الدول الإلحادية في الجوانب الصناعية والتقنية والعسكرية؟ ألا يدل ذلك على عدم صحة الاسلام؟ ولماذا يكثر القتل بين المسلمين في حين يعيش الملحدون بسلام؟

عند التأمل في هذه الأسئلة وما بنيت عليه نجد أن هناك قدراً من المغالطات وسوء المعايير، كما أن هناك قدراً كبيراً من الأسئلة المضادة التي تكشف عن حرج موقف السائلين لا المسؤولين، وسأذكر ذلك على شكل نقاط:

1**إشكالية التعميم**: يقوم هؤلاء المشككون بتعميم ما يخطئ فيه فرد مسلم أو جماعة مسلمة ليصقوا كل ذلك بالاسلام حتى ولو تبرأ المسلمون في كل يوم وليلة من هذه الأفعال.
2**جرائم القتل في التاريخ الحديث**: من أكبر جرائم القتل التي ارتكبت بحق الإنسانية في العصر الحديث كانت في الحرب العالمية الثانية التي بلغ ضحاياها خمسون مليون قتيل أو أكثر، وأطراف الحرب فيها: ملحدون وعلانيون ونصارى، وهم نفس الاتجاهات التي يثير أتباعها التشكيك في الاسلام. فعلى هذا المنطق يمكننا أن نثير نفس التشكيكات عليهم، فلو أخذنا جرائم النظام الشيوعي كدليل على إجرام الملحدين لكان ذلك كافياً في إسقاطهم بنفس الطريقة التي يحاولون التشكيك بها في الاسلام، فإن قالوا: الشيوعيون لا يمثلون الملحدين. قلنا لهم: وكذلك ليس كل مسلم يمثل الاسلام.
3**حقوق الإنسان والحملات الاستعمارية**: من أعظم ما هضمت به حقوق الإنسان في العصر الحديث: الحملات الاستعمارية التي قامت بها فرنسا وبريطانيا على العالم العربي والاسلامي، ولم تكن هذه الحملات في زمن ما يعرف بالعصور المظلمة في أوروبا، بل كانت بعد عصر التنوير والحرية وحقوق الإنسان، فلتكن تلك النماذج الاستعمارية كافية إذاً في إسقاط أفكار التنوير والحريات الغربية!
4**فهم الدين**: نحن نعتقد بأن العصمة من الخطأ لا تكون لأحد بعد الأنبياء، ونعتقد أن المسلمين يتفاوتون في درجات فهمهم لدينهم ومن ثم تمسكهم به، فأي عمل يقوم به فرد مسلم أو جماعة مسلمة فإنه قابل للأخذ أو الرد بحسب موافقته للكتاب والسنة وإجماع علماء المسلمين. فالاسلام لا يحاكم إلى تصرفات الأفراد وإنها إلى

١٧٠ كامل الصورة «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت».

62

الافراد وانها الي ١٧٠ كامل الصوره «لتمزيز اليقين وتثبيت الثوابت» نصوصه الاصليه والي تصرفات مجموع المتنمين اليه.

وكذلك، فليس كل شخص منتسب للاسلام يكون حسن النيه لهذا الدين، فبعض الاشخاص ينتسبون للاسلام ظاهرا لكنهم في الحقيقه يحاربونه، وقد ذكر الله صفات المنافقين في كثير من ايات كتابه العزيز، وذكر ان ولاءهم متوجه لاعداء هذا الدين وان كانوا في ظاهر الامر مع المسلمين.

ان ولاءهم متوجه لاعداء هذا الدين وان كانوا في ظاهر الامر مع المسلمين.

فاذا اردنا النظر في حقيقه الاسلام فلنرجع الي اصوله: الكتاب، وسنه الرسول ﷺ -الذي هو النموذج الكامل التطبيق للاسلام- كما قالت عنه عائشه رضي الله عنها: «كان خلقه القران»(١) والذي رايناه من شواهد التاريخ انه بقدر اقتراب المسلمين من دينهم واخذهم بسنن الله في الكون = ينالون الرفعه في الدنيا وتكون لهم كلمتهم فيها.

بسنن الله في الكون = ينالون الرفعه في الدنيا وتكون لهم كلمتهم فيها.

خامسا: تفوق الغرب الحضاري المادي في هذا الزمن هو لاخذهم بسنن التفوق المادي والتي جعلها الله بعدله لكل من خلق، فاننا نؤمن بان الله ﷺ قد جعل سننا في الكون؛ من اخذ بها حصد نتائجها ولو كان كافرا عاصيا لله؛ فالله عز وجل يعطي كل انسان علي قدر ما بذل.

كان كافرا عاصيا لله؛ فالله عز وجل يعطي كل انسان علي قدر ما بذل.

(١) مسند احد (٢٤٦٠١) واللفظ له وصحيح مسلم (٧٤٦).

١٧١ | كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

(٧٤٦). ١٧١ | كامل الصوره «لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت»

سادسا: من الخطا الكبير ارجاع معيار النجاح والتقدم الي الناحيه الماديه فقط، فان غايه ما تحققه: الرفاه للانسان في هذه الدنيا، وهذه الغايه ليست هي ما خلق الله الانسان لاجلها، وانما يعرف ذلك من تامل في دلائل الايمان التي ذكرناها في اول الكتاب.

فهذا التقدم المادي دون تحقيق الغايه الكبري (وهي التعبد لله تعالي واتباع امره) لا قيمه له، بل هو من عوامل تكبر الانسان وجبروته وطغيانه.

واتباع امره) لا قيمه له، بل هو من عوامل تكبر الانسان وجبروته وطغيانه.

سابعا: ما ينسب الي المسلمين من تخلف وتاخر وتحارب واقتتال، له عده اسباب، منها تسلط المنافقين علي المسلمين وحكمهم باسم الاسلام ولكن دون حقيقه الالتزام به، بينما نجد اهواءهم واعمالهم تميل الي اعداء الاسلام ومنها افتقاد كثير من المسلمين للاراده الصادقه مع العمل الواعي للنهضه بالامه، ومنها ما يكون لغير المسلمين فيه يد ظاهره او خفيه.

للنهضه بالامه، ومنها ما يكون لغير المسلمين فيه يد ظاهره او خفيه.

* الخاتمه

اما بعد، فان الثمره المرجوه من كل ما سبق من بيان ادله صحه الاسلام وثوابته والرد علي الشبهات هي العمل وذلك بخضوع القلب وخشوعه واخباته لله سبحانه وتعالي؛

هي العمل وذلك بخضوع القلب وخشوعه واخباته لله سبحانه وتعالي؛ فان ادله اليقين وبراهين صحه الاسلام انما يراد بها ايصال المسلم الي حاله الخضوع والاخبات والخشوع لله سبحانه وتعالي وليس للايغال في الادله النظريه والاستكثار منها والمجادله بها؛ فان هذا الدين دين عمل وان قيمه حججه في تحقيق غايه التعبد به، والدفاع عنه ونسال الله سبحانه وتعالي التوفيق والسداد والقبول والبركه.

* * *