الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
محاسن الإسلام

محاسن الإسلام

الشيخ أحمد السيد 51 صفحة 148 مقطع 15 قسم

كتاب يتناول محاسن الإسلام بصورة تأصيليّة تعين على تكوين نظرة منهجيّة شموليّة

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## TAKWEEN للدراسات والابحاث

### محاسن الاسلام نظرات منهجيه أحمد بن يوسف السيد

حقوق الطبع والنشر محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٨هـ/٢٠١٧م

> الآراء التي يتضمنها هذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز

Business center 2 Queen Caroline Street, Hammersmith, London W6 9DX, UK www.Takween-center.com info@Takween-center.com

تصميم الغلاف: +966 5 03 802 799 المملكة العربية السعودية – الخبر eyadmousa@gmail.com

---

### فهرس الموضوعات

| الصفحه | الموضوع | | --- | --- | | ٧ | مقدمة | | ٩ | مناهج المؤلفين في تناول موضوع محاسن الاسلام | | ١٥ | القضايا المنهجية المتعلقة بمحاسن الاسلام (القضية المنهجية الأولى): النظرة الكلية للإنسان والكون والوجود | | ٢١ | (القضية المنهجية الثانية): فهم حقيقة التعبد في الاسلام | | ٢٧ | (القضية المنهجية الثالثة): محاسن الاسلام في براهينه | | ٣١ | (القضية المنهجية الرابعة): وضوح عقيدة الاسلام في الخالق | | ٣٧ | (القضية المنهجية الخامسة): وجود النموذج العملي المطبق للحقائق النظرية | | ٤١ | (القضية المنهجية السادسة): مقارنة الاسلام بالجاهلية | | ٥١ | (القضية المنهجية السابعة): التجديد المتزن | | ٦١ | (القضية المنهجية الثامنة): محاسن الاسلام في الأبواب التي يلج منها المشككون فيه | | ٦١ | الخاتمة |

---

الحمد لله الذي أنزل على نبيه ﷺ: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] وصل اللهم ربنا وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:

اللهم ربنا وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن من طلب شيئاً بعدت شقته لا بد تلحقه مشقته؛ فلا بد له من معرفته ومعرفة منافعه؛ ليحمله ذلك على تحمل المشقة وقطع الشقة.. فهذا حملني عند ضعفي وكبر سني على أن أتفحص من محاسن الاسلام والشرائع، فبرز في كل أمر مشروع من سر حسن مطبوع، على وجه يرضاه من دان الاسلام إذا أنصف من عقله ولم يظهر العناء من فعله وقوله»(١).

بهذه الجملة قدم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري (ت ٥٤٦هـ) كتابه «محاسن الاسلام وشرائع الاسلام». وهو يتحدث هنا عن الأثر الحسن لذكر محاسن الاسلام على المسلمين أنفسهم؛ لما ذكره من أن من سار في طريق طويل شاق فإنه يحتاج إلى أن يعرف منافع سلوك هذا الطريق لكي يتحمل المشقة.

ولا تقل مخاطبة غير المسلمين بمحاسن الاسلام أهمية عن مخاطبة المسلمين بها، فإن غير المسلمين إذا عرفوا محاسن هذا الدين الذي يدعون إليه، ورأوا عظمته وأدركوا بهاء وتميز خصائصه العظيمة، فإنهم يدخلون فيه محبين مقتنعين مسارعين، إلا من منعه هواه.

ونحن اليوم نعيش صراعاً في الأفكار والشقافات والأديان، وانفتاحاً في سوق الأفكار، فالبضائع الفكرية تقدم وتعرض ويدعى لها بكل وسائل الدعوة والتسويق، حتى صار بعض المسلمين يقع في نفسه شيء من الحرج أو الشك أو الحيرة تجاه بعض الأحكام الشرعية، لذا؛ كانت الحاجة الآن ماسة إلى الحديث عن محاسن الاسلام.

(١) محاسن الاسلام وشرائع الاسلام (ص٣) باختصار.

2

الشرعيه، لذا؛ كانت الحاجه الان ماسه الي الحديث عن محاسن الاسلام.

٩ مناهج المؤلفين في تناول موضوع محاسن الاسلام

قبل ان ابدا بالنظرات والقضايا المنهجيه المتعلقه بمحاسن الاسلام، اشير - علي وجه الاختصار - الي مناهج الكتاب والباحثين في تناول موضوع محاسن الاسلام، فان مسالك من كتب في هذا الباب متعدده متنوعه، ومن اهمها ما يلي:

1**المسلك الاول:** تناول محاسن الاسلام علي طريقه ابواب الفقه:

وممن سار علي ذلك الامام أبو بكر محمد بن علي القفال (ت ٣٦٥ه) في كتابه «محاسن الشريعه»، فنجد انه تناول: (باب ذكر ما يوجب طهاره الوضوء، باب ذكر ما يوجب طهاره الاغتسال، باب ذكر المسح علي الخفين، باب ذكر طهاره التيم، باب ذكر النجاسات... الخ، ثم كتاب الجنائز: باب ما يعمل به في الموتي قبل الغسل، ثم كتاب الحج، ثم الزكاه، ثم الطعام، والشراب، واللباس، والزينه، والايمان، والكفارات... الخ).

وأي دارس للفقه يري التطابق بين عناوين هذه الابواب وعناوين كتب الفقه، غير ان هذا كتاب في المحاسن والمقاصد.

وممن سار علي ذلك ايضا: عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري (ت ٥٤٦ه) في كتابه «محاسن الاسلام وشرائع الاسلام»، فقد صنفه علي مواضيع كتب الفقه، فذكر: (كتاب الوديعه ومحاسنها، كتاب البيوع ومحاسنه، كتاب الصلح ومحاسنه، كتاب الدعوي ومحاسنها، كتاب الاجارات ومحاسنها، كتاب الوكاله والكفاله ومحاسنها، كتاب الهبه، كتاب الوصايا، كتاب الاشربه، كتاب الشهادات، محاسن القضاء... الخ).

ومما يلاحظ علي ما كتب في هذا المسلك انه لا يتناول محاسن الشريعه الكليه، بل يركز علي محاسن الفروع.

2**المسلك الثاني:** العرض الشمولي لمحاسن الاسلام:

والمقصود بهذا المسلك: تناول محاسن شرائع الاسلام وعقائده واخلاقه دون اكتفاء بالتشريعات العمليه وحدها، وممن كتب في ذلك من المعاصرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (ت ١٣٧٦ه) في كتابه «الدره المختصره في محاسن الدين الاسلامي"، لكن هذا الكتاب ليس فيه القوه الاستدلاليه القاطعه لتشكيكيات المشككين، بل هو عرض للموضوع بصوره سهله ميسره، نافعه للمبتدئين في القراءه وصغار السن، فهو كتاب يحسن ان يربي عليه النشء في الحلقات القرانيه ونحوها.

وقد بين الشيخ ابن سعدي في بدايه كتابه: الثمرات التي تترتب علي الحديث عن محاسن الاسلام، منوعا فيها بين ما يرجع الي المسلمين وما يرجع الي غيرهم، وذكر ان الحديث عن محاسن الاسلام من اكبر ابواب الدعوه الي الاسلام دون الحاجه الي ابطال شبه المخالفين؛ فهو في نفسه يدفع كل شبهه تعارضه.

3**المسلك الثالث:** ابراز محاسن الاسلام في جانب معين من جوانبه التشريعيه او الاخلاقيه او الاعتقاديه:

ومن المؤلفات في ذلك: الجانب الاخلاقي: كتب فيه الدكتور محمد عبد الله دراز (ت ١٣٧٧ه) كتابه «دستور الاخلاق في القران»، وقد تناول فيه النظريه الاخلاقيه الاسلاميه بشكل عام، وقارنها ببعض النظريات الاخلاقيه الفلسفيه الاخري، وفي اخر الكتاب افرد ايات القران التي تشكل المنظومه الاخلاقيه الاسلاميه.

3

اخر الكتاب افرد ايات القران التي تشكل المنظومه الاخلاقيه الاسلاميه.

١٢ الجانب الاعتقادي: كتب فيه الشيخ فريد الانصاري (ت١٤٣٠ه) في (جماليه الدين، معارج القلب الي حياه الروح) وهذا الكتاب من افضل ما كتب في محاسن اعتقادات الاسلام، بل هو - في رايي - من افضل ما كتب في محاسن الاسلام بوجه عام، وقد تناول في هذا الكتاب جماليات التوحيد، وجماليه مفهوم الاله في القران واللغه، والعلاقه التي تحكم تعبد الانسان لخالقه سبحانه، وجماليه التعريف القراني بالله سبحانه، وجماليه عقيده اليوم الاخر والايمان بالغيب والموت والحياه الاخره. . . الخ.

وهناك ايضا رساله مختصره نافعه للدكتور احمد بن عثمان المزيد بعنوان «محاسن العقيده الاسلاميه».

الجانب التشريعي: واعني به جانب الاحكام العمليه التي اصطلح علي تسميتها ب(ابواب الفقه) وفيه الكتابان اللذان اشرت اليهما سابقا: كتاب القفال، وكتاب البخاري.

المسلك الرابع: الكتابه عن محاسن الاسلام مقارنه بغيره من الديانات او الافكار المعاصره، في عموم الابواب او في جانب معين: ومن ابرز من كتب في ذلك علي عزت بيجوفيتش (ت١٤٢٤ه) في كتابه «الاسلام بين الشرق والغرب».

ومن الكتب المشهوره ايضا في هذا المجال كتاب ابي الحسن الندوي ﷺ (ت١٤٢٠ه): «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، وهو وان لم يكن صريحا في محاسن الاسلام الا انه حرص فيه علي المقارنه بين الاسلام وبين الجاهليه في زمنها القديم والحديث.

وقد كتب محمد سعيد البوطي: «المراه بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني».

وختاما؛ فانني لم اجد من تناول هذا الباب بصوره تاصيليه تعين علي تكوين نظره منهجيه شموليه يتوصل بها الي ججاج المخالفين علي وجه متين، ولذلك فاني ساركز علي الاصول والكليات التي ينطق منها الي الحديث عن محاسن الاسلام، فلن استعرض في هذا الكتاب المحاسن التفصيليه للطهاره والصلاه والنكاح والطلاق وسائر الاحكام الشرعيه، كما اني لن استعرض تفاصيل الامور الاعتقاديه في الاسلام ومحاسنها - وقد اعرج علي شيء من ذلك - فالعرض في هذا الكتاب ليس استقصائيا للمحاسن، وانما هو نظرات وقضايا منهجيه يتوصل بها الي احكام الحديث عن محاسن الاسلام. . والله المستعان.

١٥ القضايا المنهجيه المتعلقه بمحاسن الاسلام (القضيه المنهجيه الاولي)

النظره الكليه للانسان والكون والوجود ان هذا الدين العظيم لا تفهم محاسنه، ولا يتوصل الي جمالياته، الا بادراك نظرته الكليه للكون وللوجود، وللدنيا والاخره، وللانسان وما وراء وجوده علي هذه الارض.

واذا تاملت كثيرا مما يشار من الاستشكالات والاعتراضات ضد احكام الشريعه فستجد انها منبعثه من تجزئه النظر الي الانسان او الي الحياه والوجود، وناشئه من عدم فهم التكامل المراعي في تشريعات الاسلام والذي يتجاوز اطار الماده الضيق.

ان الله حين شرع للناس خمس صلوات في اليوم والليله، وامرهم باداء الصدقه للفقراء، وفرض عليهم الامساك عن الطعام في رمضان، وكتب عليهم الحج الي مكه، لم يشرع هذه الاعمال لتكون جزمه من الواجبات يؤديها الانسان دون ادراك لما تحقق من مقاصد وغايات وجكم عظيمه مرتبطه بعلاقه الانسان بربه سبحانه، الم يقل الله سبحانه: ﴿ولقد اصلحه لن يكريه﴾ [طه: ١٤]؛ اي: لتذكرني فيها؟(١)

فالمسلمون يقيمون الصلاه ليتذكروا الله جل وعلا(٢)، وهكذا قال النبي ﷺ في الحج: «انما جعل الطواف بالكعبه، وبين الصفا والمروه، ورمي الجمار؛ لاقامه ذكر الله»(٣).

4

بالكعبه، وبين الصفا والمروه، ورمي الجمار؛ لاقامه ذكر الله» ﴿٣﴾. وتاملوا معي هذا الكلام الكاشف عن عمق هذه القضيه المنهجيه ﴿٤﴾: «ان الاسلام وهو يتولي تنظيم الحياه الانسانيه جميعا لم يعالج نواحيها المختلفه جزافا، ولم يتناولها اجزاء وتفاريق، ذلك ان له تصورا كليا متكاملا عن الالوهيه والكون والحياه والانسان، يرد اليه كافه الفروع والتفصيلات، ويربط اليه نظرياته جميعا،

والانسان، يرد اليه كافه الفروع والتفصيلات، ويربط اليه نظرياته جميعا، وتشريعاته وحدوده وعباداته ومعاملاته، فيصدر فيها كلها عن هذا التصور الشامل المتكامل، ولا يرتجل الراي لكل حاله، ولا يعالج كل مشكله وحدها في عزله عن سائر المشكلات. ومعرفه هذا التصور الكلي عن الاسلام تيسر للباحث

في عزله عن سائر المشكلات. ومعرفه هذا التصور الكلي عن الاسلام تيسر للباحث ﴿١﴾ تفسير الطبري (١٦/٣٣). ﴿٢﴾ الطريق الي القران، لابراهيم السكران (ص ٩١). ﴿٣﴾ اخرجه ابو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢) وقال: حسن صحيح. ﴿٤﴾ من كتاب: العداله الاجتماعيه في الاسلام، لسيد قطب (ص ٢٠).

فيه فهم اصوله وقواعده، وتسهل عليه ان يرد الجزئيات الي الكليات، وان يتتبع في لذه وعمق خطوطه واتجاهاته، ويلحظ انها متشابكه متكامله، وانها كل لا يتجزا، وانها لا تعمل عملا مشمرا للحياه الا وهي متكامله الاجزاء والاتجاهات.

وطريق الباحث في الاسلام ان يتبين اولا تصوره الشامل عن الالوهيه والكون والحياه والانسان قبل ان يبحث عن رايه في الحكم، او رايه في المال، او رايه في علاقات الامم والافراد، فانما هذه فروع تصدر عن ذلك التصور الكلي ولا تفهم بدونه فهما صحيحا عميقا» ثم نبه الي المصدر الصحيح لاستقاء هذه النظره الشموليه فقال:

«والتصور الاسلامي الصحيح لا يلتمس عند ابن رشد او عند ابن سينا او الفارابي وامثالهم ممن يطلق عليهم وصف (فلاسفه الاسلام)، ففلسفه هؤلاء انما هي ظلال للفلسفه الاغريقيه، غريبه في روحها عن روح الاسلام، وللاسلام تصوره الاصيل الكامل، يلتمس في اصوله الصحيحه، القران والحديث وفي سيره رسوله ﷺ وسننه العمليه،

وهذه الاصول هي حسب اي باحث متعمق ليدرك تصور الاسلام الكلي الذي يصدر عنه في كل تعاليمه وتشريعاته ومعاملاته» انتهي. وهذه هي القضيه المنهجيه الاساسيه لادراك محاسن الاسلام، وبدونها فلا يمكن ان تفهم محاسن تشريعات الاسلام.

(القضيه المنهجيه الثانيه) فهم حقيقه التعبد في الاسلام

ان ادراك محاسن الاسلام لا يتم الا بفهم حقيقه التعبد لله ﷺ، ولا تفهم هذه الحقيقه الا بالادراك العميق لنصوص الكتاب والسنه الوارده في ذلك، او بالنظر في كلام علماء المسلمين الذين اعتنوا بابراز تلك الحقيقه بعد تتبعهم لنصوص الوحيين، ثم بالعمل علي ضوء هذه الحقيقه دون الاكتفاء بالفهم النظري.

ان النظر الي التعبد في الاسلام علي انه ممارسات وطقوس دون خضوع القلب وتذلله وحبه للمعبود، او علي انه خوف ورهبه وفزع ورعب دون حب ورجاء، او علي انه حب وفناء وعشق دون هيبه وخضوع وخوف من المعبود، كل هذا لا يؤدي الي الفهم الحقيقي لقضيه التعبد في الاسلام. ان للعبوديه في الاسلام جمالا يوقف الانسان علي ٢١ ٢٢

5

## التعبد في الاسلام

إن للعبودية في الإسلام جمالًا يوقف الإنسان على ٢١ ٢٢ شاطئ الكون مندهشًا بأنوار الحقائق الكبرى التي تنفتح له، وإن عدم تذوق جمالية التعبد والخضوع والمحبة لله سبحانه لمن أكبر أسباب التأثر بالشبهات المثارة ضد وجوده وكماله سبحانه، ومن ثم الوصول إلى الإلحاد والإنكار. وهاهنا تجربة فريدة في هذا المجال لعالم فريد كاسمه، وهو الشيخ: فريد الأنصاري ﷺ في كتابه «جمالية الدين».

استعرض فيها مراحل فهمه للتدين والتعبد، وكيف أنها بدأت بالتصور المختصر، ثم انتقل إلى إدراك بعض المفاهيم الحركية الإسلامية والدفاع عنها، ومع ذلك يقول إنه لم يصل إلى اللذة الحقيقية للإيمان حتى أوقفه أحد مشايخه وأساتذته على حقيقة معنى الإله والتأليه، يقول: «بدأت المراجعة في حياتي كلية، واكتشفت حقيقة أن هناك شيئًا اسمه (حلاوة الإيمان)، ذوقًا لا تصورًا، وحقيقة لا تخيلاً! ثم بدأت أعود إلى القرآن، فوجدت أني كنت بعيدًا جدًا عن بشاشته وجماله، وبدأت أعود إلى السنة، فوجدت أني كنت أجهل الناس بأخلاق محمد عليه الصلاة والسلام، وبدأت أراجع ما قرأته عن العقيدة، فوجدت صفحات مشرقة مما كتب السلف الصالح قد مررت عليها مرور الأعمى - لا مرور الكرام - بسبب ما غطى بصري من فهوم سابقة، حتى كأني لم أقرأ قط! قلت: لم تكن مفاجآتي علمية بقدر ما كانت وجدانية، لقد كنت أقرأ عبارات (المحبة والشوق والخوف والرجاء) ولكن دون أن أجد لها شيئًا من نبض الحياة بقلبي» (١).

لقد بين د. فريد كتشابه في كلامه بأنه لا يتهم المفاهيم التي كان عليها سابقًا، وإنما يقول: إن ظروف التلقي كانت سيئة للغاية، ولكيلا يكون الأمر غامضًا، فسأنقل لكم كلامه في شرح مفهوم الإله والتأليه والتعبد، يقول:

«كلمة (إله) في أصل استعمالها اللغوي كلمة قلبية وجدانية، أعني أنها لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب، كالحب والبغض والفرح والحزن والأسى والشوق والرغبة... الخ. أصلها قول العرب: (أله الفصيل ياله إلهًا) إذا ناح شوقًا إلى أمه. والفصيل: ابن الناقة إذا فطم وفصل عن الرضاعة، يحبس في الخيمة وتترك أمه في المرعى حتى إذا طال به الحال ذكر أمه وأخذه الشوق والحنين إليها وهو آنئذ حديث عهد بالفطام، فناح وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء، فيقولون: (أله الفصيل)، فأمه إذن هنا هي (إلهه) بالمعنى اللغوي؛ أي: ما يشوقه. ومنه قول الشاعر: ألهت إليها والركائب وفف» (٢).

(١) جمالية الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري (ص ٤٠).

(٢) المرجع السابق (ص ٣٤).

6

لفريد الانصاري (ص ٤٠).

(٢) المرجع السابق (ص ٣٤).

ثم يقول: «وهكذا فانت تري ان مدار المادتين (اله) و(وله) هو علي معان قلبيه ترجع في مجملها الي التعلق الوجداني والامتلاء بالحب، فيكون قول المؤمن: ﴿لا اله الا الله﴾ تعبيرا عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالي، اي لا محبوب الا الله، ولا مرهوب الا الله، ولا يملا عليه عماره قلبه الا قصد الله.

انه اشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير، الذي ناح شوقا الي امه اذ احس بالم الفراق ووحشه البعد، ان المسلم اذ يشهد ﴿لا اله الا الله﴾، يقر شاهدا علي قلبه انه لا يتعلق الا بالله، رغبه ورهبه وشوقا ومحبه. وتلك لعمري شهاده عظيمه وخطيره؛ لانها اقرار واعتراف بشعور، لا يدري احد مصداق ما فيه من الصدق الا الله،

ثم الشاهد نفسه. ومعاني القلب لا تحد بعبارات، ولا تحصرها اشارات. ومن هنا كانت شهاده ﴿لا اله الا الله﴾ من اللطافه بمكان، بحيث لا تدرك علي تمام حقيقتها الا ذوقا!» (١).

ثم ينقل عن ابن القيم رحمه الله تعالي، كلاما في المحبه عجيبا عظيما، يقول:

«فلو بطلت مساله المحبه لبطلت جميع مقامات الايمان والاحسان، ولتعطلت منازل السير الي الله؛ فانها روح كل مقام ومنزله وعمل، فاذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه، (١) المرجع السابق (ص ٣٥، ٣٦).

ونسبتها الي الاعمال كنسبه الاخلاص اليها، بل هي حقيقه الاخلاص، بل هي نفس الاسلام؛ فانه الاستسلام بالذل والحب والطاعه لله، فمن لا محبه له لا اسلام له البته، بل هي حقيقه شهاده ﴿لا اله الا الله﴾، فان الاله هو الذي يالهه العباد حبا وذلا، وخوفا ورجاء، وتعظيما وطاعه له، بمعني (مالوه)، وهو الذي تالهه القلوب، اي تحبه وتذل له... (١).

الي اخر كلامه رحمه الله تعالي.

والمقصود من هذه القضيه ان الاسلام لا يفهم الا اذا فهمت حقيقه التعبد فيه، وفهم الموقف او الشعور او الاعتقاد الذي يصاحب الانسان تجاه ربه اذا ادي العبادات التي شرعها الله ﷺ، ولذلك يقول العز بن عبد السلام في قواعده: «المقصود من العبادات كلها اجلال الاله وتعظيمه ومهابته» (٢).

فهذا تصور اذا ادركه الانسان وعرفه بشكل جيد، فانه سيقف علي صوره معرفيه لمحاسن الاسلام فيها اسمي معاني الجمال القلبي، ومع ذلك فهي لا تغني عن التذوق العملي الحقيقي لهذا الجمال، فان الخبر ليس كالمعاينه، وان للاسلام طبيعه خاصه تختلف عن اي فكره نظريه يعتقد

بصحتها الناس، فان من يؤدي عباده الله علي الوجه الذي اراد، ويحسن في ذلك، مع علم وفهم، فان الله يهبه من جمال الحياه وحسن المعرفه ومن نور القلب ومن سعاده الروح ما لا يمكن ان يعبر عنه بكلام يكشف ما يجده كما قال من قال من العباد: «انا نجد من اللذه والسعاده ما لو علم الملوك وابناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف».

٢٦

(القضيه المنهجيه الثالثه) محاسن الاسلام في براهينه

7

## (القضيه المنهجيه الثالثه)

محاسن الاسلام في براهينه ان من اهم ما يوقف الناظر المتأمل علي محاسن الاسلام وجماله وبهائه وتميزه؛ هو النظر في البراهين المثبته لصحته ومقارنتها ببراهين أي فكره أخري علي وجه الأرض. ان دين الاسلام قد جاء مبرهنا علي صحه كل اصوله ببراهين قويه متعدده متنوعه، وهذا ما لا تجده في أي دين آخر، ولا في أي توجه أو تيار أو مذهب أو طائفه.

فاسلك ما شئت من سبل البحث عن براهين صحه سائر الأديان وانظر الي اصولها ومدي استقامه الدليل علي اثباتها، ثم اعمل مثل ذلك في الاسلام فلن تجد أي عناء في الحكم بترجيح الاسلام علي ماسواه. واذا اردنا ان نحدد قضيه من اصول القضايا الدينيه لتكون مثالا للكلام السابق، فلننظر الي قضيه اثبات صحه الكتب السماويه، ففي الاسلام نجد ان البراهين التي يثبت بها علماء المسلمين صحه نسبه القران - من جهه البلاغ - الي النبي ﷺ، وصحه نسبته - من جهه المصدر - الي الله تعالي تفوق الحصر وتعيي العادين، بل انك تجد في النوع الواحد من الأدله المثبته لصحه القران مؤلفات كثيره وتحريرات بديعه وبراهين قاطعه.

مثل ما كتبه العلماء المتقدمون في باب اعجاز القران كالخطابي والجرجاني والباقلاني وغيرهم كثير، بل لو لم يكن في ذلك الا كتاب النبا العظيم لمحمد عبد الله دراز لكفي، مع العلم بان باب الاعجاز القراني ليس الا بابا واحدا من ابواب الاستدلال علي صحه القران الكريم، وكذلك الامر في المؤلفات التي كتبت في حفظه وجمعه وتواثره وقراته ونقلته.

واذا قارنت ذلك باشهر كتاب سماوي آخر، وهو ما يعرف بالكتاب المقدس فستجد مفارقه عظيمه في اثبات النص الاصلي وحفظه. وكذلك لو انتقلت الي الاطار اللاديني فانك اذا نظرت الي البراهين التي يستدلون بها علي صحه اصولهم فستجد افلاسا عجيبا؛ فان غايه ما لديهم في باب الاثبات نظريات مختلفه متضاربه لا تكاد تثبت علي شيء محدد، وجمهور عملهم انما هو متوجه الي باب النفي وهدم معتقدات الاخرين، ببث الشبهات والاشكالات والاعتراضات، واما المنظومه الاثباتيه فهي هشه، وكثير من الملحدين اصلا ليس لديهم اثبات، بل غايه ما لديهم النفي، فهم يتغذون علي الشبهات، ودينهم اذا لم يأكل من رمم الشبهات فانه لا يمكن ان يكون شيئا مذكورا.

والحاصل: ان هذه القضيه المنهجيه من ابرز محاسن الاسلام الكبري التي تثبت صحته، واذا ثبتت صحته فيمكننا ان نثبت محاسنه التفصيليه من نصوصه واخباره.

## (القضيه المنهجيه الرابعه)

وضوح عقيده الاسلام في الخالق لا يوجد تراث لأمه من الأمم المتدينه فيه تعظيم للاله الخالق سبحانه وتنزيه له عن النقائص وعما لا ينبغي ان يكون عليه، كما يوجد في القران الكريم وفيما صح عن النبي محمد ﷺ من الأحاديث.

ولذلك؛ فان الاسلام قد تميز علي سائر الديانات بوضوح العقيده في (الاله) من جهه الكمالات المتعلقه به، ولذا فان العقل لا يجد تكلفا في قبول الاعتقاد الاسلامي في الله سبحانه، بخلاف الخرافات والاساطير الموجوده في تصورات كثير من البشر تجاه الاله، وهذه القضيه من اظهر القضايا في دين الاسلام، والاستدلال عليها لا يحتاج الي كبير عناء، فالقران من اوله الي اخره تمجيد وتعظيم وتنزيه لله ﷺ، والسوره التي اخبر النبي ﷺ انها اعظم سوره.

8

لله ﷺ، والسورة التي أخبر النبي ﷺ أنها أعظم سورة. ﴿ 31 32 ﴾ في القرآن هي السورة التي تبدأ بحمد الله والاعتراف بأنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين، وتبين العلاقة بين المخلوق والخالق بالتعظيم الذي ينبغي للخالق، بأنه لا يعبد إلا هو، ولا يستعان إلا به، فهذه أعظم سورة.

ينبغي للخالق، بأنه لا يعبد إلا هو، ولا يستعان إلا به، فهذه أعظم سورة. وكذلك أعظم آية في القرآن، كلها متعلقة بالإله من أولها إلى آخرها، وهي آية الكرسي، ولا يوجد عند أمة من الأمم المتدينة تعظيم للإله بمثل ما في آية الكرسي. ثم إنه قد صح عن النبي ﷺ: «إن في القرآن سورة تعدل ثلث القرآن»، وهي سورة الإخلاص، وإذا تأملت فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيم وتنزيه لله ﷺ.

وإذا تأملت فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيم وتنزيه لله ﷺ. بينما إذا نظرت فيما جاء عن الخالق في سائر الأديان فلن تحتاج إلى كبير جهد لتدرك الفارق بين الإسلام وغيره، بل إن المقارنة بين الإسلام وغيره في هذا الباب ظالمة. فإذا كانت اليهودية والنصرانية - التي هي أحظى الديانات بتراث الأنبياء بعد الإسلام - قد وصفت الإله ونسبت إليه ما لا يليق به فالنقص في غيرها أولى وأحرى.

- قد وصفت الإله ونسبت إليه ما لا يليق به فالنقص في غيرها أولى وأحرى. ففي تراث اليهود أخبار عن الله بندمه على بعض الأفعال، وبصراعه مع يعقوب ﷺ - تعالى الله - وبعجزه عن معرفة مكان آدم ﷺ بعد أن أكل من الشجرة ثم اختبأ. (1) الدين وحاجة الإنسان إليه، محمد مزروعة (ص 345).

ثم اختبأ. (1) الدين وحاجة الإنسان إليه، محمد مزروعة (ص 345). وبالنسبة للنصارى فإن غموض فكرة الإله والتكلف الموجود فيها يحتاج إلى عناء شديد ليدرك ويتصور، فضلاً عن تأليههم المسيح ﷺ مع اعترافهم بأنه نشأ في رحم أمه ﷺ وادعائهم أنه صلب، ومهما كانت المبررات؛ فكيف يليق بالإله العظيم أن يصلب على عمود ويستنجد بأصحابه كما يقولون!

فكيف يليق بالإله العظيم أن يصلب على عمود ويستنجد بأصحابه كما يقولون! وفي الديانات غير الإبراهيمية: إذا نظرت مثلاً إلى البوذية والهندوسية والزرادشتية والكونفوشيوسية وغيرها من الديانات، ستجد البون الشاسع الهائل بين التصور الإسلامي النظيف المعظم للإله وبين تصورات الوثنية في تعدد الآلهة أو الغموض في فكرة الإله.

المعظم للإله وبين تصورات الوثنية في تعدد الآلهة أو الغموض في فكرة الإله. وكما قال محمد مزروعة: «إذا أردت أن تعرف صلاحية الدين عند قوم فانظر أولاً إلى عقيدتهم في الله» (1).

أردت أن تعرف صلاحية الدين عند قوم فانظر أولاً إلى عقيدتهم في الله» (1). ومن جمال وكمال وعظمة التصور الإسلامي عن الله ﷺ أنه لا يقتصر على مجرد الوصف الكامل، بل هذا الوصف يقتضي التعبد والخضوع والذل لله ﷺ. وفي ذلك يقول فريد الأنصاري ﷺ: «فالربوبية إذن - لمن عرفها حقاً وصدقاً - جالبة للمحبة؛ لأنه إذا كانت الألوهية - وهي عقيدة المحبة وما تفرع عنها خوفاً ورجاء كما أضلنا - مبنية على الربوبية فمعنى

وما تفرع عنها خوفاً ورجاء كما أضلنا - مبنية على الربوبية فمعنى ٣٣ ذلك أن الربوبية ذات خواص تجلب إليها القلوب فتألهها! (١) إذن فهذا الاعتقاد الإسلامي العظيم في الله ﷺ - على وضوحه وجلاله وجماله - فإنه يزداد جمالاً على ذلك باقتضائه التعبد لهذا الإله ﷺ.

9

وجماله - فإنه يزداد جمالاً على ذلك باقتضائه التعبد لهذا الإله ﷺ. ومن المعلوم عند علماء الاعتقاد الإسلامي أن من أهم الأدلة القرآنية في الرد على المشركين الاستدلال بتوحيد الربوبية وبصفات الله ﷺ وكماله على توحيد الألوهية واستحقاق الله له.

نتيجة لما سبق من جمال هذه العقيدة الإسلامية، فإن هذا الأمر ولد عند المسلمين ارتياحاً كبيراً في تصورهم عن الله ﷺ، فهم لا يواجهون التحديات في أصل اعتقادهم، ولذلك أيضاً نجد أن مثيري الشبهات والإشكالات في الغالب يوجهون سهامهم إلى أحكام عملية فرعية في الشريعة الإسلامية،

ولا يتوجهون إلى أصل تصور المسلمين واعتقادهم في الله تعالى؛ لأنه تصور لا مدخل للطعن ولا للتشكيك فيه، وهو تصور موافق للعقل ولمقتضيات الفطرة والنفس الإنسانية. وإذا اتضحت العقيدة في الله ﷺ فإن ما وراء ذلك من أمور الاعتقاد سهل واضح بين يسير، بخلاف

(١) جماليات الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري (ص ٤٥).

ما لو كان الأصل غير واضح، فإن تفاصيل الاعتقاد الأخرى سيكون فيها إشكال.

فمثلاً الإيمان بالمعجزات هو فرع عن الإيمان بالله القديم الحليم، الذي مسبب الأسباب وخالق الكون وقوانين الكون، وكذلك الإيمان بأصل النبوة هو فرع عن الإيمان بالله الكامل العظيم الحليم.

فالإيمان بالله أصل الأصول، وهو على عظمته وخطورته ومركزيته فإن بيانه في الإسلام واضح قريب سهل جميل، والحمد لله الذي هدانا لهذا.

(القضية المنهجية الخامسة) وجود النموذج العملي المطبق للحقائق النظرية

إن من محاسن الإسلام أنه دين جاء بالمعرفة وبتطبيقها، وأوصى بالأخلاق وفرض الشرائع وقدم النموذج الذي التزمها وطبقها، وذلك كله متمثل في حياة الرسول ﷺ العملية وسيرته التي نجد فيها الامتثال التام، والالتزام الكامل لما أمر الله به في القرآن، ولذلك قالت عائشة ﷺ عن النبي ﷺ: «كان خلقه القرآن»(1).

إن وجود النموذج العملي المطبق لشرع الله تعالى، الملتزم بأوامره غاية الالتزام؛ لمن أهم ما يسهل - على النفوس - تطبيق الإسلام والالتزام به، ويبعد - عنها - النظرة الأفلاطونية الخيالية. وإذا عاش الناس الإسلام

(1) أخرجه مسلم (٧٤٦).

10

وإذا عاش الناس الإسلام ﴿1﴾ أخرجه مسلم (746).

عمليًا وفعلوه في حياتهم السلوكية فسيشعرون بقيمته، وحلاوته، ويستغنون به، وسيدركون حق الإدراك معنى: محاسن الإسلام.

ولعل من الحكمة الإلهية في اختيار النبي من البشر تسهيل عملية الامتثال والاقتداء والتطبيق، فلو كان من غير البشر لقيل: إن من طبق تعاليم الله إنما هو كائن له خصائص مختلفة عن صفات البشر تعينه على هذا الامتثال وتسهله عليه.

وقد ابتلي الله سبحانه نبيه ﷺ بأنواع من الابتلاءات الشديدة؛ حتى يدرك الناس أن هذا الرجل الشريف العظيم - وإن اختاره الله ﷺ واصطفاه واجتباه بالنبوة - إنما هو بشر يعرض له ما يعرض للبشر من المرض والتعب والمصائب وغير ذلك، ولم يمنعه ذلك من أن يكون أعبد الناس وأتقاهم لربه وأشدهم له خشية.

ولاجل ذلك كله؛ فإننا لا نجد شخصية في التاريخ قد اعتني بأقوالها وأفعالها، وسجلت سيرتها ودقائق أحوالها كمثل ما اعتني بذلك في حق النبي محمد ﷺ، بل لقد استحدث المسلمون - لأجل حفظ سيرته وأقواله وهديه، بل وحتى سكتاته - قانونًا علميًا لا مثيل له في حفظ الأخبار والمرويات، وهو علم الحديث، إذ إن هذا العلم لم يستحدث ولم يبتكر إلا لأجل المحافظة على سيرة الرسول ﷺ وهديه وأقواله من أن يدخلها التغيير.

(القضية المنهجية السادسة) مقارنة الإسلام بالجاهلية

إن من أهم ما يبرز محاسن الإسلام ويرسخها في النفس: النظر إلى أحوال الجاهلية - سواء ما كان منها متقدمًا على الإسلام أو متأخرًا عن بدايته - ورؤية الجانب الإصلاحي العظيم الذي جاء به الرسول ﷺ في مقابل ما كان منتشرًا ومتجذرًا في نفوس العرب من الناحية الاعتقادية والسلوكية ومن ناحية العادات والأعراف والتقاليد.

إننا لا نتحدث عن نتائج إصلاح عادي يقارب نتائج الحركات الإصلاحية القديمة والحديثة، بل نتحدث عن حالة استثنائية فريدة في التاريخ، عبر عنها أحد أشهر المؤرخين في التاريخ الحديث (ول ديورانت) مع كونه لا يؤمن برسالة النبي ﷺ، بل وقد أثار شيئًا من الطعونات والتشكيكات فيه، غير أن سطوة الحقيقة عليه ابت إلا أن تخرج منه هذا الكلام وذلك في كتابه: قصة الحضارة، حيث قال: «وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا: إن محمدًا كان أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب قُدِّر به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجذب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لم يدانيه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقل أن نجد إنسانًا غيره حقق كل ما كان يحلم به».

أما أبو الحسن الندوي ﷺ، فقد تكلم عن المنهج الإصلاحي الذي جاء به النبي ﷺ بعد أن ذكر العصر الجاهلي، وأسهب طويلًا في الكلام عنه ثم قال: «لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه ﷺ في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريبًا في كل شيء، كان غريبًا في سرعته، وكان غريبًا في عمقه، وكان غريبًا في سعته وشموله، وكان غريبًا في وضوحه وقربه إلى الفهم».

11

غامضا ككثير من الحوادث الخارقه للعاده، ولم يكن لغزا من الالغاز؟ (١).

وقد وقفت مؤخرا علي كتاب: «مقاصد القران من تشريع الاحكام» للمؤلف الدكتور عبد الكريم حامدي، اعتني فيه بابراز الجوانب الاصلاحيه التي جاء بها القران والتي احدث بها التغيير الهائل في المجتمع، مثاله: مقصد القران في تحقيق الصلاح الفردي، كاصلاح العقل والاعتقاد والتفكير والنفس والجسم،

في تحقيق الصلاح الفردي، كاصلاح العقل والاعتقاد والتفكير والنفس والجسم، ومقصد القران في تحقيق الاصلاح الاجتماعي، كالاصلاح العائلي ونظام الزواج والزوجيه والطلاق، والاصلاح المالي ونظام الكسب والمحافظه علي المال، والاصلاح العقابي، والاصلاح السياسي. . . الخ من الامور التي ذكرها في الجوانب الاصلاحيه التي جاء بها الرسول ﷺ.

ومن لطيف ما جاء في ذلك ايضا ما كتبه محمد عبد الله دراز ﷺ في مقدمه كتابه «نظرات في الاسلام» بعد ان ذكر فتوحات الاسكندر وتجربه الاستعمار ثم قارن ذلك برساله الاسلام قال: «اما رساله الاسلام فانها حين بسطت جناحيها في اقل من قرن علي نصف المعمور، كانت كانما انشاته ٤٤ خلقا اخر، لقد بدلته من اوطانه المتفرقه وطنا واحدا، ومن قوانينه المختلفه قانونا واحدا، ومن الهته المتعدده الها واحدا، لقد نفذت الي جوهر نفسه فحولته تحويلا، وبدلت اسلوب تفكيره تبديلا، بل عمدت الي لغته فاضافت لغه القران لسانا الي جانب لسانه، وكثيرا ما انسته لسانه الاصيل،

فاضافت لغه القران لسانا الي جانب لسانه، وكثيرا ما انسته لسانه الاصيل، وجعلت لسان الاسلام هو لسانه الوحيد، ثم هي لا تزال في كل عصر تتلقي معاول الهدم من اعدائها، فتكسر هذه الصدمات علي صخرتها، وهي قائمه تتحدي الدهر، وتنتقل من نصر الي نصر. فليحاول الباحثون ما شاؤوا ان يعرفوا مصدر هذه القوه الغلابه، وهذا الانتصار الباهر.

ما شاؤوا ان يعرفوا مصدر هذه القوه الغلابه، وهذا الانتصار الباهر. ان هذا النجاح ليس مرده في نظرنا الي سبب واحد من الاسباب، ولا الي فضيله واحده من الفضائل، لقد تضافرت عليه شخصيه الداعي، ومنهاج دعوته، وشخصيه الامه التي تلقت تلك الدعوه، وطريقه الدعوه نفسها، ومن وراء ذلك كله كلاءه الله ورعايته لهذه الرساله حتي بلغت كمالها»(١).

ذلك كله كلاءه الله ورعايته لهذه الرساله حتي بلغت كمالها»(١). ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بصاحب الرساله، ثم ما يتعلق بالرساله نفسها، ثم انتقل الي التشريع الاسلامي. (١) نظرات في الاسلام، لمحمد عبد الله دراز (ص٦).

وعلي صعيد مقارنه الاسلام بشيء من الجاهليه الحديثه فاننا اذا نظرنا الي العلم الطبيعي ومكتشفاته الهائله التي جعلت كثيرا من المغالين فيه يعدونه المنافس الاوحد للاديان، بل المتغلب عليها، ويفخرون بانه اصلح احوال البشريه وتقدم بها عما كانت عليه قبل ذلك، ولا يفتؤون من ذكر الحاله التطوريه المعاصره التي انتقلت اليها البشريه بعيدا عن اوديه القرون الوسطي السحيقه.

التي انتقلت اليها البشريه بعيدا عن اوديه القرون الوسطي السحيقه. ومع ذلك؛ فاننا عند التدقيق نجد ان هذه النهضه العلميه الطبيعيه انما هي نهضه جزئيه متعلقه بمجال معين، وهو المجال المادي، فهي نهضه علميه ماديه بحته، متعلقه بما يخدم الانسان في حدود عيشه في هذه الحياه من جهه الرفاهيه الحسيه فقط، ولكن ليس لها اثر ايجابي علي الانسان من جهه قيمه واخلاقه،

الحسيه فقط، ولكن ليس لها اثر ايجابي علي الانسان من جهه قيمه واخلاقه، ولا من جهه شؤونه الاجتماعيه والاسريه، بل ولا من جهه الاجابه عن اسئلته الغائيه الكبري، فهذا كله بعيد كل البعد عن النهضه العلميه الحديثه واثارها، بل انها ساهمت بشكل او باخر في الانحطاط البشري في الجوانب المتعلقه بالاخلاق والقيم والروح والغايه،

باخر في الانحطاط البشري في الجوانب المتعلقه بالاخلاق والقيم والروح والغايه، ليس لانها تؤدي بالضروره الي الانحطاط بل بسبب عدم الاتزان الذي خلفته في عقول الناس الذين لم يكونوا ينظرون اليها الا بعين واحده. هذا؛ فضلا عن ان المجال الذي ارتفعت فيه هذه ٤٦

12

اليها الا بعين واحده. هذا؛ فضلا عن ان المجال الذي ارتفعت فيه هذه النهضه - وهو مجال الحس والماده والتقدم البشري المحسوس - قد اتي بالكوارث علي البشر، فما قتل الملايين في الحربين العالميتين التي لا يكاد يوجد لها نظير ولا مثال في تاريخ البشريه، وما الاجنه التي شوهت جراء تلك الحروب الا بسبب ما انتجه العلم الحديث من اسلحه الدمار الشامل حين صارت بايدي اناس لم يراعوا نهضه الانسان الاخلاقيه كما راعوا النهضه الماديه.

جاء في كتاب «انتحار الغرب» لريتشارد كوك وكريس سميث: «وتضاعف الشك في العلم علي نحو ضخم، وتعمق نتيجه لفظائع هيروشيما، . . . وقد اعطي تبريرا كافيا في ازمه صواريخ كوبا في عام ١٩٦٢م من ان الترسانات النوويه كانت تستطيع ان تدمر الحضاره الانسانيه، وقد عبر العلماء البارزون بصوت عال عن شكوكهم،

وقال اينشتاين بعد هيروشيما: «لوكنت اعرف انهم كانوا سيعملون هذا لكنت عملت صانع احذيه»(١).

وذكر ريتشارد تارناس في كتابه «الام العقل الغربي» شيئا من الانحراف القيمي المعاصر المرتبط بالعلم المادي (٢) قائلا: «وقد ظل الترابط الوثيق بين البحث العلمي من جهه، وسائر المؤسسات والهيئات السياسيه العسكريه، والهيكليه التعاونيه يكذب صوره العلم الذاتيه التقليديه المتمثله بالطهاره المحايده، اما الايمان بامتلاك العقل العلمي للقدره الفريده علي الوصول لحقيقه العالم، فقد بدا - ليس فقط ساذجا معرفيا (ابستمولوجيا) - بل وخادما، بوعي او بدونه اغراضا سياسيه واقتصاديه محدده، متيحا في الغالب فرص تجنيد مقادير هائله من الموارد الماديه والفكريه لخدمه برامج الهيمنه الاجتماعيه والبيئيه.

فالاستغلال العدائي الجشع للبيئه الطبيعيه، التلوث الناجم عن التسلح النووي، التهديد بحصول كارثه كوكبيه - ذلك كله لا ينطوي الا علي ادانه العلم وتجريمه، شجب العقل الانساني بالذات، هذا العقل الذي بات علي ما يبدو اسير لاعقلانيه الانسان المفضيه حتما الي تدمير الذات.

ان الايمان المتفائل بامكانيه الخروج من مازق العالم عبر التقدم العلمي والهندسه الاجتماعيه المجردين قد خاب. مره اخري، يقف الغرب علي عتبه الكفر لا بالدين هذه المره بل بالعلم وبعقل الانسان المستقل». انتهي مختصرا.

وقد تنبهت طائفه من الفلاسفه والعلماء الي ان العلم الطبيعي لم يتعامل مع الانسان بالنظره التكامليه، وانما اختزل مكوناته في نظره ماديه جزئيه، ومن اشهر المفكرين الذين اعتنوا بابراز النقص في النظره الماديه للانسان المفكر المصري عبد الوهاب المسيري رحمه الله تعالي، وقد اعتني بذلك عنايه خاصه، ونثر نقوداته علي النظره الماديه للانسان في مواضع كثيره من كتبه، بل وافرد كتابا في ذلك وهو «الفلسفه الماديه وتفكيك الانسان».

13

من كتبه، بل وافرد كتابا في ذلك وهو «الفلسفه الماديه وتفكيك الانسان». وفي كتاب «الام العقل الغربي» لريتشارد تاباس ذكر ان عددا غير قليل من المراقبين للتطورات العلميه يشعرون بان من شان مثل هذه التطورات ان تكون نذر شؤم ممهده لقلب القيم الانسانيه راسا علي عقب.

هذه التطورات ان تكون نذر شؤم ممهده لقلب القيم الانسانيه راسا علي عقب. وخلاصه الامر: انه اذا كان انصار العلم الطبيعي المغالون فيه يقارنون بين حال البشريه بعد النهضه العلميه الحديثه وقبلها، فان لنا تمام الحق ان نقارن بين حال البشريه - وخاصه في المنطقه العربيه - قبل بعثه النبي ﷺ وبعد بعثته.

فالانتقاله الاصلاحيه الاسلاميه الهائله بفضائها الرحب وسعتها وشموليتها لا تقارن ابدا بالنهضه العلميه الحديثه التي اختزلت الانسان في اطار مادي ضيق. وشتان بين المقارنتين، بين مقارنه تختزل الانسان وتفككه، وبين مقارنه تنظر الي الانسان نظره تكامليه في كل جوانبها.

واما التاخر الذي نحن فيه الان فليس هو بسبب الالتزام بتعاليم الاسلام، وانما سببه البعد عن هذه التعاليم، فليس في الاسلام ما يعارض النهضه بالعلم الطبيعي، ولا التنميه التي يمكن ان ترتقي بالانسان في العماره والماده، ولكننا نستمد من الاسلام المعايير الاخلاقيه الحاكمه للحضاره الماديه، ونستمد منه الجانب الروحي، والغائي، وننهض به بالشموليه والتكامل الذي يحتاجه الانسان حتي لا ينهض مشوها علي ساق واحده.

(القضيه المنهجيه السابعه) التجديد المتز

ان الاتزان والتوسط والاعتدال عند حمله الافكار التجديديه الهادمه لما قبلها يعد امرا صعبا، فان مواجهه الافكار الباليه التي يتعصب اصحابها لها مع بطلانها في نظر معارضيها وانتهاء صلاحيه اعتناقها تدفع المجددين الناقمين علي هذه الاوضاع السائده الي نوع من المغالاه في افكارهم الجديده، والي المبالغه في رده الفعل تجاه الاقوال والافكار القديمه، حتي ولو كان شعار هذه الحركات التجديديه تسامحيا فانك تري في احداث التاريخ ما يؤكد نسيان هذه الشعارات من قبل حمله الافكار التجديده في خضم مواجهتهم لما ثاروا عليه من القديم.

ولكنك اذا نظرت الي الاسلام - الذي جاء هادما لاصول الجاهليه، مستبدلا اياها بنظام تشريعي واعتقادي.

14

لاصول الجاهليه، مستبدلا اياها بنظام تشريعي واعتقادي شمولي تام - فانك تجد فيه الاهتمام البالغ باعتدال اتباعه، وبتوجيههم للاتزان، وبابعادهم عن المبالغه او الزياده في الاخذ به، بل في والتوعد والتشديد علي من يخالف روح الاعتدال والاتزان كما في قوله عليه الصلاه والسلام: «اياكم والغلو»(١) وقوله: «ولن يشاد الدين احد الا غلبه»(٢)، وقوله: «هلك المتتطعون»(٣) وغير ذلك من النصوص الكثيره.

ومما يزيد هذا الامر وضوحا انه قد وقع - بالفعل - من بعض الفرحين برساله الاسلام اول ما ظهرت، ان دفعهم هذا الفرح بالدين الجديد الي مظاهر من السخط علي الدنيا والبعد عنها وحرمان النفس من طيباتها مع الانقطاع للتعبد، وكان هذا بعد ظلمات الوثنيه والشرك التي كانت سائده في الجزيره العربيه.

فكان موقف الرسول ﷺ - الذي هو النموذج العملي المطبق لمراد الله في ارضه - تجاه هذا الحماس للفكره الجديده ان كبح جماحهم، وبث روح الاعتدال فيهم، ومن اظهر الامثله واصحها علي ذلك: حادثه الثلاثه الذين اراد احدهم ان يعتزل النساء فلا يتزوج، وقرر الاخر الا ياكل اللحم، وهجر الثالث النوم علي الفراش، كل ذلك بنيه حسنه، وقصد تعبدي، واراده الزهد في الدنيا، وبدافع حماسي لهذه العقيده الاسلاميه التي انقذتهم من الجاهليه المظلمه، فنجد ان النبي ﷺ وقف امام حماسهم بقوه مذكرا اياهم بالاعتدال والاتزان وذلك بالسير علي سنته واتباعه، فقال: «اما انا فاصلي وانام، واصوم وافطر، واتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(١).

(١) اخرجه البخاري (٤٧٧٦)، ومسلم (١٤٠١).

(القضيه المنهجيه الثامنه) محاسن الاسلام في الابواب التي يلج منها المشككون فيه

اذا تاملنا في الشبهات المثاره ضد تشريعات الاسلام واحكامه (العمليه) فاننا نجد انها تمر - في الغالب - من ثلاثه ابواب: وهي الجهاد والمراه والحدود، واذا امعنا النظر في كل باب من هذا الابواب من جهه مقاصدها التشريعيه وتفصيلات الاحكام المتعلقه بها فسنجد فيها من الحكمه والحسن والجمال ما يصح لنا ان نفخر به لا ان نواريه ونخجل منه.

ولناخذ علي سبيل المثال ما يتعلق بالجهاد والقتال في الاسلام، فمن المعلوم ان ابرز ما يتهم به الدين الاسلامي في هذا العصر انه دين وحشي، وانه دين عنف وسفك للدماء، لا دين رحمه ورفق وعدل، وانه لا قوانين تضبط محاربيه وتدفعهم الي التعامل الاخلاقي.

15

لا قوانين تضبط محاربيه وتدفعهم إلى التعامل الأخلاقي. ﴿ ٥٥ ٥٦ ﴾ وفي الحقيقة فهذه نظرة ظالمة منقوصة منقوضة، لا ترتبط بتعاليم الإسلام الأصلية ولا بالنموذج العملي الذي كان عليه النبي ﷺ، فإن أصحاب هذه الدعاوي يقعون في أحد شكلين رئيسين:

1تحميل الإسلام وزر بعض المنتسبين إليه المخالفين لتعليماته.
2الاختزال والانتقاء غير الموضوعي من نصوص الوحي ومن سيرة الرسول ﷺ المتعلقة بالجهاد.

وهؤلاء الطاعنون يؤسسون نظرتهم التشكيكية - في الغالب - على بعض الممارسات القتالية المعاصرة التي يقوم بها أناس من المنتسبين إلى الإسلام، فيطعنون في الإسلام بناءً على هذه الأفعال، بينما إذا أردت أن تحاكم هؤلاء الطاعنين إلى ممارسات قتالية أخرى متعلقة بالجانب الإلحادي أو العلماني أو النصراني أو اليهودي فإنهم يرفضون تحميل الإلحاد أو العلمانية أو النصرانية أو اليهودية وزر الجرائم الحربية التي تصدر من بعض المنتسبين إلى هذه الأفكار والديانات، بحجة أن هذه نماذج لا تمثل الثقافة العلمانية، ولا الفكر الإلحادي، ولا تسامح أديان الكتابيين!

ونحن نقول: ليس كل من قاتل باسم الإسلام يمثل ﴿ ٥٧ ﴾ الإسلام، وليس كل من رفع سلاحه منتسبًا إلى الشريعة فإنه يمثلها حقًا، غير أن الفارق بين المسلمين وبين غيرهم في هذه القضية هو أن أول من ينكر على من يخالف تعاليم الإسلام في القتال هم المسلمون أنفسهم، وأما المخالفات القتالية التي تقع من المنتسبين إلى الثقافات والأديان والأفكار الأخرى فإنك لا تجد من الإنكار والتشنيع وتبرئة تلك الأفكار من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها بعض المنتسبين إليها بالقدر الذي نجده عند المسلمين، وإن كان فيهم من ينصف فينتقد.

ولا شك أن التقييم الحقيقي لقضية الجهاد في الإسلام إنما يكون عبر دراسة أصوله (الكتاب والسنة) والنظر في الممارسة الجهادية العملية التي قام بها النبي ﷺ، فهذا هو المعيار التام الكامل لتقييم قضية الجهاد في الإسلام، ثم تأتي التجارب القريبة من الزمن النبوي في العهد الراشدي لتمثل أكمل صور الاقتداء بالرسول ﷺ من دون ادعاء العصمة فيها.

وقد أفردت دراسات في ذكر محاسن الإسلام في الحرب وأخلاق الحرب، منها: كتاب «أخلاق الحرب في السيرة النبوية» لحسن الطيلوش، وهو صادر عن مكتبة الأمة، ومنها كتاب: «أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية» لناصر محمدي محمد جاد، وهو صادر عن دار الميمان، وكلا الكتابين فيهما استعراض لأخلاقيات الحرب في سيرة الرسول ﷺ والقوانين الضابطة للمسلم.

وإذا أردنا أن نضرب بعض الأمثلة على هذه القوانين الضابطة لأخلاقيات الحرب في الإسلام فلننظر فيما جاء في احترام العهد مع الكفار والتفريط في الاعتداء على المعاهد بما لا نظير له.

فمع أن منع قتل المعاهد موجود في كثير من الثقافات والأديان والقوانين، لكن العجب أن يخاطب النبي ﷺ المسلمين في هذا الباب بأغلى وأعلى ما يطمحون إليه وهو الجنة، فيقول لهم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»(1)، يالله! ما هذا التفريط الشديد والوعيد المخيف على قتل كافر؟! نعم، إنه العهد واحترام المواثيق في الإسلام حربًا وسلما.

ومن أعجب ما جاء في احترام المواثيق في الحرب الإسلامية: ما جاء في «صحيح مسلم» أن حذيفة ﷺ وهو في طريقه إلى المدينة تعرض له ولأبيه المشركون وحبسوهم ثم أطلقوهم شرطه ألا يشاركوا في الحرب مع الرسول ﷺ، فوافقوا؛ لينجوا من الأسر، وهم في حال أشبه ما تكون بالإكراه، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ وجداه في التجهيز ﴿ ١ ﴾ لمعركة بدر، فلما أراد أن يخرجا معه وأخبراه الخبر قال عليه الصلاة والسلام: «انصرفا، نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم»(١) ولم يخرجهما معه، فهذا كان سبب عدم حضور حذيفة لمعركة بدر وهو من أصحاب رسول الله ﷺ المقدمين.

فالمحافظة على العهد مع كل هذه المعطيات لا تجدها إلا في الإسلام. وهكذا الحال إذا نظرنا في البابين الآخرين (المرأة والحدود) فإننا نجد فيهما من المحاسن والحكم ما يغفل عنه الطاعنون أو يكتمونه. ﴿ ٥٩ ﴾

الخاتمة:

إن أمر الإسلام أعظم من أن تبين محاسنه وخصائصه في مثل هذه العجالة، غير أني أسأل الله ﷺ أن يبارك في هذه المادة، وأن يغفر لي التقصير والزلل في النية والقول والعمل، وصل اللهم ربنا وبارك وسلم على عبدك ورسولك وخير خلقك محمد بن عبد الله. ﴿ ٦١ ﴾