الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
معالجة القرآن لنفوس المصلحين

معالجة القرآن لنفوس المصلحين

الشيخ أحمد السيد 96 صفحة 449 مقطع 43 قسم

كيف جاء القرآن معالجاً لنفوس الصحابة والمصلحين ومزكياً لها وموجّهاً إياهم

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## معالجه القران لنفوس المصلحين سوره ال عمران

أحمد بن يوسف السيد

### جدول المحتويات

| الصفحه | الموضوع | | --- | --- | | ٩ | المقطع الاول من سوره ال عمران: ﴿واذ عدوت من اهلك تبوئ المؤمنين مقنعد للفتال والله سميع عليم﴾ | | ١٩ | المقطع الثاني من سوره ال عمران: ﴿فدحلت من قبلكم سنن فبيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبه المكذبين﴾ | | ٣٢ | المقطع الثالث من سوره ال عمران: ﴿فانظروا كيف كان عاقبه المكذبين﴾ | | ٣٢ | المقطع الثالث من سوره ال عمران: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رايتموه وانتم نظرون﴾ | | ٤٠ | المقطع الرابع من سوره ال عمران: ﴿يـأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خـسرين﴾ | | ٥٩ | المقطع الخامس من سوره ال عمران: ﴿يـأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إن ضربوا في ٱلأرض أو كانوا غزى ما ماتوا وما قتلوا﴾ | | ٧٢ | المقطع السادس من سوره ال عمران: ﴿لقد من ٱلله على ٱلمؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أهلهم يتلو عليهم ءايـتهۦ ويزكيهم ويعلمهم ٱلكتـب وٱلحكمة﴾ |

| ٧٩ | المقطع السابع من سوره ال عمران: ﴿ولا تحسبن ٱلذين قتلوا في سبيل ٱلله أموتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ |

| ٨٤ | المقطع الثامن والاخير من سوره ال عمران: ﴿إنما ذلكم ٱلشيطان يخوف أوليـئه فلا تخشوهم واخشون إن كنتم مؤمنين﴾ |

| ٨٩ | خاتمه: معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٦ |

---

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصل اللهم علي نبينا محمد وعلي اله وصحبه اجمعين، اما بعد: فان من اعظم نعم الله ﷺ ان حفظ لنا الوحي الذي انزله علي نبيه محمد ﷺ، وان جعل هذا الوحي شاملا في الهدايه، فلم تقتصر هدايته علي الجوانب السلوكيه ولا علي الجوانب التشريعيه او العقديه.

بل كانت الهدايه التي يتضمنها هدايه شموليه، كما قال سبحانه: ﴿إن هذا القران يهدي للذي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩].

وان من اعظم ادوار المصلحين ومشاريعهم التي ينبغي عليهم القيام بها: اعاده مركزيه الوحي والاستهداء به وتفعيله، خاصه في الابواب والموضوعات التي يكثر فيها الاضطراب او تمس اليها الحاجه في كل زمن بحسبه.

ومن يتامل في زماننا هذا يجد ان من اعظم الموضوعات التي تمس الحاجه فيها الي مرجعيه الوحي: موضوع المنهج الاصلاحي ومعالم طريق الخلاص لهذه الامه من الشدائد والكربات والرزايا التي تمر بها، وهذا الموضوع من الموضوعات التي اعتني بها الوحي عنايه ظاهره، وبابه الاساسي في الوحي هو باب الاعتبار، اي: قياس الشيء بنظيره، والحاق الفرع باصله.

ذلك ان الله ﷺ قد قص علينا في هذا الكتاب احوال الامم ومعالم طريق الانبياء في التعامل معهم، وبين لنا سبل الاصلاح في ثنايا هذه القصص، ثم ٧ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

2

هذه القصص، ثم ٧ معالجه القران لنفوس المصلحين.

«سوره ال عمران» أمرنا بالاعتبار والنظر والسير في الأرض وأخذ العبر، ولأجل ذلك فإن الذي يظفر بحسن التفقه في هذا الباب القرآني فإنه يظفر بباب عظيم من أبواب الاستهداء بالوحي في هذه القضية الكبرى التي تشغل واقعنا اليوم.

من أبواب الاستهداء بالوحي في هذه القضية الكبرى التي تشغل واقعنا اليوم. وأحمد الله ﷺ أن يسر لي العناية بهذا الباب عبر مجموعة من المواد المكتوبة والمرئية، والتي انتفعت بها كثيرًا قبل أن ينتفع بها غيري، وكان من ضمن هذه المواد: (أنوار الأنبياء، والمنهاج من ميراث النبوة، وبوصلة المصلح، والسيرة النبوية للمصلحين).

وها أنا أكتب في هذا الموضوع كتابًا جديدًا يتناول الآيات القرآنية التي أنزلها الله ﷺ في شأن غزوات النبي ﷺ ودعوته وإصلاحه، وأكثر ما اعتنيت من هذه الآيات بالآيات التي فيها الخطاب لأصحاب النبي ﷺ والتي يربيهم الله ﷺ من خلالها ويزكيهم ويصلح نفوسهم ويعالجها.

ولذلك ابتدأت بآيات سورة آل عمران المتعلقة بغزوة أحد، وهي من أعظم المواضع القرآنية التي تحقق هذا المعنى، وعنونتها ب (معالجة القرآن لنفوس المصلحين)، وكنت قبل ذلك قد قدمت سلسلة مرئية بهذا العنوان، غير أنني أنبه إلى أن هذا الكتاب يختلف في مضمونه عن تلك السلسلة المرئية.

إنني أنبه إلى أن هذا الكتاب يختلف في مضمونه عن تلك السلسلة المرئية، فليس هو تفريغًا لها ولا إعادة صياغة لتلك المادة، وإنما هو كتابة جديدة أملأتها إملاء خاصًا لهذا الكتاب، وقد جعلت هذا الجزء مقتصرًا على آيات سورة آل عمران المتعلقة بغزوة أحد، وسأتبعه بعون الله وتيسيره بأجزاء أخرى أتناول فيها آيات أخرى بنفس الطريقة ونفس المنهج ونفس العنوان.

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران».

هذا وأسأل الله ﷺ أن يغفر لي ويرحمني ويهديني ويسددني، وأسأله أن يجزي من أملأته هذه الإملاءات خير الجزاء، كما أسأله أن يبارك في هذا الكتاب وأن يتقبله وأن ينفع به، إنه هو السميع العليم.

أحمد بن يوسف السيد اسطنبول – تركيا ٨/٤/١٤٤٥ الموافق ل ٢٣/١٠/٢٠٢٣

* سورة آل عمران المقطع الأول:

وإذ عدوت من أهلك تثوي المؤمنين مقعدًا للقتال والله سميع عليم ﴿١﴾ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿٢﴾ ولقد نصركم الله ببدر ولكم إيلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ﴿٣﴾ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴿٤﴾ بل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ﴿٥﴾ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ﴿٦﴾ ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يحييهم فيسقلبوا خائبين ﴿٧﴾ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ﴿٨﴾ [ال عمران: ١٢١ - ١٢٨].

قوله (ﷺ) «وإذ عدوت من أهلك تثوي المؤمنين مقعدًا للقتال والله سميع عليم».

الفوائد:

الأولى: أن الله ﷺ يجب أن يري استعداد عباده المؤمنين قبل مواجهة الباطل وأهله، وذلك أنه قد ذكر التفاصيل التي قام بها النبي ﷺ وأصحابه قبل نزولهم إلى ساحة المعركة في أحد. ومما يتفرع عن ذلك: أهمية أن يستشعر المصلح مراقبة الله له واطلاعه عليه في مختلف خطواته الإصلاحية التي يعملها.

3

له واطلاعه عليه في مختلف خطواته الاصلاحية التي يعملها، وهذا

١معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» الاستشعار من شأنه أن يجعل المصلح ربانياً في مسيره، وفي خطواته وأعماله.

الاستشعار من شأنه أن يجعل المصلح ربانياً في مسيره، وفي خطواته وأعماله.

٢أهمية اتخاذ الأسباب والتخطيط المبكر قبل مواجهة الباطل وعدم الاستهانة بالأعداء، وذلك لأن النبي ﷺ أخذ يجهز المؤمنين ويبوئهم مقاعدهم للقتال؛ استعداداً للمواجهة مع مشركي قريش في معركة أحد.

مقاعدهم للقتال؛ استعداداً للمواجهة مع مشركي قريش في معركة أحد.

٣أن النبي ﷺ كان يقوم بنفسه بالدور القيادي التنفيذي المرتبط بتجهيز المؤمنين وتهيئتهم لمواجهة الباطل، وهكذا ينبغي أن يكون ورثته ﷺ من قادة المصلحين، بأن يكون لهم دور عملي تنفيذي في إدارة المواجهة مع الباطل والتهيؤ له.

أن يكون لهم دور عملي تنفيذي في إدارة المواجهة مع الباطل والتهيؤ له.

قوله ﷺ: «إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والفئة وليها وعلي الله فليتوكل المؤمنون»

الفوائد:

الأولى: حين يعزم المصلح على سلوك الطريق الإصلاحي ويبدأ عمله في نصرة الإسلام، فإنه قد يعرض له من الأسباب ما يؤدي به إلى التوقف والفشل، كما حصل لهاتين الطائفتين المؤمنتين إذ همتا أن تفشلا، ولأجل ذلك فإن على المصلح أن يظل محاذراً محترزاً من أسباب الفشل التي قد تقعده؛

لأن على المصلح أن يظل محاذراً محترزاً من أسباب الفشل التي قد تقعده؛ فهاتان الطائفتان المؤمنتان كانتا مع رسول الله ﷺ، وكان فيهم من الأبطال والشجعان، ومع ذلك عرض لهم عارض الفشل، والذي قيل إنه بسبب انسحاب المنافقين من الجيش قبل بدء المعركة، وهذا فيه أثر المخذلين على نفوس المصلحين.

١١معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران»

على نفوس المصلحين.

١١معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران»

الثانية: في قوله ﴿والهما﴾ أن السبب الأعظم في إزالة العوارض النفسية المؤدية للفتر والفشل عن المصلحين هو تثبيت الله لقلب المؤمن، والذي يكون بسبب سابقة الإنسان الصالحة وصدقه مع ربه فيشكر الله له ذلك فيثبته، والفائدة العملية من ذلك:

وصدقه مع ربه فيشكر الله له ذلك فيثبته، والفائدة العملية من ذلك: أهمية أن يكون للمصلح - قبل دخوله في ميادين المواجهة مع الباطل - من الإيمان والصدق والتوكل على الله ما يكون سبباً لتثبيت الله له.

- من الإيمان والصدق والتوكل على الله ما يكون سبباً لتثبيت الله له.

الثالثة: أن من أهم أسباب استمرار المصلح في طريقه هو التوكل على الله ﴿١﴾ كما في هذه الآية ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، فصدق التوكل على الله من أهم أسباب الثبات والاستمرار على الطريق.

قوله ﴿وإذ أنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾

الفوائد:

الأولى: أهمية تذكير أيام الله ونعمه وآثاره على عباده المؤمنين، وأن يكون هذا التذكر سبباً في الثبات عند الأزمات، فإن من أعظم ما كان يثبت الصحابة في ميادين المواجهة مع الباطل هو ما رأوه من أيام الله وما شهدوه من أقداره ونعمه عليهم في الميادين السابقة، ولذلك كانوا يتنادون يوم حنين ب «أين أصحاب السمره»(١)،

السابقه، ولذلك كانوا يتنادون يوم حنين ب «أين أصحاب السمره»(١)، وهي الشجرة التي بايعوا النبي ﷺ تحتها بيعة الرضوان، فإن تذكيرهم لتلك البيعة - مع أنها كانت قبل حنين بسنوات - كان من شأنه أن

(١) رواه مسلم: (١٧٧٥).

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ١٢

4

(١٧٧٥). معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران»

﴿١٢﴾ يكون سببا لثباتهم يوم حنين. وهكذا في هذه الايه يذكرهم الله بنصره لهم يوم بدر مع كونهم كانوا اقل عددا واضعف عده، وهذا يجعل في نفوسهم الايمان بان الذي نصرهم في بدر قادر علي ان ينصرهم في غيره.

في نفوسهم الايمان بان الذي نصرهم في بدر قادر علي ان ينصرهم في غيره. ومن الثمرات العمليه في ذلك ان المصلح كلها كان له ايام في نصره الاسلام وفي رؤيه معينه الله ﷺ والصبر والتضحيه والابتلاء، كان ذلك ادعي لثباته في الشدائد القادمه.

ﷺ والصبر والتضحيه والابتلاء، كان ذلك ادعي لثباته في الشدائد القادمه.

الثانيه: ﴿فاتقوا الله لملكم تشكرون﴾ في هذه الايه ان الشكر لا يكون بمجرد اللسان وانها يكون بتحقيق التقوي بالقلب واللسان والعمل، كما في قوله ﷺ ﴿اعمالوا ال داود شكرا﴾ ﴿سبا: ١٣﴾، ومن المهم ان يستحضر المصلح ذلك ليكون سببا له في عدم الاغترار بالانجازات،

المهم ان يستحضر المصلح ذلك ليكون سببا له في عدم الاغترار بالانجازات، فيديم شكر الله علي نعمه بمزيد من التقوي، فاذا نصره الله في ميادين المواجهه مع الباطل؛ زاد في تقواه، مستشعرا ان هذه التقوي طريق الي الشكر، واذا اتم الله عليه نعمه في تعلم دينه والتفقه فيه – او في غير ذلك من المقامات الصالحه– فانه يزيد في تقواه ليكون من الشاكرين، وهذا فيه وقايه من الغرور والعجب.

فانه يزيد في تقواه ليكون من الشاكرين، وهذا فيه وقايه من الغرور والعجب.

الثالثه: ان علي المصلح الا ينسي بداياته الضعيفه واحواله التي كان فيها ذليلا فقيرا محتاجا، وما اكثر ما ينسي العاملون تلك البدايات التي كانوا فيها قله متفرقين ضعفاء، فيغترون بالانجازات التي تتحقق لهم اثناء الطريق، والله ﷺ في هذه الايه يذكر اصحاب نبيه ﷺ بحالهم يوم بدر اذ كانوا اذله.

ﷺ في هذه الايه يذكر اصحاب نبيه ﷺ بحالهم يوم بدر اذ كانوا اذله.

١٣ معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران»

قوله ﷺ: اذ تقول للمؤمنين ال يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلثه مالف من الملتيكه منزلين ﴿١٢﴾ بل لن تصبروا وتتقوا وما اؤكد من فوزهم هذا يمدئكم ربكم بخمسه مالف من الملتيكه مسودين ﴿١٣﴾ وما جعله الله الا بشرا لكم ولتطمئن قلوبكم به وما التصر الا من عند الله العزيز الحكيم ﴿١٤﴾

قلوبكم به وما التصر الا من عند الله العزيز الحكيم ﴿١٤﴾

الفوائد:

الاولي: ان الله ﷺ يجب ان يطمئن قلوب الذين امنوا، ويجب ان يثبتهم حين يواجهون اعداءهم، وهذه الطمانينه والسكينه التي يؤيد الله بها عباده ياتي بعضها قبل البلاء والمواجهه وياتي بعضها الاخر اثناء الشده والبلاء والمواجهه.

فهناك طمانينه وسكينه تنزل عند الترقب والخوف من باس الاعداء وكيدهم، وهذه قبل المواجهه،

تنزل عند الترقب والخوف من باس الاعداء وكيدهم، وهذه قبل المواجهه، وهناك سكينه وطمانينه تاتي عند وقوع المخوف وعند نزول الشده، وكل ذلك حصل يوم احد، ففي هذه الايه يطمئن الله الذين امنوا ويثبتهم في ما ذكره عن نبيه انه قال للمؤمنين: ﴿ال يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلثه مالف من الملتيكه منزلين﴾ ثم قال لهم:

يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلثه مالف من الملتيكه منزلين﴾ ثم قال لهم: ﴿وما جعله الله الا بشرا لكم ولتطمئن قلوبكم به﴾، فالتبيشبر بمعيه الله للمؤمنين ونزول الملائكه كان من جمله الطمانينه التي ايد الله بها المؤمنين قبل وقوع المخوف.

الملائكه كان من جمله الطمانينه التي ايد الله بها المؤمنين قبل وقوع المخوف.

الثانيه: ان نزول الطمانينه والسكينه علي قلوب المؤمنين في سياق نصره الاسلام هو من اعظم التاييد الذي ينبغي ان ينتظروه وان يفرحوا به، فالتاييد الالهي والعون الرباني لا ينحصر في تهيئه الاسباب الماديه والملموسه، وانما معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ١٤

5

والملموسه، وانما معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ١٤.

أعظم التاييد هو التاييد ذو الأثر القلبي الباطني، فإن الشأن كل الشأن في ثبات القلب وسكينة النفس، وهي الدافعة لثبات القدم عند لقاء الأعداء. فينبغي على المؤمن أن يستحضر ذلك وأن يفرح غاية الفرح إذا أيده الله بهذه الطمأنينة. فهي من أعظم جنده ﷺ.

يفرح غاية الفرح إذا أيده الله بهذه الطمأنينة. فهي من أعظم جنده ﷺ.

الثالثة: إن هذه الطمأنينة التي نزلت على قلوب المؤمنين كانت نتيجة البشرى بأن الله سيؤيدهم بملائكته، وهذه البشرى لم تقع موقعها في قلوبهم إلا باليقين، لأنهم لم يروا بعد شيئاً في هذه المعركة، وإنما اطمأنت قلوبهم على ما بشرهم الله به.

بعد شيئاً في هذه المعركة، وإنما اطمأنت قلوبهم على ما بشرهم الله به.

وأضاف إلى ذلك فإن هناك معنى لطيفاً ذكره ابن عاشور ﷺ في طبيعة هذه البشرى وأثرها، فقال ﷺ: «فبشرهم الله بكيفية النصر الذي ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم». (١)

بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم. (١)

والمقصود أن المبشرات الصالحة من أهم ما يحتاجه المصلح في طريقه والعامل لدين الله في ميادين عمله، كما قال الطبري ﷺ: «يعني تعالى ذكره: وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم = ﴿الا بشري لكم﴾، يعني بشري، يبشركم بها = ﴿ولتطمئن قلوبكم به﴾، يقول.

يعني بشري، يبشركم بها = ﴿ولتطمئن قلوبكم به﴾، يقول. وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم = ﴿وما التصرع إلا من عند الله﴾، يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله، لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة. يقول: فعلى الله فتوكلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإن

(١) التحرير والتنوير: (٩/٢٧٦) لابن عاشور.

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران».

6

لابن عاشور.

١٥ معالجة القرآن لنفوس المصلحين

«سورة آل عمران» ﴿نصركم إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف، فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة أخرى، فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم، فإن الله نصركم عليهم﴾ (١).

فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم، فإن الله نصركم عليهم (١).

والبشريات التي يمكن أن تكون مطمئنة للمؤمنين اليوم - بعد انقطاع الوحي - هي في النصوص العامة الواردة في الوحي والمتعلقة بسنن الله ﷺ في نصر دينه ومعيته لأوليائه وجنده، وكذلك في الرؤى الصالحة التي يؤيد الله بها عباده.

الرابعة: إن من أعظم ما يستجلب به المؤمن عون الله ومدده هو الصبر والتقوى، وذلك أن الله ﷺ قال: ﴿بل أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمدنكم ربكم﴾، والجمع بين الصبر والتقوى متكرر في كتاب الله ﷺ في سياق العمل للدين، كما جاء في سورة آل عمران نفسها في قوله ﷺ: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾.

ولذلك فإن من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المصلح في طريقه أن يكون صابراً متقياً، فيديم مراجعة حاله من جهة الصبر والتقوى، فإذا لازمها فليبشر بعون الله ومدده وتوفيقه.

الخامسة: إن مبشرات النصر التي تتعلق بها قلوب المؤمنين إنما هي مبشرات مطمئنة فقط، وإلا فإن حقيقة النصر من عند الله. ففي هذه الآيات بعد أن بشر الله ﷺ المؤمنين بهذا المدد الكبير من الملائكة: ﴿يتلكه اللهمممممممممممممممممممم﴾ (١) تفسير الطبري: (٦/٣٨).

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ١٦ منزلين ﴿بين أن هذا ليس إلا بشري لتعلمن به القلوب فقال: «وما جعله الله إلا بشري لكم ولتطمئن قلوبكم به»، ثم ذكرهم بالحقيقة الكبرى المستقرة الثابتة بأن النصر من عند الله وحده.

السادسة: أهمية استحضار أسماء الله الحسنى على طول الطريق في العمل لدين الله ﷺ، وأن يجتنب من أسماء الله ﷺ ما ينتسب الحال، وذلك أن الله ﷺ يذكر أسماءه وصفاته عند هذه الأحوال في كتابه، كما قال هنا: «وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم»،

فأسماء العزيز الحكيم من أسماء الله التي ينبغي استحضارها في مقام المواجهة مع الأعداء ومقام تثبيت المؤمنين ومقام الصبر على الشدائد، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى وذلك بين باستقراء آيات الكتاب العزيز.

قوله ﷺ: ﴿ليقطع طرفا من الذين حفروا أو يحتيهم فينقلبوا خالدين﴿١﴾ ليس للف من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾.

الفوائد:

الأولى: في هذه الآيات يبين الله ﷺ شيئاً من الحكمة من أفعاله وأقداره، وكثيراً ما يذكر سبحانه في كتابه الحكمة من أفعاله، وأنه يقدر الأقدار ويدبر الأحوال لتتحقق مصالح معينة في مخلوقاته، وهذا تكرر في سورة من المواضع.

والتدافع بين الحق والباطل من أهم الميادين التي تتجلى فيها الحكمة الإلهية

١٧ معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» والسنن الربانية، وهذا باب من أبواب التفتق في الدين عظيم. في هذه الآيات يذكر الله ﷺ شيئاً من هذه الحكم في تقديره النصر لعباده المؤمنين على الكفار، فذكر ثلاث حكم:

7

الحكم في تقديره النصر لعباده المؤمنين على الكفار، فذكر ثلاث حكم:

١- ﴿يفطر طرفا من البين حقروا﴾، والطرف: الطائفة والنفر، وذلك بأن يصاب منهم ويقتل؛ فيرهبهم بذلك ويكف شرهم ويصيب منهم سبحانه.

بان يصاب منهم ويقتل؛ فيرهبهم بذلك ويكف شرهم ويصيب منهم سبحانه.

٢- ﴿او يحتم فسقلموا خلبين﴾، وهي قريبة من الأولى، وذلك بأن يصاب الكفار الظالمون بالعزيمة والذل، وهذا من أعظم الخير الذي يتحقق في الأرض، بأن يكون أعداء الله هم الأذلين، وإذا عكست القضية وكان المؤمنون هم الأذلين والكفار هم الأعزة فهذا باب فتنة عظيمة، كما قال الله ﷺ على لسان المؤمنين:

هم الأعزة فهذا باب فتنة عظيمة، كما قال الله ﷺ على لسان المؤمنين: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ [الممتحنة: ٥] ومعنى الفتنة هاهنا عند طائفة من المفسرين هو تسليط الأعداء على المؤمنين فيفتن بذلك الكفار؛ إذ يظنون أنهم على الحق طالما أنهم علوا على المسلمين.

الكفار؛ إذ يظنون أنهم على الحق طالما أنهم علوا على المسلمين.

٣- ﴿او يتوب عليهم﴾، فمن الحكم في تسليط المؤمنين على الكفار وفي نصر الله لهم هو أن يتوب على جماعات من هؤلاء الكفار، لأن عز الإسلام وعلو كلمته سبب في توبة كثير من الكفار الذين تؤثر فيهم الموازين المادية.

وعلو كلمته سبب في توبة كثير من الكفار الذين تؤثر فيهم الموازين المادية.

٤- ﴿او يعذبهم فإنهم ظالمون﴾، وذلك بأن يحاسبهم ﷺ على كفرهم وعلى ما يفعلونه بالمؤمنين.

وذلك بأن يحاسبهم ﷺ على كفرهم وعلى ما يفعلونه بالمؤمنين.

الثانية: في قوله ﷺ ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، هذه الجملة ذكرها الله ﷺ بين جمل الحكم من نصره لجنده وكبته للكفار، وهي جملة خاطب الله بها نبيه حين قال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» (١) وذلك بعد أن جرح المشركون.

(١) رواه مسلم: (١٧٩١).

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ١٨

8

(١٧٩١). معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران»

١٨ وجهه ﷺ يوم احد. فبين الله لنبيه ﷺ ان مصير العباد بيده سبحانه، وان فلاحهم وصلاحهم وهلاكهم وعذابهم ليس لاحد من خلقه، حتي لو كان رسول الله ﷺ، وهذا من اعظم مقامات التوحيد والعبوديه، كما قال عيسي عليه السلام: ﴿ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم﴾ [المائده: ١١٨].

الثالثه: في قوله ﷺ ﴿او يتوب عليهم﴾، هذه الجمله عجيبه في سياق غزوه احد، وذلك ان غزوه احد اكثر غزوه حصلت فيها نكايه علي المسلمين، وشج فيها وجه النبي ﷺ، وكبرت رباعيته، وقتل عمه حمزه، وقتل مصعب بن عمير، وقتل فيها خلق من ساده الصحابه وخيارهم،

ومع ذلك يبين الله ﷺ في هذه الايات انه قد يتوب علي هؤلاء المجرمين، وبالفعل حصل ذلك، فقد تاب الله ﷺ علي عدد من المشركين الذين شاركوا في هذه الغزوه، بل علي احد قاده جيش المشركين ممن تسبب باختلال الصفوف في المسلمين والاصابات فيهم وهو خالد بن الوليد،

بل ولم تكن توبه الله عليه ان اخرجه من الشرك الي الاسلام فقط، بل جعله مقدما في الاسلام وسيفا من سيوفه، فسبحان الحليم الكريم كيف يتوب علي عباده ويحلم عليهم ويغفر لهم.

وهذا يذكرنا بالايات من سوره البروج التي ذكر فيها الله ﷺ صنيع الكفار بالمؤمنين وحرقهم اياهم، ثم بعد ذلك يفتح لهم باب التوبه بقوله: ﴿ان الذين فتوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتويوا فلهم عذاب جهم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠]،

وهذا كله يفيد المصلح بان لا يياس من صلاح اعدائه حتي ولو كان لهم في حرب الاسلام ما كان، وفي نفس الوقت لا يتهاون معهم ولا يغفل عن مكرهم، ولكنه يعلم ان باب التوبه مفتوح طالما ان الروح لم تغرغر.

المقطع الثاني من سوره ال عمران: ﴿فد خلت من قبلكم سنت فبيروا في الارض فانظروا حيف كان عنيبه المحذيبين﴾

﴿١﴾ هذا بيان للناس وهدي وموعظه للمتقين

﴿٢﴾ ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان حنث مؤمنين

﴿٣﴾ ان يمسسكو فرح فقد مس القوم فرح مثله وتلك الايام نداولها بيت الناس وليعلم انه الذين

﴿٤﴾ وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الحافزين

﴿٥﴾ ام حينكم ان تدخلوا الجنه ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصابرين

﴿٦﴾ [ال عمران: ١٣٧–١٤٢]

قوله ﷺ: ﴿فد خلت من قبلكم سنت فبيروا في الارض فانظروا حيف كان عنيبه المحذيبين﴾

الفوائد:

الاولي: ان من اعظم ما يصبر المؤمن عند الابتلاءات والمصائب، وعند رؤيته علو اهل الباطل وقوتهم، ان يتذكر صنيع الله ﷺ باهل الباطل في الامم السابقه، وان يعي سنن الله ﷺ في المكذبين والظالمين، فان انتصار الكفار في جوله او جولات، لا يعني انهم سيستمرون كذلك الي النهايه، وانها قد بين الله لنا في كتابه ان عاقبه اهل الباطل وعاقبه المكذبين المعادين للرسل ولاهل الحق انه يستدرجهم ويمكر بهم، ثم يبطل كيدهم ومكرهم، ثم يهلكهم ويعذبهم.

9

ويمكر بهم، ثم يبطل كيدهم ومكرهم، ثم يهلكهم ويعذبهم. ولذلك فان مناسبه ذكر هذه الايه ﴿فد خلت من قبلكم شر﴾ في هذا السياق المتعلق بغزوه احد مناسبه ظاهره، فهي تسليه للمؤمنين وتوعيه لهم بان ما اصابهم من القرح وما حصل لاعدائهم من الانتصار ليس بخارج عن سنن الله ﷺ، وان المعركه لا تحسم في جوله واحده.

من الانتصار ليس بخارج عن سنن الله ﷺ، وان المعركه لا تحسم في جوله واحده، وانما ينبغي ان يوسع المصلح النظر في سياق المعركه بين الحق والباطل، فلا يياس عند الهزيمه، ولا يبطر عند النصر. وهذا مهم لمصلحي زماننا، ان يدركوا هذا المعني ويتاملوا في سنن الله ﷺ، فلا يياسوا من روحه ورحمته، ولا يظنوا ان كلمه الكفار ستكون هي العليا وانما كلمه الله هي العليا.

ولا يظنوا ان كلمه الكفار ستكون هي العليا وانما كلمه الله هي العليا. وقد اعجبني كلام الامام الطبري في تفسير هذه الايه اذ وضعها في سياق يوم احد، وربط بين لفظها ومعناها وبين حال النبي ﷺ واصحابه في ذلك اليوم، وهذا من منهج الطبري وتقدمه وامامته في العلم بكتاب الله ﷺ.

وهذا هو النص الذي ذكره الطبري في تفسير هذه الايه: (يعني بقوله تعالي ذكره: ﴿فد خلت من قبلكم شر﴾، مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم، يا معشر اصحاب محمد واهل الايمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سلاف الامم قبلكم، ﴿شر﴾، يعني: مثلات سير بها فيهم وفيمن كذبوا به من انبيائهم الذين ارسلوا اليهم، بامهالي اهل التكذيب بهم، واستدراجي اياهم،

الذين ارسلوا اليهم، بامهالي اهل التكذيب بهم، واستدراجي اياهم، حتي بلغ الكتاب فيهم اجله الذي اجلته لاداله انبيائهم واهل الايمان بهم عليهم، ثم احللت بهم عقوبتي، وانزلت بساحتهم معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٢١.

وانزلت بساحتهم معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٢١ نقمي، فتركتهم لمن بعدهم امثالا وعبرا، ﴿فبيروا في الارض فانظروا حيث كان عنتهه المحتذيبين﴾، يقول: فسيروا – ايها الظانون، ان ادالتي من ادلت من اهل الشرك يوم احد علي محمد واصحابه، لغير استدراج مني لمن اشرك بي، وكفر برسلي، وخالف امري – في ديار الامم الذين كانوا قبلكم،

اشرك بي، وكفر برسلي، وخالف امري – في ديار الامم الذين كانوا قبلكم، ممن كان علي مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبه تكذيبهم انبيائي، وما الذي ال اليه غب خلافهم امري، وانكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك ان ادالتي من ادلت من المشركين علي نبيي محمد واصحابه باحد، انها هي استدراج وامهال ليبلغ الكتاب اجله الذي اجلت لهم،

واصحابه باحد، انها هي استدراج وامهال ليبلغ الكتاب اجله الذي اجلت لهم، ثم اما ان يؤول حالهم الي مثل ما ال اليه حال الامم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبه عليهم، او ينبوا الي طاعتي واتباع رسولي (١).

من تعجيل العقوبه عليهم، او ينبوا الي طاعتي واتباع رسولي (١).

الثانيه: في قوله ﷺ ﴿فبيروا في الارض فانظروا حيث كان عنتهه المحتذيبين﴾: حث للمؤمنين علي ان يتاملوا في التاريخ وينظروا في احوال الامم وفي سنن الله ﷺ واقداره التي اجراها علي عباده،

وينظروا في احوال الامم وفي سنن الله ﷺ واقداره التي اجراها علي عباده، فمن يطالع هذه السير ويقرا التاريخ بقصد استخراج السنن الالهيه وبقصد ملاحظه اقدار الله ﷺ وحكمته التي يجريها علي خلقه؛ فهو ممتلل لامر الله تعالي في كتابه، وهذا من اهم ما يحتاجه المصلحون العاملون المدافعون عن الحق المحاربون للباطل،

من اهم ما يحتاجه المصلحون العاملون المدافعون عن الحق المحاربون للباطل، فانهم احوج الناس الي معرفه سنن الله ومعرفه ايامه ومعرفه حكمته في اقداره التي يجريها علي عباده. وقد احسن الامام الطاهر ابن عاشور في تعليقه علي هذه الايه بقوله: (وفي الايه دلاله علي اصحابه علم التاريخ لان فيه فائده السير في الارض، وهي معرفه اخبار الاوائل، واسباب صلاح الامم وفسادها. قال ابن

السير في الارض، وهي معرفه اخبار الاوائل، واسباب صلاح الامم وفسادها. قال ابن (١) «جامع البيان عن تاويل اي القران»: (٦/ ٧٠ - ٧١) ط. هجر. معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٢٢.

10

- ٧١) ط. هجر. معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

٢٢ عرفه: السير في الارض حسج ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التاريخ بحيث يحصل للناظر العلم باخوال الامم، وما يفرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الارض لعجز الانسان وقصوره. وانما امر الله بالسير في الارض دون مطالعه الكتب لان في المخاطبين من كانوا امتين، ولان المشاهده تفيد من لم يفرا علما وتفوي علما من قرا التاريخ او قص عليه (١).

المشاهده تفيد من لم يفرا علما وتفوي علما من قرا التاريخ او قص عليه (١).

قوله ﷺ: «هذا بيان للناس وهدي وموعظه للمتقين»

الفوائد:

(١). قوله ﷺ: «هذا بيان للناس وهدي وموعظه للمتقين»

الفوائد:

الاولي: اختلف المفسرون في المقصود باسم الاشاره هذا، هل هو عائد علي القران؟ ام هو عائد علي الايه التي قبلها وهي قوله ﷺ: «فاد خلت من قبلكم شرس»؟ فاذا كان الترجيح ان هذه الايه عائده علي قوله ﷺ: «فاد خلت من قبلكم شرس» ففيها فائده ان العنايه بالسنن الالهيه وبها اجراه الله ﷺ علي عباده هو من اعظم الهدي،

العنايه بالسنن الالهيه وبها اجراه الله ﷺ علي عباده هو من اعظم الهدي، وان فيه البيان الشافي وفيه الموعده، وهذا يؤكد اهميه السنن الالهيه، ويزيد المؤمن تمسكا بالعنايه بها ففيها الهدي والبيان والموعظه.

ويزيد المؤمن تمسكا بالعنايه بها ففيها الهدي والبيان والموعظه.

الثانيه: في قوله ﷺ للمتقين، فائده ان الذي ينتفع بالسنن الالهيه والايات القرانيه ويعتبر بها ويهتدي بها انها هم المتقون، كما قال ﷺ في سوره البقره: «ذلك الكتاب لا رب فيه هدي للمتقين» ﴿البقره: ٢﴾، وهذا المعني متكرر (١) التحرير والتنوير: (٤/ ٩٧) لابن عاشور.

٢٣ المعني متكرر (١) التحرير والتنوير: (٤/ ٩٧) لابن عاشور.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» في كتاب الله، اعني ان الانتفاع بالايات ليس لكل احد، وانما هو لمن تلبس بصفات قلبيه وعمليه معينه، من اهمها: التقوي والخشيه واجتناب الكبر. قاله ﷺ: ﴿ولا تهبوا ولا تحروا وانتم الاحلون ان كنتم مؤمنين﴾

الفوائد:

﴿ولا تهبوا ولا تحروا وانتم الاحلون ان كنتم مؤمنين﴾

الفوائد:

الاولي: ان المؤمنين وان بلغت درجه ايذائهم ما بلغت فانهم قد يتاثرون بالهزائم التي تحصل لهم وبالالام التي تنالهم وتصيبهم من اعدائهم، وهذه الايه فيها تعزيه للمؤمنين وتشجيع لهم، وانهاض الي العمل والقوه وان كانوا قد اصيبوا لتوههم، وهذا يدل علي ان المؤمن يحتاج الي الايناس والي التعزيه والي التشجيع والتقويه والتثبيت، فهذا شان النفس البشريه.

والي التعزيه والي التشجيع والتقويه والتثبيت، فهذا شان النفس البشريه.

ونحن اذا نظرنا الي واقعنا فسنري ان كثيرا من المؤمنين قد اصابهم من الضعف والياس والوهن بسبب المصائب التي تكالبت علي المسلمين ما اصابهم، لذلك نحن بحاجه ماسه الي خطاب التشجيع والتثبيت والطمانه والتقويه، والي نبذ خطاب الفشل والقعود والوهن.

والتثبيت والطمانه والتقويه، والي نبذ خطاب الفشل والقعود والوهن.

وقد ذكر الله لنا في موضع اخر تثبيته لموسي عليه السلام حين واجهه السحره، كما قال ﷺ: ﴿فلما لا تخف انك انت الاحلي﴾ ﴿ط. ٦٨﴾، وهذا يشبه خطاب الله للمؤمنين في احد، ففي كليهما ﴿انت الاحلي﴾، ولكن بصيغه المفرد في ايه موسي عليه السلام، وبصيغه الجمع في ايه ﴿وانتم الاحلون﴾.

في ايه موسي عليه السلام، وبصيغه الجمع في ايه ﴿وانتم الاحلون﴾.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

٢٤ الثانيه: ان من جمله ما يثبت الانسان المؤمن عند المصائب هو استبشاره بالمستقبل، وادراكه عدم انحصار المعركه في جوله واحده، فان قوله سبحانه ﴿وانتم الاعلون﴾ يشير الي المستقبل كما ذكر جماعه من المفسرين.

11

﴿وانتم الاعلون﴾ يشير الي المستقبل كما ذكر جماعه من المفسرين.

الثالثه: في قوله ﴿ان حنث مؤمنين﴾: دليل علي ان من اعظم ما يثبت به الانسان المؤمن عند الازمات والمصائب ان يهيج ايمانه وان يذكر باصل يقينه، فهذا مرجع يفيء اليه الانسان ويثبت من خلاله باذن الله، وهذا مذكور في غير هذا الموضع كما في تثبيت موسي عليه السلام لمن معه من المؤمنين:

﴿وقال موسي ينقوم ان كنتم اياتكم بالله فعليه توكوا ان كنتم مساملين﴾ [يونس: ٨٤] وهنا يذكر الله المؤمنين بايمانهم بان يكون سببا لثباتهم وعدم ضعفهم: ﴿ولا تهتوا ولا تحزؤوا وانتم الاعلون ان حنث مؤمنين﴾.

قوله: ﷺ:

«تهتوا ولا تحزؤوا وانتم الاعلون ان حنث مؤمنين﴾. قوله: ﷺ: ﴿ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بيت الناس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾

الفوائد:

الأولي: ان مما يعزي المؤمنين عند مصابهم ان يتذكروا مصاب اعدائهم والنكال الذي نال اعداءهم علي ايديهم، كما قال ﷺ في سوره التوبه ايضا: ﴿فتبلوهم يعذبهم الله بايديكم ويحزهم ويصروكم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ [التوبه: ١٤]، فشفاء صدور المؤمنين مقصد من المقاصد الشريفه.

من المقاصد الشريفه ٢٥ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» المترتبه علي جهاد اعداء الله، وهي مما يعزيهم عندما يصابون من جهه الاعداء اذ يتذكرون ان اعداءهم قد اصيبوا كذلك، وهذا مؤثر في النفس كثيرا.

ولذلك فان المصيبه العظيمه التي تحصل للمسلمين انما هي: حين لا يكون لهم تنكيل سابق في اعدائهم ولا ظهور عليهم ولو في بعض الاحيان،

لا يكون لهم تنكيل سابق في اعدائهم ولا ظهور عليهم ولو في بعض الاحيان، وحين تكون الغلبه الدائمه في عصر من العصور للكفار عليهم، فهذه من اعظم المصائب وهي داخله في الفتنه التي استعاذ المسلمون منها في قوله ﷺ: «ربنا لا تجعلنا فتنه للذين كفروا» [الممتحنه: ٥]، اي لا تسلطهم علينا فيظنوا بذلك انهم علي الحق.

ولذلك فان من ثمرات النصر علي الاعداء زياده اليقين من جهه،

علي الحق. ولذلك فان من ثمرات النصر علي الاعداء زياده اليقين من جهه، وايجاد حاله من شفاء الصدور من جهه اخري.

علي الاعداء زياده اليقين من جهه، وايجاد حاله من شفاء الصدور من جهه اخري.

الثانيه: في قوله ﷺ وتلك الايام نداولها بيت القاس: يبين الله تعالي سنه من سننه الماضيه، انه يداول الايام بين الناس، فلا يجعل المسلمين في انتصار دائم، ولا يجعل الكفار في انتصار دائم، وانما يداول الامر بينهم، ويبتل المؤمنين بالكافرين ثم يجعل العاقبه للمؤمنين، كما قال ﷺ في سوره محمد:

بالكافرين ثم يجعل العاقبه للمؤمنين، كما قال ﷺ في سوره محمد: «ذلك ولو نشاء الله لانصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض» [محمد: ٤] وكما قال هرقل في حديثه لابي سفيان –الذي اخرجه البخاري ومسلم ﷺ –تعالي في صحيحيهما– ان هرقل قال لابي سفيان:

«سالتك كيف كان قتالكم اياه؟ فرغمت ان الخرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلي ثم تكون لهم العاقبه»(١).

ان الخرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلي ثم تكون لهم العاقبه»(١).

(١) رواه البخاري: (٤٥٥٣)، ومسلم: (١٧٧٣).

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٢٦

12

(١٧٧٣). معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ٢٦ وفهم هذه السنه الالهيه من اعظم ما يثبت المؤمنين ويجبر مصابهم ويزيل وحشتهم، كما ان غياب فهمها من اعظم ما يجعل مصاب المؤمنين شديدا، بل وقد يلحق بعضهم اليأس والاحباط بسبب عدم ادراكهم لها كما يجري في زماننا هذا، وهذا يؤكد من اهميه الوعي بالسنن الالهيه وان يربي المؤمنون والمصلحون عليها.

من اهميه الوعي بالسنن الالهيه وان يربي المؤمنون والمصلحون عليها.

الثالثه: حين قال الله ﴿وتلك الاي أمرح نداولها بين الناس﴾ وكان مقتضي ذلك ان يصاب المؤمنون ويبتلوا باعدائهم، بين الله الحكمه من تقديره هذا، فذكر في هذه الايه والتي تليها عددا من الحكم الناشئه عن الابتلاءات العامه التي تحدث للمسلمين علي ايدي اعدائهم، فقال سبحانه:

عن الابتلاءات العامه التي تحدث للمسلمين علي ايدي اعدائهم، فقال سبحانه:

١- ﴿وليعلم الله الذين امنوا﴾.

٢- ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾.

٣- ﴿وليمحض الله الذين امنوا﴾.

٤- ﴿ويمحق الحجوب﴾.

فكل واحده من هذه الاربع هي حكمه عظيمه ومصلحه جليله لا تاتي في حال الرخاء وانما تترتب علي احوال الشده والابتلاء.

ومصلحه جليله لا تاتي في حال الرخاء وانما تترتب علي احوال الشده والابتلاء.

الرابعه: في قوله ﴿وليعلم الله الذين امنوا﴾ يستفاد منها ان الابتلاءات من اهم اسباب اثبات صدق المؤمن وظهور ايابته علي الحقيقه، كما قال ﷺ في سوره العنكبوت:

صدق المؤمن وظهور ايابته علي الحقيقه، كما قال ﷺ في سوره العنكبوت: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت: ١-٣] أي: وليعلمن الله الذين صدقوا في إيمانهم. فالابتلاءات - وخاصه المتعلقه بتسليط الاعداء ومدافعتهم - هي اختبار لصدق الدعوي، فيري الله ﷺ من

بتسليط الاعداء ومدافعتهم - هي اختبار لصدق الدعوي، فيري الله ﷺ من

٢٧ معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» الذي ينصر دينه ويثبت امام اعدائه فيكون بذلك قد اتي بالدليل علي ايمانه، واما الذي لا يثبت ولا يصبر، بل يغير ويبذل فيكون قد اثبت نفاقه او كذبه في دعواه انه مؤمن، وهذا امر عظيم يجعل المؤمن في غايه الانتباه عند مراحل الابتلاء فيثبت ويصبر ولا يبذل.

يجعل المؤمن في غايه الانتباه عند مراحل الابتلاء فيثبت ويصبر ولا يبذل.

الخامسه: في قوله ﷺ: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ بيان للشرف العظيم للشهداء، وذلك ان الله ﷺ يصطفيهم ويختارهم، فالشهداء مختارون كما قال سبحانه: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾، فمن حكمه الابتلاء وتسليط الاعداء ان الله يجب ان يكون من عباده المؤمنين من يراق دمه في سبيله،

الاعداء ان الله يجب ان يكون من عباده المؤمنين من يراق دمه في سبيله، فياتيه يوم القيامه بدمائه واصابته التي اصيب بها في الدنيا، لونها لون الدم وريحها ريح المسك، وسياتي مزيد من الكلام عن الشهاده في قوله تعالي ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [ال عمران: ١٦٩] بإذن الله.

أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [ال عمران: ١٦٩] بإذن الله.

السادسه: في قوله ﷺ: ﴿والله لا يحب الظالمين﴾، بيان للجمع بين اراده الله الكونيه وبين ارادته الشرعيه، وذلك انه هو الذي قدر تسلط الاعداء علي المسلمين، ولكنه في نفس الوقت لا يرضي ما يفعله الكفار من الظلم والقتل للمسلمين. فليس كل ما قدره الله يحبه ويرضاه، ولكنه يقدره لحكمه،

فليس كل ما قدره الله يحبه ويرضاه، ولكنه يقدره لحكمه، فالله حين سلط الظالمين علي المستضعفين لم يسلطهم لانه يحبهم ولا لانه يرضي افعالهم، فنحن لسنا جبريه ننفي اختيار المخلوقات، ولسنا نفاه للحكمه والتعليل، ولكننا نقول: ان الله ﷺ قدر وكلف، وليس كل ما اراده احبه، وان كان لا يقدر شيئا الا لحكمه.

قدر وكلف، وليس كل ما اراده احبه، وان كان لا يقدر شيئا الا لحكمه. وهنا يبين الله سبحانه انه لا يحب الظالمين، مع كونه ﷺ قد بين قبل ذلك انه هو الذي يداول الايام بين الناس، وهذا التقرير يفيد في تثبيت القلوب

٢٨ معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ونبذ الشك الذي قد يتسلل اليها عند رؤيه المصائب والشدائد التي تصيب المسلمين.

13

الذي قد يتسلل اليها عند رؤيه المصائب والشدائد التي تصيب المسلمين. قاله ﷺ: «وايمحص الله الذين امنوا ويمحق الكافرين».

الفوائد:

الأولى: هذه حكمه ثالثه ذكرها الله ﷺ من حكم الابتلاء الذي يحصل لعباده المؤمنين بسبب الصراع بين الحق والباطل ومداوله الايام بين الناس، وهو انه يمحص الذين امنوا، والتمحيص هو التتقيه والتخليص من العيوب كما ذكره ابن عاشور ﷺ تعالي(١)، وهذه من الفوائد التزكويه للابتلاءات.

فان الابتلاء يزكي النفوس ويصلحها وينقي عيوبها وذنوبها، وهذه الحكمه -التي هي التمحيص- زائده علي الحكمه الاولي المذكوره في قوله: ﴿وليعلم الله الذين امنوا﴾، فتلك في تمييز الصفوف وظهور صدق المؤمن من كذبه، وهذه في اثار البلاء التزكويه علي النفس وتنقيتها وتصفيتها بسببه.

بالاضافه الي ما فيها من تكفير الذنوب والسيئات كما ذكره طائفه من المفسرين.

الثانية: ﴿ويمحق الكافرين﴾ وهذه حكمه اخري من حكم الابتلاء ومداوله الايام بين الناس: ان الله ﷺ يمحق اعداءه ويهلكهم، اما بسبب علوهم علي المؤمنين وظلمهم لهم، وتماديهم واسرافهم؛ فيستحقون بذلك العقوبه العاجله، واما بسبب تسليط الله المؤمنين عليهم فيعد بهم بايدي المؤمنين، والله اعلم.

(١) انظر: التحرير والتنوير: (٤/١٠٤) لابن عاشور.

٢٩ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» قوله ﷺ: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلمون الصابرين﴾.

الفوائد:

الأولى: الله ﷺ لم يفاجئ المؤمنين بالابتلاءات قبل ان يكون قدم لهم الخبر عن وقوعها، وهذا مستمر الي قيام الساعه، فعلي كل مؤمن ان يستصحب هذا الخبر العام الشامل للمؤمنين بانهم سيبتلون ويمحصون ويعرضون لما يتطلب منهم الصبر والثبات علي الدين والبذل في سبيل الله.

وفي هذه الايه بيان من الله ﷺ بابتلاء المؤمنين، وهو مسبوق بايات كان فيها التهيئه للابتلاء، وقد استفاد المؤمنون من هذه التهيئه، فاستعدوا له، وحين راوه عرفوا انه هو ما اخبر الله به، فصدقوا وعد الله، وامنوا بخبره، وازدادوا ايمانا وتسليما، كما قال الله ﷺ في سوره الاحزاب: ﴿ولما رمى المؤمنون الاخراب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم الا ايمانا وتسليما﴾ ﴿الأحزاب: ٢٢﴾.

وهكذا المؤمن حين يستصحب مثل هذا الخبر في حياته فان البلاء يكون خيرا له، لانه يكون متهيئا للصبر، ومحسنا الظن بالله، بخلاف من لم يستصحب مثل هذا الخبر فانه قد يفاجا بالابتلاءات وشدتها، وقد يضطرب ايمانه ويسوء ظنه بربه، ثم قد لا يثبت بل يبذل وينتكس، كما راينا ذلك في الواقع كثيرا، نسال الله العفو والمغفره والستر والثبات.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٣٠

14

## والستر والثبات

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران»

الثانية: إن ميزان الابتلاء وزمنه عند الله ﷺ يختلف عن موازين القياسات البشرية والتقديرات الذهنية، وذلك أن الذي يتأمل - بالنظر البسيط - قد يخلص إلى نتيجة مفادها: إن المؤمنين بعد المرحلة المكية قد انتهى ابتلاؤهم بالأعداء، لأن السمة العظمى في المرحلة المكية كانت هي الابتلاء، وهذه الآية مدنية.

بل ليست في بداية المرحلة المدنية، وإنما بعد بضع سنوات من الهجرة، فهي نزلت متعلقة بأحداث يوم أحد، ومع ذلك يتكرر الأخبار الإلهي بتحقق الابتلاء على المؤمنين. وقد جاء مثل هذا الخبر قبل ذلك في بداية المرحلة المدنية وذلك في قوله تعالى:

﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [البقرة: 214].

فإذا قدرت القضية بالقياس الذهني المحض، قلت: إن المؤمنين قد خلصوا وهدبوا وثقوا في المرحلة المكية، التي كانت سمتها العامة الابتلاءات، وإن زدت قلت: إلى يوم بدر، أما أن يستمر هذا الابتلاء وهذا البيان الإلهي المصدر بـ «أَمْ حَسِبْتُمْ»، فهذا أمر آخر لا يقاس بالنظر البشري المحض، وإنما يفهم من خبر الله ﷺ. ومنه يعلم أن حمل هذا الدين أمر عظيم، وأنه ليس بالهزول.

وأن على المصلحين والعاملين ومن يريد أن يحمل راية الدين أن يوطنوا أنفسهم للابتلاء الطويل، وللتمحيص الدائم والصبر المستمر، ولا شك أن عاقبة ذلك حميدة في الدنيا وفي الآخرة.

الثالثة: في قوله: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ بيان لعظم منزلة الجهاد في سبيل الله ومنزلة الصبر، وأنها من المعايير التي يقاس بها الإيمان، وذلك أنها جعلت غاية للابتلاء، فالابتلاء يحصل حتى يتحقق هذان الأمران في المؤمن، فإذا تحققا كان ذلك دليلاً على صدق إيمانه.

ويضاف إلى هذين الأمرين مما هو دليل على تمام الإيمان وصدقه: اليقين، فإنه كلما عظم اليقين دل ذلك على صدق المؤمن، وهذا كما في آيات سورة الحجرات:

﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم﴾ [الحجرات: 15].

﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولـئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: 15].

فبين سبحانه أن الصادقين هم الذين جاهدوا بين اليقين والجهاد، وفي آية آل عمران بين أن الغاية هي أن يعلم الله المجاهدين والصابرين، وقد تكرر ذلك في سورة محمد كذلك، في قوله:

﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ [محمد: 31].

فمن وفقه الله للجمع بين اليقين والصبر والجهاد؛ فقد كمل إيمانه وتم أمره وليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت.

* المقطع الثالث من سورة آل عمران:

15

امره وليس بينه وبين الجنه الا ان يموت.

* المقطع الثالث من سوره ال عمران:

ولقد كشر تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رايتموه وانتم تتظرون ﴿١﴾ وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل اقبلان مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم ومن ينقلب علي عقبته فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشيحاتي ﴿٢﴾ وما كان لنفس ان تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا لؤيه منها ومن يرد ثواب الاخره لؤيه منها وسيجزي الشيحاتي ﴿٣﴾ وكانن من بناي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكاثوا والله يحب الصابرين ﴿٤﴾ وما كان قولهم الا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واشرافنا في امرنا وثبت اقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين ﴿٥﴾ فتاتنهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخره والله يحب المحسنين ﴿٦﴾ [ال عمران: ١٤٣-١٤٨]

قوله: ﷺ: ولقد كشر تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رايتموه وانتم تتظرون ﴿١﴾

الفوائد:

الأولى: ليس كل من توقع انه يصمد امام الابتلاء فسيصمد، وذلك ان الله ﷺ يخاطب في هذه الايه اصحاب نبيه الذين كانوا يتمنون ان يلقوا العدو ويجابهوه ويقاتلوه، فلما التقوا بالاعداء يوم احد وقدر الله ما قدر من اختلال الصفوف والاوضاع؛ فر من فر من المؤمنين، فالله ﷺ يبين للمؤمنين هذه الحقيقه: ﴿ولقد كشر تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رايتموه وانتم تتظرون﴾، فالدرس المستفاد هنا هو الا يثق الانسان بنفسه ثقه زائده تدفعه الي تمني لقاء العدو وتمني التعرض للابتلاء،

فان الانسان لا يدري ما حاله عند ذلك، ولكن يسال الله العافيه، فاذا قدر عليه الابتلاء سلم وصبر، كما ورد عن النبي ﷺ في الصحيحين: «ايها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافيه، فاذا لقيتموهم فاصبروا» (١).

الثانية: ان هذه الايه لا تتعارض مع ما ثبت عن النبي ﷺ من فضل سؤال الله الشهاده: «من سال الله الشهاده بصدق؛ بلغه الله منازل الشهداء، وان مات علي فراشه» (٢) فسؤال الله الشهاده لا يعني سؤال الله الابتلاء، وانما الانسان ميت ميت وسيلقي ربه، فالمؤمن يسال ربه ان يكون لقاؤه به شهاده في سبيله، لما فيها من الفضل الذي ذكره الله ﷺ.

والشهاده لا تقتضي ان يسال الانسان ربه الابتلاء، وانما يمضي المؤمن في عمله الذي يقدره الله له سائلا الله ان يكتب له هذه المنزله العظيمه التي امتدحها، علي ان بعض المفسرين راوا ان الايه ليس فيها ذم لتمني الموت، وانما فيها ذم لترك العمل بمقتضي هذا التمني،

فلا يكون هناك تعارض في اساس القضيه بين الايه وبين الحديث، وممن قال ذلك الامام ابن سعدي: «وفي هذه الايه دليل علي انه لا يكره تمني الشهاده، ووجه الدلاله ان الله تعالي اقرهم علي امنيتهم، ولم ينكر عليهم، وانما انكر عليهم عدم العمل بمقتضاها، والله اعلم» (١).

(١) رواه البخاري: (٢٩٦٥)، ومسلم: (١٧٤٢).

(٢) رواه مسلم: (١٩٠٩).

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٣٤.

16

لنفوس المصلحين ﴿سوره ال عمران﴾ ٣٤ بمقتضاها، والله اعلم).

(١) قوله ﷺ: «وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسول، أكان لن يموت أو قتل انقلبتم علي أعقابكم، ومن ينقلب علي عقبته فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشيبين».

الفوائد:

1ينقلب علي عقبته فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشيبين.

الأولى: ان الاستقامة علي الطريق والثبات عليه ليس مرتبطا بحياة إنسان من الصالحين أو موته ولو كان النبي ﷺ، وذلك أن الله ﷺ عاتب من فر من أصحاب نبيه ﷺ حين سمعوا بخبر موته، مذكرا إياهم بالحقيقة الثابتة وهي أنه رسول من رسل الله، وأنه سيموت، كما قال أبو بكر الصديق ﷺ حين وفاته النبي ﷺ: «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

(٢)

وإذا كان هذا في حق النبي ﷺ فمن باب أولى أن يربي المصلحون علي ذلك في حق العلماء والقادة والدعاة والرموز الدينية، ممن هم دون النبي ﷺ، بل ممن يقع من كثير منهم من الخطأ والزلل والإشكال ما الله به عليم. فمن معايير التربية الإصلاحية الصحيحة: أن تكون حقائق العبودية أثبت في القلب من الأشخاص، وهذا لا يستلزم عدم أهمية وجود العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء والدالون علي الحق، ولكنهم بشر، يجري عليهم ما يجري علي

(١) تفسير السعدي: (١٥٠).

(٢) رواه البخاري: (١٢٤٢).

٣٥ معالجه القران لنفوس المصلحين ﴿سوره ال عمران﴾ البشر، وأما الحق فهو ثابت لا يتغير.

الثانية: ان من أهم ما ينبغي غرسه في نفوس المصلحين وله أثر بالغ علي الثبات: حقيقة أن الإنسان إذا انتكس فإنه لا يضر إلا نفسه، كما قال ﷺ: ﴿ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشيبين﴾. فالله ﷺ غني عن خلقه، وهو ناصر دينه، والمصلح إنما يرجو بلوغ رضا الله بسلوك طريقه، فإن تنكب الطريق فقد فاته الشرف وخسر دون أن يضر الله شيئا.

الثالثة: ان من أعظم صور عبودية الشكر لله: الثبات علي طريق الاستقامة أمام الفتن والابتلاءات والشدائد، وعدم الانتكاس أو الارتداد بسببها، كما قال ﷺ بعد أن ذكر المنقلبين علي أعقابهم: ﴿وسيجزي الله الشيبين﴾، كما قال ابن سعدي: (فلما وبخ تعالي من انقلب علي عقبيه، مدح من ثبت مع رسوله، وأمثل أمر ربه، فقال: ﴿وسيجزي الله الشيبين﴾).

قوله ﷺ: ﴿وكان منثي قنتل معه ربيك كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾.

الفوائد:

الأولى: ان من أعظم أسباب الثبات أمام الابتلاءات والشدائد التي تصيب المؤمنين في سبيل الله: استحضار قصص الأنبياء وأحوال الصالحين، وذلك أن الله ﷺ بعد أن عاتب أصحاب نبيه علي ما عملوه يوم أحد، ذكرهم بفعل من قبلهم من الثابتين، وبين لهم أنهم ما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، كما قال

(١) تفسير السعدي: (١٥٠).

معالجه القران لنفوس المصلحين ﴿سوره ال عمران﴾ ٣٦

17

السعدي: (١٥٠). معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

قال الطبري: ﴿فعذهم الله علي فرارهم وتركهم القتال فقال: أفانت مات محمد أو قتل، أيها المؤمنون، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم علي أعقابكم؟﴾ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من اتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم:

﴿هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من اتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم من المضي علي منهاج نبيهم، والقتال علي دينه أعداء دين الله، علي نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم ولم تهنوا ولم تضعفوا، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من اتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتي حكم الله بينهم وبينهم؟﴾ (١)

ولذلك حين جاء خباب يشتكي إلي النبي ﷺ من شدة ما يلقي من العذاب في سبيل الله، ذكره بالطابرين من الأمم السابقة، وأنه كان ينشر بعضهم بالمناشير ويمشط آخرون بأمشاط الحديد وما يصدهم ذلك عن دينهم.

الثانية: إن الأنبياء كانت لهم وظيفة متعلقة بتربية المؤمنين الذين معهم وقيادتهم للعمل في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، وإن دورهم لم يقتصر علي دعوة المشركين من أقوامهم إلي الإسلام، بل كانوا يعتنون بمن آمن كذلك، وهذا كما قال الله ﴿وكان منني قناتا معه ربيون كثير والربيون هم الجاهات الكثير من اتباع الأنبياء (الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة)﴾ (٢) كما قال ابن سعدي.

وقد ظهرت علي تلك الجماعات آثار تربية أنبيائهم بصبرهم أمام ما أصابهم في سبيل الله فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، وهذا قد حصل كثيراً لاتباع النبي ﷺ كذلك، حتي في يوم أحد الذي فر فيه البعض واضطراب، إلا أنه قد ثبت آخرون وصبروا وما وهنوا وما ضعفوا.

(١) تفسير الطبري: (٦/ ١١٠ - ١١١)

(٢) تفسير السعدي: (١٥١).

السعدي: (١٥١).

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» وما استكانوا، كما في موقف طلحة وسعد بن أبي وقاص ﷺ والعصبة من الأنصار وغيرهم من الذين أحيطوا بالنبي ﷺ، وقتل بعضهم دونه، ومن أولي من يدخل في هؤلاء: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [ال عمران: ١٧٣]

وكان ذلك بعد يوم أحد مباشرة، وكان فيهم الزبير بن العوام وأبو بكر الصديق ﷺ مع سبعين من الصحابة وكانوا قد ﴿استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ [ال عمران: ١٧٢] وخرجوا إلي حمراء الأسد يتعقبون قريشاً مع كل ما فيهم من الجراح، فهؤلاء ممن رباهم النبي ﷺ وثبتوا وصبروا.

وكما كان اتباع الأنبياء السابقين نموذجاً للصحابة، فإن الصحابة كذلك نموذج لنا في مثل هذه المواقف.

الثالثة: إن من أهم صفات المصلحين التي يحبها الله ﷺ ويثني علي أصحابها بها هي: صفة الصبر والثبات وعدم الانهزام والانكسار أمام شدة الابتلاءات وقوة المصائب، فالله ﷺ كرر ثناء علي أولئك المؤمنين بسبب هذا الصبر والثبات أمام المصائب.

الرابعة: إن مما يهون المصائب والشدائد علي الإنسان كونها في سبيل الله ﷺ، فاهون المصائب ما كان في ذات الله وفي سبيله، لأن الإنسان المؤمن يري أنه بذل ما يجب في سبيل من هو أحب إليه من نفسه وماله ومن كل شيء وهو الله ﷺ، فحين ينظر الإنسان بقلبه إلي الله ﷺ، ثم ينظر إلي جسده فيري إصابته والدماء التي تغطيه، ثم يقارن بينها وبين ما ينبغي لله من البذل والعطاء وبين ما هو فيه من التقصير؛ تهون عليه جراحاته ويهون عليه ما يقدم، كما قال النبي ﷺ: «هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت» (١).

18

المصلحين

«سوره ال عمران» انت الا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت»(١).

قوله ﷺ: ﴿وما كان قولهم الا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسترافنا في امرنا وثبت اقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين﴾

الفوائد:

الأولى: ان حال المؤمنين عند المصائب والابتلاءات الشديدة حال عجيبة، وذلك انهم مع كونهم صابرين ثابتين، ومع كونهم محسنين متقين، غير جزعين ولا متسخطين، ومع كون هذه الابتلاءات في غاية الشدة عليهم؛ الا انهم مع ذلك كله يتذكرون ذنوبهم في تلك الأحوال الشديدة ويستغفرون الله منها، وهذا من أعجب الأحوال الإيمانية وأعظمها، وهو مناقض لحال المنافقين والذين في قلوبهم مرض، الذين اذا حضروا هذه المشاهد واشتدت عليهم الأحوال؛ رجعوا بالتهمة علي الله ورسوله، كما قال الله عنهم في سورة الأحزاب: ﴿واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا عروا﴾ [الأحزاب: ١٢].

وهكذا هي الابتلاءات، تزيد المؤمن إيمانا وثباتا واستغفارا ورفعة، وتزيد المنافق شكا وريما ونفورا.

الثانية: في قوله ﷺ: ﴿وثبت اقدامنا﴾ ان من أعظم ما يثبت الانسان في جهاده لأعداء الله: الدعاء بالثبات، كما قال ﷺ عن المؤمنين من أصحاب طالوت: ﴿ولما بردوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٥٠].

وهذا الدعاء (١) رواه البخاري: (٢٨٠٢)، ومسلم: (١٧٩٦).

٣٩ معالجه القرآن لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» اذا صدر من قلب خالص صادق في هذا الطلب فإنه سيرى بعينيه أثر تثبيت الله له وإجابته دعاءه. ﴿فتاتنهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين﴾

الفوائد:

الأولى: ان الله ﷺ سمي النصر ثوابا، ومعني ذلك انه يعطي من الله ﷺ ويؤهب ويؤتي للذين أحسنوا؛ أثابه لهم علي صدقهم وصبرهم في البذل في سبيل الله، فالنصر ليس نتيجة يحصلها العامل بنفسه، وإنما الذي ينبغي ان يضع العامل عينه علي العمل والسبب، ويعلم ان النصر ثواب يؤهب، وهذا يعين علي تصحيح بوصلة المسير، وتحقيق مزيد من التوكيل علي الله ﷺ.

الثانية: في قوله ﷺ: ﴿والله يحب المحسنين﴾ وفي الآية التي قبلها: ﴿والله يحب الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٦] فائدة للمصلحين والعاملين وهي أهمية ان يتنبهوا لهذه الصفات الجامعة التي تختم بها الآيات المتعلقة بالعمل للدين والإسلام والدعوة إلى الله ﷺ،

لأن هذه الصفات هي الجامعة للمعاني المتفرقة التي تذكر في الآيات، فيتمسك المصلح بهذه الصفة الجامعة، ويستنير بمعالم المعاني المتفرقة المذكورة ضمنها.

ففي هذه الآيات مثلا كانت الصفة الجامعة هي الصبر في قوله ﷺ: ﴿والله يحب الصابرين﴾، وأما المعالم التفصيلية فهي: عدم الضعف والوهن والاستكانة أمام المصائب.

المقطع الرابع

19

عدم الضعف والوهن والاستكانه امام المصائب. المقطع الرابع من سوره ال عمران:

عدم الضعف والوهن والاستكانه امام المصائب. المقطع الرابع من سوره ال عمران:

يتايها الذين امنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم علي اعقابكم فتنقلبوا خاسرين ﴿٦﴾ بل الله مولاكم وهو خير النصيب ﴿٧﴾ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما اشركوا بالله ما لم يبزل به سلطانا وما ويلهم النار وبئس مثوي الظالمين ﴿٨﴾ ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسونهم باذنه حقتها اذا فيبلح وتنزعتم في الامر وعصيتم من بعد ما ارسكم ما يحبون منكم من بريد الدنيا ومنكم من بريد الاخره ثم صرفكم عنهم ليبتغيتم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل علي المؤمنين ﴿٩﴾ اذ تصعدون ولا تلوون علي احد والرسول يدعوكم في اخرانكم فاشبحتم عما بعم لكنما تحزنوا علي ما فاتكم ولا ما اصابكم والله خبير بما تعملون ﴿١٠﴾ ثم انزل عليكم من بعد الفم امانه نعاسا يعشي طائفه منكم وطائفه قد اهمتهم انفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجهليه يقولون هل لنا من الامر من شيء قل ان الامر كله لله يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شيء ما قبلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرد الذين كتب عليهم القتل الي مصاحبهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ﴿١١﴾ ان الذين تولوا منكم يوم التقي الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم ﴿١٤٩-١٥٥﴾.

ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم ﴿١٤٩-١٥٥﴾.

٤١ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

٤١ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» قوله ﷺ: ﴿يتايها الذين امنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم علي اعقابكم فتنقلبوا خاسرين ﴿١﴾ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴿٢﴾ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما اشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وما ورهم النار وبئس مثوي الظالمين ﴾

الفوائد:

الأولى: احتياج المصلح الدائم الي التذكير بخطورة عدوه والتحذير من الميل اليه وطاعته، وخاصه بعد المصائب والازمات التي تصيب المصلحين من الاعداء، فان النفوس قد تنكسر بعد هذه الهزائم فتميل الي الدخول تحت سلطه اعدائها، ولذلك قال سبحانه في هذه الايات: ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ﴾.

الثانية: المؤمن يحتاج الي ان يكون علي خوف دائم من ان يبطل عمله او يحبط في حال انتكاسه مهما كانت سابقته حسنه وصالحه، فالله ﷺ يخاطب المؤمنين الذين شاركوا مع النبي ﷺ يوم بدر ويوم احد وصبروا واوذوا، ويجدوهم من ان يرتدوا علي اعقابهم فينقلبوا خاسرين.

الثالثة: ان العلم بالله واستحضار اسمائه وصفاته من اهم ما يثبت المؤمن عند الازمات، وهل ثبات المؤمنين الا بذلك؟! فالله ﷺ حين ينهي عن اطاعه الكفار ويجدو المؤمنين من مغبه ذلك؛ يذكرهم بصفاته سبحانه وانه هو المولي وانه خير الناصرين.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٤٢

20

وانه خير الناصرين. معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران»

٤٢ الرابعه: الرعب الذي ذكر الله ﷺ انه سيلقيه في قلوب الكافرين هو عند جماعه من المفسرين: الرعب الذي انزله علي قريش حين انصرفت يوم احد، ثم همت ان ترجع الي المدينه فتقاتل النبي ﷺ والمؤمنين مره اخري؛ استغلالا للجراح التي اصابتهم،

النبي ﷺ والمؤمنين مره اخري؛ استغلالا للجراح التي اصابتهم، فارسل الله لهم من يخوفهم من جيش النبي ﷺ وانه خرج في اثرهم في جمع لم يشهد مثله ونحو ذلك، بينما كانت حقيقه الامر ان النبي ﷺ انتدب جماعه من خيار اصحابه للحاق بالمشركين حين بلغه خبر عودتهم، وهم الجماعه الذين انزل الله ﷺ فيهم قوله: ﴿الذين استباروا له والرسول من بعد ما اصابهم القرح﴾ [ال عمران: ١٧٢]، وقد كانت جماعه قليله العدد نحو سبعين رجلا.

الفائده التي ناخذها من هذه القصه هي ان علي المؤمنين بذل الاسباب ولو كانت يسيره، وان علي الله ﷺ النصر للمؤمنين والهزيمه للكافرين. فبالحسابات الماديه لم يكن هناك ما يجعل الكفار يخافون ويرهبون في ذلك المقام الذي انتصروا فيه، ولكن هذه معينه الله ﷺ للمؤمنين.

ولذلك فالذي ينبغي علي المؤمنين ان يسعوا دائما الي تحقيق ما يمكنهم من الاسباب، وفعل ما يمكنهم من الواجبات، مصاحبين ذلك بالصبر والتقوي واليقين، فيروا بذلك من توفيق الله ﷺ ما لا يقاس بالحسابات الماديه.

الخامسه: ان تحقيق التوحيد يثمر الشجاعه والثبات والامان القلبي، وان وجود الشرك عند الانسان يؤدي الي الخوف والجبن والرعب، وذلك انه ﷺ قد ربط في هذه الايه بين الرعب الذي يلقيه في قلوب المشركين وبين الشرك الذي لديهم، ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرحمن بما اشركوا بالله﴾ وقال في موضع اخر: ﴿الذين امنوا ولو يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون﴾ [الانعام: ٨٢] والظلم فسره النبي ﷺ بالشرك.

قوله ﷺ: ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسونهم باذنهم حق اذا قضلتم وتنزعتم في الامر وعصيتم من بعد ما ارسكم ما يحبون منكم من بريد الاشياء ومنكم من بريد الاخره ثم صرفكم عنهم ليبتابليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل علي المؤمنين

الفوائد:

الاولي: ان وغد الله ﷺ للمؤمنين بالنصر هو وعد مشروط باعمال وصفات ينبغي ان يكون عليها المؤمنون، والا فان وصف الايمان وحده لا يكفي لتحقق النصر، فهاهنا في هذه الايه التي تتحدث عن غزوه احد، يبين الله ﷺ انه صدق وعده ونصر جنده في اول النهار، وذلك بها حصل للمؤمنين من علو وقتل للمشركين وهو معني قوله: ﴿اذ تحسونهم باذنه﴾ اي: تقتلونهم، ومن المعلوم في السير ان حمله رايه المشركين قد قتلوا واحدا تلو الاخر في مقتله قل نظيرها مثل هؤلاء من حمله الرايه،

لكن هذا النصر لم يستمر بسبب تغير الصفات وتخلف الشروط التي حصلت بعد ذلك في نفس اليوم، اذ تخلي الرماه من اهل الجبل عن موقعهم الذي اكد عليهم الرسول ﷺ ان يثبتوا فيه، فعصوا وارادوا الدنيا التي هي الغنائم، ونسوا امر الله ورسوله، فادل الله المشركين علي المسلمين. وفي هذا من الفوائد والعبر الامر العظيم.

الثانيه: اهميه فهم السنن الالهيه وانها سنن تتداخل في المحل الواحد، معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران»

٤٤

21

في المحل الواحد، معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٤٤. ففي هذا المحل الذي هو يوم أحد، تحققت سنه النصر أولاً، ثم تحققت سنه المداولة، وقد مر معنا في هذه السورة قوله سبحانه: ﴿وتباك الأيام نداولها بين الأيام﴾ [ال عمران: ١٤٠]، وكان المقصود ما حصل يوم أحد، وتحقق سنه الإمهال والاستدراج للكفار.

وقد أشار الله إليها أيضاً في آيات ال عمران المتعلقة بأحد فقال الله ﷺ: ﴿ولا يتحسبن الذين كفروا أنا نملي لهم خيرا لأنفسهم إنما نملي لهم ليردادوا إنما ولهم عذاب مهين﴾ [ال عمران: ١٧٨]. فهاهنا اجتمعت السنن، وتداخلت الحكم الإلهية في ذلك اليوم العظيم والحدث الكبير.

ومن الثمرات التي تحققت: زيادة يقين المؤمنين بمعية الله ونصره؛ إذ أداهم على المشركين أول اليوم مع قلة عددهم، ثم تحققت ثمره تعزيز قيمة طاعة الرسول ﷺ، وخطورة المعصية في السياقات الإصلاحية وخطورة التنازع والفشل. ومن الثمرات التي تحققت كذلك ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم، واتخاذ الشهداء واصطفاؤهم، وازدياد المشركين من موجبات الإهلاك والعقاب والعذاب.

الثالثة: أن الله ﷺ يرثي عباده المؤمنين على أن الثمرات التي تتحقق في جهادهم في سبيله كلها من عنده، وأن الشر الذي يحصل فإنما هو بسببهم، بينما العز والنصر والخير والغلبة والمنعة والأمة كلها منه. وتأمل في سياق هذه الآية، ستجد أنها وإن كانت آية واحدة إلا أن مقدار الألفاظ التي فيها نسبة الأمور لله كبير، وهي: ﴿صدقكم﴾ ﴿محمودهم بإذنه﴾ ﴿أرسلكم﴾ ما يحبون ﴿صرفكم عنهم﴾ ﴿عفا عنكم﴾ ثم ختمها سبحانه بكلمة جامعة وهي: ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾.

وهذا يذكر بها أنزل يوم بدر في سورة الأنفال في قوله: ﴿فلو تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧]. ولذلك حين يتدبر الإنسان في آيات الكتاب العزيز المتعلقة بالتدافع بين الحق والباطل ونصر المؤمنين وإعلاء كلمتهم، سيجد أن الله يبين أن كل ذلك إنما هو بقدرته وإذنه، وحكمته وقوته وقهره. وهذا فيه فائدة مهمة وهي دوام التعلق بالله ﷺ، وأن يعمل المصلح وهو مؤمن بهذه الحقيقة مما يثمر دوام الاستمداد منه ﷺ.

الرابعة: أن محبة الدنيا وإرادتها من أهم الأسباب التي توقع المصلحين في الفشل، وذلك في قوله: ﴿من حدثثث يريد الدنيا﴾. ولذلك فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه إنما خاف على أصحابه بعد وفاته الدنيا، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: «إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم»(١).

وكذلك نجد أن النبي ﷺ قد أخبرنا أن حب الدنيا من أهم أسباب ما وقعنا فيه من تكالب الأعداء وعدم قدرتنا على دفعهم، وذلك في قوله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعي عليكم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم عثاء كغثاء السيل، ولزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»(٢).

وقد يؤثر حب الدنيا على أناس مؤمنين صالحين مصلحين عاملين ببذل، وممن لهم سابق تضحية وبذل، كما وقع لبعض أصحاب النبي ﷺ يوم أحد.

(١) رواه البخاري (٤٠٤٢)، ومسلم (٢٢٩٦).

(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) وأحمد (٢٢٣٩٧).

22

(٢٢٣٩٧) معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ٤٦ حين انصرف من انصرف منهم لارادته الدنيا، بيننا نجد ان من ثبت من اصحاب النبي ﷺ اننا ثبت لمعني اراده الاخره، كما قال ﷺ: ﴿ومن حكم من يريد الاخره﴾، وهذا يفيد ان دوام استحضار الاخره من اهم ما يعين علي الثبات، وانه كلما قل استحضار الاخره، وبقي تاثير الدنيا حاضرا في القلب؛

الثبات، وانه كلما قل استحضار الاخره، وبقي تاثير الدنيا حاضرا في القلب؛ كان المصلح علي خطر ان يغلب من داخله بسبب هذه المحبه الدنيويه. ولذلك فان من اعظم اسباب الوقايه من التزعزع اثناء الازمات الكبري ان يربي المصلحون علي تعظيم الاخره ودوام استحضارها، واليقين بذلك، كما قال الله ﷺ في سوره البقره عن الثابتين مع طالوت، بعد ان تراجع من تراجع وتاخر من تاخر،

قال سبحانه عن الثابتين ميتا السبب الذي من اجله ثبتوا: ﴿قال الذين يظنون انهم ملاقو الله﴾، وهذا يبين انهم اننا قالوا ذلك وثبتوا بعد تراجع من تراجع؛ لانهم يظنون انهم ملاقو الله، وقوله: ﴿يظنون﴾ اي: يوقنون،

فدل ذلك علي ان اليقين بلقاء الله من اعظم ما يعين المصلح علي الثبات امام الازمات وان قلت الادوات، كما قلت عند طالوت وجنوده، ولكنهم ليقينهم بلقاء الله قالوا: ﴿حكمتن فتنه قليله غلبت فته كثيره باذن الله﴾ والله مع الصابرين، ثم قال الله عنهم: ﴿فهزموهم باذن الله﴾ [البقره: ٢٥١]،

فالقضيه مرتبطه باذن الله وعونه ومدده الذي ينزل علي الموقين الثابتين الصابرين.

الخامسه: في قوله سبحانه: ﴿ثم صرفكم عنهم لبشراتهكم﴾ تاكيد لمعني دوام الابتلاء في حياه المؤمنين، وذلك لان الصحابه الذين ابتلوا في هذه المعركه، لم يكن هذا اول ابتلاءاتهم، بل كانوا قد ابتلوا قبل ذلك، وعاش كثير منهم انواع البلاء في مكه والتعذيب والقهر والتسلط من المشركين، حتي قال

٤٧ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

23

من المشركين، حتي قال ٤٧ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» قائلهم: يا رسول الله الا تدعو الله لنا؟ الا تستنصر لنا؟ (١)، ثم لما وصلوا الي المدينه اكد الله عليهم معني دوام استمرار الابتلاء، فقال ﷺ في سوره البقره:

﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [البقرة: ٢١٤]، ثم في يوم أحد يعيد الله تأكيد هذا المعنى فيقول: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾،

وهذا يدل علي ان لكل مرحله بلاؤها، ولكل زمان امتحانه، وحتي اذا جاءت مرحله التمكين والوراثه، فلا ينقطع فيها الابتلاء، كما قال ﷺ: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فهذه الآية متعلقة بالاستخلاف والوراثة وإهلاك المجرمين،

ومع ذلك ظل معنى الابتلاء باقيًا فيها، وذلك في قوله ﴿فينظر كيف تعملون﴾، فينبغي للمؤمن أن يدرك أن حياته دائرة بين التكليف والابتلاء.

فينبغي للمؤمن أن يدرك أن حياته دائرة بين التكليف والابتلاء. وأما الجزاء -عقوبة أو ثوابًا- فقد يأتي شيء منه في الدنيا، لكنه لن يكون بتمامه إلا في الآخرة حين تنتهي الابتلاءات تمامًا ولا يبقى إلا الجزاء، كما قال ﷺ: ﴿وإنما توفى أجوركم يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٨٥].

قال ﷺ: ﴿وإنما توفى أجوركم يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٨٥]. السادسة: في قوله سبحانه: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ وذلك أن الله سبحانه يحفظ حسنات المؤمنين، ويعاملهم بمقتضى العدل والرحمة والعفو، فإن المؤمنين الذين تولوا يوم التقى الجمعان قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا جدًا، وذلك أن الله سبحانه كان قد قدم لهم -في سورة الأنفال بعد يوم بدر- التحذير الشديد والوعيد المخيف في جزاء الفرار من الزحف،

(١) انظر: صحيح البخاري: (٦٩٤٣). معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٤٨ فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا رحى فلا تولوهم الأدبار﴾ ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥-١٦]، فالذين فروا في ذلك اليوم كان لديهم تحذير مسبق لمثل هذا العمل، ومما زاد الأمر شناعة أن الرسول ﷺ كان مصابًا في ذلك اليوم، وكان يدعوهم ويناديهم، كما قال سبحانه: ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾، ومع ذلك فر من فر منهم تحت حرارة السيوف، وهذا ذنب عظيم كبير، ولكن الله سبحانه برحمته يعلم ما في قلوبهم من الإيمان، ويعلم قدر الابتلاءات التي مروا بها، وعظم حبهم لله ورسوله ﷺ، ويعلم صلواتهم وأذكارهم ودعاءهم، فلم يضيع لهم ذلك بسبب هذا الذنب، فعفا عنهم وطيب خواطرهم بقوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، ثم بين أن هذا الفضل منه إنما هو للمؤمنين ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾، وبين بعد ذلك أنواعًا من الفضل التي أعطاهم إياها على الرغم مما حصل، كما سيأتي في الآيات القادمة بإذن الله.

ومما نستفيده من هذه الآيات على المستوى العملي: ميزان تقييم الناس، فمن كان من أهل الإيمان والصلاح والبذل والعمل ونصرة الدين والتضحية في سبيل الله، ثم وقع منه شيء من الذنوب -ولو كان كبيرًا-، فإنه لا ينبغي أن يُنسى فضله أو أن يُجحد خيره، بل يُعاتب على قدر خطئه، وقد يُعاقب، ولكن بدون إسقاط أو إلغاء لخير السابق وفضله. ٤٩ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

24

## معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» قوله ﷺ: ﴿اذ تصهدون ولا تلورت علين احد والاسول يدعوكم في الحربكم فاكبركم عما يعبر ليحبوا تحزنوا علي ما فناتكم ولا ما اصببكم والله خبير بما تعملون﴾

الفوائد:

1الاولي: ان الطبع البشري المقتضي للخوف والجبن عند الشدائد قد يغلب المؤمن احيانا، بل قد يدفعه الي عدم الاستجابه للتذكير والوعظ والتنبيه، تحت سياط ضغط الشعور والجبله، وذلك ان من فر من المؤمنين يوم احد ممن وصفهم الله في هذه الايه بانهم يصعدون ولا يلوون علي احد، كانوا قد سمعوا نداء النبي ﷺ وهم يفرون وهو يقول لهم: الي عباد الله، وهو قوله سبحانه: ﴿والاسول يدعوكم في الحربكم﴾ ومع ذلك لم يستجب منهم سوي ثله قليله احاطت بالنبي ﷺ واحدقت به، قيل انهم كانوا بحدود الاربعين رجلا.
2وهذا كله يدل علي ان اللحظات التي يتكالب فيها الاعداء وتشتد فيها حراره السيف وتفوح منها رائحه الموت هي لحظات عصيبه جدا، قد تسلب الانسان القدره علي التفكير واتخاذ القرار الصحيح بمقتضي الايمان، الا اذا غولبت هذه الطبيعه والجبله بصخره اليقين الثابته التي يستحضر الانسان فيها لقاء الله ﷺ في كل حين، وهذا ما حصل مع الذين ثبتوا مع النبي ﷺ اذ ذاك.
3الثانيه: في قوله سبحانه: ﴿فاكبركم عما يعبر﴾ وذلك ان الله ﷺ عاقب الصحابه الذين فروا عن النبي ﷺ بان جعل في قلوبهم الغم والحزن والاسي، بل وجعل ما اصابهم انواعا من الغموم لا غما واحدا، كما قال الشيخ ابن سعدي ﷺ في بيان انواع الغموم التي اصابتهم: (غم بفوات النصر، وفوات الغنيمه، وغم بانهزامكم، وغم انساكم كل غم، وهو سماعكم ان محمدا ﷺ قد قتل) (١).
4وهذا يلفت انتباه المتفقه في كتاب الله ان كثيرا من العقوبات علي الاعمال والاثابه عليها قد تكون قلبيه نفسيه، فتكون من جهه العقاب عموما وغموما واحزانا، ومن جهه الثواب سكينه وطمانينه وايمانا.
5الثالثه: ان الله ﷺ وان عاقب الفارين من المؤمنين بالغم، الا انها كانت عقوبه مكتنفه بالرحمه، والذي يتامل في ايات سوره ال عمران المتعلقه بسوره احد يجد الفرق الكبير بين حديث الله عن المؤمنين الذين زلوا تحت سياط الشعور الاني بالرغبه او الرهبه، وبين حديثه عن المنافقين الذين جبنوا في انفسهم وخذلوا غيرهم وطعنوا وشككوا وذلك للمرض الذي في قلوبهم.
6فالله ﷺ مع كونه قد عاقب المؤمنين بالغم الا انه جعل هذا الغم مكتنفا بالرحمه، فجعل الغموم الصغيره تذوب امام الغم الاكبر الذي هو خبر مقتل النبي ﷺ، فلما سيطر علي المؤمنين هذا الغم الاكبر ثم انكشف زيفه فعلموا ان الخبر غير صحيح، انقشعت - مع زوال هذا الغم الاكبر - الغموم الصغري من فوات الغنيمه وفوات النصر والقتل الذي حصل في الصحابه، كما قال ابن سعدي: (ولكن الله - بلطفه وحسن نظره لعباده - جعل اجتماع هذه الامور لعباده المؤمنين خيرا لهم، فقال: ﴿لحيلا تحروتوا علي ما فا تحتر﴾ من النصر والظفر، ﴿ولا ما اصبحتم﴾ من الهزيمه والقتل والجراح، اذا تحققتهم ان الرسول ﷺ لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتتم بوجوده المسلي) (١) تفسير السعدي: (١٥٢).
25

السعدي: (١٥٢). ٥١ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» عن كل مصيبه ومحنه، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الاسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته باعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، وهذا قال: ﴿واله خير بما تعملون﴾(١)

وظواهركم وبواطنكم، وهذا قال: ﴿واله خير بما تعملون﴾(١)

الرابعه: اهميه الارتباط الدائم بالاسماء والصفات في فهم الاحداث والوقائع التي تجري في الصراع بين الحق والباطل، فهاهنا نجد ان الله ﷺ بعد ان بين لنا ما قدره علي المؤمنين، وما اجراه من العقوبات النفسيه الداخليه، ربط ذلك بعلمه وخبرته ﷺ فقال: ﴿واله خير بما تعملون﴾. وهكذا علي طول الطريق في هذه الايات سنجد مدي ارتباطها بالاسماء والصفات، وهكذا ينبغي ان يكون المؤمن، عين منه علي الوقائع والاحداث، وعين اخري علي اسماء الله وصفاته ليربط بين الامرين.

(١) تفسير السعدي: (١٥٢) معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٥٢

السعدي: (١٥٢) معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٥٢ قوله ﷺ:

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٥٢ قوله ﷺ: «ثم انزل عليكم من بعد الغير امنه نعاسا يعشي طائفه منكم وطائفه فد اهمتهم انفسهم يظنون بالله عيند الحق ظن الجاهليه يقولون هل لنا من الامر من شئ فقل ان الامر كله لله يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شيء ما قبلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الليئن كتب عليهم

شيء ما قبلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الليئن كتب عليهم القتل الي مصاحبهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور»

الفوائد:

الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور»

الفوائد:

الاولي: كما بين الله ﷺ لنا انه عاقب الفائزين من الصحابه بعقوبه نفسيه داخليه وهي الغم، فقد بين لنا هنا انه اثاب المؤمنين بعد ذلك بثواب نفسي داخلي كذلك وهو الامنه، وهذا يؤكد ما سلف ذكره من ان كثيرا من الثواب والعقاب يكون قلبيا داخليا وليس بالضروره ان يكون ماديا خارجيا.

الثانيه: في قوله ﷺ: «يعشي طائفه منكم وطائفه فد اهمتهم انفسهم» يبين الله ﷺ ان هذا النعاس الذي كان امنه وسكينه انزلها الله علي قلوب المؤمنين، انما غشي طائفه من الحاضرين في ذلك اليوم، وهي الطائفه المؤمنه الموقنه، التي ارتفع عنها هم نفسها، فلم تكن محور اهتمامهم،

اذ كانوا يعزلون علي وعد الله وخبره ونصره، فيقدر ارتفاع همهم عن انفسهم الي يقينهم بالله؛ اثابهم الله ان انزل عليهم من السكينه والامنه والنعاس ما جعلهم يغفون وياخذون حظا من الراحه في ذلك اليوم العصيب، حتي ان احدهم كان يسقط السيف من ٥٣ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

26

كان يسقط السيف من ٥٣ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» يده من النعاس، واما الاخرون فاهمتهم انفسهم خوفا وقلقا ومحاذره ورعبا، فلم تنزل عليهم تلك الامه ولم يصبهم ذلك النعاس، فالذي تهمه نفسه كيف له ان ينام في مثل ذلك اليوم؟!

ذلك النعاس، فالذي تهمه نفسه كيف له ان ينام في مثل ذلك اليوم؟!

الثالثه: في قوله سبحانه: ﴿يظنون بالله ظن الجهليه﴾ فائده وهي ان من اهم اسباب تثبيت الله للمؤمنين هو حسن ظنهم به في اوقات الازمات، ومن اهم اسباب الخذلان عند الازمات اساءه الظن بالله، وقد بين ابن كثير معني ظن الجاهليه فقال: «اعتقدوا ان المشركين لما ظهروا تلك الساعه انها الفيضله، وان الاسلام قد باد واهله، هذا شان اهل الريب والشك اذا حصل امر من الامور الفظيعه، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعه»(١)،

وقد تكرر ذكر سوء الظن بالله عند المنافقين وقت الازمات فقال ﷺ في سوره الفتح: ﴿الظانين بالله ظن السوء﴾ [الفتح: ٦] وقوله: ﴿بل ظننتم ان لن يتقلب الرسول والمؤمنون الي اهلهم ابدا ورئي ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا﴾ [الفتح: ١٢]، ولذلك فان من اعظم ما ينبغي التذكير به عند احوال التدافع بين الحق والباطل واوقات الابتلاءات: احسان الظن بالله واجتناب ظن الجاهليه.

الرابعه: في قوله سبحانه: ﴿وطائفه فد اهمتهم انفسهم يظنون بالله ظن الجهليه يقولون هل لنا من الامر من شيء﴾ هذه الجمل متعلقه بالمنافقين، ومن يتامل في كتاب الله ﷺ يجد كثره ذكر المنافقين في سياق الجهاد في سبيل الله، وفي ميادين التدافع بين الحق والباطل، كما في هذه السوره -سوره ال عمران- التي تكرر فيها ذكر المنافقين في الايات المتعلقه بيوم احد، مثل هذه الايات في قوله ﷺ: ﴿يقولون لو كان لنا من الامر شيء ما قتلنا هذا﴾ وفي غيرها(١) تفسير ابن كثير: (٢/١٢٨).

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٥٤ من الايات كذلك، بل قد جعل الله ﷺ كشف المنافقين واظهار احوالهم حكمه من الحكم المترتبه علي ما جري من المصيبه يوم احد، كما قال سبحانه: ﴿وليعلم الذين تافقوا﴾ [ال عمران: ١٦٧]، فانكشاف احوال المنافقين من الحكم التي يقدر الله لاجلها بعض المصائب والاقدار المؤلمه.

المنافقين من الحكم التي يقدر الله لاجلها بعض المصائب والاقدار المؤلمه.

وكذلك جري ذكر المنافقين في القران في سوره الاحزاب في ايات متعدده كشفت احوالهم، وكذلك في سوره التوبه، حتي سميت بالفاضحه اي: التي فضحت المنافقين، وهي ايضا متعلقه بالجهاد في سبيل الله يوم تبوك، وكذلك في سوره الانفال اشير الي المنافقين وان لم يكثر الحديث عنهم؛ لكون ذلك في اول الاسلام قبل اظهار المنافقين نفاقهم،

فقد كانوا يعلنون الكفر ويجهرون به، الي ان اعز الله الاسلام يوم بدر فجنحوها بعدها الي النفاق.

الخامسه: في قوله سبحانه: ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم﴾ بيان واضح ان الله ﷺ يريد ان يبتلي المؤمنين ويخرج ما في صدورهم وينقي قلوبهم من الادران والمعتقدات الفاسده والظنون السيئه، وهذا التمحيص الذي تحصل من خلاله هذه التصفيه لا يكون الا بالالام،

السيئه، وهذا التمحيص الذي تحصل من خلاله هذه التصفيه لا يكون الا بالالام، وهذه الالام في الغالب تكون ناتجه عن كيد الاعداء وسطوطهم الماديه والمعنويه، فاما الماديه فبالحروب والتعذيب والسجن ونحوها، والمعنويه كما في احوال المنافقين بالشبهات والارجاف واثاره الظنون السيئه بالله ﷺ.

ففي مثل هذه الازمات تمحص القلوب وتزكي وتنقي، وهذا من مقاصد تقدير الشدائد والابتلاءات،

تمحص القلوب وتزكي وتنقي، وهذا من مقاصد تقدير الشدائد والابتلاءات، ومن الحكم المرتبطه بسنه المداوله.

٥٥ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» قول: ان الذين تولوا من حكم يوم التقي الجمعان انما استرلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم الفوائد:

27

ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم.

الفوائد:

الأولى: في قوله سبحانه: ﴿إن الذين تولوا من حكم يوم التقي الجمعان﴾ من المعلوم أن الذين تولوا هم أناس من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل الإيمان، وممن كان له في الإسلام سابقة، وقد قدم لهم الله ﷺ تحذيراً من هذا الفعل قبل أن يفعلوه بفترة وجيزة، وذلك في سورة الأنفال في قوله سبحانه: ﴿ومن يولهم يؤمنه ذبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فتح فقد بله بعصب فتح الله وماوله جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٦]. وهذا يدل على أن المؤمن قد يقع في الذنوب والمعاصي الكبيرة، لأن الفرار من الزحف كبيرة خاصة مع رسول الله ﷺ، وخاصة أنه دعاهم إلى الثبات في نفس ذلك.

لكن الموقف من ذنوب المؤمنين ينبغي أن يكون موقفاً متزناً، فلا يغض الطرف عن الخطأ لأن من ارتكبه مؤمن، وفي نفس الوقت لا يسقط هذا المؤمن وتمحي حسناته لأنه وقع في الخطأ. وقد أتى بعض الخوارج إلى عبد الله بن عمر ﷺ طاعنين في عثمان بسبب هذا الذنب، كما قال عثمان بن موهب: «جاء رجل من أهل مصر، حج البيت، فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا معالج القران لنفوس المصلحين ﴿سورة آل عمران﴾ ٥٦».

قال ابن عمر: «يا معالج القران لنفوس المصلحين ﴿سورة آل عمران﴾ ٥٦، ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك؛ أما فراره يوم أحد فاشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيب عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه»، وأما تغيب عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده، فقال: «هذه لعثمان». فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» (١).

ونعود لنقول إن الله ﷺ قد بين لنا المنهج العدل في التعامل مع أخطاء المؤمنين في هذه الآية، حيث بين فيها خطأهم وسبب الخطأ، ثم بين أنه عفا عنهم سبحانه.

فكل خطأ يتعامل فيه بحسب درجته وسياقه ومعطياته، والمؤمن يتصور منه الذنب، ولا شك أنه ينقص من إيمانه بقدر هذا الذنب، ولكن الذنب لا يسلب الإيمان من العبد بالكليّة، بل يحفظ للعبد مقاماته الصالحة، وخاصة منها ما كان في نصر الإسلام، فلهذه المقامات أثر عظيم في العفو عن الأخطاء.

ومن أهم الأدلة على ذلك ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة ﷺ، وكان أحد الذين أبلوا بلاءً حسناً يوم أحد، وكان من أهل بدر، ولكنه وقع منه -بعد ذلك بسنين- ذنب عظيم في مكاتبة المشركين، وأخبارهم بتحرك رسول الله ﷺ، بعد (١) رواه البخاري: (٣٦٩٨).

28

(٣٦٩٨). ٥٧ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ان حرص ﷺ علي اخفاء هذا التحرك، ولكن الله ورسوله قد حفظا له سابقته في نصره الدين يوم بدر، فقال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﷺ حين طلب قتله: «وما يدريك لعل الله اطلع علي اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(١).

الله اطلع علي اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(١).

الثانيه: في قوله: ﴿انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ فائده عظيمه، وهي: اثر الذنوب علي الثبات عند الازمات والشدائد، فالله ﷺ يخبرنا في هذه الايه ان الصحابه الذين فروا يوم احد ﴿انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ اي انها اوقعهم الشيطان في هذا الفرار بسبب بعض ذنوبهم،

كسبوا﴾ اي انها اوقعهم الشيطان في هذا الفرار بسبب بعض ذنوبهم، وقد قيل ان الذنوب المقصوده هنا هي ذنوب سابقه حصلت منهم قبل يوم احد ولكن اثرها كان في يوم احد، وقيل ان المقصود هو ذنب المخالفه في نفس يوم احد، وعلي كلتي الحالتين فهذه الايه تثبت خطوره الذنب وتاثيره السلبي علي الثبات.

كلتي الحالتين فهذه الايه تثبت خطوره الذنب وتاثيره السلبي علي الثبات.

الثالثه: هي ان الشيطان يتربص بالانسان المؤمن علي كل احواله، ولا ينتهي تربص الشيطان بالمؤمن اذا سلك طريق الاصلاح او الجهاد في سبيل الله، ومن ظن من اصحاب هذه الاعمال انه في مامن فقد اخطا في ظنه، وذلك ان الله ﷺ يبين ان الذي اوقع الذين فروا من اصحاب النبي ﷺ يوم احد انما هو الشيطان،

ان الذي اوقع الذين فروا من اصحاب النبي ﷺ يوم احد انما هو الشيطان، مع كونهم من اصحاب السابقه والعمل للدين والجهاد في سبيل الله، وهذا يبين خطوره مداخل الشيطان علي الصالحين، ولذلك ينبغي علي المؤمن الحذر والتنبه، واتخاذ الشيطان عدوا، ودوام الاستعاذه بالله منه، ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ من الشيطان في مقامات كثيره، ويعلم اصحابه ذلك، ومنها

النبي ﷺ يستعيذ من الشيطان في مقامات كثيره، ويعلم اصحابه ذلك، ومنها (١) رواه البخاري: (٣٠٠٧)، ومسلم: (٢٤٩٤).

٥٨ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

(٢٤٩٤). ٥٨ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» في كل صباح ومساء، وذلك في قوله ﷺ: «اللهم فاطر السماوات والارض، عالم الغيب والشهاده، رب كل شيء ومليكه، اشهد ان لا اله الا انت، اعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه»(١)، وكذلك في الاستعاذه قبل تلاوه القران، وعند دخول الخلاء، وغير ذلك.

وكذلك في الاستعاذه قبل تلاوه القران، وعند دخول الخلاء، وغير ذلك.

(١) اخرجه ابو داود: (٥٠٦٧)، والترمذي: (٣٢٩٢)، والنسائي: (٧٦٩٩).

المقطع الخامس من سوره ال عمران:

29

(٣٢٩٢)، والنسائي: (٧٦٩٩).

المقطع الخامس من سورة آل عمران:

يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا عُزلاً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا ليجعل الله ذلك حَسرةً في قلوبهم والله يحيي ويُميت والله بما تعملون بصير ﴿١﴾ ولئن قُتلتم في سبيل الله أو مُتّم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ﴿٢﴾ ولئن مُتّم أو قُتلتم لإن إلى الله تحشرون ﴿٣﴾ فما رحمة من الله لئن لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ﴿٤﴾ إن يَنصُركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصُركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿٥٦ - ١٦٠ / ١٥٦﴾

قوله ﷺ: «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا عُزلاً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا ليجعل الله ذلك حَسرةً في قلوبهم والله يحيي ويُميت والله بما تعملون بصير».

الفوائد:

الأولى: في قوله سبحانه: ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾: تكرر في سورة آل عمران في سياق يوم أحد التحذير من طاعة الكافرين أو التشبه بهم، وهذا يذكر المؤمنين بالمفارقة الواضحة بين العقيدتين والمنهجين والطريقين، فطريق الإيمان له مرجعية ومعالم وغاية تختلف عن مرجعية ومعالم وغايات طريق الكافرين.

ومعالم وغايته تختلف عن مرجعية ومعالم وغايات طريق الكافرين. معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٦٠

المؤمن في طريقه الإصلاحي يحتاج إلى تعزيز الاستغناء المنهجي بمرجعية طريقه ومعالمه وغايته عن المرجعيات والمنهجيات الأخرى، ومن هذه المعالم الفارقة بين المؤمنين والكفار هو ما ذكره الله في هذه الآية، وهو: الإيمان بالقدر والتسليم لما قضاء الله ﷺ وقدره.

الثانية: في قوله ﷺ: ﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾: ذكر سبحانه في هذه الآية الأثر السيء المترتب على عدم الإيمان بالقدر، وذلك أن هؤلاء المشركين يستبعدون المعنى القدري في المصائب، ويعتمدون على تدبيرهم ونظرهم وآرائهم، ولذلك قالوا في هذه الآية لإخوانهم: ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾، والنتيجة المترتبة على هذه المقولة هي الحَسرة في القلوب، لأنهم يرون أنهم هم السبب في حصول ذلك، والله ﷺ يجذر المؤمنين من سلوك هذا المسلك، ويذكرهم بالحقائق التي تقودهم إلى التسليم بقضاء الله وقدره فقال: ﴿والله يحب ويحب﴾، وقبل ذلك بآيتين قال سبحانه: ﴿قل لم يكنم في بيوتكم لبرد الليتن كتب عليهم القتل إلى مصابهم﴾، فهذا تأكيد لأهمية الإيمان بقضاء الله وقدره وعدم الاتكال على الرأي والدوران في فلكه مما يقود إلى الحَسرة والاعتراض على القدر.

ولذلك فإن من أهم ما ينبغي أن يستحضره المصلح في سياق عمله الإصلاحي أن يكون إيمانه بالقدر حاضراً دائماً، حتى لو اجتهد المصلح اجتهاداً ثم تبين له أنه خطأ، ولكنه كان مجتهداً متوكلاً على الله مؤمناً به؛ فإنه ينبغي ألا يجعل اللوم على نفسه وألا يؤدي ذلك إلى الحَسرة في القلب، وإنما يؤمن بقضاء الله وقدره، ثم يستفيد من هذه التجربة لتصحيح ما يمكن تصحيحه في المستقبل.

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران»

قوله ﷺ: $$ \begin{array}{l} \because \text{ولين فتلتم في سبيل الله أو مُتّم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} \\ \therefore \text{ولين مُتّم أو فتلتم لإن إلى الله تحشرون} \end{array} $$

الفوائد:

30

﴿ ولئن متتم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾

الفوائد:

الأولى: في هاتين الآيتين فائدة عظيمة جداً في معالجة أراجيف الكفار الذين قالوا: لا خزنهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غربي لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ومعالجة قول المنافقين: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا»، وذلك بإعادة ضبط المعايير المتعلقة بالدنيا والآخرة.

إن الخير والنجاح والفوز الحقيقي ليس هو بمقدار السلامة البدنية والبقاء في هذه الدنيا، بل المعيار الحقيقي هو المغفرة من الله والرحمة والرضا، والتي من أهم ما يحققها القتال في سبيل الله. ولذلك فإن مما يعين على تجاوز أراجيف المرجفين وتخذيلات المنافقين في مقامات نصرة الدين: الالتفات إلى الدار الآخرة وتذكر ما عند الله.

وإن الإنسان إذا قتل في سبيل الله أو مات فما يناله من مغفرة الله ورحمته هو خير مما يناله من جمع الأموال والممتلكات في الدنيا واكتساب الملذات.

ثم يبين الله لهم حقيقة جامعة بين الذين يقتلون في سبيل الله ويبذلون أرواحهم وبين الذين يموتون موتاً عادياً، وهي حقيقة الفناء ثم الحشر، فكل شيء في هذه الدنيا زائل، وكل من عليها فان، والجميع إلى الله صائر. وهذا مما يعين الإنسان على تجاوز مثل هذه التخذيلات والتثبيطات التي يكاد يقول المنافقون من خلالها إنهم باقون خالدون غير فانين، فيذكرهم الله بهذه الحقيقة: ﴿ ولئن متتم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾.

وإذا كان الحال كذلك، وإن الإنسان فان، وأنه إلى الله راجع؛ فليفكر في النتيجة الأخروية أكثر من تفكيره في النتيجة الدنيوية.

قوله ﷺ: «فما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين».

الفوائد:

الأولى: جملة «فما رحمة من الله لنت لهم» تدل على حال عظيمة للنبي ﷺ أكسبها الله إياها برحمته، وذلك أنه بعد كل ما ناله يوم أحد، من الإصابة والجراح وفقدان الأحبة والأصحاب، وكان من أهم أسباب ذلك فرار من فر من أصحابه وعصيانهم له؛ فإنه ﷺ لَانَ لهم بعد ذلك كله، وعفا عنهم، واحتمل خطأهم، ولم يواجههم بالتعنيف والشدة، وكان ذلك - كما قال البقاعي ﷺ - أمراً خارقاً للعاده في هذا الاحتمال وفي هذه الرحمة.

وكل ذلك أنها هو برحمة الله لنبيه ولأصحاب نبيه، إذ جعل الله هذه الرحمة في قلبه فعاد بها على أصحابه، خاصة أنه أصابهم من الهم والغم والحزن ما كان شديداً عليهم.

فتداركهم الله برحمته بأن جعل نبيه ﷺ يلين لهم ويتغاضى، ولا يقف عند هذا الخطأ وإن كان جسيماً كبيراً، فاللهم لك الحمد على رحمتك.

(١) انظر: تفسير البقاعي: (٥/١٠٦).

31

## ٦٣ معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران»

صل وسلم على نبيك.

الثانية: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ في هذه الجملة من الفائدة أن على أئمة المسلمين وقادة المصلحين المتبعين للنبي ﷺ أن يبتعدوا عن الشدة وقسوة القلب والفظاظة في التعامل مع المؤمنين من أتباعهم، وأن يلزموا اللين.

ولو رأوا من أتباعهم تقصيراً أو وقوعاً في بعض الذنوب، فإن النبي ﷺ وهو النبي الكريم الخاتم، لو كان فظاً غليظ القلب لانفض أصحابه من حوله حتى مع وجود الوحي معه، فكيف لو كان الأمر دون ذلك؟

فهذه سنة أئمة المصلحين المتبعين للأنبياء؛ يجب أن يكون لديهم من الحلم والصبر ولين الجانب وخفض الجناح للمؤمنين ما يجعلهم أهلاً للإمامة في الدين، كما قال ابن سعدي ﷺ في تفسير هذه الآية: (فالاخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص).

فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهام، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بها، يعاملهم به ﷺ، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالاً لأمر الله، وجذباً لعباد الله لدين الله؟

ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه ﷺ، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان(١).

وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالرحمة واللين في هذه الآية وبقوله ﴿لانفضوا من حولك﴾ ليس خاصاً بما جرى يوم أحد، وإنما المقصود به عموم تعامل النبي ﷺ وسياسته للأمة، ويدخل في ذلك المشركون والمنافقون وغيرهم، كما قال ابن عاشور: (والعرب أمة عرفت بالأنفة، وأباء الضيم، وسلامة الفطرة، وسرعة الفهم، وهم المتلقون الأولون للدين، فلم تكن تليق بهم الشدة والغلظة، ولكنهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة).

ليتجنبوا بذلك المكابرة التي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحق. وورد أن صفح النبي ﷺ وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عباض في كتاب الشفاء.

فضمير قسم عائد على جميع الأمة كما هو مقتضى مقام التشريع وسياسة الأمة، وليس عائداً على المسلمين الذين عصوا أمر الرسول ﷺ يوم أحد، لأنه لا يناسب قوله بعده: ﴿لا نفضوا من حولك﴾، إذ لا يظن ذلك بالمسلمين، ولا أنه لا يناسب قوله بعده: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ إذا كان المراد المشاورة للاستعانة بآرائهم، بل المعنى: لو كنت فظاً لنفرك كثير ممن استجاب لك فهلكوا، أو يكون الضمير عائداً على المنافقين المعترفين بقوله: ﴿وطائفة قد أمتهم أنفسهم﴾.

فالمعنى: ولو كنت فظاً لا تعلنوا الكفر وتفرقوا عنك، وليس المراد أنك لنت قسم في واقعة أحد خاصة، لأن قوله بعده: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك﴾ ينافي ذلك المحمل(١).

وعلى كل الأحوال فالمقصود هو أهمية لين الجانب والرحمة وخفض الجناح واحتمال الأذى لكل من يتبع النبي ﷺ في إمامة الناس وسياستهم وهدايتهم.

الثالثة: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ في هذه الجملة من الفائدة: أهمية مشاورة ذوي الرأي من أهل الإيمان، فيما يتعلق بالأعمال الإصلاحية والتدافع بين الحق والباطل والجهاد في سبيل الله، وما إلى ذلك من أمور إقامة الدين.

وقد اختلف (١) التحرير والتنوير: (٤/ ١٤٥ - ١٤٦) لابن عاشور.

اختلف (١) التحرير والتنوير: (٤/ ١٤٥ - ١٤٦) لابن عاشور.

٦٥ معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران»

العلماء في توجيه الأمر للنبي ﷺ بأن يشاور أصحابه، على أقوال متعددة بينها الإمام الطبري ﷺ تعالى، وذلك على النحو التالي: (ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟

32

صلي الله عليه وسلم ان يشاورهم، وما المعني الذي امره ان يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: امر الله نبيه ﷺ بقوله ﴿وشاورهم في الامر﴾ بمشاوره اصحابه في مكابد الحرب وعند لقاء العدو، تطييا منه بذلك انفسهم، وتالفا هم علي دينهم، وليروا انه يسمع منهم ويستعين بهم، وان كان الله ﷺ قد اغناه بتذبيره له اموره وسياسته اياه وتقويمه اسبابه عنهم.

قد اغناه بتذبيره له اموره وسياسته اياه وتقويمه اسبابه عنهم. وقال اخرون: بل امره بذلك في ذلك، وان كان له الراي واصوب الامور في التذبير، لما علم في المشوره تعالي ذكره من الفضل.

وقال اخرون: انما امره الله بمشاوره اصحابه فيها امره بمشاورتهم فيه، مع اغنائه بتقويمه اياه، وتذبيره اسبابه عن ارائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده، فيها حر بهم من امر دينهم، ويستنووا ارائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده، فيها حر بهم من امر دينهم، ويستنووا بستة في ذلك، ويجتدوا المثال الذي راوه يفعله في حياته من مشاورته في اموره مع المزله التي هو بها من الله اصحابه وتباعه في الامر، ينزل بهم من امر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لان المؤمنين اذا تشاوروا في امور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يحلهم الله ﷺ من لطفه.

تشاوروا في امور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يحلهم الله ﷺ من لطفه، وتوفيقه للصواب من الراي والقول فيه. قالوا: وذلك نظير قوله ﷺ، الذي مدح به اهل الايمان ﴿وامرهم شوري بينهم﴾ [الشوري: ٣٨].

قال ابو جعفر: واولي الاقوال بالصواب في ذلك ان يقال: ان الله ﷺ امر نبيه ﷺ بمشاوره اصحابه، فيها حر به من امر عدوه ومكابد حربه، تالفا منه بذلك من لم تكن بصيرته فيها حر به من امر عدوه ومكابد حربه، تالفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالاسلام البصيره التي يؤمن عليه معها فتنه الشيطان، وتعريفا منه امته ما في معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٦٦.

منه امته ما في معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٦٦ الامور التي تحربهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيها بينهم، كما كانوا يرونه في حياته ﷺ يفعله، فاما النبي ﷺ، فان الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حربه من الامور بوحيه او اهمامه اياه صواب ذلك.

واما امته، فانهم اذا تشاوروا مستنبين بفعله في ذلك علي تصادق وتاخ للحق واراده جميعهم للصواب، من غير ميل الي هوي، ولا حيد عن هدي؛ فالله مسددهم وموفقهم (١).

للصواب، من غير ميل الي هوي، ولا حيد عن هدي؛ فالله مسددهم وموفقهم (١). وهذا الكلام الذي ذكره الامام الطبري ﷺ تعالي وجيه، الا انه عند التحقيق لا يلغي حقيقه ان الرسول ﷺ كان يستشير اصحابه استشاره يتطلب منها الوصول الي افضل الراي، وان كان هو اكملهم عقلا ورايا وسدادا كما هو معلوم، ومن ذلك استشارته اصحابه يوم بدر ويوم احد وفي حادثه الافك، وغير ذلك من المقامات، وهذا كله فيها لم ينزل فيه وحي، او لم يعقد الله له في قلبه ﷺ عزيمه واضحه مستقره.

لم ينزل فيه وحي، او لم يعقد الله له في قلبه ﷺ عزيمه واضحه مستقره. وقد اختلف العلماء في حكم الشوري علي من هم بعد النبي ﷺ من ائمه المسلمين، وقد توسع الامام ابن عاشور في تفسيره في ذكر بعض الاقوال في هذه المساله فقال: (واختلف العلماء في مدلول قوله وشاورهم هل هو للوجوب او للندب، وهل هو خاص بالرسول ﷺ او عام له ولولاه امور الامه كلهم.

فذهب المالكيه الي الوجوب والعموم، قال ابن خوير منداد: واجب علي الولاه المشاوره، فيشاورون العلماء فيها يشكل من امور الدين، ويشاورون وجوه الجيش فيها يتعلق بالحرب، ويشاورون وجوه الناس فيها يتعلق بمصالحهم، ويشاورون وجوه الكتاب والعمال والوزراء فيها يتعلق (١) تفسير الطبري: (٦ - ١٨٨) باختصار.

والوزراء فيها يتعلق (١) تفسير الطبري: (٦ - ١٨٨) باختصار. ٦٧ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران».

33

١٨٨) باختصار. ٦٧ معالجه القران لنفوس المصلحين ﴿سوره ال عمران﴾ بمصالح البلاد وعمارتها. واشار ابن العربي الي وجوبها بانها سبب للصواب فقال: «والشوري مسبار العقل وسبب الصواب». يشير الي اننا مامورون بتحري الصواب في مصالح الامه، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب.

قال ابن عطيه: الشوري من قواعد الشريعه وعزائم الاحكام، ومن لا يستشير اهل العلم والدين فعزله واجب. وهذا ما لا اختلاف فيه.

واعترض عليه ابن عرفه قوله: فعزله واجب، ولم يعترض كونها واجبه، الا ان ابن عطيه ذكر ذلك جازما به وابن عرفه اعترضه بالقياس علي قول علماء الكلام بعدم عزل الامير اذا ظهر فسقه، يعني ولا يزيد ترك الشوري علي كونه ترك واجب فهو فسق.

وقلت: من حفظ حجه علي من لم يحفظ، وان القياس فيه فارق معتبر فان الفسق مضرته قاصره علي النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الامر عند المالكيه للوجوب والاصل عندهم عدم الخصوصيه في التشريع الا لدليل.

وعن الشافعي ان هذا للاستحباب، ولتفتدي به الامه، وهو عام للرسول وغيره، تطييبا لنفوس اصحابه ورفعا لاقدارهم، وروي مثله عن قتاده، والربيع، وابن اسحاق.

ورد هذا ابو بكر احمد بن علي الرازي الحنفي المشهور بالخصاص بقوله: لو كان معلوما عندهم انهم اذا استفرغوا جهدهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه، ثم لم يكن معمولا به، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لاقدارهم، بل فيه ايجاشهم فالمشاوره لم تفد شيئا فهذا تاويل ساقط.

وقال النووي، في صدر كتاب الصلاه من شرح مسلم: الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار. وقال الفخر: ظاهر الامر انه للوجوب.

ولم ينسب العلماء للحنفيه قولا في هذا الامر الا ان الخصاص قال في كتابه احكام القران عند قوله تعالي معالجه القران لنفوس المصلحين ﴿سوره ال عمران﴾ ٦٨ وامرهم شوري بينهم: هذا يدل علي جلاله موقع المشوره لذكرها مع الايمان واقامه الصلاه ويدل علي اننا مامورون بها.

ومجموع كلامي الجصاص يدل ان مذهب ابي حنيفه وجوبها. ومن السلف من ذهب الي اختصاص الوجوب بالنبيء ﷺ قاله الحسن وسفيان، وانها امر بها ليقتدي به غيره وتشيع في امته وذلك فيها لا وحي فيه.

وقد استشار النبيء ﷺ اصحابه في الخروج لبدر، وفي الخروج الي احد، وفي شان الاسري يوم بدر، واستشار عموم الجيش في رد سبي هوازن.

والظاهر انها لا تكون في الاحكام الشرعيه لان الاحكام ان كانت بوحي فظاهر، وان كانت اجتهاديه، بناء علي جواز الاجتهاد للنبيء ﷺ في الامور الشرعيه، فالاجتهاد انما يستند للادله لا للاراء واذا كان المجتهد من امته لا يستشير في اجتهاده،

فكيف تجب الاستشاره علي النبيء ﷺ مع انه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطا عليه فانه لا يقر علي خطا باتفاق العلماء.

ولم يزل من سنه خلفاء العدل استشاره اهل الراي في مصالح المسلمين، قال البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه وكانت الائمه بعد النبيء ﷺ يستشيرون الامناء من اهل العلم، وكان القراء اصحاب مشوره عمر: كهولا كانوا او شبانا، وكان وقافا عند كتاب الله.

واستشار ابو بكر في قتال اهل الرده، وتشاور الصحابه في امر الخليفه بعد وفاه النبيء ﷺ، وجعل عمر ﷺ الامر شوري بعده في سته عينهم، وجعل مراقبه الشوري لخمسين من الانصار، وكان عمر يكتب لعماله يامرهم بالتشاور، ويتمثل لهم في كتبه بقول الشاعر - لم اقف علي اسمه-:

«خليلي ليس الراي في صدر واحد اشيرا علي بالذي تريان» ٦٩ معالجه القران لنفوس المصلحين ﴿سوره ال عمران﴾

34

علي بالذي تريان ٦٩ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» هذا والشوري مما جبل الله عليه الانسان في فطرته السليمه اي فطره علي محبه الصلاح وتطلب النجاح في المساعي،

ولم تزل الشوري في اطوار التاريخ رائجه في البشر،

وانما يلهي الناس عنها حب الاستبداد، وكراهيه سماع ما يخالف الهوي، وذلك من انحراف الطبائع وليس من اصل الفطره، ولذلك يهرع المستبد الي الشوري عند المضائق. قال ابن عبد البر في بهجه المجالس: «الشوري محموده عند عامه العلماء ولا اعلم احدا رضي الاستبداد الا رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائده، او رجل فاتك يحاول حين الغفله، وكلا الرجلين فاسق» (١).

الرابعه: في قوله ﷺ: ﴿فاذا عزمت فتوكل علي الله ان الله يحب المتوكلين﴾ اهميه الجمع بين ثلاثه امور، الاول: الاستشاره، الثاني: العزيمه وامضاء الراي، الثالث: التوكل علي الله ﷺ، والجمع بين هذه الامور الثلاثه مهم جدا للمصلح في عمله الاصلاحي.

مع ان قوله ﷺ: ﴿فاذا عزمت فتوكل علي الله﴾ لا ينحصر في العزيمه الناشئه بعد الاستشاره، بل هو متعلق بمطلق العزيمه، سواء اكانت منعقده بعد استشاره، او منعقده بعد راي مجرد، او بعد الهام من الله ﷺ، لكن مع ذلك فان هذه الايه فيها الجمع بين هذه الامور الثلاثه المهمه جدا كما تقدم، فلا يستغني بالاستشاره عن العزيمه، ولا بالعزيمه عن التوكل، وكذلك لا يستغني بالتوكل عن العزيمه وعن الاستشاره.

(١) التحرير والتنوير: (٤/١٤٨) باختصار.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٧٠ الفوائد:

الاولي: هذه الايه من اهم الايات المؤسسه لقضيه التوكل والتفويض الي الله والحرص علي طاعته واجتناب معصيته في سياق العمل للاسلام والجهاد في سبيل الله ونصره الدين، وهذه الايه يجب ان تكون عقيده راسخه في قلب كل من يعمل لدين الله ﷺ، وتجعل المؤمن غير معظم للاسباب في قلبه وان كان مهتما بها حريصا علي تحقيقها، وفي نفس الوقت هي ايه تجعل المؤمن خائفا من اثر الذنوب والمعاصي؛ لانها هي السبب الذي به يحدله الله عبده، فيتخلف النصر بهذا الخذلان.

الثانيه: هذه الايه حين نزلت علي المؤمنين بعد يوم احد، وقعت منهم موقعا عظيما قل ان يقع مثله الا لمن مر بمثل تجربه الصحابه تلك، وذلك انهم عايشوا الاحداث، وراوا التحقق التام للشق الاول من الايه ﴿ان ينصركم الله فلا عالب لكم﴾ يوم بدر، فشاهدوا كيف ينصر الله عباده المؤمنين ولو كانوا اذله، كما قال سبحانه: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذله﴾ ﴿ال عمران: ١٢٣﴾، وعرفوا ان الله ﷺ اذا كان مع عباده المتوكلين عليه فانه لن يقف امامهم احد، وراوا تحقق ذلك ايضا في بدايه يوم احد، كما قال سبحانه: ﴿ولقد صدقكم الله وعده اذ تحشونه باذنه﴾ ﴿ال عمران: ١٥٢﴾.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٧١

35

عمران: ١٥٢]. ٧١ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

واما الشق الثاني في قوله سبحانه: ﴿حق اذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما ارادكم ما تحبون﴾ فقد راوه باعينهم يوم احد كذلك، حين عصوا وفشلوا وتنازعوا في الامر، فراوا كيف ادال الله المشركين عليهم ورفع نصره عنهم، فاصيبوا وقتلوا واغتموا.

الفائده من ذلك كله ان يعلم المؤمن ان مقدار وضوح الايات القرانيه ورسوخها في القلوب يتفاوت بقدر تفاوت العاملين في تجاربهم واعمالهم التي نصروا فيها الدين، وعايشوا فيها الاحوال الايمانيه علي الواقع، وما راوه من اقدار الله ﷺ، فالذي يتلقي هذه الايه وقد راي بعينيه نصر الله تعالي فانها تقر في قلبه،

يتلقي هذه الايه وقد راي بعينيه نصر الله تعالي فانها تقر في قلبه، وترسخ بمستوي لا يتحقق لمن لم ير ويعاين مثل ذلك، وهذا يذكر بما اشار اليه الامام الطبري ﷺ تعالي في تفسيره لقول الله تعالي: ﴿فلولا نفر من كل فرقه منهم طائفه ليتفقعوا في الذين﴾ [التوبه: ١٢٢] حين بين ان الفقه في الدين هنا هو بمعاينه نصر الله ﷺ للمؤمنين وغلبته لاعدائهم،

وفي ذلك من الفقه في الدين ما لا يتاتي بمجرد الحقائق النظريه، فقال ﷺ تعالي: «ليتفقه الطائفه النافره بما تعاين من نصر الله اهل دينه واصحاب رسوله، علي اهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينه حقيقه علم امر الاسلام وظهوره علي الاديان، من لم يكن فقهه» (١).

(١) تفسير الطبري: (١٢/٨٢).

المقطع السادس من سوره ال عمران:

«لقد من الله علي المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم» «يا رحيمهم ويعلمهم الحكيت والحكمه وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين» ﴿١﴾

اولما اصببتكم مصيبه قد اصبحتم مثليها قلتم ان هذا قل هو من عند انفسكم ان الله علي كل شيء قدير ﴿٢﴾

وما اصببكم يوم التقي الجمعان فيهاذن الله وليعلم المؤمنين ﴿٣﴾

وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قنبتوا في سبيل الله او ادحهم قالوا لو نعلم فتالا لانبغتكم هم للكفريؤميد اقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يحكمون ﴿٤﴾

الذين قالوا لاخواهم وقعدوا لو اطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن انفسكم الموت ان كنتم صادقين ﴿٥﴾ [ال عمران: ١٦٤-١٦٨].

قوله ﷺ: «لقد من الله علي المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم» «يا رحيمهم ويعلمهم الحكيت والحكمه وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين»

الفوائد:

الاولي: في هذه الايات المتعلقه بمعركه احد، وفي ايات الانفال المتعلقه بغزوه بدر، وفي ايات سوره الاحزاب المتعلقه بمعركه الخندق، هناك امر مشترك فيها وهو التاكيد علي طاعه الرسول ﷺ، والاستجابه له والامتثال لامره والاقتداء.

٧٣ معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران»

36

## معالجه القران لنفوس المصلحين

### «سوره ال عمران»

به، ومعرفه قدره وشانه والنظر الي احواله، كما قال ﷺ في سوره الانفال: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤] وقال ايضا: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا﴾ [الأنفال: ٤٦] وقال سبحانه في سوره الأحزاب: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]

وقد يؤخذ من هذا مركزيه الاقتداء بالنبي ﷺ والاتتساء به في جميع احواله، وخاصه عند القتال ونصره الدين والعمل للاسلام، وفي سياق الصبر والبذل والتضحيه، فان النبي ﷺ في جميع سيرته كان اول الثابتين واول الصابرين واول المجاهدين، واعلم الناس بالله.

ومن المهم لمن يتطلب الاصلاح والعمل للدين ان يجعل الهدي العملي للنبي ﷺ حاضرا في تصوراته، وان يكون هو الانموذج التطبيقي الكامل الذي فيه امتثال الحقائق القرانيه التي يقررها الله ﷺ. وهذا من اهم الاسباب التي رفعت من شان ابي بكر الصديق ﷺ كما في موقفه يوم الحديبيه حين اضطربت الاحوال، حتي لحق هذا الاضطراب من لحق من كبار اصحاب رسول الله ﷺ كعمر بن الخطاب ﷺ، لكن ابا بكر الصديق ﷺ تجلت لديه هذه الحقيقه ناصعه فقال لعمر: «الزم غرزه فوالله انه علي الحق» (١) مع ان ابا بكر لم يكن عارفا بمالات ما فعله النبي ﷺ علي وجه التفصيل، ولكنه كان ممتثلا لهذا المعني،

وهذا يؤكد مركزيه هدي الانبياء في السياق الاصلاحي.

(١) انظر: سيره ابن هشام: (٢/٣١٧).

### الفوائد:

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٧٤ الفوائد:

الأولي: في قوله ﷺ: ﴿فذلكم مثلهم﴾ المقصود بذلك ما حصل للمؤمنين يوم بدر من قتل سبعين من المشركين واسر سبعين اخرين، والذي يتأمل في آيات القرآن وفي السيرة النبوية يجد الارتباط الواضح بين يوم بدر ويوم أحد، فكانت أحد هي المتممة للدروس المنهجية والعقدية العميقة المتعلقة ببدر.

وقوله سبحانه: ﴿فذلكم مثلهم﴾ فيه تذكير للمؤمنين بنصر الله لهم يوم بدر، كما ذكرهم بذلك في أول الآيات المتعلقة بيوم أحد في سوره ال عمران بقوله سبحانه: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [ال عمران: ١٢٣]، ومن الفوائد التي تترتب علي المعايشة السابقة لمعاني النصر والهزيمة:

وجود الرصيد النفسي المعين علي الصبر عند الانكسار، وذلك بتذكير الآلام التي أصيب بها أعداء المسلمين كذلك، فإذا كان المسلمون قد أصيبوا يوم أحد، فقد أصابوا المشركين قبل ذلك يوم بدر كما في هذه الآية، ولذلك قال الله ﷺ: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون﴾ [النساء: ١٠٤] وكما قال: ﴿إن يمسسكم فرح فقد مس القوم فرح مثله﴾ [ال عمران: ١٤٠].

وهذا المعني يكون مفقودا حين لا يكون هناك رصيد من السجال بين أهل الحق وأهل الباطل، وحين تكون الصولة دائما لأهل الباطل، ويكون أهل الحق مستسلمين، فهذه هي المصيبة في النفس والدين معا.

37

المصلحين «سوره ال عمران» مستسلمين، فهذه هي المصيبه في النفس والدين معا.

الثانيه: في قوله: ﴿قل هو من عند انفسكم ان الله علي كل شيء قدير﴾ يرجي الله ﷺ اصحاب نبيه ﷺ بان ما اصابهم من تلك الهزيمه انما هو بسببهم ومن عند انفسهم، وان كان ذلك بتقدير الله ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿وما اصبحتم يوم الاتقي الجمعان فياذن الله﴾، فهو بقدر الله،

﴿وما اصبحتم يوم الاتقي الجمعان فياذن الله﴾، فهو بقدر الله، ولكن قد جعل الله لكل شيء سببا، فالسبب الذي ادي الي الهزيمه يوم احد هو السبب الاختياري الذي فعله المسلمون من عند انفسهم بعصيانهم وفشلهم.

السبب الاختياري الذي فعله المسلمون من عند انفسهم بعصيانهم وفشلهم. وفي هذا معني مهم في البحث في احوالنا المعاصره عن اسباب تخلفنا وهزائمنا، فالذي يلقي باللوم دائما علي اعداء الله بانهم هم السبب في كل شيء، دون البحث عن الاسباب الداخليه التي يمكن تغييرها، فهو مقصر في البحث والنظر.

البحث عن الاسباب الداخليه التي يمكن تغييرها، فهو مقصر في البحث والنظر. والذي يتامل في القران في مثل هذه الايات يجد ان الله ﷺ يوجه انتباه المؤمنين وعنايتهم الي الاسباب الداخليه المتعلقه بايمانهم وتوكلهم وطاعتهم لله ورسوله، فان احسنوا فيها واتخذوا ما يمكنهم من الاسباب الخارجيه، فلا يبقي لهم بعد ذلك الا التسليم لقدر الله.

يمكنهم من الاسباب الخارجيه، فلا يبقي لهم بعد ذلك الا التسليم لقدر الله.

معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٧٦

التسليم لقدر الله. معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٧٦ قوله ﷺ: وما اصبحو يوم التق الجمعان فياذن الله وليعلم المؤمنين ﴿١﴾ وليعلم الذين دافقوا وقيل لهم تعالوا قنبتوا في سبيل الله او اذفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعتم هم للكفر يومئذ اقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في

لاتبعتم هم للكفر يومئذ اقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يحتمون ﴿٢﴾ الذين قالوا لاخوتهم وقعدوا لو اطاعونا ما قبلوا قل فادرهوا عن انفسكم الموت ان حستم صديقين

الفوائد:

ما قبلوا قل فادرهوا عن انفسكم الموت ان حستم صديقين الفوائد:

الاولي: في قوله ﷺ: «فياذن الله» دليل علي ان ما يصيب المسلمين من مصائب وكوارث وازمات - وخاصه من جهه تسليط الاعداء عليهم - فانها هو باذن الله تعالي وقدره وارادته الكونيه، فلا يخرج شيء عن قدر الله ﷺ.

باذن الله تعالي وقدره وارادته الكونيه، فلا يخرج شيء عن قدر الله ﷺ. والمطلوب في علاقه المؤمن بالقدر ان يصبر علي المصائب لانه يعلم انها مقدره، ثم يعمل بواجب الشرع تجاه الامر القدري، ولا يستسلم للمصائب المقدره بحجه انها مقدره، وانما يجب عليه ان يجمع بين الشرع والقدر، فلله الخلق والامر، فهو الذي قدر وهو الذي امر عباده بفعل ما يجب عليهم تجاه هذه الاقدار.

فهو الذي قدر وهو الذي امر عباده بفعل ما يجب عليهم تجاه هذه الاقدار. وقد ضل قوم في هذا الباب فجعلوا الامر القدري هو الامر الشرعي، فقالوا: اذا كان الله قد قدر علينا تسليط الاعداء؛ فان الرضا بالقدر يقتضي عدم جهادهم وعدم مقاومتهم، وكذلك قالوا في الفساد والمنكرات التي تكون في الارض من جهه الحكام الفجار او غيرهم، وهذا ضلال مبين وهو حجه من

التي تكون في الارض من جهه الحكام الفجار او غيرهم، وهذا ضلال مبين وهو حجه من معالجه القران لنفوس المصلحين «سوره ال عمران» ٧٧ حجج المشركين المذكورين في قوله سبحانه: ﴿وقال الذين اشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شیء و شیء ولا ءاباؤنا﴾ [النحل: ٣٥].

38

﴿الله ما عبدنا من دونه من شيء وشيء ولا آباؤنا﴾ [النحل: ٣٥].

الثانية: في قوله ﴿وليعلم المؤمنين﴾ ﴿وليعلم الذين تافاقوا﴾ بيان لحكمة من أعظم الحكم التي يقدر الله لأجلها الأقدار المؤلمة على من يحبهم، وهي التمييز بين المؤمنين والمنافقين، وقد مر معنا شيء من ذلك، وسيأتي فيه مزيد بيان عند قوله: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ [آل عمران: ١٧٩].

الثالثة: قوله: ﴿وليعلم الذين تافاقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لأتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ من موضوعات القرآن المهمة التي يربي الله عليها عباده المؤمنين:

بيان سبيل المجرمين، وقد تكرر ذكره في كتاب الله ﷺ. والمجرمون الذين يذكرهم الله ﷺ في كتابه ويبين سبلهم وطرائقهم وأساليبهم وأدواتهم وبواعث أعمالهم على أصناف: فمنهم المشركون، ومنهم أهل الكتاب، ومنهم المنافقون، ومنهم الشياطين، ولكل صنف من هؤلاء سبيل بينه الله ﷺ وذكر معالمه.

فأما سبيل المنافقين فكثيرا ما يذكره الله ﷺ في سياق التدافع بين الحق والباطل، ولذلك نجد أن ذكرهم قد تكرر في سور الأحزاب والتوبة وآل عمران، وذلك لأن غوار المنافقين يظهر أكثر ما يظهر في أوقات الابتلاءات والشدائد لشدة جبنهم وحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت، ولتربصهم بالمؤمنين،

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٧٨ فهم إذا جاء العدو يرون فيه الأمل في القضاء على المسلمين، فتبدو البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.

هاهنا في هذه الآيات يبين الله لنا شيئا من سبيلهم وهو: تخذيلهم المؤمنين عن مقاتلة الكفار والمجرمين، فهم أولا قعدوا عن مقاومة الأعداء فلم يقاتلوهم، ثم لم يكتفوا بالقعود، بل خذلوا المؤمنين، وذكروا في سبيل تبرير قعودهم حججا واهية، كما بينها الله في هذه الآية بقوله:

﴿أو تعلموا قتالا لاتبعناكم﴾، ولذلك فإن من أهم ما ينبغي على المؤمنين والمصلحين: كشف سبيل المنافقين، والحذر منهم ومن أفعالهم، خاصة في سياق الصراع بين الحق والباطل؛ حتى لا يكونوا سببا من أسباب الهزيمة.

وإن من الخلل الكبير أن يتربى كثير من طلاب العلم على موضوعات العلوم الشرعية دون أن يأخذوا نصيبهم من موضوع الوعي بسبيل المجرمين، فهم بذلك قد أخلوا بموضوع قرآني أساسي، ولذلك نرى في الواقع غفلة كثير منهم، واستغلال الأعداء لبعضهم.

* * *

المقطع السابع من سورة آل عمران:

39

كثير منهم، واستغلال الاعداء لبعضهم.

* * *

المقطع السابع من سورة آل عمران:

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴿١﴾ قريبين بما يسهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿٢﴾ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴿٣﴾ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ﴿٤﴾ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فردهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴿٥﴾ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ﴿٦﴾ [آل عمران: ١٦٩–١٧٤].

الله والله ذو فضل عظيم ﴿٦﴾ [آل عمران: ١٦٩–١٧٤]. قوله ﷺ: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴿١﴾ قريبين بما يسهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿٢﴾ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴿٣﴾

يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴿٣﴾ في هذه الآيات بيان الفضل العظيم للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، ومن يتأمل في النصوص الشرعية التي وردت في فضل الشهداء فإنه تعظم رغبته في بلوغ هذه المنزلة وتحقيق هذه المكانة.

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٨٠

وتحقيق هذه المكانة. معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٨٠ والشهادة اصطفاء من الله كما قال سبحانه: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ [آل عمران: ١٤٠]، والشهداء - كما بين الله في هذه الآية - أحياء عند ربهم يرزقون، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود بيان شيء من صفة هذه الحياة البرزخية للشهداء، حين سئل عن هذه الآية فقال: «أما أنا فقد سألنا عن ذلك فقال:

للشهداء، حين سئل عن هذه الآية فقال: «أما أنا فقد سألنا عن ذلك فقال: أزواجهم في جوف طير خضر، فما قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، فقال ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا:

ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أزواجنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا»(١).

حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا»(١). ومن أعظم ما ورد في الشهداء من فضل: ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة»(٢). وفي رواية: «لما يرى من فضل الشهادة»(٣).

لما يرى من الكرامة»(٢). وفي رواية: «لما يرى من فضل الشهادة»(٣). ولك أن تتخيل ما هذه الكرامة التي رآها الشهيد منذ مقتله إلى دخول الجنة في حياة البرزخ حتى يتمنى أن يرجع من الجنة إلى الدنيا - لا ليأخذ شيئًا من نعيمها فهو لا يحتاج إلى ذلك لأنه يعيش في الجنة - وإنما ليقتل مرة أخرى حتى يعيش الكرامة التي عاشها حين قتل في سبيل الله؛

ليقتل مرة أخرى حتى يعيش الكرامة التي عاشها حين قتل في سبيل الله؛ ولذلك تمنى رسول الله ﷺ أن يقتل في سبيل الله فقال: «والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله»(١).

(١) رواه مسلم: (١٨٨٧).

(٢) رواه البخاري: (٢٨١٧)، ومسلم: (١٨٧٧).

(٣) رواه البخاري: (٢٦٤٢).

معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٨١

40

(٢٦٤٢). معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ٨١

الله فاقتل ثم احيا فاقتل (١) قال ذلك ثلاثا. بل وقد تمني النبي ﷺ ان يقتل في يوم احد تحديدا، كما أخرج الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: «أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل»(٢)، ونحص الجبل هو سفحه وهو المكان الذي قتل فيه شهداء أحد.

والإيمان بذلك والتصديق به يدفع المؤمن إلى تمني هذه المنزلة، ولذلك ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»(٣)، فهذه المنزلة العظيمة والكرامة الجسيمة هي من أعظم ما يعين المؤمن على الثبات عند التحام الصفوف واشتداد القتال؛

هي من أعظم ما يعين المؤمن على الثبات عند التحام الصفوف واشتداد القتال؛ لإيمانه بأن ما عند الله خير وأبقى، وأنه ولو خسر روحه فإنه لن يخسر كل شيء، بل يؤمن أنه مقدم إلى رضوان الله وكرامته.

فإنه لن يخسر كل شيء، بل يؤمن أنه مقدم إلى رضوان الله وكرامته. والذي يستقر في قلبه هذا الإيمان يكون من أعظم الثابتين، بل قد يكون من المقبلين وقت الإدبار والمقدمين حين التراجع، كما فعل أنس بن النضر يوم أحد لما رأى تأخر أصحابه وفرار بعضهم ورأى ما فعله المشركون بالمسلمين، قال: «اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء»، يعني المسلمين،

قال: «اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء»، يعني المسلمين، وأبرأ إليك ما جاء به المشركون فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجثة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو بيان، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم»(٤).

(١) رواه البخاري: (٣١٢٣)، ومسلم: (١٨٧٦).

(٢) أخرجه أحمد: (١٥٠٢٥) في المسند.

(٣) رواه مسلم: (١٩٠٩).

(٤) رواه البخاري: (٤٠٤٨)، ومسلم: (١٩٠٣).

معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ٨٢

وهذا المعنى من أعظم ما ينبغي أن يربي عليه المصلحون، أن يربوا على حب الشهادة في سبيل الله، وعلى أن ما عند الله خير وأبقى، فإن هذا من أعظم ما يمنحهم الطمأنينة والثبات في طريقهم، طريق العمل للدين.

قوله ﷺ:

﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فردهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ولله ذو فضل عظيم﴾

الفوائد:

الأولى: قوله سبحانه: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾

يعلم منه أن الله قد يضاعف أجر العمل حين يؤدي في ظروف صعبة أو في زمن صعب، فيكتب لمن يقوم بهذا العمل من الأجور ما لا يكتبه لمن عمل نفس العمل في وقت آخر، لذلك قال عن السابقين للإسلام: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقتلوا وكلا وعد الله أحسن﴾ [الحديد: ١٠].

وكذلك في هذه الآية التي أثنى الله فيها على الصحابة بقوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ وذلك أنهم رضوان الله عليهم - وكانوا لا تزال دماؤهم تنزف من جراح يوم أحد، وقد أصابهم ما أصابهم من الغم والحزن والشدة وفقدان الأكابر - إلا أنهم حين ناداهم رسول الله ﷺ ليقوموا

معالجه القران لنفوس المصلحين

«سوره ال عمران» ٨٣

إلى منطقة حمراء الأسد لرد عدوان المشركين الذين أرادوا الرجوع بعد أن انصرفوا من مكة؛ ليقضوا على ما بقي من جيش المسلمين، فهؤلاء الصحابة الذين استجابوا لأمر الرسول ﷺ بعد كل تلك الدماء والجراح: لهم أجر عند الله عظيم، ولذلك بين الله شرف عملهم في هذه الآية.

41

لهم أجر عند الله عظيم، ولذلك بين الله شرف عملهم في هذه الآية. وفي ذلك من الفائدة كذلك بيان لمنزلة أصحاب رسول الله ﷺ وفضلهم وعظم شأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

أصحاب رسول الله ﷺ وفضلهم وعظم شأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. الثانية: في قوله سبحانه ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فردهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، في هذه الآية درس عظيم للمؤمنين بأن يكون من أهم أحوالهم عند شدة الخوف من كيد الناس وشرهم: تحقيق التوكل على الله سبحانه.

أحوالهم عند شدة الخوف من كيد الناس وشرهم: تحقيق التوكل على الله سبحانه. وتحقيق هذا التوكل من أعظم صور زيادة الإيمان، وهو يتضمن إحسان الظن بالله والثقة بكفايته ومعيته مع شدة الخوف وكثرة الأعداء؛ ولذلك فإن من أعظم المواطن التي يزيد فيها إيمان المؤمن: هذه المواطن التي يحاف فيها من الأعداء، وقد لا تأتي مثل هذه المقامات الإيمانية في أحوال الرخاء.

* * *

المقطع الثامن والأخير من سورة آل عمران:

إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴿١﴾ ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً يريد الله إلا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم ﴿٢﴾ إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ولهم عذاب أليم ﴿٣﴾ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليرتدوا إنما ولهم عذاب مهين ﴿٤﴾ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليظلمكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴿٥﴾ [آل عمران: ١٧٥–١٧٩].

قوله ﷺ:

فلكم أجر عظيم ﴿٥﴾ [آل عمران: ١٧٥–١٧٩]. قوله ﷺ: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين.

الفوائد:

الأولى: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، المراد بهذه الآية أن الشيطان يحاول أن يجعل لأوليائه هيبة في القلوب بحيث يخافون ويخشون، فمعنى: يخوف أولياءه أي: يخوفكم أولياءه، كما قال أئمة التفسير. ولذلك فليس كل ما يجده المؤمن من هيبة لأعدائه يكون بالضرورة أثراً نفسياً حقيقياً متعلقاً بالأسباب الواقعية، بل قد يكون هذا إنما هو من الشيطان، الذي يحرص على معالجة القرآن لنفوس المصلحين.

«سورة آل عمران» جعل أوليائه محلاً للرّهبة والخوف عند المؤمنين؛ ولذلك نجد أن من يغلق على نفسه مداخل الشيطان، ويتعلق بالله سبحانه، ويتوكل عليه، ويخافه وحده؛ نجد أنه لا يهاب أعداء الله ولا يجد لهم في نفسه الرهبة، بل بعكس ذلك؛ هم الذين يهابونه ويخشونه.

42

يجد لهم في نفسه الرهبه، بل بعكس ذلك؛ هم الذين يهابونه ويخشونه.

الثانية: في قوله سبحانه: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ بيان أن استقرار الخوف من الله ﷺ في قلب المؤمن: من أعظم ما يعينه على الثبات والإقدام وتجاوز الأزمات، وعدم الانكسار أمام التحديات، فقد جعل الله تعالى الوقاية من تخويف الشيطان أولياءه: التذكير بالخوف منه ﷺ.

جعل الله تعالى الوقاية من تخويف الشيطان أولياءه: التذكير بالخوف منه ﷺ. وقد ذكر الله ﷺ هذا المعنى في سورة المائدة في قصة خوف بني إسرائيل من الجبارين وعدم دخولهم الأرض المقدسة، وفيها أبرز الله تعالى صفة الخوف منه في الثابتين الذين دعوا إلى دخول الباب على الأعداء، وعدم الخوف منهم أو التردد من ذلك، كما قال سبحانه: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم ادخلوا عليهم الباب﴾ [المائدة: ٢٣]، فهذه من أعظم ثمرات الخوف من الله ﷺ.

فهذه من أعظم ثمرات الخوف من الله ﷺ. معالجه القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٨٦

الخوف من الله ﷺ. معالجه القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٨٦ قوله ﷺ: «ولا يحرنك الذين يسرعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئًا، يريد الله إلا يجعل لهم حظًا في الآخرة ولهم عذاب عظيم» ﴿١٢﴾ «إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم» ﴿١٣﴾ «ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرًا لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذاب مهين» ﴿١٤﴾

الفوائد:

الأولى: بعد أن ذكر الله ﷺ حال المؤمنين الذين قتلوا في سبيله وأنهم «أحياء عند ربهم يرزقون» [آل عمران: ١٦٩] وأنهم فرحون «بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم»، وبعد أن ذكر سبحانه حكمته في تقدير الابتلاءات،

بعد ذلك كله يبين الله لعباده المؤمنين أن ما يرونه من أحوال الكفار والمنافقين المسارعين فيهم، من طول المهلة التي أعطوها، وما يتقلبون فيه من القوة والعافية؛ يبين أن ذلك كله ليس خيرًا لهم ولا أمرًا يفرح به، ولا هو حال يستحق البقاء والعيش، بل إن ذلك كله إنما هو شر عريض ووبال شديد على أولئك الكفار،

فإن المصيبة كل المصيبة أنه سبحانه يريد أن لا يجعل لهم حظًا في الآخرة، بل يريد لهم سبحانه أن يزدادوا إثمًا، حتى يستحقوا مزيدًا من العذاب والعقاب في الدنيا وفي الآخرة.

ولك أن تتخيل أن إنسانًا يعيش في هذه الحياة متنعما في عافية ورغد من العيش، وتكون إرادة الله فيه أن يزداد من الآثام ليزيد عليه العقوبة في جهنم، فهذا كله استدراج من الله ﷺ وكيد بأعدائه، فإنهم - في سياق هذا الاستدراج - لا يفهمون أنه مكر بهم، وإنما يظنون أن ذلك كله من الخير والعز والفلاح،

معالجه القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» ٨٧

43

من الخير والعز والفلاح، ٨٧ معالجة القرآن لنفوس المصلحين «سورة آل عمران» وقد قال سبحانه في سياق ذلك: ﴿أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [المؤمنون: ٥٥-٥٦]، فبين الله أنهم لا يشعرون بمكر الله بهم، وأن هذا الإملاء والمهل إنما هو شر محض عليهم.

وهذا التصور مهم جداً للمؤمنين، لأنهم حين يرون علو الكفار وشدة النكال الذي ألحقوه بالمؤمنين، يحتاجون إلى ما يسكن غيظ قلوبهم بهذه العقيدة، التي يعلمون بها أن أحوال المشركين آيلة إلى الشر والعذاب.

قوله: ﷺ: «ما حان الله ليطلعكم على ما أنتم عليه حتى يميز الحق من الباطل» وما حان الله ليطلعكم على العين ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، فآملوا بالله ورسله وأن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾.

الفوائد:

الأولى: في هذه الآية بيان سنة من سنن الله ﷺ، وذلك لأنها صدرت بأسلوب ﴿ما حان الله﴾، وهذا الأسلوب إذا جاء في القرآن فإنه يدل على سنة من سنن الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وما حان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ [هود: ١١٧].

وهذه السنة المبينة في هذه الآية هي سنة التمييز بين الحق والباطل، وإن شئت فقل: سنة الابتلاء التي يراد منها التمييز بين الحق والباطل، فبين الأمرين تداخل.

فإن من عادة الله سبحانه أنه يميز بين الخبيث والطيب، ومن عادته أنه يبتلي عباده المؤمنين، ومن أهم ثمرات هذا الابتلاء: التمييز بين الخبيث والطيب، ولذلك حين فسر الإمام الطبري هذه الآية ربطها بمعنى الابتلاء فقال: (وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء –كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد– وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم) (١).

والتمييز بين الحق والباطل والخبيث والطيب هو معنى قرآني محكم، ومقصد من المقاصد الإلهية المتعلقة بكثير من الأقدار والأحكام، فالله ﷺ نهى بني إسرائيل عن أن يلبسوا الحق بالباطل، وقدر الأقدار المؤلمة الشديدة على المؤمنين لكيلا يلتبس الحق بالباطل والخبيث بالطيب،

وجعل الولاء بين المؤمنين وقطع الولاء بينهم وبين الكفار لحكم منها: ألا يلتبس الحق بالباطل كما قال في سورة الأنفال: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ [الأنفال: ٧٣]. قال ابن كثير في الآية: (أي: إن لم تجانِبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض) (٢).

وهذا يؤكد أهمية الولاء والبراء وبيان الحق وكشف الباطل، ويبين خطورة المناهج التي تلبس الحق بالباطل، وتقرب الطيب من الخبيث.

(١) تفسير الطبري: (٦/٢٦٤).

(٢) تفسير ابن كثير: (٤/٨٧).

خاتمة:

أحمد الله ﷺ على توفيقه وفتحه في التأمل في هذه الآيات العظيمة، وأسأله سبحانه أن ينفع بهذه الفوائد والعبر، وأن يتقبلها وأن يعين على إتمام هذه السلسلة من التدبر لبقية آيات كتابه العزيز، المتعلقة بمعالجة نفوس المصلحين والتدافع بين الحق والباطل.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.