الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
سابغات

سابغات

الشيخ أحمد السيد 176 صفحة 874 مقطع 71 قسم

نظرة شموليّة عن الموجة التشكيكيّة المعاصرة وكيفيّة التعامل معها

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## سابغات كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة

أحمد يوسف السيد TAKWEEN للدراسات والأبحاث Studies and Research

حقوق الطبع والنشر محفوظة الطبعة الثالثة ١٤٣٨هـ/١٧٩٣م

«الآراء التي يتضمنها هذا الكتاب» لا تعبر بالضرورة عن نظر المركز»

TAKWEEN للدراسات والأبحاث Studies and Research Business center 2 Queen Caroline Street, Hammersmith, London W6 9DX, UK www.Takween-center.com info@Takween-center.com

تصميم الغلاف: +966 5 03 802 799 المملكة العربية السعودية – الخبر eyadmousa@gmail.com

## فهرس الموضوعات

| الصفحة | الموضوع | | --- | --- | | ٧ | تقريظات | | ١١ | مقدمة السابغات | | ١٥ | معالم الموجة التشكيكية المعاصرة | | ٢٢ | - السمات وطبيعة التأثر بها | | ٢٤ | - النوع الأول: مؤثرات خارجية | | ٢٩ | - النوع الثاني: عوامل داخلية | | ٣٢ | - النوع الثالث: وجود جوانب من النقص في طريقة الدعوة والتوجيه والمعالجة الشرعية | | ٣٣ | * سمات الخطاب الديني المؤثر في الساحة الفكرية المعاصرة | | ٤٠ | كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة | | ٤١ | أولاً: قواعد وقائية من الشبهات الفكرية المعاصرة | | ٥٣ | ثانياً: قواعد للتعامل مع الإشكالات والشبهات بعد ورودها | | ٦١ | ثالثاً: قواعد حوارية وجدلية مع أصحاب الشبهات | | ٦٥ | * إضاءات تهم المدافع عن الإسلام وثوابته |

## تقريظات

«قرأت كتاب سابغات، وهو بحمد الله كتاب رائع، وقد وفق فيه أحمد أيما توفيق، وكان مفاجأة لي بما حواه من حسن السبك، وعذوبة اللغة، وتسلسل الأفكار، ووضوح الهدف. الكتاب حوى معانٍ إيمانية لها أثر على القارئ، ومملوء بالحجة والبراهين والإحالات المفيدة للمصادر، مع اختصار وخفة ورشاقة. بارك الله في أعمالك بني، ونفع الله بك. وأرى أن نساهم في نشره بقوة في أوساط القراء وأهل المعرفة والشباب والعائلات والمكتبات. اللهم لك الحمد أن كتبت لنا هذا الشرف ولك الحمد على نعمة الإسلام والقرآن والسنة». الوالد الكريم، المهندس يوسف حامد السيد

«لا أحصيكم مرة طلب منا في المركز أن نقدم كتاباً علاجياً شاملاً لملف الشبهات والإشكالات يناسب شريحة مجتمعية واسعة، بحيث يشتمل على أمهات تلك التساؤلات والشبهات، ويصاغ بلغة علمية سهلة، ويخرج مع ذلك كله في حجم مقبول يجعل من قراءته والنظر فيه عملية يسيرة وفي متناول الكل. وكم كانت فرحتي حين راسلنا الصديق الشيخ أحمد السيد بكتابه هذا، والذي وجدته موفياً بهذه المتطلبات جميعاً وزيادة، فهو يقدم لقارئه صورة بانورامية لملف الشبهات، وخارطة عامة تمكن الناظر فيها من ملاحظة مختلف جوانب هذه الظاهرة، فبالإضافة لذلك الاستعراض الجميل والسريع لأمهات الشبهات والإشكالات الموردة إما على أصل الدين وسؤالاته الكبرى، أو ما يتعلق بملفاته الداخلية من مصادر معرفية ومنهجية للفهم، فالكتاب يقدم أصولاً منهجية مهمة للتعامل مع هذا الملف، فهو ينشر بين يدي القارئ عدداً من القواعد الوقائية والتي تحسن صاحبها من تداعيات وآثار موجة التشكيك في أصل الدين أو أصوله، كما أنه يسجل عدداً من القواعد العلاجية، والتي تسهم في معالجة من وقع في فخ بعض تلك الشبهات، مع رصد سريع لواقع الموجة التشكيكية ومختلف الأطراف الفاعلة فيه». الشيخ عبد الله العجيري مدير مركز تكوين

«كتاب سابغات هو بمثابة متن لما بعده؛ لذلك فحفظه أو استظهاره = كحفظ أو استظهار متن الورقات أو الأجرومية؛ .. غير أنه أحال على مراجع للتوسع في مباحثه، فالله الله فيه». م. عبد الرحمن شاهين رئيس قسم الأسئلة عن القرآن وصحته في موقع المحاور

«مؤخراً مع كل التحولات الكبرى لأمتنا تثار العديد من الأسئلة، من شبابنا المتعطش لمعرفة الحق، وهذه فرصة اقتنصها المؤلف لإبراز متانة أسس هذا الدين العظيم بأيسر عبارة، وأوضح بيان، يصل للغالبية من الشباب، وينسف شبهات أهل الزيغ ودعاة الفتنة». الباحث في القضايا الفكرية أ. عبد الكريم الدخين

2

ودعاه الفتنه». الباحث في القضايا الفكريه أ. عبد الكريم الدخين

١١ احتلت الحروب موقعا بارزا في التاريخ الانساني، واقتطعت حصه كبيره من جسده، وهي تكشف جزءا من الطبيعه البشريه وما فيها من قيم القوه والقسوه. ولئن كانت بعض الحروب بل اكثرها تعبر عن تفاهه الانسان ونزعه الظلم المغروزه فيه، الا ان بعضها يمكن اعتباره ضروره عادله.

واذا سعينا في تحليل ظاهره الحرب، فيمكن ملاحظه انها تقوم علي مرتكزين اساسيين: الهجوم والدفاع، ومن ثم احتاج الانسان الي الات للحرب في الحالتين؛ فاتخذ للهجوم الات، وللدفاع اخري، فصنع السيوف والرماح والنبال، واعد للدفاع: السابغات.

لسنا ندرك بدقه متي استعمل الانسان الحديد كوقايه له في الحرب؛ الا انه قبل وقت نبي الله داود ﷺ لم تكن هذه الادوات الوقائيه علي هيئه مناسبه لطبيعه الحرب وما فيها من كر وفر، فان الله ﷺ قد كشف لنا في القران عن نعمته علينا، بتعليم نبيه داود ﷺ هذه الصنعه، فقال:

﴿وعلمناه صنعه لؤس لكم ليحصنكم من باسكم فهل اتم شاكرون﴾ [الانبياء: ٨٠]

والمقصود باللبوس هنا: الدروع السابغات، والهدف منها هو التحصين من الباس؛ اي: الحرب. وفي سوره سبا نجد امر الله لداود ﷺ بان يتقن عمل السابغات، فقال له سبحانه:

﴿ان اعمل سببغان وقدر في البرد﴾ [سبا: ١١]

وقد تكلم المفسرون في معني هذه الايه، وذكروا فيها اقوالا، تعود اجمالا الي طريقه عمل حلقات الدرع او مسامير تلك الحلقات بشكل يؤدي الي تماسك الدرع وعدم وجود ثغره فيه، وان تكون الدروع مناسبه لحاجه الناس في الوقايه والحمايه والخفه.

١٢ واذا استرسلنا في الحديث عن الصراع الانساني فسنجد انه لا يقتصر علي القتال بالسيوف والرماح والاسلحه الناريه، فثمه ساحات اخري للصراع، ادواتها الاقلام والالسنه، واهدافها الانتصار بالحجه علي المخالف ان كانت حربا شريفه، او تدمير قيمه وعقائده وسمعته بالتشويه والافتراء ان كانت حربا غير نزيهه.

وحين نطوي مراحل تاريخيه طويله، لنقف عند صفحه من اهم صفحات التاريخ كله، صفحه انطلاقه اعظم ناموس طرق الارض؛ بعثه النبي محمد ﷺ، فسنجد ان اعداءه قد اتخذوا ضده الحربين: الكلاميه والحسيه، وسلك هو في سبيل صد عدوانهم حرب الحجه والبيان، وحرب السيف والرمح.

وقد امره الله ﷺ في اول الامر ان يجاهدهم بالقران جهادا كبيرا، فقال تعالي:

﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾ [الفرقان: ٥٢]

به؛ اي: بالقران، وتولي الله ذو العظمه بنفسه الرد علي المشركين واهل الكتاب فيما اثاروه ضد نبيه ﷺ فقال:

﴿ولا ياتونك يمشل الا جثتك بالحق واحسن تقبيرا﴾ [الفرقان: ٣٣]

ورد رسول الله عليهم وجادلهم. واجتهد علماء المسلمين عند كل حرب كلاميه موجهه الي الاسلام ومبانيه في مجادله مثيريها، ونقد ادلتهم، وبيان دلائل الحق، وبراهينه، بالعقل، والنقل، فاظهروا بطلانها، وقوضوا بنيانها، واقاموا البراهين علي صحه دين الاسلام، وجماله، وصلاحيته لكل الازمان.

ولا زالت الشبهات تثار ضد القران ورسول الاسلام وشريعه الله، ولا تخطئ عين المتابع - اليوم - اغتلام البحر في الافق، وتلبد سمايه بغيوم قاتمه، وهياجه بموجات تشكيكيه عاليه، امتد اثرها الي السفن في مراسيها، فاضطرب بعضها، وتطامنت اخري فازدادت رسوا وسكونا، بينما انفلتت حبال البعض الاخر فابتلعها اليم غير ظالم.

وما هذه الموجات الا مد جديد من الحروب الكلاميه التي من اتقاها بالسابغات نجا، ومن لم يحكم نسج دروعه فاصابه سهم منها فانفذ فهو الملام.

١٣ والذي اريده من كل ما سبق ان يكون مدخلا لبيان هدفي من الكتاب، الا وهو المساهمه في نسج دروع فكريه حصينه؛ يسهل حملها، وتكون وقايه باذن الله من الموجه التشكيكيه المعاصره الموجهه ضد الاسلام وثوابته.

وساجتهد في هذا الكتاب للاجابه عن الاسئله التاليه:

ما الاسباب التي ادت الي الحاد بعض الشباب في مجتمعنا المحلي، او الي انكارهم بعض الثوابت الشرعيه وان ظلوا متمسكين باصل الاسلام؟

وهل للخطاب الديني دور في ذلك؟

وما معالم الموجه التشكيكيه المعاصره وسماتها؟

وما طبيعه التاثر بها؟

وهل الاسئله التي تشكلها هذه الموجه محدوده؟ ام انها لا تحضر؟

ما اهم تلك الاسئله؟

وكيف نجيب عنها؟

ما سبل وقايه الجيل الصاعد من سلبيات هذه الموجه دون ان نغلق عليهم او ان نسلبهم الرؤيه والتفكير؟

وهل يمكن اعطاؤهم ادوات منهجيه يتعاملون بها مع ما يطرا عليهم من افكار مخالفه للاسلام؟

وكيف نحاور المتاثرين ببعض هذه الاشكالات؟

وقد حرصت علي ابراز مراجع مهمه في اغلب الابواب للاستزاده ومضاعفه الفائده.

واصل ماده هذا الكتاب دورات قدمتها بعنوان «كيف نتعامل مع الشبهات الفكريه المعاصره» مع زيادات وتنقيحات وصياغه جديده.

احمد يوسف السيد المدينه النبويه ١/١٤٣٧ ه بريد الكتروني: alsaiyd998@gmail.com ١٥

3

السيد المدينه النبويه ١/١٤٣٧ ه بريد الكتروني: alsaiyd998@gmail.com

## ١٥ معالم الموجه التشكيكيه المعاصره وسماتها وطبيعه التاثر بها

حين يستخرج الاطباء لقاحا للمناعه من داء معين، فان هذا الاستخراج مسبوق بخطوات في تحديد طبيعه الداء وحقيقته واسبابه، وهكذا في الامور الفكريه وفي الظواهر الاجتماعيه، لا يحسن علاج اي مشكله ما لم يكن المعالج علي درايه بحقيقتها وطبيعتها واسبابها.

ومع ان القصد الاكبر في هذا الكتاب: درايه بحقيقتها وطبيعتها واسبابها، ومع ان القصد الاكبر في هذا الكتاب: بيان منهجيه الوقايه والمعالجه من الشبهات الفكريه، وعرض ابرز التساؤلات والاشكالات والاجابه عنها، الا انه يحسن في البدايه وصف الموجه التشكيكيه المعاصره، وبيان سماتها ثم اسباب التاثر السلبي بها، وبعد ذلك نلج الي المقصود باذن الله: معالم الموجه التشكيكيه المعاصره وسماتها.

أولا: هذه الموجه في غالبها هدميه لا بنائيه، فوضويه لا منهجيه؛ تثير الاشكالات، وتبرز الاعتراضات، ثم لا تقدم رؤيه او فكره بديله متماسكه، ويظهر هذا في صور واقعيه متعدده:

منها: ان المتابع للطرح الالحادي يجد في كثير منه البعد عن تقرير الفكره الالحاديه الاساسيه، وهي نفي وجود الخالق، وانما تجد اكثر اهتمامهم بنقد الدين - وخاصه الاسلام -، مع وجود الثغرات الكبري في صميم الفكره الالحاديه ذاتها، ولكنهم يعرضون عنها، ولا ينشغلون بالاجابه عن الاسئله الحقيقيه التي تواجه اعتقادهم، وانما ترتفع اصواتهم استهزاء بحديث بول البعير، وخبر سن عائشه عند الزواج، واذا ارتقوا قليلا تحدثوا عن عقوبه الرده، وحد الرجم، وهذا يبرز سمه الفوضي والهدم، في مقابل الانتظام. والبناء.

وتبرز في ذهني الان صوره ريتشارد دوكنز - كبير الملحدين - وهو يسال «مهدي حسن» في لقاء عرض علي قناه الجزيره، - وهو مرفوع علي الشبكه -: ان كان يؤمن بان محمدا قد صعد الي السماء بفرس له اجنحه؟ واثارت طريقه عرضه التهكميه للسؤال اعجاب جمهوره فصفقوا له (١)، بينما هو نفسه حين سئل في برنامج اخر عن شيء متعلق باصل فكرته الالحاديه، وهو اصل نشاه الحياه كان رده مخيبا لامل الملحد ومظهرا ضعفه، فقد ذكر انه ربما في وقت ما، وفي مكان ما في الكون، تطورت حضاره بالطريقه الداروينيه علي الارجح، وصممت شكلا من اشكال الحياه، وربما بذروه في كوننا! (٢).

وكذلك حين تحدث مع الفيزيائي الملحد ستيفن واينبرج عن تفسير نشاه الكون علي قوانين دقيقه، عرض عليه احتمال ان يكون ذلك بسبب وجود اكوان متعدده نشا كوننا عنها، فرد عليه واينبرج بان ذلك يتطلب ان يكون عدد الاكون الاخري ١٠ مرفوعا الي ١٢٠، ثم قال: وفي الحقيقه فهذا شيء مزعج (٣).

وهكذا تري ان القضايا الكبري عند اصحاب الفكر الالحادي مشوشه، غير قائمه علي بنيان، وبدل ان يقيموا الدلائل علي صحه فكرتهم، صاروا يتوجهون الي الاديان بالطعن والهدم.

ومن الصور ايضا للطرح الهندسي غير المنهجي: مشروع د. عدنان (١) علي هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=qk8Jmtjnz8I (٢) يوجد روابط كثيره لهذا الكلام منها: https://www.youtube.com/watch?v=EMEZLEOCO08 (٣) يوجد روابط كثيره للقاء، منها هذا: https://www.youtube.com/watch?v=deM1zfy0v0g

4

يوجد روابط كثيره للقاء، منها هذا: https://www.youtube.com/watch?v=deM1zfy0v0g ١٧ ابراهيم، وهو من اكثر المشاريع تاثيرا في السنوات الاخيره، عبر المقاطع التي تنشر خطبه واراءه، وهو - وان استفاد منه بعض الناس ايمانيا او معرفيا - الا انه لا يقدم رؤيه معرفيه بنائيه متماسكه بقدر الاضطراب المنهجي الذي يمارسه ومن ثم ينتقل الي جمهوره.

متماسكه بقدر الاضطراب المنهجي الذي يمارسه ومن ثم ينتقل الي جمهوره، فالمتابع له لا يخرج بموقف واضح تجاه عدد من القضايا الشرعيه المهمه التي اكثر الحديث عنها؛ كالموقف من السنه، فتاره يجد منه تعظيما لاصح الكتب في هذا المجال: ﴿صحيح البخاري﴾، اذا كان ذلك في سياق استدلاله بحديث منه علي قضيه يؤيدها، ثم يجده في مقام اخر، وفي حديث من الصحيح نفسه،

منه علي قضيه يؤيدها، ثم يجده في مقام اخر، وفي حديث من الصحيح نفسه، ينزل بالكتاب وصاحبه الي الحضيض اذا كان مما لا يؤيده، ويستعمل في ذلك الفاظا قاسيه للتعبير عن الاستنكار والاستبشاع والاستفطاع، حتي انه ليخيل لك ان البخاري انما كان بائع حلوي، او سائس خيول، لا عالما جهيدا قل في التاريخ نظيره.

انما كان بائع حلوي، او سائس خيول، لا عالما جهيدا قل في التاريخ نظيره. وكثيرا ما يكتسب المتابع له جراه علي الثوابت والمسلمات دون مفاتيح منهجيه، ودون اعتبارات فقه الخلاف وادبه، فيتعامل احدهم مع النصوص بناء علي بوابته المعرفيه والفكريه - التي يظنها العقل الصريح -؛ فيدخل من النصوص ما ناسب فهمه، ويرد منها ما لا يناسبه.

العقل الصريح -؛ فيدخل من النصوص ما ناسب فهمه، ويرد منها ما لا يناسبه. ولم يكن دافعي الي هذا الكلام محاربه التجديد، ولا منطلقي فيه الرضي بالواقع العلمي الذي نعيشه، وانما هو رفض التجديد الذي ينبني علي الاضطراب المنهجي، وعلي الثوره الهدميه النقضيه لا علي الرؤيه البنائيه، او النقد المنهجي العادل، اذ ان هذه الفوضي لن تكون مخرجا لما نحن فيه من تاخر في مجالات العلم والتفكير والمعرفه، بل انها تكرس هذا التاخر وتزيده تعقيدا.

العلم والتفكير والمعرفه، بل انها تكرس هذا التاخر وتزيده تعقيدا. وقد وقفت علي حالات ترك اصحابها الاسلام، مصرحين بان اول خطوه في انحدارهم ذلك كانت: متابعه عدنان ابراهيم(١)، ثم الانحدار الي

في انحدارهم ذلك كانت: متابعه عدنان ابراهيم(١)، ثم الانحدار الي (١) وبعد سنه من كتابه هذه الاسطر في طبعه الكتاب الاولي ثم الثانيه، اسجل في طبعته الثالثه، اني لم ازد الا بصيره فيما كتبت، فقد وقفت علي حالات كثيره كان سبب الحاد اصحابها متابعه عدنان ابراهيم في اول امرهم، واكتب هذا من باب الشهاده لا من باب الراي والتحليل. ١٨

في اول امرهم، واكتب هذا من باب الشهاده لا من باب الراي والتحليل. ١٨ «شحرور»(١)، ثم السقوط الي المذهب الربوبي او الالحاد؛ ولا اظن ان هذه النتيجه هي ما نسعي اليه من تجديد!.

الربوبي او الالحاد؛ ولا اظن ان هذه النتيجه هي ما نسعي اليه من تجديد!.

ثانيا: هذه الموجه محمله بالاسئله المفتوحه دون حدود؛ ولا يوجد سؤال يمكن ان يستبعد منها، سواء ما كان منها متعلقا بالله سبحانه، او بافعاله، او بالتشريعات الاسلاميه، او بالانبياء، او بالقضايا الفلسفيه في ازليه الكون او حدوثه، ونحو ذلك، وهذا يستدعي استعدادا نفسيا ومعرفيا من المتخصصين للتعامل مع هذه الاسئله.

يستدعي استعدادا نفسيا ومعرفيا من المتخصصين للتعامل مع هذه الاسئله.

ثالثا: تحمل الموجه التشكيكه المعاصره شعارات عامه ذات بريق وجاذبيه، ولكنها غير محدده المعالم، وغير منسوجه نسجا منهجيا علميا يقي صاحبه من الفوضي او التناقض، ومن ابرز هذه الشعارات: (تحرير العقل، نقد الموروث، رفض الوصايه، الحريه) ونحوها، وهذه الشعارات ليست باطلا محضا،

الموروث، رفض الوصايه، الحريه) ونحوها، وهذه الشعارات ليست باطلا محضا، وانما تحتاج الي بيان الاجمال الذي فيها، وفرز المقاصد الخاطئه التي يدعو اليها المشككون في الاسلام وثوابته عن طريقها، وتمييز المعاني الصحيحه عن تلك المقاصد الفاسده؛ حتي لا تحكم الاهواء في تطبيقها علي الواقع، فعلي سبيل المثال هناك من ينكر السنه كلها تحت دعوي (نقد الموروث)!

الواقع، فعلي سبيل المثال هناك من ينكر السنه كلها تحت دعوي (نقد الموروث)! وهذا استعمال فاسد نتيجه الشعارات الفضفاضه والتحكم في تنزيلها.

رابعا: التاثر بهذه الموجه في مجتمعنا المحلي ياخذ حاله بين الخفاء والعلن، وهي الي الخفاء اقرب(٢)، ولذلك فان قياس حجم الشريحه المتاثره بهذه الموجه فيه صعوبه، وفي نفس الوقت فان حاله الخفاء هذه تعتبر امرا مقلقا للاباء والامهات والمربين.

نفس الوقت فان حاله الخفاء هذه تعتبر امرا مقلقا للاباء والامهات والمربين.

خامسا: الميدان الاكبر لبث شبهات هذه الموجه، ولاستقبالها والتاثر بها (١) احد رموز منكري السنه ومحرفي القران. (٢) علي الاقل الي وقت كتابه هذه الاسطر مع امكانيه تغير الحاله بحسب تغير الظروف والمعطيات والمؤثرات.

هذه الاسطر مع امكانيه تغير الحاله بحسب تغير الظروف والمعطيات والمؤثرات. هو شبكات التواصل الاجتماعي - حتي هذه اللحظه -، وهذا يعطي الموجه بعدا توسعيا كبيرا غير خاضع للموانع الجمعيه المفترضه، واقصد بالموانع الجمعيه المفترضه (المسجد، المدرسه، الاسره)، فيمكن ان يتاثر بهذه الموجه من يرتاد المساجد، ويمكن ان يتاثر بها من عاش في كنف ابوين صالحين،

5

الموجه من يرتاد المساجد، ويمكن أن يتأثر بها من عاش في كنف أبوين صالحين، وقد لاحظت ذلك من خلال نقاش عدد من المتأثرين بها، منهم امرأة اتصلت تذكر أنها تكفر بالإسلام صراحة وبدأت تناقش بعض القضايا، ثم قطعت اتصالها فجأة، وبعد أن أكملت اعتذرت بأن أباها (مطوع) (١) فخشيت أن يسمع كلامها فقطعت الاتصال!

سادساً: خطورة هذه الموجه أنها موجهة ضد أصل الإسلام وثوابت الشريعة المتفق عليها، بخلاف ما لو كانت الإشكالات موجهة ضد إحدى المدارس الشرعية - مثلاً -، أو ضد عالم من علماء المسلمين، دون المساس بأصول الإسلام وثوابته لكان الأمر أهون بكثير مما هو عليه الآن، ووجه الخطورة يظهر إن نظرنا إلى المتأثرين بها؛

فحين يفقد أحدهم أصل الإسلام فذلك كفر يؤدي إلى النار، كما أن خسارة الثوابت الشرعية تضييع للهُوية وانحراف للبوصلة وانحلال من التكاليف، بل إن إنكار بعض الثوابت كفر، وكل هذا يجعل الأمر في مستوى لا يحتمل التغافل والتجاهل والتهوين. وسأشرح في الموضوع السادس والسابع من هذا الكتاب أبرز الشبهات التي تتضمنها هذه الموجه؛ كي ندرك خطورتها بصورة تفصيلية.

سابعا: مما يزيد من خطورة هذه الموجه، أن أغلب المتأثرين بها هم شريحة الشباب ذكوراً وإناثاً؛ ومعنى ذلك أن تكامل ظهور الآثار السلبية سيكون في المستقبل القريب حين يصل هؤلاء الشباب إلى مرحلة العطاء والعمل والتربية والإرشاد - ما لم يحصل تدارك واعٍ على المستوى الذي تتطلبه المرحلة -.

ثامناً: ينقسم المتأثرون بموجة الشبهات المعاصرة إلى قسمين:

(١) الأول: العابثون الفوضويون الباحثون عن أهوائهم الشخصية في ثنايا هذه الشبهات، وهم كثير.

(٢) الثاني: الذين تأثروا بالشبهات تأثراً فكرياً حقيقياً أدى إلى تبنيهم لأفكار جديدة فيها مخالفات شرعية.

وهذا يدفعنا إلى عدم تعميم الأحكام، وإلى الكف عن إطلاق التهم العامة، وعدم اختزال الظاهرة في صورة مجتزأة، وإلى البحث عن سبل متنوعة للعلاج بما يتناسب مع اختلاف الحالات.

تاسعاً: تختلف مرادات مثيري موجة الشبهات المعاصرة، فبعضهم يقصد صرف الناس عن الإسلام، وإخراجهم منه، بل وعن الأديان كلها، وهذا يمثله الملحدون الجدد، والربوبيون، والمستفيدون سياسياً من ضياع قوة المسلمين وتفتت كيانهم.

والبعض الآخر من مثيري الشبهات لا يريد هدم الإسلام ولا تقويض بنيانه، بل ربما يثيرها بمقصد حسن في نفسه، ألا وهو تحسين صورة الإسلام، وإظهاره بما يوافق النفس العصرية، وقد يؤدي به تحقيق هذا الغرض إلى إنكار بعض الثوابت الشرعية، أو تأويلها بما يخفف من آثار حفيظة غير المسلمين.

وأقصد بالثوابت الشرعية: الأحكام والأخبار التي اتفق أهل السنة والجماعة على الأخذ بها، مثل اعتبار السنة مصدراً تشريعياً للأحكام والأخبار الدينية، ومثل الحدود الشرعية.

عاشراً: هذه الموجه تتشكل من مجموعة من الاعتراضات على وجود الله وكماله وعلى النبوة والشريعة، وفي الغالب تجد أن الأسئلة ذاتها تتكرر على ألسنة المتأثرين بها على اختلاف أعمارهم وبلدانهم، ولم يكن ذلك نتيجة تفكير واستنتاج عقلي اكتشفوا به هذه الأسئلة والاعتراضات،

وإنما لتداول المعلومات في فضاء الشبكة التي قربت البعيد وجعلت العالم مجتمعاً على طاولة واحدة، وسأذكر في ثنايا الكتاب طائفة من أبرز هذه الأسئلة والاعتراضات التي تتضمنها الموجه، وهناك كتب متعددة اعتنت ببيان أبرز الإشكالات بوجه عام أو في أبواب معينة، منها موسوعة بيان الإسلام، وكتاب ٢١ تنزيه القرآن الكريم عن دعاوي الطاعنين، ومن أفضلها في نظري رسالة الدكتوراه لسلطان العميري بعنوان «ظاهرة نقد الدين في الفلسفة الحديثة».

وأختم السمات بالإشارة إلى مرجع يفيد في وصف الإلحاد الجديد، ألا وهو كتاب: ميليشيا الإلحاد لعبد الله العجيري.

6

الله العجيري.

٢٢ الخير المنطوي ضمن موجه الشبهات الفكريه المعاصره لا احب ان اكون متشائما مهما كان الواقع مليئا بالتحديات، والله سبحانه لا يخلق شرا محضا، وحين نتلمس جوانب هذه الموجه ونكشف خباياها نتفاءل بخير يمكن ان يحصل بسببها! ولكن حصول هذا الخير مشروط بامر مهم ساذكره بعد بيان وجوه هذا الخير:

ولكن حصول هذا الخير مشروط بامر مهم ساذكره بعد بيان وجوه هذا الخير:

أولا: قد تؤدي هذه الموجه الي رده فعل عكسيه عند كثير ممن تاثر بها او من يشعر بخطورتها، ورده الفعل هذه هي (اعاده اخذ الاسلام بيقين لا بتقليد)، وفي الحقيقه فانه لا شيء انفع للاسلام من ان يكون اهله علي يقين تام بصحته وعلي تذوق مستمر لحلاوته.

وربما يكون في طريق هذه النتيجه الجميله مرحله فتنه يسقط فيها اقوام، وينهض اخرون.

هذه النتيجه الجميله مرحله فتنه يسقط فيها اقوام، وينهض اخرون. واذا استظهرنا حاله ايمان الصحابه فانهم قبل اسلامهم كانوا قد ذاقوا مراره الشرك والكفر والحيره والغفله وكانوا في جاهليه، ثم اذن الله بهدايتهم حين اشرق نور الاسلام ببعثه محمد ﷺ، فتطلبوا حقيقه الدعوه فوجدوا انها نبوه صادقه، وصراط مستقيم، ونور مبين، فتمسكوا به اشد التمسك،

إنها نبوه صادقه، وصراط مستقيم، ونور مبين، فتمسكوا به اشد التمسك، وثبتوا عليه اعظم الثبات مع شده الاذي، ثم اوصلوا للبشريه هذا النور، وصبروا علي الشدائد، وتجاوزوا الصعاب، وكان ذلك كله من ثمرات اخذهم الاسلام بيقين لا بتقليد.

ثانيا: بث روح البحث والحوار والمناظره.

٢٣ ثالثا: استنهاض الهمم الميته.

بث روح البحث والحوار والمناظره.

٢٣ ثالثا: استنهاض الهمم الميته.

إن كثيرا من حمله العلم الشرعي لم يحققوا الامال المرجوه منهم في مجال بث العلم، والدفاع عن الاسلام، والدعوه اليه، غير ان مما يرجي تحققه فيهم حين يرون رياح الشك تعصف من حولهم ان تنبعث فيهم جذوه الغيره علي الاسلام، فتستهض منهم العزائم والهمم، وهذا الامر - وحده - لو تحقق فانه خير كبير.

فتستهض منهم العزائم والهمم، وهذا الامر - وحده - لو تحقق فانه خير كبير.

رابعا: مراجعه الدعاه انفسهم من جهه اساليبهم في تبليغ الدعوه.

وسيأتي - باذن الله - شيء من التفصيل في ذلك عند الحديث عن: سمات الخطاب الدعوي المؤثر في الساحه الفكريه المعاصره.

عند الحديث عن: سمات الخطاب الدعوي المؤثر في الساحه الفكريه المعاصره.

وما مضي ذكره من جوانب الخير المنطوي ضمن الموجه التشكيكيه المعاصره مشروط بالاجتهاد من حاملي العلم والايمان في نشر براهين الحق بافضل طريق، واما ان اعرضوا عن هذا التحدي، او هونوا من شانه ولم يقوموا بما تستحقه هذه الموجه من معالجه واعيه متميزه، فاخشي ان نستيقظ جميعا علي كارثه تبقي اثارها السيئه زمنا طويلا.

ان نستيقظ جميعا علي كارثه تبقي اثارها السيئه زمنا طويلا.

٢٤ اسباب التاثر السلبي بالشبهات الفكريه المعاصره

زمنا طويلا.

٢٤ اسباب التاثر السلبي بالشبهات الفكريه المعاصره

يميل كثير من الناس عند تحليلهم لمشكله او ظاهره اجتماعيه الي اختزال اسبابها، والحكم عليها بناء علي ما يمليه طرف الذهن وحديث المجالس، وحين يطرح سؤال: لماذا يلحد بعض شبابنا؟ او ينكرون السنه؟ تجد البعض يختصر اسباب المشكله في سبب واحد او اثنين، وهذا غير صحيح،

تجد البعض يختصر اسباب المشكله في سبب واحد او اثنين، وهذا غير صحيح، فهي مشكله معقده مبنيه علي مجموعه من الاسباب متداخله فيما بينها، ولذا؛ فقد حاولت جمع ما استبان لي - بعد التامل - من الاسباب لهذه المشكله، ثم ضممت النظير الي نظيره منها، وصنفتها تحت انواع من المؤثرات يندرج تحت كل نوع عدد من الاسباب:

النوع الاول: مؤثرات خارجيه، وساذكر منها خمسه مؤثرات:

عدد من الاسباب:

النوع الاول: مؤثرات خارجيه، وساذكر منها خمسه مؤثرات:

١ - شبكات التواصل الاجتماعي:

لا يخفي علي احد ما في شبكات التواصل من جوانب الخير والمعرفه والتكافل، غير انها في الوقت ذاته تعد اكبر عامل في تسريع تداول الشبهات والاشكالات، وساهمت في بناء الجسور بين مصادر الاشكالات القديمه وبين الشريحه القابله للتاثر، كما انها يسرت لاصحاب الشبهات بث شبهاتهم دون اجراءات وتعقيدات،

كما انها يسرت لاصحاب الشبهات بث شبهاتهم دون اجراءات وتعقيدات، ومنحت لطالبي الشهره فرصه لان يبحثوا عنها في المخالفه والشذوذ، علي قاعده: (خالف تعرف)، وكونها توصل الشبهات الي المتابعين دون استئذان فهذا مكمن اخر لخطرها.

٢٥ ٢ - الافلام والروايات:

7

دون استئذان فهذا مكمن اخر لخطرها.

٢ - الأفلام والروايات: قل أن تجد في الإعلام المرئي أو الكتب المقروءة ما يتمتع بجاذبية كبيرة للشباب من الجنسين مثل الأفلام والروايات، مما يوسع من الشريحة المتأثرة بها. وتكمن إشكالية كثير منها في التأثير غير المباشر، وذلك عن طريق نقل الثقافة الأجنبية بما فيها من صواب وخطأ، وخير وشر، دون تمييز لما يتعارض منها مع قيم الإسلام.

٣ - التواصل والاحتكاك المباشر بالثقافات الأجنبية عن طريق الدراسة ونحوها:

والاحتكاك المباشر بالثقافات الأجنبية عن طريق الدراسة ونحوها: والأشكال الأبرز هنا أن الشاب المسلم يجلس على مقعد التعلم والتلقي من معلمين غير مسلمين، وفيهم من هو مهتم بنشر بعض الأفكار الإلحادية. وقد تأثر بعض الطلاب بذلك حتى من أصحاب الدراسات العليا، ولو كان الشاب قبل ذهابه إلى الدراسة هناك على مستوى عالٍ من الإيمان واليقين، وكان يملك قدراً لا بأس به من التأصيل الشرعي والأدوات المعرفية التي يقيم بها المعلومات الجديدة ويخضعها للنقد العلمي، لكان الأمر أهون من ذهابه وهو عارٍ عن ذلك كله.

٤ - انتشار الشهوات المحرمة:

نحن نعيش مرحلة استثنائية مخيفة في انفجار وسائل الإغراء الجنسي، فهل هناك علاقة بين انتشار الشهوات المحرمة وبين قابلية التأثر بالشهوات؟

هناك علاقة بين انتشار الشهوات المحرمة وبين قابلية التأثر بالشهوات؟ الإشكال في طبيعة الشهوات المعاصرة أنها متشعبة ومتسلسلة، ويدعو أولها إلى آخرها، ويمكن أن تستقطب كل اهتمام الشاب وعواطفه وتفكيره إليها. وهذا كله قد يؤدي ببعض المتعلقين بها إلى أن يستثقلوا التكاليف الشرعية، ثم إلى أن يبحثوا عن قطع ما ينغص عليهم كمال الاستمتاع بهذه الشهوات وهو تأنيب الضمير من ممارسة الحرام، ومن طرق ذلك الخروج من الدين أو إنكار الجزاء والحساب.

ربما لا يكون التسلسل السابق هو الأكثر من ناحية الواقع، ولكنه خطير وغير بعيد.

هناك وجه آخر: وهو أن الإكثار من الذنوب، وعدم التوبة منها يؤدي إلى تكون (الران) الذي إذا تكاثر على القلب حجبه عن البصر بالحق، كما قال الله سبحانه: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: 14]. وإذا كثرت الحواجب على القلب فإن نور الإيمان يخفت، فيصبح قابلاً للتأثر بأدنى شبهة أو تشكيك. وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﷺ عن رسول الله ﷺ، قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: 14]. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (1). وهذه المعاني الغيبية وأمثالها مما ورد في الشرع يجب ألا نغفل عنها في تحليل أي مشكلة متعلقة بالبعد عن الدين.

٥ - التقدم المادي للعالم الغربي وتأثير الثقافة الغربية:

الكاتبة الألمانية الشهيرة زيجريد هونكه صاحبة كتاب «شمس الله تشرق على الغرب» الذي صدر عام 1960م ميلادي، كتبت أيضاً: (الله ليس كذلك) وهو كتاب تدافع فيه عن المسلمين والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وقد نقلت فيه نصاً طريفاً ومهما في الوقت ذاته، يتحدث عن موقف مشابه تماماً لما يعيشه كثير من المسلمين من انبهار بالحضارة الغربية اليوم، ولكن بصورة عكسية. فالمتحدث هو أسقف قرطبة (القاروا) وقت تفوق الحضارة الإسلامية، وقد راح يجار بشكواه بكلمات مؤثرة تصور بلواه - على حد تعبير المؤلفة - (2)، فقال:

«إن كثيرين من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين، ليس ليدحضوها وإنما ليتقنوا اللغة العربية، ويحسنوا التوسل بها حسب التعبير القويم والذوق السليم، وأين نقع اليوم على النصراني من غير المتخصصين الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل؟ بل من ذا يدرس منهم حتى الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل؟»

(1) سنن الترمذي (3334).

(2) الله ليس كذلك، ص42، دار الشروق.

8

بل من ذا يدرس منهم حتي الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل؟ وأحسرتاه! إن الشبان النصاري جميعهم اليوم، الذين لمعوا وبلوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوي لغة العرب والأدب العربي. إنهم يتعمقون دراسة المراجع العربية، باذلين في قراءتها ودراستها كل ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية.

كل ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية، ويذيعون جهراً في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالاكبار والاعجاب! ولئن حاول أحد إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصاري فإنهم يردون باستخفاف، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظي باهتمامهم!

فإنهم يردون باستخفاف، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظي باهتمامهم! وأمصيتاه! إن النصاري قد نسوا حتي لغتهم الأم، فلا تكاد تجد اليوم واحداً في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة، بينما العكس من ذلك لا تستطيع إحصاء عدد من يحسن منهم العربية تعبيراً وكتابة وتحبيراً، بل إن منهم من يقرضون الشعر بالعربية، حتي لقد حذقوه وبلوا في ذلك العرب أنفسهم.

لقد سبق أن ذكرت في المؤثر الثاني: أن الأفلام والروايات من وسائل تمرير القيم الغربية بطريقة غير مباشرة إلي مجتمعنا، وليس هذا مؤثراً قوياً وحده ما لم يكن مصحوباً بهزيمة حضارية داخل نفس المسلم.

لقد أطلق ابن خلدون في مقدمته قاعدة بلغت شهرتها الآفاق، ألا وهي تأثير الغالب علي المغلوب، فقال: «ولذلك تري المغلوب ينشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل في سائر أحواله... حتي إنه إذا كانت أمة تجاور أخري ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير»(1) انتهي باختصار.

ومن الكتابات اللطيفة في هذا الباب كتاب «ينبوع الغواية الفكرية» لعبد الله العجيري، وقد قرر في مقدمة الكتاب أن كثيراً من الانحرافات الفكرية في هذا الزمان عائدة إلي مركب من أمرين:

1هيمنة النموذج الثقافي الأجنبي.
2ضعف التسليم لله ورسوله.

ثم قال: «وإذا تأملت في كثير من (الموضات الفكرية) التي عصفت بالأمة المسلمة في تاريخها المعاصر، عرفت أثر هيمنة النماذج الثقافية في تشكيل التصورات والأفكار، وبه يمكنك تفسير كثير من محاولات أسلمة الأفكار الشرقية أو الغربية، ففي زمن هيمنة النموذج الاشتراكي تم تقديم القراءة الاشتراكية للإسلام، وفي زمن هيمنة القيم العسكرية تمت قراءة الإسلام قراءة عسكرية، وفي زمن هيمنة النموذج السياسي الديمقراطي تمت قراءة الإسلام قراءة ديمقراطية، فمن الطبيعي أن يتم قراءة الإسلام قراءة ليبرالية في زمن الهيمنة الليبرالية.

ومع هذا الحضور الطاغي في المشهد العالمي للقيم الليبرالية، تخلق مزاج ليبرالي عام، وأصبح هذا المزاج كقدر ضغط تتشكل من خلاله - بوعي أو بغير وعي - كثير من القناعات والتصورات بتبني هذه القيم أو بعضها، وقراءة النص الشرعية من ثم في ضوء تلك القيم والتصورات، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الإسلامي وفق القيم الليبرالية.

ومع أهمية تفكيك المفاهيم الليبرالية وبيان ما فيها من إشكاليات وانحرافات وعدم تواؤم مع كثير من القيم الشرعية، فستظل هذه الجهود محدودة الأثر نتيجة استقواء هذه المفاهيم بالحضارة الغربية الطاغية» انتهي باختصار (2).

سيأتي بإذن الله في القواعد الوقائية أن إعادة ترتيب الأولويات الكبري في النظر الإنساني من الأمور المهمة في إبطال تأثير هذا السبب. ومن الكتابات المترية أيضاً في هذا الموضوع، كتاب «سلطة الثقافة الغالبة» لإبراهيم السكران.

(1) ينبوع الغواية (ص ١٩).

(2) ينبوع الغواية (ص ٢٣).

9

(1) ينبوع الغوايه (ص ١٩).

(2) ينبوع الغوايه (ص ٢٣).

٢٩ النوع الثاني من المؤثرات:

عوامل داخليه: إن العوامل الخارجيه التي تساهم في التأثر بالتشكيكات المعاصره في الإسلام وثوابته، لا تعمل عملها الحقيقي إلا بوجود محل قابل في الشريحه المستهدفه؛ أي: وجود ثغرات وفجوات في الشريحه الإسلامية المتعرضه للمؤثرات الخارجيه السابقه، وسأذكر منها سته مؤثرات فقط(1).

للمؤثرات الخارجيه السابقه، وسأذكر منها سته مؤثرات فقط(1).

المؤثر الأول: ضعف اليقين: لن أطيل كثيراً في التعليق على هذا المؤثر مع أنه من أهم المؤثرات؛ لأني سأتحدث عنه في القواعد الوقائيه، غير أن الذي أريد أن أقوله هنا أو أثير به التساؤل في عقل القارئ الكريم النقطة التاليه:

أريد أن أقوله هنا أو أثير به التساؤل في عقل القارئ الكريم النقطة التاليه: قضية مثل وجوب الصلاة على وقتها هي من القضايا المتفق على كونها أهم الفرائض العمليه بين المسلمين، وهم متفقون كذلك على أن تأخيرها إلى أن يخرج وقتها من عظائم الذنوب، والسؤال هنا: ما تفسير التفريط المشاهد في أداء الصلاة على وقتها من عدد غير قليل من المسلمين؟

تفسير التفريط المشاهد في أداء الصلاة على وقتها من عدد غير قليل من المسلمين؟ أزعم أن ضعف اليقين هو السبب الأكبر في ذلك مع وجود أسباب أخرى أيضاً. إن كثيراً من المسلمين في عافيه من الكفر والإلحاد مع ضعف يقينهم لأنهم لم يبتلوا بمن يشككهم في دينهم، وأما لو تعرضوا لشبهة قويه في أصل الإسلام أو ثوابته فقد لا يصمد إيمانهم أمام ذلك، كما في هذا النص البديع لابن تيميه ﷺ:

«فعامه الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعه لله ورسوله؛ فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئاً فشيئاً، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أُمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفاراً ولا منافقين؛ بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدفع الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق»(١).

المؤثر الثاني: المشاكل النفسيه والضغوط الاجتماعيه:

أذكر أكثر من حالة جرى بيني وبينها نقاش حول الإيمان بالله سبحانه، وكان سبب وجود الإشكال عند الطرف الآخر بعض الضغوط والابتلاءات التي لم يستطع التخلص منها، وكثيراً ما يكون الضغط النفسي الذي يعاني منه الإنسان سبباً في سخطه على قضاء الله وقدره، ومن ثم قد يجحد وجود الخالق سبحانه، أو يتهم عدله وحكمته،

وقد يجحد وجود الخالق سبحانه، أو يتهم عدله وحكمته، وهذا المؤثر بالطبع ليس خاصاً بالعصر الحديث، فقد أخبر الله في كتابه الكريم عن أناس ينقلبون على وجوههم بعد عبادتهم إياه بسبب بلوى أصيب بها، فقال سبحانه: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه﴾ (الحج: ١١).

وقد فسر ابن عباس هذه الآية كما في صحيح البخاري فقال: «كان الرجل يقدم المدينة؛ فإن ولدت امرأته غلاماً، ونتجت خيله، قال: هذا صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء!»(٢).

وما أجمل تعليق المفسر المتقن، الشيخ ابن سعدي على هذه الآية؛ حيث قال: «أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفاً، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، ﴿فإن أصابه خير اطمأن به﴾؛ أي: إن استمر رزقه رغداً، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك»(١).

10

بذلك ﴿١﴾ مجموع الفتاوي (٧/٢٧٠). ﴿٢﴾ (٤٧٤٢).

الخير، لا بايمانه، فهذا ربما ان الله يعافيه، ولا يقبض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، ﴿ولن اصاباه فتنه﴾ من حصول مكروه او زوال محبوب ﴿اتقلب علي وجهه﴾؛ اي: ارتد عن دينه، ﴿حير الدنيا والاخره﴾ اما في الدنيا؛ فانه لا يحصل له بالرده ما امله الذي جعل الرده راسا لماله، وعوضا عما يظن.

فانه لا يحصل له بالرده ما امله الذي جعل الرده راسا لماله، وعوضا عما يظن ادراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له الا ما قسم له، واما الاخره فظاهر، حرم الجنه التي عرضها السماوات والارض، واستحق النار، ﴿ذلك هو الحسران المبين﴾؛ اي: الواضح البين ﴿١﴾ انتهي.

المؤثر الثالث: ضعف الجانب التعبدي وخاصه اعمال القلوب:

قل ان تجد مسلما اعتني بقلبه من الناحيه الايمانيه، وراقب مستوي تعلقه بالله وتوكله عليه وحبه له، واجتهد في تخليصه من دواخل الغل والحسد والكبر الا وهو يعيش لذه ايمانيه لا يعدلها شيء، ولا يفكر مجرد تفكير ان يستبدلها بشيء، واما من افتقد كل ذلك فقد يستهويه اي جاذب اخر.

ان يستبدلها بشيء، واما من افتقد كل ذلك فقد يستهويه اي جاذب اخر.

المؤثر الرابع: ضعف ادوات البحث والتوثيق والمعرفه:

اي جاذب اخر. المؤثر الرابع: ضعف ادوات البحث والتوثيق والمعرفه: ان شيوع التفكير الناقد عند مجتمع ما، وارتفاع مستوي الادوات البحثيه والعلميه فيه، يجعل من الصعوبه التاثير عليه بافكار خارجيه، والعكس صحيح، وهذا ما نلاحظه في قضيه انتشار كثير من الشبهات التي لم تكن الوقايه منها تحتاج لاكثر من تفكير ناقد، وتدقيق علمي حتي يبطل تاثيرها.

وسياتي معنا في هذا الكتاب ان من القواعد الوقائيه: تكوين العقل الناقد، وتعزيز ادوات البحث العلمي.

المؤثر الخامس: ضعف العلم الشرعي:

عملت استفتاء في دورتين من دورات (كيف نتعامل مع الشبهات الفكريه المعاصره) عن اسباب انتشار الشبهات، فكان من الاجابات التي حظيت باكبر عدد من الاصوات: ضعف العلم الشرعي عند الشباب. ﴿١﴾ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص ٥٣٥، ٥٣٤).

ووجه كون ضعف العلم سببا للتاثر بما قد يطرا من الشبهات، هو ان التاصيل الشرعي يعطي حامله قاعده معرفيه ومنهجيه يستطيع ان يحاكم اليها ما يطرا علي ذهنه من معلومات وتحليلات جديده، واما من يفتقد هذه القاعده المعرفيه فان من السهل وقوعه في الاضطراب المنهجي والسقطات المعرفيه الكبري.

المعرفيه فان من السهل وقوعه في الاضطراب المنهجي والسقطات المعرفيه الكبري.

المؤثر السادس: الفراغ الوقتي والذهني والروحي:

والسقطات المعرفيه الكبري. المؤثر السادس: الفراغ الوقتي والذهني والروحي: اذكر حاله لامراه اصيبت بوسواس عقدي من اشد ما رايت وسمعت في حياتي، وقد اجتهدت في اقناعها بطرق التخلص من الوسواس فلم تستجب لذلك، واظنها ذهبت الي طبيب نفسي ايضا، فلم يغن ذلك شيئا، فارشدتها الي اعمال علميه ومعرفيه تقوم بها تملا وقتها وذهنها - فقد كانت متفرغه تماما -،

فكانت النتيجه افضل واقرب مما توقعت؛ لقد توقفت اسئلتها التي كانت كالسيل في وقت قياسي جدا، ولست ابالغ في هذا ولا لي حاجه الي ذلك، والمراد ان الفراغ الذهني والروحي يجعل الذهن والقلب عرضه لاي شاغل ولو كان سيئا، واما من كان وقته ممتلئا،

الذهن والقلب عرضه لاي شاغل ولو كان سيئا، واما من كان وقته ممتلئا، وذهنه وروحه مشبعه بالعلم والعمل والمعرفه والايمان فهذا عائق وحاجز امام كثير من الافكار المنحرفه، والخواطر المقلقه.

النوع الثالث من المؤثرات في انتشار الشبهات: وجود جوانب من النقص في طريقه الدعوه والتوجيه والمعالجه الشرعيه. وتظهر جوانب النقص في صور، منها:

الدعوه والتوجيه والمعالجه الشرعيه. وتظهر جوانب النقص في صور، منها:

١ - الفجوه بين (كثير) من المتخصصين الشرعيين وبين عموم الشباب، وهذه الفجوه تؤدي الي نقص في تصور الواقع، وتؤدي الي عزله شعوريه بين الطرفين، والاشد من ذلك انها تؤدي الي تعطيل دور القدوات الذي له شان كبير في الجانب الاصلاحي.

من ذلك انها تؤدي الي تعطيل دور القدوات الذي له شان كبير في الجانب الاصلاحي.

لك ان تستحضر سيره النبي ﷺ، وقربه من مختلف طبقات المجتمع، واثر ذلك علي الناس الذين يرون الخلق العظيم والحلم والصبر متمثلا في انسان يمشي علي الارض؛ فكم لذلك من معني حسن وقيمه ايجابيه في النفوس.

11

انسان يمشي علي الارض؛ فكم لذلك من معني حسن وقيمه ايجابيه في النفوس.

١ - قله تنويع الاساليب الدعويه بما يتناسب مع مؤثرات الواقع ومستجداته. وقد كان النبي ﷺ يحرص في خطابه علي تنويع الاساليب لايصال المعلومه الشرعيه؛ تاره بالسؤال، واخري بالرسم، وثالثه بالخطبه البليغه وغير ذلك، مع ان معه ﷺ من نور الوحي، وتاييد الله ما يغني عن كثير من الاساليب.

مع ان معه ﷺ من نور الوحي، وتاييد الله ما يغني عن كثير من الاساليب، فالاقتداء به في ذلك ﷺ من الامور المؤكده، خاصه في هذا العصر الذي راجت فيه سوق الاعلام، وربا فيه سحر الصوره.

٢ - ومن جوانب النقص ايضا: ضيق مساحه الحوار المفتوح، الذي يشعر فيه الشباب بوجود وسيله امنه، متسعه الافق؛ لاستقبال اسئلتهم واستشكالاتهم.

وكم يسرح خيالي الي حاله حواريه اتمني رؤيتها في الساحه الدعويه، وتتمثل في صوره ذلك المسرح الممتلئ بالحضور الشبابي، وعلي المنصه محاضر متمكن شرعيا وناضج فكريا ومتوسع معرفيا، يمتلك الاسلوب الاقناعي، والقدره الحواريه العاليه.

ويكون المجال مفتوحا لمداخلات الشباب واسئلتهم واستشكالاتهم بكل حريه واريحيه، فيحسن استقبالها، ويبهر الحضور في الجواب عنها، كما كان يفعل احمد ديدات، وكما يفعله ذاكر نايك حاليا، فكم من رساله ايجابيه ستغرس في نفوس الحاضرين، وكم من افكار ستصحح، واشكالات تزال، ونفوس تصفو، وقلوب تطمئن.

ولا ادري هل سيتحقق هذا الحلم؟ وهل سيكون قريبا؟ وكم هم اولئك الدعاه القادرون علي الوقوف في مقام كهذا؟ اللهم اصلح احوالنا.

٣ - ضعف الخطاب الشرعي/العقلي المبرهن. وهذا من اكبر الاسباب. وسازيده تفصيلا في الفقره القادمه التي هي:

سمات الخطاب الديني المؤثر في الساحه الفكريه المعاصره: ساذكر خمس سمات ان توفرت في الخطاب الدعوي فسيكون له اثر كبير ٣٣ باذن الله في الساحه الفكريه المعاصره، وقد اطلت نوعا ما في تفصيل السمه الاولي، - لاهميتها - وارجو الا يقطع التفصيل تسلسل السمات في ذهن القارئ؛ فليكن علي استحضار لذلك:

السمه الاولي: الاهتمام بالخطاب العقلي:

هناك من يظن خلو الادله الشرعيه (النقليه) من الدلائل العقليه، ومن ثم يهون من الدليل النقلي في مقابل الدليل العقلي، ويجعل اليقين انما يتحصل بالدليل العقلي لا بالدليل النقلي، وهذا كله غير صحيح؛ فان الادله الشرعيه مليئه بالدلائل العقليه علي اصول العقيده والتوحيد وغيرها.

قال ابن تيميه رحمه الله تعالي: «بل الامر ما عليه سلف الامه وائمتها اهل العلم والايمان من ان الله ﷺ بين من الادله العقليه التي يحتاج اليها في العلم بذلك ما لا يقدر احد من هؤلاء قدره، ونهايه ما يذكرونه جاء القران بخلاصته علي احسن وجه»(1).

وقال ابن ابي العز الحنفي: «واذا تامل الفاضل غايه ما يذكره المتكلمون والفلاسفه من الطرق العقليه وجد الصواب منها يعود الي بعض ما ذكر في القران من الطرق العقليه باوضح عباره واوجزها، وفي طرق القران من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله»(2) انتهي.

ومن يقرا كتاب الله، ويتامل في سنه نبيه ﷺ، يجد حضورا ظاهرا للخطاب العقلي فيهما.

فمن ذلك علي سبيل المثال: ايات اثبات البعث في القران؛ كقوله سبحانه ﴿اولم يروا ان الله الذي خلق السماوات والارض قادر﴾ [الاسراء: ٩٩]. وقوله: ﴿اولم يروا ان الله الذي خلق السماوات والارض ولم يعمد بجلفهن يقدرون﴾ [الاحقاف: ٣٣]، وهذا في غايه الاقناع العقلي؛ فان مشركي قريش كانوا يقرون بان الله خالق السماوات والارض، فكان الاستدلال عليهم بان الذي خلق السماوات والارض من العدم قادر علي ان يخلق مثلها، ومن باب اولي ان يخلق ما دونها ﴿لخلق المتوت والارض احكر من خلق الباس﴾ [غافر: ٥٧].

12

ما دونها ﴿لخلق المتوت والارض احكر من خلق الباس﴾ [غافر: ٥٧]. ومن الخطاب العقلي في القران قوله سبحانه: ﴿ام خلقوا من غير شيء ام هم الخلقون﴾ [الطور: ٣٥]، فان هذا التقسيم يجعل العقل يضرب الاحتمالات بين القسمين المذكورين، وحين لا يجد من البراهين ما يعضد احدهما فانه سيبحث عن خيار ثالث تبينه الايات التي تلت الايه المذكوره والتي سبقتها، وهو الله.

خيار ثالث تبينه الايات التي تلت الايه المذكوره والتي سبقتها، وهو الله. ومن المراجع في الباب: كتاب الادله العقليه النقليه علي اصول الاعتقاد للدكتور سعود العريفي، وكتاب بلاغه الاحتجاج العقلي في القران الكريم لزينب الكردي، وكتاب مناهج الجدل في القران لزاهر بن عواض الالمعي.

وحين ننتقل الي سنه النبي ﷺ، فسنجد مواقف كان الاقناع العقلي فيها في غايه الجمال والبهاء، والحجه والاقناع، منها ما اخرجه البخاري ومسلم من حديث عن ابي هريره ﷺ قال: «جاء رجل من بني فزاره الي النبي ﷺ فقال: ان امراتي ولدت غلاما اسود. فقال النبي ﷺ: «هل لك ابل؟ » قال: نعم. قال: «فما الوانها؟ » قال: حمر، قال: «فهل يكون فيها من اورق؟ » قال: ان فيها لورقا. قال: «فاني اتاها ذلك؟ » قال: عسي ان يكون نزعه عرق. قال: «وهذا عسي ان يكون نزعه عرق»(١).

(١) صحيح البخاري (٦٨٤٧)، صحيح مسلم (١٥٠٠).

طرق مخاطبه العقول

وسائل مخاطبه العقول علي انواع:

1منها ما يعود الي طريقه الخطاب واسلوبه.
2ومنها ما يعود الي طريقه ابطال اقوال المخالفين.
3ومنها ما يعود الي خطوه مسبقه في تقرير حدود العقل والعلاقه بينه وبين التسليم لله والرسول.

فاما النوع الاول، وهو ما يعود الي طريقه الخطاب، فان الاساليب التي يحرك بها العقل ويثار متعدده:

منها: اسلوب السؤال، وقد استعمله النبي ﷺ لايصال بعض المعلومات، كما في حديث ابن عمر ان النبي ﷺ قال: «اخبروني عن شجره تشبه او كالرجل المسلم لا يتحات ورقها»(1)، وكقوله ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث ابي هريره: «اتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! فقال: ان المفلس من امتي ياتي يوم القيامه بصلاه وصيام وزكاه، وياتي قد شتم هذا، وقذف هذا، واكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا؛ فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل ان يقضي ما عليه، اخذ من خطاياهم فطرحت عليه؛ ثم طرح في النار»(2).

(1) صحيح البخاري (٤٦٩٨)، صحيح مسلم (٦٤).

(2) (٢٥٨١).

13

(٤٦٩٨)، صحيح مسلم (٦٤).

(2) (٢٥٨١).

٣٦ ٣٧ ومن الأساليب أيضاً: استعمال القياس، وضرب الأمثلة، وسر المثال من جهة العقل هو القياس، ومن الأمثلة العصرية التي يمكن أن تضرب في الإجابة عن سؤال: كيف نؤمن بالله سبحانه ونحن لا نراه؟ (الإلكترون)؛ حيث إنه من الأمور العلمية التي يتعامل معها العلماء كحقيقة موجودة مع عدم رؤيتهم له، وإنما يرون آثاره فقط. فكذلك نحن نؤمن بالله سبحانه وإن لم نره، ولكننا نرى آثاره.

ومن الأساليب أيضاً: اتباع مهارات الإلقاء والإقناع، وهي من المهارات التي ينبغي على شريحة الدعاة والخطباء إتقانها، وحتى الموهوب - منهم - في هذا المجال يستفيد من بعض المهارات في برامج الإلقاء ودورات الإقناع.

ومن الأساليب أيضاً في إيصال المعلومة إلى العقول: الاهتمام ببناء المقدمات المسلمة وتقريرها؛ ثم الانطلاق منها إلى النتيجة المطلوب إثباتها، وهذا من أهم الأمور.

مثال ذلك: الانطلاق من مقدمة: (إن القرآن نزل لكل البشر وليس للصحابة خاصة) للوصول إلى نتيجة أننا مخاطبون بآيات طاعة الرسول والتي لا يمكننا امتثالها إلا باتباع ما صح عنه من أخبار.

هذا كله في النوع الأول من طرق مخاطبة العقول، وأما النوع الثاني وهو ما يعود إلى طريقة إبطال أقوال المخالفين فيكون بطرق:

منها: إبراز التناقضات العقلية أو المنهجية في خطاب الخصوم. مثال ذلك: إبراز تناقض منكر السنة حين يستدل بالسنة على قوله.

ومنها أيضاً: إبراز اللوازم الفاسدة لأقوال الخصوم. مثال ذلك: إظهار فساد قول الملحدين واللادينيين المنكرين للبعث والحساب بالسؤال عن مصير الظلمة الذين قتلوا آلاف أو ملايين البشر، هل سيعاقبون بعد موتهم، وهل سيقتصر المظلومون منهم؟ فالملحدون لا يعترفون بالبعث فكان من اللوازم الفاسدة لقولهم أنه لا فرق بين الظالم والمظلوم، بل إن حال الظالم أفضل؛ لأنه استمتع بحياته - التي يظن أنها لا حياة غيرها - بخلاف المظلوم الذي حرم منها.

وأما النوع الثالث من طرق مخاطبة العقول فهو في الاهتمام بالكلام عن العقل من جهة كونه مصدراً للمعرفة، وحدود عمله، والعلاقة بينه وبين النقل، وموقفه من الغيبيات، ونحو ذلك، فهذا كله مما يضع العقل في موضعه الصحيح، ويجعله حسن الاستيعاب، وحسن التقدير.

كانت تلكم جولة في رحاب العقول، ننتقل بعدها إلى سمة أخرى من سمات الخطاب الدعوي المؤثر، وهي:

ثانياً: الوعي الجيد بحقيقة التساؤلات الموجودة في الساحة، وبحقيقة الأقوال المخالفة.

ربما يحتار الخطيب أو الداعية في اختيار الموضوع الذي يطرحه عبر منبره أو كرسيه أو حتى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن هذه الحيرة تزول إذا كانوا متابعين لما يشغل الشباب ويجتذب تفكيرهم، فالقضايا متجددة، والأفكار متسارعة، والذي يرصد الواقع بذكاء، يعرف متى يتكلم، وبماذا يتكلم،

فإذا رأى اهتماماً بالسجال الفكري حول قضية شرعية فإنه يبادر بصوته فيها بعد أن يدرك حقيقة الإشكال، وطبيعة التساؤل، وبعد أن تفتحت الأسماع، وتلهفت متتبعه كل صوت في هذه القضية.

ثالثاً: مراعاة أحوال المخاطبين وتفاوت مستوياتهم، ومعرفة ما يقرب وما ينفر من أساليب الخطاب في الساحة الشبابية.

رابعاً: مقابلة الحجة بالحجة، لا بالسب والشتم، والعدل مع المخالف. إن مما يؤثر تأثيراً سلبياً أن يقابل الطرح التشكيكي في الثوابت الشرعية بالسب، أو التصنيف لصاحبه، دون أن يبين وجه الخطأ في كلامه بالدليل والإقناع؛ فإننا نعيش في زمن له مستوى معين من اللغة المقبولة في الأوساط الشبابية،

إنها تلك اللغة التي تناقش الكلام لا المتكلم، والمعلومة لا قائلها، ولا شك أن هذا لا يصح أن يكون مطرداً دائماً، ولكن متى كان ذلك ممكناً ولا يضيع حقاً فإنه هو الأكثر تأثيراً. كما أن العدل مع المخالف، والمحافظة على مستوى من الأخلاق الفاضلة معه، وعدم اتهام نيته لمجرد أنه طرح قولاً فيه خطأ، لمن أهم سمات التأثير في الساحة الفكرية المعاصرة، وتبقى استثناءات مستقرة لا يملك المرء معها أعصابه، ولا أجد مثالا أقرب على ذلك ممن يسمون أنفسهم بالقرآنيين.

خامساً: الرغبة الصادقة في هداية الناس. فإن صدق النية، والحماس للفكرة، والإخلاص لله في تبليغها، ونفع الناس بها، يظهر على تقاسيم الوجه وتعابيره، ويعطي للمتابع شعوراً بالقيمة والأهمية، وقبل ذلك فإن الله جاعل لكلامه محلاً وقبولاً.

كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة؟

14

محلا وقبولا.

كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة؟ إن إحسان التعامل مع هذه الموجة من الشبهات يقتضي العمل على ثلاثة محاور:

1محور الوقاية لمن لم يتأثر بها،
2ومحور العلاج لمن تأثر،
3ومحور الجدل والحوار مع مثيريها.

ولذلك سأتناول في الصفحات القادمة هذه المحاور الثلاثة عبر قواعد منهجية لكل منها، لتكون كما يلي:

- أولا: قواعد وقائية من الشبهات الفكرية المعاصرة. - ثانيا: قواعد للتعامل مع الإشكالات والشبهات بعد ورودها. - ثالثا: قواعد حوارية ومهارات جدلية لنقاش مثيري الشبهات.

أولا: قواعد وقائية من الشبهات الفكرية المعاصرة

القاعدة الأولى: تعزيز اليقين بأصول الإسلام:

من القناعة التي خرجت بها بعد التماس مع واقع تساؤلات الشباب، أنه لا بد من الاهتمام الجاد بطرح دلائل أصول الإسلام بصورة عقلية تزيد الإيمان وتعزز اليقين وتحمي القلب من لهيب الشكوك، وأن القلب إذا لم يكن موقنًا بهذه الأصول عارفًا بدلائلها فإنه يكون سريع الشك، قريب الاضطراب. وهذه القضية مع حضورها الكبير في القرآن، ومع شدة الحاجة إليها إلا أن العناية بها ليست على القدر الذي ينبغي لها، ولذلك؛ لم يكن غريبًا أن يتأثر كثير من أبناء المجتمع المسلم بموجات التشكيك في الله سبحانه أو في كتابه أو رسوله عليه الصلاة والسلام.

ولأجل أهمية هذه القاعدة الوقائية فسأتحدث عن بعض الوسائل العملية التي تدعمها.

وسائل تعزيز اليقين:

فسأتحدث عن بعض الوسائل العملية التي تدعمها.

1إحياء وإشاعة عبادة التفكر في آيات الله الكونية. لقد جاء في كتاب الله توضيح العلاقة بين التفكر وبين إدراك الحقائق الكبرى، فقال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك﴾ [آل عمران: 191].

فإنهم بعد تفكر استدلوا بخلق السماوات والأرض على نفي العبثية والعشوائية. وكذلك فإن التأمل والتفكر في النفس وفي الآفاق يؤدي إلى اليقين بصحة القرآن، كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: 53]، والضمير في (أنه) عائد إلى القرآن، وهي من الآيات التي تستوقف المتأمل كثيرًا.

وقد ذم الله تعالى المعرضين عن التفكر في آياته فقال: ﴿وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون﴾ [الأنبياء: 32]. وأرجو ألا تكون المدنية الحديثة سببًا في حجبنا عن عبادة التفكر في السماء والنجوم والنفس والحيوان.

ومن وسائل إحياء وإشاعة عبادة التفكر:

1نشر المواد المرئية والمقروءة التي تخدم مجال التفكر والتأمل. إن كثيرًا من المواد المرئية المتعلقة بالكون والإنسان والحيوان والبحار تعين على التفكر في آيات الله، وممن كان يحرص على إبرازها في برامجه الدكتور مصطفى محمود رحمه الله تعالى، وكان لها أثرًا طيبًا.
2عمل مسابقات على أفضل إنتاج لمواد مرئية أو بحوث مكتوبة في هذا المجال.
3عمل مسابقات أسئلة أو تلخيص لمواد سابقة منشورة في هذا المجال.

ثاني الوسائل لتعزيز اليقين: إشاعة عبادة التفكر في آيات الله الشرعية، وربط الناس بالقرآن، فقد أنزله الله سبحانه ليرشد الناس إلى الغاية التي خلقوا لأجلها، وليعرفهم بنفسه، ويخبرهم بالبعث والنشور والحساب والجزاء، ويثبت لهم ذلك بالأدلة البينة القاطعة، ولا يزال القرآن ولن يزال غاسلًا للشكوك، معززًا لليقين، نافثًا روح الإيمان في نفوس من أراد الله بهم الخير.

وفي الفترة الحالية توجد جهود طيبة في إشاعة عبادة التدبر للقرآن، وتقريب تفسيره للناس، منها ما يقدمه مركز (تدبر)، ومركز (تفسير) في هذا المجال، فجزاهم الله خيرًا.

15

مركز (تدبر)، ومركز (تفسير) في هذا المجال، فجزاهم الله خيرا.

٣ثالثا: العناية بالكتب التي اهتمت ببيان دلائل صحة أصول الإسلام، وقد كتب العلماء قديما وحديثا في هذا المجال، فنجد كثيرا من المتقدمين كتبوا في إعجاز القرآن كالخطابي والرماني والباقلاني والجرجاني وغيرهم، كما نجد أكثر من ذلك في باب دلائل النبوة ككتاب أبي نعيم الأصبهاني، والقاضي عبد الجبار، والبيهقي، وغيرهم كثير.

غير أني سأذكر بعض الكتب المعاصرة في هذا المجال والتي يمكن أن تدرج في برامج القراءة الجماعية أو تكون ضمن مسابقات تلخيص كتاب ونحو ذلك.

- كتاب النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز، وما أجمله من كتاب يتحدث عن دلائل صحة القرآن، وصدق النبي محمد ﷺ، بعبارات أدبية رشيقة، وتعبيرات بيانية تلامس المشاعر والوجدان. وله كذلك كتاب آخر في نفس الموضوع وهو: مدخل إلى القرآن الكريم.

- كتاب براهين وأدلة إيمانية لعبد الرحمن حسن حبكة الميداني ﷺ.

- كتاب نبوة محمد من الشك إلى اليقين لفاضل السامرائي.

- كتاب: الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي، وهو كتاب كبير، ذو مستوى عالي من التحريرات العلمية.

- كتاب كامل الصورة الجزء الثاني منه.

ومن وسائل تعزيز اليقين:

٤رابعا: الاهتمام في الخطاب الدعوي بالحديث عن الله وصفاته وعظمته ووحدانيته.

لقد حظي باب (توحيد الألوهية) في الدرس العقدي المحلي بنصيب كبير من الاهتمام، وكان لذلك أثر طيب في توعية الناس بهذا الباب، ولكن لم يحظ قرينه وسابقه (توحيد الربوبية) بالاهتمام المستحق له، مع أن القرآن مليء بالحديث عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه، بل إن أول ما نزل من القرآن قول الله سبحانه: ﴿أقرأ باسم ربك الذي خلق ﴿١٢﴾ خلق الإنسان من علق ﴿١٣﴾ أقرأ وربك الأكرم ﴿١٤﴾﴾، والحاجة الوقتية ماسة للحديث عن هذا الباب وإدراجه في مختلف وسائل وأبواب الخطاب الدعوي.

٥خامسا: الاهتمام بعبادة القلوب في الدعوة والعلم والعمل.

لقد كان إبراهيم الخليل ﷺ منيبا متوكلا خاشعا لله سبحانه، وكان من الموقنين، فحين حاجه قومه في الله سبحانه، قال لهم: «أتحاجوني في الله وقد هداني» [إبراهيم: ٨٠]؟ ! إنهم لا يشعرون بما يملا صدره وقلبه من اليقين والمعرفة والنور، إنه لا يمكن أن يستبدل هذا النعيم الإيماني بغيره، وهل يستبدل الأمن بالخوف؟ والطمأنينة بالاضطراب؟ ولذلك؛ نقرا في الآية التالية: «فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون» [الأنعام: ٨١].

وهناك عبارة مشهورة لأحد عباد السلف يقول فيها: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف»؛ أترون من يشعر بهذا الشعور تؤثر فيه الشبهات؟

وهناك معادلة إيمانية جميلة ذكرها هرقل حين كان يسأل أبا سفيان عمن كانوا حول النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار، هل يرتد أحد منهم سخطا لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان - وهو حينئذ كافر -: لا! فقال هرقل: وكذلك الإيمان، حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.

إن الوقاية من شبهات الشك والكفر والإلحاد لن تكون لقلب لم يذق حلاوة الإيمان؛ إذ إنه لن يشعر بالخسارة والفقد لو تركه، وأما من ذاق طعم الإيمان ولذته فلن يرضى بأي بديل آخر؛ ولذلك كله؛ فإن العناية بتقوية إيمان القلب، وتعلقه بالله سبحانه، وتوكله وإنابته وخشيته ومحبته ورجائه، لمن أكبر أسباب الوقاية من الشبهات، فأين حضور هذه القضية في خطابنا؟ وهل أعطيناها القدر الذي تستحقه؟ ألم تكن محل عناية حقيقية في القرآن؟ وفي خطاب النبي ﷺ؟ وفي كلام أهل العلم؟

إن مما لا شك فيه ولا ريب أن كثيرا من الشبهات منشؤها ضعف الإيمان وعدم تذوق حلاوته، ولذا نحن بحاجة إلى مراجعة إيماننا وقلوبنا وأعمالنا وصدقنا مع الله سبحانه، وهذا كله من الوقاية والمناعة القوية ضد الحرب الفكرية الموجهة إلى الإسلام وثوابته.

16

من الوقايه والمناعه القويه ضد الحرب الفكريه الموجهه الي الاسلام وثوابه. ومن الكتب التي اعتنت بهذا الباب، كتب الامام ابن القيم رحمه الله تعالي، وخاصه كتابه: مدارج السالكين، وقبله كثير من المتصوفه والمتنشكه والعباد، لهم كلام متفرق ومجموع فيه.

وقبله كثير من المتصوفه والمتنشكه والعباد، لهم كلام متفرق ومجموع فيه.

سادسا: قصص المسلمين الجدد، فان لها اثرا كبيرا في الارتياح الايماني، وخاصه حين تري تنوع تخصصاتهم، واختلاف بلدانهم، وانهم انما دخلوا في الاسلام عن قناعه، ورضاء، وشعور بالافضل، هذا كله مع شده التشويه الذي يمارس ضد الاسلام والمسلمين، ثم نجد تزاحم الغربيين والشرقيين علي بوابه الاسلام!

والجميل في قصص هؤلاء انهم يوقفوننا علي معان ايمانيه ربما تفوتنا، فانهم يقرؤون القران بعين متشوفه، وقلب متطلع الي معرفه كلام الله سبحانه، وقد ذاقوا مراره الكفر والحيره قبل ذلك، وقد كنت المس ذلك وانا اشاهد حلقات برنامج «بالقران اهتديت» لفهد الكندري وفقه الله،

وانا اشاهد حلقات برنامج «بالقران اهتديت» لفهد الكندري وفقه الله، وهو من اجمل البرامج في هذا المجال، وارشح حلقاته للعرض والنشر في البرامج العائليه والمدرسيه لتحقيق غرض تعزيز اليقين.

القاعده الوقائيه الثانيه: تكوين العقل الناقد: العقل الناقد: هو العقل الفاحص؛ الذي لا يقبل دعوي دون دليل، ولا يقبل الادله الفاسده، ولا تمرر عليه المغالطات المنطقيه.

ان كثيرا من الشبهات التي اثرت علي شريحه من الشباب كان من اهم عوامل تاثيرها: غياب التفكير الناقد، والعقليه الفاحصه؛ ولذلك فان العنايه بغرس معاني التفكير الصحيح، القادر علي التمييز بين المقبول والمردود من المعلومات، يعتبر امرا مهما جدا في التحصين من الشبهات وتعزيز المناعه الفكريه.

وقد اعتني علماء المسلمين بالفحص والتدقيق في المعلومات قبل قبولها، ومن ابرز الصور التي تمثل ذلك: ما انتجه علماء الحديث من منظومه فحصيه مذهله، نقدا بها رواه الحديث، ولم يغتروا بمجرد المظاهر، وقارنوا بين الروايات، وضعفوا المنقطعات، واكتشفوا الكذابين، حتي صار منهجهم النقدي مامونا علي سنه النبي ﷺ.

وكذلك اعتني علماء المسلمين ببيان اسس الجدل الصحيح، والمناظره المثمره، وتحدثوا عن الحجج المقبوله، والدعاوي المردوده، وغير ذلك مما يستدعيه الفحص والتدقيق في كتب «اداب البحث والمناظره» او «علم الجدل».

وما سبق كله يختلف عن العقليه المتشككه المولعه ب(لا ادري) و(ربما) و(ما يدريني)، فان تمير العقل الناقد ليس بمقدار ما يرده ويشكك فيه من الاخبار، وانما بمقدار ما يلاحظه من عوامل وقرائن تستدعي الرد، واخري تقوي القبول.

ولا شك اننا نحتاج الي دورات في هذا الجانب، ومحاضرات، وتطبيقات عمليه ترشد الي التطبيق الصحيح للتفكير الناقد وتميز بينه وبين التفكير السلبي المتشكك، ويمكننا ان نربي ابناءنا علي التفكير الناقد بتطبيقه علي ما يسمعونه من اخبار واراء في المدرسه وبين الاصدقاء، فيتم تدريبهم عليه بمحاكمه هذه الاخبار الي مبادئ التوثيق والتحليل السليم.

ومما يساهم في تقويه ادوات العقل الناقد: ان يكون علي درايه بطرق البحث العلمي ومهاراته، فالعقل الناقد يحتاج الي معرفه بمصادر المعلومات وكيف يتعامل معها ليثبت ويدقق، ولذلك نحن بحاجه الي تقديم دورات في كيفيه البحث الالكتروني والورقي عن المعلومه من المصادر الموثوقه، وفي كيفيه البحث عن صحه الحديث في الشبكه والكتب.

القاعده الوقائيه الثالثه: التاصيل الشرعي: والمراد بالتاصيل الشرعي: دراسه اصول الفنون الشرعيه (العقيده) الفقه، اصول الفقه، المصطلح، اللغه، علوم القران، وهذا الامر مهم جدا؛ لانه يكون عند المتعلم قاعده معرفيه صلبه يؤول اليها ويستند عليها، بخلاف من يفتقد هذه القاعده فانه لا يكون له اساس محكم.

17

ويستند عليها، بخلاف من يفتقد هذه القاعدة فإنه لا يكون له أساس محكم. ومما يساعد على نشر هذا الأمر الوقائي: تسهيل العلوم الشرعية، وتقريبها للشباب، وتقديمها في دورات مختصرة، بأسلوب حديث، ووسائل تعليمية معينة؛ فليستحضر من يقوم بهذا العمل أنه يؤدي دورًا مهمًا في الوقاية من الشبهات الفكرية المعاصرة.

بهذا العمل أنه يؤدي دورًا مهمًا في الوقاية من الشبهات الفكرية المعاصرة. ومن الجهود الجيدة في تحقيق هذا التسهيل، ما يقدمه الدكتور عامر بهجت في دوراته المتميزة في الفقه وأصوله، وهي مرفوعة على موقع ﴿يوتيوب﴾ بعنوان (تنبيه الفقه) و(الطريق إلى أصول الفقه) وغيرها.

ومن الأمور المنهجية المهمة التي تقتضيها هذه المرحلة: الاعتناء - في الدرس الشرعي - بتثبيت الثوابت، وعدم الاقتصار على شروح المتون أو التعليق عليها والتفريغ على نصوصها، بل ينبغي أن يراد على ذلك ما يثبت صحة أصول تلك المسائل المقصودة بالشرح والتوضيح؛

فإن التعويل على اشتراك المستمع والمتحدث في التسليم بصحة الأصل المشروع إنما كان سائغًا في المرحلة السابقة التي تختلف عن هذه المرحلة التي تموج بأسئلة متوجهة إلى الأصول والثوابت، مما يستدعي أن يكون طالب العلم جامعًا بين فهمه لألفاظ الفقهاء وقواعد الأصوليين والمحدثين وبين ما يثبت صحتها ويقرر أصولها.

ولو قال قائل: إن من يحضر الدرس الشرعي لا يكون متأثرًا بالإشكالات المثارة ضد الثوابت، فلا حاجة لما ذكرت.

فالجواب أن طالب العلم مهما افترضنا عدم تأثره بالإشكالات والشبهات، فإنه لا ينفك عن احتياجه - في ظل ذلك - إلى معرفة البراهين وصحة الأصول كي يكون قادرًا على الجواب عما يرد عليه من اعتراضات واستشكالات - اللهم إلا أن أراد أن يعتزل الناس ويبتعد عما يشغلهم -.

ومما يحقق هذا الغرض دون إشكال: العناية بتقديم مداخل للعلوم قبل البدء بالشروح، وتضمن هذه المداخل أدلة عامة تثبت صحة أصول العلم المقصود بالدرس، وسبب الاعتناء به، وما الآثار السلبية المترتبة على تركه واستبعاده والاستغناء عنه.

القاعدة الرابعة: تحديد مصادر التلقي والمعرفة والموقف من كل مصدر: ما المصادر التي نعتمد عليها في تكوين المعرفة؟ وما حدود كل مصدر؟ وهل بينها تداخل؟ وما مصادر التلقي الشرعية التي لا يصدر عنها خطأ؟ وما مصادر الاستفادة الشرعية التي يمكن أن تخطئ وتصيب؟ كل هذه الأسئلة تهم الجيل،

وإذا قدمت الإجابة عنها بصورة صحيحة فإنها تنظم العقل، وتبين مداخله ومخارجه فيما يعتمد عليه لتكوين المعارف، وبالتالي يكون ذلك من وسائل الوقاية المحتاج إليها في هذا الوقت. فإن من أكبر أسباب الاضطراب الفكري المعاصر الانحراف في باب مصادر المعرفة، إذ إن كثيرًا من الملحدين - وخاصة في العالم الغربي - لديهم

موقف سلبي تجاه المصادر التي يكتسب الإنسان منها المعرفة باستثناء الحس والتجربة التي يغالون باعتبارها المصدر الوحيد لاكتساب المعرفة؛ مما أدى بهم إلى رفض الأدلة العقلية المثبتة لوجود الله والتي لا تعتمد على الحس المباشر ولا تندرج ضمن إطار العلوم التجريبية، فضلاً عن رفضهم لعلوم

الوحي التي مصدرها الخبر الصادق المبني على دلائل العقل المسبقة، وكثير من السجالات الفكرية بين المؤمنين والملحدين يتم التعرض فيها لقضايا متعلقة بالمعرفة؛ ولذلك فإن العناية بفهم نظرية المعرفة وفروعها لمن أهم ما ينبغي على الباحث المسلم المعاصر.

ومن أراد أن يأخذ فكرة عامة عن المعرفة وطبيعتها ومصادرها فإن للشيخ عبد الله العجيري محاضرة مرئية في موقع ﴿يوتيوب﴾ بعنوان «مدخل لفهم نظرية المعرفة» وتصلح في المرحلة الأولى لتكوين التصور العام تجاه هذه النظرية.

18

في المرحلة الأولى لتكوين التصور العام تجاه هذه النظرية ٤٨ ٤٩ ومتعلقاتها وطبيعة المعرفة في الإسلام، ثم يحسن الانتقال إلى كتاب مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي للدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي، ثم كتاب المعرفة في الإسلام للدكتور عبد الله القرني - وهو كتاب متميز غير أن فيه صعوبة على المبتدئ والمتوسط -،

ثم الانتقال إلى كتاب الدكتور عبد الله الدعجاني في موقف ابن تيمية ﷺ من المعرفة بعنوان «منهج ابن تيمية المعرفي» وهي رسالة جميلة مفيدة نافعة وفيها أيضًا صعوبة على المبتدئ والمتوسط.

كما نستطيع بالإجابة عن الأسئلة السابقة أن نفرق بين المصدر الشرعي المعصوم وبين المصدر غير المعصوم، فالقرآن والسنة لا يصدر عنهما خطأ، وكذلك اجتماع أفهام علماء المسلمين على أمر معين من أمور الشرع - إذا ثبت هذا الاجتماع - وأما الفرد - أي:

الفرد - من العلماء فإنه مهما بلغ من المنزلة العلمية فلا يرقى لأن يسلم بكل أقواله، ولو كان أبا حنيفة أو مالك بن أنس أو الشافعي أو أحمد رحمهم الله تعالى جميعًا.

ومما يدخل في هذه القاعدة المهمة: موضوع التسليم للنص الشرعي، وعلى أي شيء يستند، ومن المراجع المهمة في جانب التسليم: كتاب ينوع الغواية الفكرية لعبد الله العجيري، وكتاب التسليم للنص الشرعي لفهد العجلان.

القاعدة الخامسة: عدم التعرض لخطاب الشبهات من غير المتخصص:

من المهم لمن يتخصص في الرد على الشبهات أن يكون عارفًا بتفاصيلها وقائليها وتاريخها، وربما يحتاج إلى قراءة بعض كتبهم، أو الدخول إلى بعض مواقعهم وصفحاتهم، حتى يحسن الجواب عنها، وأما غير المتخصص فإن في دخوله إلى عالم الشبهات مخاطرة غير مأمونة العواقب، ولا أعني بالدخول هنا:

معرفة الرد على أبرز الشبهات وما يتعلق بذلك، وإنما أقصد القراءة لكتبهم، أو استعراض تغريداتهم ومشاركتهم في شبكات التواصل، أما من باب التعرف على ما عند (الآخرين)، أو من باب الفضول ٥٠

أو من باب الثقافة العامة ونحو ذلك، وأنا أعرف من دخل إلى صفحات وحسابات الحادية بدافع حسن فتأثر تأثيرًا سلبيًا كبيرًا ما كان يريده ولا يظنه، وهذا يذكرنا بتحذيرات السلف الصالح من الاستماع إلى أهل البدع؛ لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة - كما قال الذهبي رحمه الله تعالى -.

القاعدة السادسة: القراءة الوقائية في كتب الردود على الشبهات، بشروط:

الأول: أن تكون الشبهات معاصرة ومنتشرة، أو بتعبير عصري: أن تكون في دائرة الخطر.

الثاني: أن تكون من الكتب التي تجمل في ذكر الشبهة وتفصل في الرد، وليس العكس؛ فإن بعض الكتاب يفصل في عرض الشبهة، ويذكر مستنداتها وأصولها، وهذا جيد بالنسبة للمتخصصين، ولكن نحن نتكلم هنا عن وقاية غير المتخصصين، فقراءتهم للشبهة المفصلة المذكور أدلتها بتفصيل لا حاجة لها.

الثالث: أن يكون الرد محكمًا، ويعرف هذا عن طريق المتخصصين. ومن الكتب المناسبة في مجال الرد على الشبهات المعاصرة وتقرأ على سبيل الوقاية: كتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي، وكتاب كامل الصورة بجزئيه الأول والثاني.

القاعدة السابعة: ترتيب هرم الغائيات الكبرى على حسب مراد الله:

إن كثيرًا من الإشكالات المعاصرة حول الإسلام إنما كان منشؤها بسبب اختلال هرم القضايا الغائية الكبرى عند أصحابها، وأعني بالقضايا الغائية: المطالب الإنسانية الكبرى كالتعبد والاستقرار والحرية والعمران وتحقيق الذات

وقضاء الشهوة واكتساب الأموال ونحو ذلك، وإذا أخذنا قضيتين غائيتين يشترك في تقديم كل منهما على الأخرى طوائف كثيرة من البشر وهما: تحقيق التعبد لله تعالى على مراده (مركزية الرحمن)، وتحقيق الرفاهية التامة والحرية ٥١

19

علي مراده (مركزيه الرحمن)، وتحقيق الرفاهيه التامه والحريه ﴿ ٥١ ﴾ المطلقه للانسان علي مراده (مركزيه الانسان). فمن يجعل علي راس الهرم الغائي للوجود: مركزيه الانسان فانه سيقدمها حال التعارض مع احكام الله واوامره؛ فالاولويه عنده ما يسهم في رفاهيه الانسان وفي حريته واختياراته وشهواته مهما كانت سيئه وشاذه عن الفطره او مخالفه لامر الله.

وشهواته مهما كانت سيئه وشاذه عن الفطره او مخالفه لامر الله. واذا نظر المتاثر بهذه الثقافه المقدمه لهوي الانسان وحريته الي الاحكام الاسلاميه - التي يظهر فيها تقديم اتباع اوامر الرحمن والتعبد له علي كل شيء اخر ويفاضل فيها بين الناس علي قدر تقواهم واتباعهم لنظام الله - فانه يستشكل هذه الاحكام لانها تتعارض مع مركزيه الانسان في نظره.

فصار منشا الاشكال هنا هو اختلال هرم الاولويات الكبري لديه.

ومن هنا ندرك ان كثيرا من الاستشكالات المثاره ضد بعض الاحكام الشرعيه المتعلقه بالكفار كالجزيه وعقوبه المرتد انما سببها هذا الاختلال في الهرم وان غلفت بغير ذلك، ولا اخفي القارئ الكريم ان من اكثر الاسئله التي احمل هم الجواب عنها ما كان منشؤها اضطراب هرم الغائيات عند اصحابها.

لان كثيرا منهم يسالون وهم غير مدركين لمنشا الاستشكال لديهم؛ فيتعلقون بطرف من الحجج يظنون انه هو محل الاشكال وباعثه ولا يكون ذلك مطابقا للواقع، فيتطلب الجواب عن اسئلتهم قدرا طويلا من التمهيد والتقدمه المتعلقه بترتيب هرم الغائيات الكبري.

ومن الكتب المهمه جدا في هذا الموضوع: كتاب مالات الخطاب المدني لابراهيم السكران.

القاعده الثامنه: تعزيز البرامج الجماعيه المفيده فكريا وعاطفيا:

ان انتماء الشاب الي البرامج الجماعيه التي تجتذب اهتمامه، ونشاطه، سواء علي نطاق العائله او الاصحاب يعطيه غناء معرفيا وعاطفيا، ويقطع الطريق علي كثير من انواع الفساد للتسلل الي دائره اهتماماته وجهوده؛ انها تعطيه فرصه لاكتشاف قدراته، ثم الشعور بالثقه والهويه، وهذا يشكل مانعا نفسيا من الاندفاع المضاد للافكار غير الصحيحه.

فمن المهم جدا الاعتناء بالبرامج العائليه المفيده، التي تعطي ساحه من الحوار والفكر، مثل برامج القراءه الجماعيه ومن ثم النقاش في القدر المقروء، وكذلك الانديه الثقافيه التي يديرها الثقات الحريصون علي الهويه الاسلاميه، ونحو ذلك من البرامج؛ فهذا كله مما يساعد في تعزيز المناعه الفكريه، والوقايه من الشهات المعاصره.

ومن اللطيف في موضوع الصحبه واثرها في الثبات انها من وسائل تحقيق حلاوه الايمان كما في الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوه الايمان... وان يحب المرء لا يحبه الا لله»(١)، ومن ذاق حلاوه الايمان فلن ينتقل الي مراره الكفر والحيره والشك.

القاعده التاسعه: الدعاء والابتهال:

اعتدنا علي الدعاء لمن يسافر بان يحفظه الله من الاخطار، ويقيه الشرور، ويرده سالما، وفي الواقع فكلنا مسافرون في هذه الحياه مقتربين في كل مرحله من الاجل، وكثيره هي الاخطار المحتمله في هذا السفر، ونحتاج الي عنايه الله وحمايته لنا، واثمن ما نخاف عليه في هذا السفر هو ايماننا الموصل الي مرضاته سبحانه عنا.

قال ابراهيم الخليل ﷺ: «واجتبي وبي ان تشبد الاصحام» ﴿ ٣٥ ﴾ ابراهيم، وقال محمد ﷺ: «اللهم لك اسلمت وبك امنت وعليك توكلت واليك انبت وبك خاصمت؛ اعوذ بعزتك لا اله الا انت ان تضلني؛ انت الحي الذي لا يموت، والجن والانس يموتون»(٢).

وفي غمره الشهوات وخطرها وكثره الساقطين فيها فاننا بحاجه ماسه الي الدعاء بان يقينا الله واهلينا وذرياتنا شرها، ويحفظ علينا ايماننا وتوحيدنا.

(١) صحيح البخاري (١٦).

(٢) صحيح مسلم (٢٧١٧).

قواعد للتعامل مع الاشكالات والشبهات بعد ورودها:

كانت القواعد السابقه عن الوقايه من الشهات قبل ان ترد علي المسلم، واما ان واجهته شبهه فهو بحاجه الي مزيد من القواعد المنهجيه التي تعينه علي احسان التصرف تجاهها.

القاعده الاولي: استعمال التفكير الناقد والتوثيق العلمي في التعامل مع المعلومات والافكار:

يجب الا يكون لاي معلومه قيمه تستحق النظر والنقاش، ما لم تكن تتوفر علي ادني درجات التوثيق العلمي، واما ان كانت مرسله لا زمام لها ولا خطام فالموقف الصحيح تجاهها هو الرد، وكذلك ربما تكون المعلومه صحيحه ولكن الاستدلال بها علي المطلوب غير صحيح، فيجب ان يدقق الناقد في الكلام، ويتفحصه، ولا يضطرب لمجرد ايراد معلومه لا تصمد امام النقد العلمي!

امثله واقعيه:

١ - رد احاديث معاويه والطعن فيه ﷺ بسبب دعوي ان النبي ﷺ لعنه، وهذا خبر لا يثبت، وبالتالي بطلت الدعوي والنتيجه(١).

(١) مسند البزار (٢٨٦/٩) (٣٨٣٩).

٢ - الطعن في ابي هريره بنسب اتهام عمر ﷺ اياه بالسرقه. وهذا خبر لا يثبت (١).

20

في ابي هريره بنسب اتهام عمر ﷺ اياه بالسرقه. وهذا خبر لا يثبت (١).

٣ - التشكيك في السنه بسبب حرق عمر ﷺ لصحف فيها احاديث، وهذا الخبر يستدلون به كثيرا، وهو خبر غير صحيح (٢).

٤ - الاستنقاص من مكانه ابي هريره بسبب حديث «زر غبا تردد حبا» (٣) وهو لا يصح بالقصه المدعاه. والشبهات الاربع الماضيه كلها امثله علي دعاوي استندت الي نقول غير صحيحه، فبطلت.

وهنا نوع اخر من الدعاوي، وهي المستنده علي نقول صحيحه، ولكن عند التدقيق في طريقه بناء الحجه من هذه النقول نجد ان البناء غير صحيح، امثله علي ذلك:

١ - الاستدلال بقول الله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شكوه﴾ [الانعام: ٣٨] علي انكار السنه، ووجه الخطا ان الكتاب المقصود في الايه هو اللوح المحفوظ لا القران، وبالتالي لم تعد المعلومه الصحيحه موصله الي النتيجه. واما قول الله تعالي: ﴿ونزلنا عليك الكتاب بنبانا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] فسياتي نقاش استدلالهم به عند الحديث عن الشبهات حول السنه (٤).

٢ - الاستدلال بحديث النهي عن كتابه السنه علي عدم حجيتها (٥). فالمعلومه صحيحه عند كثير من العلماء، ولكنها لا توصل الي النتيجه؛ وللاستزاده ينظر: كتاب «سل السنان في الذب عن معاويه بن ابي سفيان» لمؤلفه: سعد بن ضيدان السبيعي.

(١) مصنف عبد الرزاق (٣٢٣/١١/٢٠٦٥٩).

(٢) الطبقات الكبري لابن سعد (٥/١٨٨/٥) (٦١٧٠).

(٣) مسند الطيالسي (٤/٢٨٦) (٦٢٨٥). سياتي تفصيل الكلام فيها لاحقا.

(٤) (ص١٨٧).

(٥) الحديث اخرجه مسلم في صحيحه (٤٠٠٣) عن ابي سعيد الخدري ﷺ: «ان رسول الله ﷺ قال: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القران فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج؛ باختصار. http://almohawer.com

لان النهي عن الكتابه لا يستلزم نفي الحجيه؛ اذ نفي حجيه الاخبار له طرق ليس منها عدم الكتابه.

وكذلك فان من الثغرات التي يمكن اكتشافها بالتفكير الناقد: التناقضات الموجوده في الاستدلال بالشبهه. مثال ذلك: نفس الحديث السابق ذكره في النهي عن كتابه ما سوي القران، ولكن نوع الثغره هنا مختلف عن الفقره السابقه في ان المستدل به انما يستدل بما لا يعتبره حجه؛ وهذا تناقض.

القاعده الثانيه: سؤال المتخصصين:

من الملاحظ ان هناك تحفظا عند شريحه من المتاثرين بالشبهات الالحاديه واللادينيه، من الشباب والفتيات، في سؤال اهل العلم وطلابه عما يغرض لهم في هذه الابواب، وقد مر معنا ان من سمات الموجه التشكيكيه المعاصره في المجتمع المحلي: (الخفاء).

وربما يكون لبعضهم مبرر في هذا التحفظ من جهه توقعهم ان يقابلوا بالزجر والنهر، لا بالترحيب وحسن الاستماع، وقد يكون تخوفهم هذا له ما يصدقه من واقع بعض المشايخ وطلاب العلم، الا ان هناك مبالغه في رسم صوره حاله عامه لهذه القضيه، اذ ان الساحه لا تخلو ممن يفتح سمعه وعقله وقلبه لهذه الاسئله،

ويحسن التعامل معها(1)، وهنا لا بد ان تغرس الثقه بين الابناء والاباء، وبين المعلمين والطلاب، وان يفتح العلماء والدعاه وطلاب العلم قلوبهم وابوابهم لاستقبال اسئله الجيل واشعارهم بالثقه والامان مهما كان السؤال المطروح؛ لان الامان مفتاح التواصل،

واذا عدم الامان وانهارت الثقه بحثوا عن المترديه والنطيحه لاجابه اسئلتهم.

ولا ننسي اننا نتحدث في هذه القاعده عن المتخصصين ذوي المعرفه (1) من افضل وسائل التواصل للرد علي الشبهات موقع المحاور: 00

والقدره علي الاجابه لا عن هواه او كتاب لا شان لهم في مجال هذه العلوم. قال الله: ﴿فتتلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].

القاعده الثالثه: مراجعه الجهود السابقه في الرد علي نفس القضيه المستشكله:

21

## القاعده الثالثه: مراجعة الجهود السابقة في الرد على نفس القضية المستشكلة

لا يكاد يمر سؤال أو استشكال متعلق بالإسلام وثوابته إلا وقد طرح قبل ذلك وعولج، وخاصة في بعض الأبواب الشرعية، مثل: باب القدر، وباب حجيّة السنة، وكثيراً ما يردد الشباب أسئلة من هذا النوع؛ كسؤال: كيف نجمع بين علم الله السابق وبين تعذيب الكفار؟ وهو من أشهر الأسئلة في الأبواب العقدية.

وقد عولج هذا السؤال كثيراً من علماء المسلمين، وكذلك سؤال الحكمة من وجود الشر، والحكمة من خلق إبليس، وكذلك استشكال بعض الأحاديث، مثل حديث سحر النبي ﷺ، ومثل ما يرد من تعارض بعض روايات أحاديث المسيح الدجال، ونحو هذه الأسئلة التي تتردد في الأوساط الفكرية المعاصرة.

فمن الأمور المهمة حين يتعرض الإنسان لشبهة في باب شرعي أن يرجع إلى الجهود السابقة في معالجة نفس الإشكالات التي واجهته، فكثيراً ما يجد الجواب شافياً لمسالته، ويمكن سؤال المتخصصين عن أهم الكتب في الباب المستشكل.

وهناك كتب لم تقتصر على حل الإشكالات في باب واحد، وإنما ضمت أبرز الأسئلة في أبواب كثيرة، مثل موسوعة بيان الإسلام.

## القاعده الرابعة: رد المتشابه إلى المحكم

إن قضية المحكم والمتشابه من الأمور المنهجية المهمة في فهم القرآن، وهي الفرقان بين الراسخين والزائفين، فقد قال ربنا: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ (آل عمران: 7).

ويلخص ابن كثير معنى الآية ودلالتها في كلام واضح ثمين، فيقول: «يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب»؛ أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخرى فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم؛ فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمة على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: «هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ»؛ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه «وَأَمَّا مُتَشَابِهَاتٌ»؛ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.

وهذا يقودنا إلى أمر في غاية الأهمية؛ ألا وهو ضرورة استعراض سائر نصوص الباب وعدم الانتقاء والاجتزاء، فقد يكون النص متشابهاً، فلا يستبين إلا بالمحكم الذي نعرفه بنصوص أخرى.

فحين يأتي نصراني فيقول: إن قرآنكم يدل على تعدد الآلهة، والدليل قول الله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: 9)، ووجه الدلالة أن في هذه الآية ألفاظاً تدل على الجمع: (إنا) (نحن) (نا) (واو الجماعة)، فنقول له: إن هذه الضمائر كما تدل على الجمع، فهي تدل على التعظيم أيضاً، فالملوك يتحدثون عن أنفسهم بصيغة الجمع من باب التعظيم، وإذا نظرنا إلى الأمر المحكم البين في القرآن الكريم فهو التوحيد؛ قال الله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص: 1)، وقال: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ انتهى حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ (النساء: 171)، فبطل تشغيه.

## القاعده الخامسة: التماسك أمام الشبهة التي لم يعرف جوابها

أصادف أحياناً ببعض السائلين الذين داخل قلوبهم الشك، وحين أسأل عن السبب يذكرون شيئاً لا يوجب الريب؛ وغايه ما في الأمر أنهم لم يعرفوا الجواب عما عرض لهم، وهل إيمان المسلم بهذا الضعف بحيث يهتز لأخف ريح؟ ألا يوجد موقف آخر عند عدم معرفة الجواب، اسمه (البحث، السؤال، نقد المعلومة) قبل الشك مباشرة؟

22

الجواب، اسمه (البحث، السؤال، نقد المعلومه) قبل الشك مباشرة؟ إن عدم العلم ليس علماً بالعدم؛ أي: إن عدم علمنا بالجواب لا يعني أنه لا يوجد جواب، وحين ندقق في بعض هذه الإشكالات التي أوجبت الريب نجد أن الكلام فيها قد قتل بحثاً؛ فلو أن المستشكل قام ببحث سريع على المواقع الموثوقة في الشبكة لوجد عشرات الإجابات حاضرة أمامه.

القاعدة السادسة: دراسة سلبيات الانتقال إلى الأفكار المخالفة للقرآن والسنة:

إذا كان يعتقد من واجهته بعض الإشكالات تحت مظلة الإيمان أنها ستحل في نفق الإلحاد فهو مخطئ جداً، فالواقع أنه إذا أشكلت عليه حال إيمانه عشرة أسئلة فإنها ستتضاعف إلى ألف سؤال إن انتقل إلى اللادينية، والفرق بين الأسئلة هنا وهناك أن الإجابات تحت مظلة الإيمان قوية، بخلاف الإجابات في الطرف الآخر - لو وجدت بالأصل -.

مثال على ذلك: سؤال الشر؛ أو كما يحلو للبعض أن يسميه: معضلة الشر، وفي الحقيقة فإنه معضلة ولكن على الملحد لا على المؤمن؛ فإن الإيمان بالدار الآخرة وما فيها من قضاء وحساب وثواب وعقاب يجعلنا نعتقد أن كل من قتل ظلماً، أو أحرق، أو اغتصب فإنه سيأخذ حقه، وأن الظالم سينال جزاءه، ولكن:

ما جواب من لا يؤمن بالدار الآخرة؟ إن سألناه: ما مصير الظلمة على مر التاريخ؟ وهل دفنت حقوق من ظلموهم معهم تحت التراب؟

ومن الأمثلة أيضاً: سؤال: من أحدث الكون؟ ولماذا؟ إن الإجابة عن السؤال دون الإيمان بالخالق تبدو تائهة طائشة حائرة، ولذلك؛ تجد الملحد يتعلق بأتفه فرضية في هذا المجال ليعلق عليها الإجابة. وعدد ما شئت من الأسئلة: لماذا يبدو الكون منتظماً ومفهوماً؟ لماذا تحكمه قوانين دقيقة؟

كيف تنتج الصدفة المعلومات الوراثية الدقيقة داخل وعاء متناه في الصغر (النواة)؟ وكيف تفعلت هذه المعلومات لتصبح صفات حقيقية في شخص حاملها؟

وكذلك من يترك الستة لأن فيها إشكالات، ويقول يكفيني نص القرآن، فأول ما سيواجهه هو نص القرآن ذاته، الأمر بطاعة الرسول واتباعه، والمحذر من مخالفة أمره، فسيقع هذا المنكر في إشكالات حقيقية تجاه تلك النصوص، كما أنه سيجد كثيراً من الأحكام التي أجمع المسلمون على العمل بها غير موجودة في نص القرآن،

وهذا سيولد عنده تساؤلات أخرى متعددة. وفي واقع الأمر فإنه لم يتخلص من الأسئلة والإشكالات، وإنما انتقل من إشكالات صغرى إلى الإشكالات الحقيقية الكبرى.

القاعدة السابعة: عدم التعامل مع الوسواس كالتعامل مع الشبهة:

من الطبيعي أن تمر بالمؤمن وساوس وخواطر، تعكر عليه صفو إيمانه، تأتي بأمور مزعجة للقلب في حق الله سبحانه أو قضائه وقدره، أو غير ذلك من أبواب الشرع، وهذه الوساوس ليست دليلاً على ضعف الإيمان، ولا على النفاق، ولم يسلم منها الصحابة ولا العلماء والعباد، ولكنهم يستعيذون بالله منها، ومن الشيطان الرجيم، ويصرفون تفكيرهم عنها.

وإذا كان المؤمن يتعامل معها في هذا الإطار فليست مشكلة، بل هي باب حسنات له بإذن الله، ولكن المشكلة الحقيقية أن البعض لا يعرف كيف يتعامل معها، فيستجيب لكل خاطر مزعج يرد عليه، حتى يصل إلى حالة من البؤس والهم والغم ما لا يكاد ينعم معه بشيء، والأسوأ من ذلك أن تصيب الإنسان ردة فعل عكسية، فينفر من الطهارة والصلاة ويتركهما، أو ينفر من الدين بالكليّة.

إن باب الوساوس يختلف عن باب الشبهات الحقيقية التي يكون علاجها بالإجابة عنها، فتنتهي وتزول إذا كانت الإجابة محكمة، وأما الوساوس فإن الحل معها ليس في الجواب عنها، فإنها لا تنتهي بذلك ولو تكرر الجواب مئة مرة، وإنما حلها في الإعراض عنها.

ومن علامات الشبهة أنها تكون - في الغالب - ذات مصدر محدد، أما أن يكون مقطعاً مرئياً، أو كتاباً، أو أصدقاء، ونحو ذلك، وأما الوساوس فالاصل أنها ترد من خواطر يشعر بها الإنسان في داخله، وكثيراً ما تأتيه وقت العبادة.

وبعد هذه القواعد السابقة ذكرها، قد يبقى في نفس الإنسان شيء من الشبهة يصعب التخلص منه، أو تكون الشبهة أكبر من استطاعته للجواب عنها، فالحل هنا في الدعاء والابتهال والانطراح بين يدي الله سبحانه، ليزيل الشك، ويشرح الصدر، ويجلو الحزن والغم.

قواعد حوارية وحدانية مع أصحاب الشبهات

23

الصدر، ويجلو الحزن والغم.

## قواعد حوارية وحدانية مع أصحاب الشبهات

### القاعدة الأولى: (قبل الحوار): استيعاب مذهب المحاور، واستعراض مواده المرئية والمقروءة المتوفرة:

استيعاب مذهب المحاور، واستعراض مواده المرئية والمقروءة المتوفرة: إن من عوامل النجاح المهمة في جدل أصحاب الشبهات: المعرفة المسبقة بأقوالهم وبحقيقة مذاهبهم وأصولها وأهم أدلتهم، فهذا يعين على تحضير الرد، وعدم التفاجؤ بقول لهم يصعب الجواب عنه دون تحضير، مما قد يضعف من موقف صاحب الحق! ولا يدرك قيمة هذه القاعدة إلا من خاض الحوارات والجدل مع المشككين.

### القاعدة الثانية: الاتفاق على قاعدة مشتركة في الحوار:

قد يستدل أحد الطرفين على الآخر بدليل صحيح، فيرده الطرف الآخر لعدم اعترافه بهذا النوع من الأدلة، فيقع التنازع ويضيع الوقت، بينما لو وقع اتفاق من البداية على مصادر الأدلة التي ينطلق منها في النقاش لكان ذلك أفضل، وأقرب طريقاً، مع العلم بأن هذا الاتفاق لا يلزم في كل نقاش، وقد لا يتهيأ في بعض الأحيان، ولكنه بشكل عام مفيد ويختصر الوقت والجهد.

مثال ذلك: قد تحتج على ملحد بدلائل العقل الأولية على وجود الله ﴿61 62﴾ كدليل السببية، فيبادرك القول بأنه لا يؤمن بغير المحسوسات، وأنه ينكر دلائل العقل.

### القاعدة الثالثة: تحرير محل النزاع:

في بعض النقاشات يدرك طرفا الحوار بعد مدة من البدء به أنهما متفقان غير مختلفين، وإنما أساء كل منهما فهم الطرف الآخر، وهذا يكون كثيراً في حوارات شبكات التواصل، التي تشكل جواً من الشحن النفسي، والسرعة والتوتر، فيحسن بالمتحاورين أن يفهم كل منهما قول الآخر، ويحددان محل النزاع، ثم ينطلقان لهدف واضح.

ومن المؤسف أن بعض الشرعيين إذا أراد أن يتحدث عن شبهة معينة أو عن إشكال فكري فإنه لا يكون مستوعباً لمحل النزاع أو لماخذ الإشكال عند المخالف، فيرد عليه بما لا يزيل الإشكال، وهذا من ضعف التقدير وضيق النظر، بل الواجب إدراك محل النزاع ومناط الإشكال لتكون المعالجة مفيدة ومباشرة.

### القاعدة الرابعة: التدقيق في كلام الطرف الآخر، ونقده، والتنبه للإشكالات التي يتضمنها:

الذي لا ينطلق من أساس منهجي محكم سيقع في تناقضات وإشكالات، إذا أبرت له وللمتابعين، ظهر خطؤه، وضعف موقفه، ولذلك؛ فإن التدقيق في كلام المحاور، ومحاولة معرفة منطلقاته وطريقة استدلاله، تعين على استخراج ما يقع فيه من مخالفة مبادئه قبل مبادئ غيره، وعلي كشف تناقضاته، وسوء استدلالاته.

### القاعدة الخامسة: عدم الاكتفاء بالدفاع:

موقف الدفاع أضعف من موقف الهجوم، خاصة إن لم تكن إجابات المدافع عن الحق في غاية الأحكام، كما أن أصحاب الشبهات على مختلف توجهاتهم لا تخلو مذاهبهم من إشكالات كبرى، يجب أن تبرز للناس، وذلك عن طريق إثارة الأسئلة حولها، وطلب الإجابة من المدافعين عنها.

(1) حاشية الصبان على شرح أدب العضد ص (6).

24

من المدافعين عنها. (1) حاشيه الصبان علي شرح ادب العضد ص (٦). ٦٣ والذي يسلكه الملحدون واللادينيون إنما هو إثارة الإشكالات على الإسلام دون نقد لمرتكزات أفكارهم وقواعد تصوراتهم، فيظهرون أمام الجمهور مظهر القوي، ويظهر صاحب الحق بنوع من الضعف، اللهم إلا أن كان قد رزق من قوة الحجة والأسلوب ما أعطي أحمد ديدات رحمه الله تعالى، فهذا شيء آخر.

القاعدة السادسة: عدم التسليم بمقدمات باطلة:

تسليمنا بمقدمات باطلة يعني أن المخالف سيلزمنا بنتائج باطلة قد لا نريدها، فيجب ألا نسلم بها ابتداء، وهذا يقطع الطريق على صاحب الشبهة. مثال ذلك: بعض الملاحدة قد يستدرجك في النقاش قائلاً: كل موجود فله موجد؛ أليس كذلك؟ فإن قلت: بلى، قال لك: الله موجود؛ فمن أوجده؟

والصواب في ذلك ألا تسلم بالقاعدة من أساسها؛ لأنها قاعدة غير صحيحة، والصواب فيها أن: كل حادث فلا بد له من محدث، والله سبحانه ليس بحادث، فلا يسأل عنه بسؤال من أحدثه، أو من خلقه، أو من أوجده.

القاعدة السابعة: إن كنت مدعياً فالدليل، وإن كنت ناقلاً فالصحة:

قال عضد الدين الأيجي في «آداب البحث»: «إذا قلت بكلام خبري، إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل»(١). وهذه القاعدة تمثل خلاصة مهمة في علم الجدل، ومعناها: إن من يدعي دعوى فإنها لا تقبل إلا أن جاء بدليل عليها، وكذلك إن كان المرء ناقلاً لمعلومة عن عالم أو مفكر أو هيئة أو أي مصدر فلا بد أن يثبت صحة النقل عن هذا المصدر. وبغير ذلك فيبقى كلامه لا قيمة له. وهذه القاعدة لو طبقت تطبيقاً جيداً لأحدثت مناعة قوية من الشبهات المعاصرة لدى الشباب والشابات. ٦٤

وهنا ملاحظة في التفريق بين (صحة النقل) وبين (العزو). مثال ذلك: البعض يعتمد في طعنه على الصحابة ببعض الأحداث التاريخية؛ فإن قلت له: أثبت ذلك، قال: هذا موجود في تاريخ الطبري، في الصفحة كذا، في الجزء كذا.

وهذا في الحقيقة ليس تصحيحاً، وإنما هو عزو فقط، فنحتاج أن نرجع إلى تاريخ الطبري؛ لنتأكد من إسناده إلى هذه القصة، هل هو صحيح أم لا، أم أنه ليس له إسناد أصلاً؟؛ لأن الطبري لم يشترط الصحة في كتابه، وبالتالي، فالعزو للطبري ليس تصحيحاً للكلام وإنما إحالة إلى مصدر يخضع للدراسة.

القاعدة الثامنة: التنبه من الاستدلال الانتقائي بالنصوص الشرعية، وضرورة استعراض سائر نصوص الباب:

وهذه القاعدة من أهم القواعد، فإن الوقوع في الاستدلال الانتقائي هو من أكثر ما يقوم به المشككون والملحدون والمنصرون؛ كاستدلال بعضهم بقول الله: ﴿قل فاتوا بالتوراة فاتلوها﴾ [آل عمران: ٩٣] على صحة الدين النصراني، ويتركون الآيات الأخرى التي تبين كفر النصارى.

ومن أمثلة ذلك أيضاً: الاستدلال بقول الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] على أن الإنسان مجبر مسير لا مخير، ويتركون الآيات الأخرى التي فيها إثبات المشيئة والإرادة للإنسان كقول الله سبحانه: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩].

ومن الأمثلة: استدلال منكري السنة بقول الله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب يبين لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] وتركهم الآيات الأخرى التي فيها الأمر بطاعة الرسول ﷺ. ٦٥

إضاءات تهم المدافع عن الإسلام وثوابته

أولاً: فضل الرد على الشبهات:

25

## ٦٥ إضاءات تهم المدافع عن الإسلام وثوابته

أولاً: فضل الرد على الشبهات:

١ - قال الله ﷺ: ﴿وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾ [الفرقان: ٥٢]؛ أي: بالقرآن. قال ابن تيميه: «فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد»(١).

٢ - وظيفة الأنبياء بيان الحق، وإزالة التصورات الباطلة.

٣ - الله ﷺ أجاب بنفسه على الطاعنين في ذاته ودينه وشرعه ونبيه. كما قال سبحانه: ﴿وقالوا أشهد الرحمن ولدا فلم يحتم شيئا إذا﴾ [مريم: ٨٨]، [٨٩] إلى آخر الآيات.

وقوله سبحانه: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القربان جملة وبجده كذلك ليبين به فوادك وزللنه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا احتناك بالحق وأحسن تفتيرا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣].

ثانياً: من المهم أن يستحضر المرء أنه يدافع عن الإسلام لا عن آرائه. وهذا يقتضي أن يقدم الإسلام كما هو، مع مراعاة فقه الدعوة وتقديم الأولويات.

ثالثاً: ليس الداعية مسؤولا عن استجابة الناس إذا هو أحسن دعوته، فلا تذهب نفسه عليهم حسرات، وإنما يبذل جهده، ويعلم أن من الناس من لا يريد الحق، كما بين الله ذلك كثيراً في القرآن. (١) مجموع الفتاوي (٤/١٤).

رابعاً: ليهتم الداعية بنفسه من جهة الأخلاق الفاضلة، والآداب الإسلامية؛ ليكون قدوة حسنة، وهذا بحد ذاته من أسباب التقليل من آثار الشبهات؛ لأن النموذج الأخلاقي العالي من الشخص المتدين يعد دعوة صامتة مؤثرة، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴿آل عمران: ١٥٩﴾.

تصور إجمالي لخارطة الشبهات المثارة ضد الإسلام وثوابته في الوقت الحالي:

(١) تعود الشبهات العصرية المثارة ضد الإسلام وثوابته من الملحدين واللادينيين ومنكري السنة والمشككين فيها إلى نوعين، تحت كل منهما قائمة أبواب من الشبهات.

النوع الأول: شبهات يراد بها الطعن في أصل الإسلام، وتشمل أربعة أبواب:

الباب الأول: شبهات حول وجود الله سبحانه وكماله والحكمة من أفعاله. وتتفرع إلى قسمين:

القسم الأول: شبهات حول إثبات وجود الله. ومن أبرز ما يدخل في هذا القسم:

١سؤال: من خلق الله؟
٢الاعتراض على أدلة وجود الله كالطعن في مبدأ السببية.

(١) هذا التصور ليس شاملاً لكل الشبهات المتداولة، وإنما يتناول أكثر ما هو منتشر، كما أن التقسيم الذي ترونه هو تقسيم اجتهادي قابل للتصحيح، وقد أجبت في هذا الكتاب عن (جل) هذه الشبهات المذكورة في الخارطة الإجمالية هنا.

٣ - ادعاء الاستغناء بالقوانين الكونية عن الحاجة إلى وجود الله.

٤ - الاستشهاد ببعض النظريات والفرضيات العلمية الحديثة؛ كنظرية التطور والكون المتعدد، وبعض أبواب فيزياء الكم على عدم وجود الله سبحانه.

القسم الثاني: شبهات حول كماله - جل شأنه - والحكمة من أفعاله، ومن أبرز ما يدخل تحت هذا القسم:

١ - لماذا خلقنا وأمرنا بالعبادة؟

٢ - شبهة وجود الشر في العالم.

٣ - شبهة حول إجابة الله الدعاء.

٤ - تعذيب الكفار بالنار وتخليدهم فيها.

٥ - الجمع بين العدل الإلهي وبين القضاء والقدر وكتابة أعمال عباد.

الباب الثاني: شبهات حول القرآن الكريم. وتتفرع إلى قسمين:

القسم الأول: التشكيك في صحة نسبته إلى الله ﷺ.

القسم الثاني: ادعاء وجود أخطاء فيه، والأخطاء المدعاة ثلاثة أنواع: لغوية، وعلمية (طبيعية)، وتناقضات بين الآيات.

الباب الثالث: شبهات حول الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. وتتفرع إلى قسمين:

القسم الأول: التشكيك في نبوته ﷺ.

القسم الثاني: الطعن في مواقف من سيرته وحياته ﷺ. ومن أشهر المواقف التي يطعن عليه بها: زواجه من عائشة ﷺ، وزواجه من صفية، وقضية تعدد زوجاته، وحادثة بني قريظة، وحادثة العرنين.

الباب الرابع: شبهات حول التشريعات الإسلامية، ومن أبرز ما يدخل في ذلك:

26

الرابع: شبهات حول التشريعات الاسلاميه، ومن ابرز ما يدخل في ذلك:

١ - احكام المراه في الاسلام (ادعاء مظلوميتها).

٢ - احكام الجهاد الاسلامي (ادعاء انه دين عنف).

٣ - الرق وعقوبه المرتد (ادعاء انه دين يخالف الحريه).

٤ - رجم الزاني وقطع يد السارق (ادعاء انه دين وحشي).

وليس المقصود انكار بعض المسلمين لشيء مما سبق من التشريعات، وانما من يطعن في اصل الاسلام بسبب ذلك.

النوع الثاني: شبهات يراد بها الطعن في ثوابت الشريعه دون اصل الاسلام، وتشمل خمسه ابواب:

الباب الاول: شبهات حول السنه النبويه. وتتفرع الي اقسام:

القسم الاول: حول اصل حجيتها والاستغناء بالقران عنها.

القسم الثاني: حول حجيه اخبار الاحاد خاصه.

القسم الثالث: حول نقلتها ورواتها.

القسم الرابع: حول تاريخها وتدوينها وكتابتها.

القسم الخامس: حول علم الحديث ومناهج المحدثين.

القسم السادس: حول احاديث بعينها، بادعاء معارضتها للعقل او الحس او القران او العلم الحديث او لاحاديث اخري.

الباب الثاني: شبهات حول منهجيه فهم النص الشرعي.

الباب الثالث: شبهات حول الصحابه.

الباب الرابع: شبهات حول الاجماع.

الباب الخامس: شبهات حول الحدود الشرعيه.

مناقشه ابرز الشبهات المعاصره التي يثيرها الملحدون واللادينيون ومنكرو السنه.

ابرز الشبهات المعاصره التي يثيرها الملحدون واللادينيون ومنكرو السنه ساسير في ذكر الشبهات ونقضها علي الترتيب السابق عرضه في الخارطه الاجماليه، مع ملاحظه ان المقام في هذا الكتاب مقام اختصار، وليس مقام استقصاء وتوسع في نقض الشبهات، ومن اراد التوسع فعليه بالمراجع التي اذكرها في ابواب الرد علي الشبهات، مع ان في بعض ما ذكرت من وجوه الرد علي الشبهات كفايه، وقد تقدم ان الشبهات المعاصره تعود الي نوعين:

١ - شبهات يراد بها الطعن في اصل الاسلام.

٢ - شبهات يراد بها الطعن في ثوابت الشريعه دون اصل الاسلام.

فاما النوع الاول فيتفرع الي ابواب سبق ذكرها، واول هذه الابواب: الشبهات حول الايمان بوجود الله سبحانه وكمال افعاله، وقبل الاجابه عن الاشكالات في هذا الباب ساذكر اصلين يرجع اليهما ليكونا منطلقين للاجابه عن الاعتراضات:

الأول: ادله وجود الله سبحانه.

الثاني: اصل في باب الحكمه من افعال الله سبحانه.

الاصل الاول: ادله وجود الله سبحانه:

اولا: دليل الفطره: تدل الفطره البشريه علي وجود الخالق ﷺ من ثلاث جهات:

الجهه الاولي: ان هناك معارف اوليه ضروريه حاصله لكل البشر، لم يتعلموها في مدرسه، ولم يتلقوها في جامعه، وانما ولدت معهم، وعرزت في عقولهم؛ كمعرفه ان الحادث لا بد له من محدث، وان الجزء اصغر من الكل، وهذه المعارف يستدل بها علي وجود الله سبحانه من طريقين:

الطريق الاولي: من جهه النظر والاستدلال، وذلك بان ينظر في الكون والانسان والمخلوقات، فيعلم بانها حادثه، ثم نستدل بالمعرفه الفطريه القائله بان لكل حادث محدث علي ان للكون والمخلوقات محدثا خالقا وهو الله ﷺ.

الطريق الثانيه: ان مجرد وجود هذه الغرائز المعرفيه الفطريه يدل علي ان هناك من اودعها في نفس الانسان؛ لانها لم تحصل عن اكتساب ولا عن تعلم، وهذا دليل علي وجود الخالق ﷺ.

الجهه الثانيه من دلاله الفطره: ضروره الافتقار والتعبد، او الاعتراف النفسي الضروري بالحاجه الي الخالق سبحانه.

اذ ان في فطره الانسان افتقار ذاتي الي قوه غيبيه كامله غنيه يرجو منها الانسان النفع، ويستدفع بها الضر، ويتذلل لها، وخاصه عند الشدائد؛ ولذلك تجد ان الامم كلها من قديم الزمان وفي مختلف البلدان لها اماكن للعباده، حتي عبدوا الشمس والكواكب والنار والاحجار ملتمسين بذلك جلب النفع ودفع الضر،

وما ذلك الا لافتقار الانسان بطبيعته الي الاله الذي يملا تطلعات روحه وحاجاته؛ غير ان البيئه التي ينشا فيها الانسان قد تساهم في تشويش الغايه الصحيحه، فبدل ان يتوجه للاله الحق، يتوجه الي الهه باطله يعلم بالعقل قبل الشرع بظلالها،

ولذلك فان الرسل حين بعثوا الي اقوامهم لم يكن محور رسالتهم اثبات وجود الخالق؛ لان الامم كانت تقر بذلك في الجمله، وان كان بعض الناس قد يحتاج الي تذكير بهذه الحقيقه الفطريه، وانما كان محور رسالتهم: الدعوه الي افراد الله تعالي بالعباده، والتخلص من عباده كل ما سواه،

ولذلك نجد اسلوب خطاب الرسل عند الحديث عن هذه الحقيقه الفطريه تذكيريا لا تاسسيا، كانه يحيي الفطره في النفوس، او يوقظها، لا انه يغرسها او يبنيها، فتامل - مثلا - قول الله تعالي: ﴿قالت رسولهم افلم شك فطر المتوكر والارض؟ !﴾ [ابراهيم: ١٠]. فهذا اسلوب من يذكر لا من يؤسس معني كان مجهولا.

27

! ﴿إبراهيم: ١٠﴾. فهذا أسلوب من يذكر لا من يؤسس معنى كان مجهولا. ومع أن طوائف من الناس تنكر هذه الحاجة الفطرية إلا أنها مركوزة في النفوس بلا ريب، وإنكارها إنما هو بسبب الجحود والكبر، أو بسبب فساد الفطرة وتغيرها بمؤثرات خارجية، قال الله سبحانه: ﴿فأقم وجهك للذين حنفاء فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ ﴿الروم: ٣٠﴾. وقال النبي: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه»(١).

وقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة»(٢) انتهى. وقد يقول قائل: وهل يمكن أن تفسد الفطر؟ ما الدليل على ذلك من الواقع المشاهد؟

والجواب عن ذلك: إنه يوجد في الواقع أناس أنكروا المبادئ العقلية الأولية، وآمنوا بالحس - وحده -، حتى وقعوا فيما يثير ضحك الأطفال قبل الكبار، فمثلاً: تسأل أحدهم عن عمارة تتكون من عشرين طابقاً، وفي كل طابق عشر نوافذ، فما نسبة النافذة الواحدة إلى مجموع العمارة؟ هل هي أصغر منها أو أكبر؟ فيكون جوابه بأنه لا يعرف حتى يرى العمارة بالحس (البصر) ثم يحكم!

فبالقياس على من تشوهت عنده المعارف العقلية الأولية بسبب شبهات أو شكوك أفسدت بديهيته، نستدل على إمكانية تشوه الفطرة الداعية إلى وجود الخالق سبحانه؛ إذ إن المعارف العقلية البديهية هي أمر فطري أيضاً، بل إن تصور فساد الفطرة في باب الاعتراف بوجود الله أظهر من تصوره في باب المعارف العقلية الأولية؛ لكثرة الشبهات في الأول دون الثاني.

(١) صحيح البخاري (١٣٨٥).

(٢) مجموع الفتاوى (١٦/١٨٩).

(1) ذكر ذلك في مقابلة مع جاسم المطوع في برنامج (حديث الذكريات) وهو مرفوع على الشبكة.

الجهة الثالثة: الغرائز والأخلاق، وذلك أننا نرى في الإنسان والحيوان غرائز فطرية غير مكتسبة من المجتمع ولا من البيئة، وإنما هي مما أودع فيه بغير كسب منه، فانت تشاهد بعض الحيوانات عند ولادتها تتجه مباشرة إلى الضرع باحثة عن اللبن، من غير أن تكون الأم هي التي توجهها إليه، وانت ترى الرضيع إذا ألقيت له أمه ثديها عرف كيف يمصه ويستخرج الطعام منه، وكذلك غريزة ميل الجنسين أحدهما إلى الآخر، وغريزة النكاح، وحب الولد، وغير ذلك من الغرائز الكثيرة جداً.

وبالمناسبة فإن للمفكر المعروف عبد الوهاب المسيري كلاماً لطيفاً في الأمور التي جعلته يتحول من النظرة المادية للحياة، من أهمها: ما رآه من تعلق زوجته الشديد بابنتها تعلقاً يتجاوز الآليات المادية الجامدة، وقال: هل يمكن أن يكون ذلك كله بسبب الإنزيمات؟(1) ومن الغرائز التي أودعت في الإنسان: القيم الأخلاقية الفاضلة كاستحسان الصدق، والعدل، واستبشاع الظلم والقتل وتعذيب الأطفال، ونحو ذلك.

إن وجود الخير في نفس الإنسان لا يمكن أن يفهم في دائرة العبثية والعشوائية، وإنما يتم فهمه باتساق وانتظام تحت مظلة الإيمان بوجود الخالق المدبر ﷺ، الذي خلق النفوس وأهمها فجورها وتقواها.

ثانياً: دليل إيجاد المحدثات وخلقها: وهذا الدليل متوجه إلى الأشياء الحادثة، فكل ما هو حادث فإن العقل يدعو ضرورة إلى البحث عمن أحدثه، وهو قائم على الترتيب التالي:

1 - الكون حادث، والمخلوقات حادثة بعد أن لم تكن.

2 - وكل حادث فلا بد له من محدث.

3 - إذاً: الكون والمخلوقات لها خالق أوجدها بعد أن لم تكن.

(1) الفتاوى (٢١٥/٥)

28

لها خالق اوجدها بعد ان لم تكن. ٧٣

(1) الفتاوي (٢١٥/٥)

وهذا المبدا - اعني: لكل حادث محدث - يعترف به كل البشر من الناحيه العمليه، وان انكره بعضهم بلسانه، فانت تري اننا نبحث عن الفاعل خلف كل حدث لم يكن موجودا، وتري الاطباء يبحثون عن اسباب فشو الامراض التي لم تكن فاشيه، ويفنون اعمارهم في البحوث والدراسات اعترافا بالمبدا العقلي الذي يقول بالسببيه،

وتري علماء النفس والاجتماع يبحثون عن اسباب حدوث المشاكل النفسيه والاجتماعيه، بل وتري الرضيع في مهده يلتفت حين يسمع الصوت باحثا عن مصدره، قال ابن تيميه: «من المعلوم بالضروره ان الحادث بعد عدمه لا بد له من محدث، وهذه قضيه ضروريه معلومه بالفطره حتي للصبيان؛

فان الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك احد، لم يقبل عقله ان تكون الضربه حدثت من غير محدث»(1) انتهي.

ولذلك كله؛ فان الانسان المتوائم مع فطرته، لا يحتاج في الاستدلال علي وجود الخالق سبحانه الي اكثر من النظر في حدوث الكون والمخلوقات، لتتولي الضروره العقليه بعد ذلك اكمال الاستدلال والاعتراف بوجود الخالق. قال الله: ﴿ام خلقوا من غير شيء ام هم الخلقون﴾(2) ﴿[الطور: ٣٥]﴾.

وقال: ﴿اولا يذكر الانسان انا خلقته من قبل ولم يك شيئا﴾(3) ﴿[مريم: ٦٧]﴾.

واما اثبات حدوث الكون فلم يعد امرا تكتنفه الصعوبه؛ اذ لا يكاد يوجد في الاوساط العلميه اليوم من يقول بان الكون ازلي قديم، ولذلك؛ لا تجد علماء الملحدين ينكرون حدوث الكون في سياق انكارهم لوجود الله،

وانما يجنحون الي تفسير نشاه الكون وحدوثه خارج الاطار الديني الغيبي. وليس هذا مجال تفصيل الادله العلميه علي حدوث الكون، ويمكن ان تراجع في اي مرجع علمي تحت موضوع: توسع الكون او تمدده، وكذلك تحت موضوع القانون الثاني للديناميكا الحراريه.

ومن المراجع المهمه في باب اثبات وجود الله (3) ودلائل الفطره ٧٤

ومن المراجع المهمه في باب اثبات وجود الله (3) ودلائل الفطره ٧٤ ٧٥ والعقل علي ذلك كتاب «شموع النهار» للشيخ عبد الله بن صالح العجيري.

ثالثا: دليل الاتقان:

بعد ان استدل العقل علي وجود الخالق سبحانه بحدوث المخلوقات، فان هاهنا دليلا اخر، يزيد الامر جلاء، ويقطع كل ريب، ويذهب كل شك، الا وهو ان تلك المخلوقات الحادثه لم يكن الشان فيها مجرد الحدوث، وانما هي - مع ذلك - قد ظهرت باتقن صوره واحسن صنع،

بل ان الاتقان الذي فيها معجز لكل القدرات البشريه بحيث لا يمكن محاكاته ولا مماثلته، وهنا يصرخ العقل بان هذا الاتقان والاحكام لا يمكن ان تنتجه الصدفه، ولا ان تبدغ العشوائيه، وانما قوه الله العليم الحكيم القدير سبحانه.

وصور الاتقان والاحكام في المخلوقات تضيق عن بيانها الموسوعات الكبري، بل لا يمكن ان تحصر، وكلما ازداد الانسان نظرا وتاملا في النفس، والحيوان، والارض، وما عليها، والافاق ازداد علما بان هذا الاتقان لا يصدر عن عشوائيه البته!

ولذلك؛ فان من اعظم وسائل زياده اليقين بوجود الله سبحانه: التامل في المخلوقات، والنظر في علامات اتقانها، ودلائل احكام صنعها، وقد اتاحت البرامج الوثائقيه فرصه كبيره للمتاملين والمتفكرين، وكذلك الكتب العلميه التي تتحدث عن وظائف الاعضاء، وتركيب الخليه، والمعلومات الوراثيه،

ونحو ذلك كلها شاهده بان هذه المخلوقات علي درجه معجزه من الاتقان، وقد قال الخالق سبحانه: «ستريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتي يبيان لهم انه الحق» ﴿[فصلت: ٥٣]﴾، وقال: «وفي الارض ايات لمتوقينا وفي انفسكم افلا تصرون» ﴿[الذاريات: ٢٠ - ٢١]﴾.

ومن المراجع في معرفه الاتقان في المخلوقات كتاب «الله يتجلي في عصر العلم» لنخبه من علماء الطبيعه الامريكيين.

رابعا: دليل العنايه:

بعد ان ذكرنا دليل الايجاد ثم دليل الاتقان، نجد دليل العنايه زائدا علي ٧٦

29

## دليل الايجاد ثم دليل الاتقان

نجد دليل العناية زائداً على ٧٦ ذينك الدليلين، مؤكداً على ضرورة وجود الخالق الحكيم العليم الرحيم سبحانه وبحمده. وهذا الدليل وإن كان داخلاً في باب الاتقان في الجملة، إلا أنه يستحق أن يفرد؛ لأنه يتناول العلاقة بين الإنسان المتقن صنعه، وبين المخلوقات المحكم خلقها.

فزيادة على كون المخلوقات متقنة محكمة، فإنك ترى أنها مسخرة ليستفيد منها الإنسان ويقضي بها حاجاته من الغذاء، والدواء، والركوب، والسفر، والرعي، والقتال، والصناعة، والبنيان! إنها عناية مقصودة لا عبثية، بدءاً من تهيئة الظروف المناسبة له في بطن أمه، وبعد ولادته بتكوين الغذاء في صدر أمه، وتحنين قلبها عليه.

ثم بتسخير النباتات والحيوانات له بما يناسب حاجته، وتهيئة الأرض ليسير في فجاجها ومناكبها، وتسخير البحر ليركبه، وإيداع المعادن في باطنها مع إمكان استخراجها للاستفادة منها، وموافقة الشمس والقمر والليل والنهار لمصالح الإنسان وحاجاته، وكذلك منحه القدرة العقلية التي يفهم بها الكون، ويعمر بها الأرض!

وصور العناية أكبر من ذلك بكثير، تدرك بالمعرفة والتأمل.

## الأصل الثاني: مقدمة مهمة في التعامل مع السؤالات المتعلقة بالحكمة والعدالة الإلهية

مقدمة مهمة في التعامل مع السؤالات المتعلقة بالحكمة والعدالة الإلهية: إن معرفة الجواب عن الأسئلة المتعلقة بكمال الله وعدله، والحكمة من أفعاله لا يستقيم تمام الاستقامة إلا بعد الإقرار بعدد من الاعتقادات السابقة، المبنية على البراهين القطعية، وسأذكرها مرتبة:

1**الإيمان التام بوجوده ﷺ**، وقد تقدم ذكر شيء من الدلائل على ذلك.
2**الإيمان بكماله في ذاته وفي أفعاله**، وهذا مبني على ما نشاهد من الأحكام والإتقان في المخلوقات ونظامها، كما نستدل بصنعة المخلوقين على بعض صفاتهم؛ فإننا نعرف من خلال صورة يصنعها الرسام أنه محترف ماهر أو مبتدئ غير متقن.
3**الإقرار بأن المخلوق محدود القدرة والعلم والحكمة**، وأن الخالق مطلق العلم والقدرة والحكمة؛ فالإنسان لا يزال يتعلم ما كان يجهله في السابق، ولذلك نرى الآخر يأتي فيصحح ما كان يظنه الأول الصواب المطلق، ويهدم ما بني، ويبني ما هدم، وتأتي نظرية فتنقض ما كان يعتقد أنه حقيقة قبل ذلك، وكل هذا بسبب عجز الإنسان ومحدودية علمه وقدرته.
4**الإيمان بأنه سبحانه أرسل رسلاً، وأوحى إليهم ما يعرف الناس به خالقهم، ومراده من خلقهم**، وأيدهم بما يبين صدقهم، من كمال الأخلاق، وصدق اللهجة، واستقامة الحال، والبعد عن مواطن الشك، ومحال الريبة، إضافة إلى الآيات التي أعطاهم إياها لتكون دليلاً آخر على نبوتهم وصدقهم.

وإذا ثبت ذلك؛ فإنه لا أحد أعلم بإجابة هذه الأسئلة المتعلقة بالحكمة من أفعال الله من الله نفسه، وهو قد بينها في كتابه الذي أنزله هدى للناس ونوراً، فطريق المعرفة الصحيحة في هذا الباب هو المصدر الإلهي لا المحدودية البشرية.

فإدراك الحقائق السابقة جميعها، يجعل إيماننا وتسليمنا بما جاء في القرآن والسنة مما لم نعرف حكمته من أفعال الله موقفاً عقلياً صحيحاً؛ ولا يكون التسليم - حينئذ - هروباً من الحقيقة، ولكن مبنياً على البرهان العقلي.

وهناك مثال لطيف من الواقع يبين شيئاً من التقرير السابق: وهو أننا إذا رأينا هاتف جوال، صنعته شركة معروفة بالإتقان في صناعتها؛ ك(أبل) أو (سامسونج)، ثم وجدنا فيه قطعة لم نعرف فائدتها، فلن نقول إنها عديمة الفائدة، بل سنبحث عن سبب لوجود هذه القطعة، لمعرفتنا المسبقة - من خلال منتجات الشركة - بأنها لن تصنع شيئاً عبثياً لا فائدة منه؛

30

المسبقه - من خلال منتجات الشركه - بانها لن تصنع شيئا عبيا لا فائده منه؛ وكذلك هذا الكون العظيم المبني علي نظام متقن، وهذه المخلوقات التي احسن خلقها، وبنيت علي نظام لا يقوم شيء من انظمه الهواتف ولا غيرها مقامه، والتي تدل علي ان صانعها هو الكامل في علمه وقدرته وحكمته،

مقامه، والتي تدل علي ان صانعها هو الكامل في علمه وقدرته وحكمته، فهل من الصواب بعد ذلك ان نقول فيما لم نفهم حكمته في هذا الكون بانه عديم الفائده او لا حكمه من وجوده؟ ! لا شك ان ذلك مما ياباه العقل السليم، والقياس الصحيح.

من وجوده؟ ! لا شك ان ذلك مما ياباه العقل السليم، والقياس الصحيح. وبعد هاتين المقدمتين - في وجود الله، وفي كماله - فاننا سنتعامل مع كل الاشكالات المثاره حول باب جود الله سبحانه وحول باب الحكمه من افعاله علي ضوئهما، ومن الخطا ان نتعامل مع سؤال متعلق بحكمه الله بعيدا عن الاصول السابقه.

٧٨ ٧٩ النوع الاول شبهات حول اصل الاسلام الباب الاول شبهات حول وجود الله

٧٨ ٧٩ النوع الاول شبهات حول اصل الاسلام الباب الاول شبهات حول وجود الله والحكمه من افعاله سبحانه القسم الاول: شبهات حول وجوده - جل شانه -: وستتناول في هذا القسم اربع شبهات بالعرض والرد:

١الاولي: سؤال من خلق الله؟

في هذا القسم اربع شبهات بالعرض والرد: الاولي: سؤال من خلق الله؟ كثيرا ما يعترض الملحدون علي ادله وجود الله سبحانه بسؤال: من خلق الله؟ وهذا السؤال باطل في ذاته، غير صحيح، فانه مماثل لقولك: هل مده حمل الرجل كالمراه - تسعه اشهر -؟ وما وزن درجه الحراره؟ ونحو ذلك من الاسئله المغلوطه.

تسعه اشهر -؟ وما وزن درجه الحراره؟ ونحو ذلك من الاسئله المغلوطه. فانه سؤال عن الخالق بما لا يمكن، وهو ان يكون مخلوقا، فالخالق خالق لا يكون مخلوقا حتي يسال عنه بمن خلقه؟ كما ان من الاشكالات في السؤال كونه مبنيا علي التسويه بين الخالق والمخلوق، وعلي التسويه بين قاعده (كل حادث له محدث) وبين قول البعض: (كل موجود فله موجد) وكلا التسويتين خطا.

له محدث) وبين قول البعض: (كل موجود فله موجد) وكلا التسويتين خطا. ثم ان من دلائل بطلان هذا السؤال انه يستلزم الا يكون الكون موجودا اصلا؛ فان من المعلوم ان سؤال (من خلق الخالق؟) ليس باولي من سؤال ٨٠

31

اصلا؛ فان من المعلوم ان سؤال (من خلق الخالق؟) ليس باولي من سؤال (من خلق خالق الخالق؟) ولا (من خلق خالق خالق الخالق؟) وهلم جرا، وبهذه الطريقه فلن يكون لهذا الكون وجود؛ لانه اذا كان وجود الخالق لهذا الكون معلقا علي وجود الخالق الذي قبله، والذي قبله معلق وجوده علي الذي قبله، وهكذا الي ما لا نهايه؛ للزم انه لن يوجد الخالق الذي خلق هذا الكون؛

الي ما لا نهايه؛ للزم انه لن يوجد الخالق الذي خلق هذا الكون؛ لانه لا يوجد خالق (اول) تقف عنده السلسله ويصدر منه الخلق الاول؛ فالسلسله مستمره الي ما لا نهايه، وبالتالي لن يوجد الكون الا اذا كان هناك مصدر اول لا بدايه له.

نهايه، وبالتالي لن يوجد الكون الا اذا كان هناك مصدر اول لا بدايه له. وهنا تظهر عظمه القران، ونعمه الله علينا بعثه محمد ﷺ، فقد جاء في القران من اسماء الله الحسني: ﴿الاول﴾ كما في سوره الحديد [الايه: ٣]، وجاء في صحيح مسلم في دعاء النبي ﷺ انه قال: «اللهم انت الاول فليس قبلك شيء»(١)، وهذا كله يبين حكمه العلاج النبوي الوارد في الحديث الصحيح:

«ياتي الشيطان احدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتي يقول: من خلق ربك؟ فاذا بلغه فليستعد بالله ولينته»(٢)؛ فهذا الحديث يبين ان السؤال في ذاته غلط، ولن يوصل التفكير فيه الي نتيجه ايجابيه الا بالرجوع الي اعتقاد ما جاء في لسان الشرع من صفه الله سبحانه.

قال ابن تيميه رحمه الله تعالي: «فاذا وصل العبد الي غايه الغايات ونهايه النهايات وجب وقوفه، فاذا طلب بعد ذلك شيئا اخر، وجب ان ينتهي؛ فامر النبي ﷺ العبد ان ينتهي مع استجارته بالله من وسواس التسلسل، كما يؤمر كل من حصل نهايه المطلوب، وغايه المراد ان ينتهي»(٣) انتهي.

واما قاعده (كل موجود فله موجد) فهي غير صحيحه، وانما الصواب فيها ان لكل حادث محدث، وهذا الكون قد ثبت حدوثه، فلا بد له من محدث.

(١) (٢٧١٣).

(٢) صحيح البخاري (٣٢٧٦).

(٣) درئ تعارض العقل والنقل (٣/٣١٤ - ٣١٥).

(1) رحله عقل، عمرو شريف (ص٦٦).

الثانيه: دعوي الاستغناء بالقوانين الكونيه: ينشر بعض الملحدين دعوي لا دليل عليها، بل الدليل ينقضها ويفسدها، الا وهي: ان القوانين الدقيقه التي يسير عليها الكون تغنينا عن القول بوجود خالق له، فالكون انشا نفسه بنفسه علي ضوء هذه القوانين.

وهذا الكلام فيه مغالطه وتجاوز لحقيقه مهمه، الا وهي ان القوانين واصفه ومفسره لا خالقه ومنشئه؛ فهل يمكن ان نقول: بما ان المعاملات الماليه لها قوانين حسابيه؛ فان هذه القوانين يمكنها انشاء محل تجاري؟ وهل يمكن لقوانين الميكانيكا ان تصنع سياره؟ ام انها تحتاج الي صانع يطبق هذه القوانين.

وهل قانون الجاذبيه يخلق ام يفسر؟ ان وجود قانون يفسر ظاهره معينه لا يلغي وجود سبب لنشاتها، فمعرفتنا بالقوانين التي تعمل الطائره وتطير وتهبط علي وفقها، لا يلغي وجود صانع لها، وهكذا بالنسبه للكون سواء.

وام اخر؛ وهو ان في هذه الدعوي تجاوزا لسؤال عقلي ضروري، الا وهو: من الذي سن هذه القوانين؟ ومن الذي جعل الكون يعمل علي وفقها؟

الثالثه: نظريه التطور الدارويني: لا يسعني في هذا المقام المختصر ان اناقش بشكل مفضل نظريه تربعت علي عرش الجدل الديني/العلمي، والتي هي (من اهم الحجج التي يستند اليها الملاحده لتفسير تنوع الكائنات الحيه دون الحاجه الي وجود الله الخالق)(١) كما ذكر انتوني فلو - الملحد الاشهر في نهايات القرن العشرين، والذي ختم حياته بالاعتراف بوجود الخالق -.

فقد صارت هذه النظريه عند البعض عقيده لا تقبل النقاش ولا الجدل، اضافه الي كونها التفسير الطبيعي «الوحيد» لنشاه الكائنات الحيه في مقابل

(1) اصل الانواع، طبعه هارفارد p189.

32

لنشاه الكائنات الحيه في مقابل ﴿1﴾ اصل الانواع، طبعه هارفارد p189. الايمان بوجود الخالق ﷺ، وهذا ما يدفع الوسط العلمي - الذي يفضل التفسير المادي - الي مزيد من التشبث بها، والي المبالغه في الاعتماد عليها وتعظيمها.

لقد ادي الصراع في القرون المتاخره بين كثير من رموز العلم الطبيعي وبين الدين الكنسي المحرف، الي ان يستاثر كل من الطرفين برؤيه تختلف عن الاخر، وبمنهج تفسيري للموجودات نحا فيه علماء الطبيعه الي استبعاد التفسيرات الغيبيه عكس الرؤيه الكنسيه، وهذا ما يجعل القول بحياتيه المجتمع العلمي الطبيعي غير دقيق.

ان هذه النظريه لم تصل الي حد الحقيقه العلميه، اضافه الي ان ادلتها تتفاوت قوه وضعفا بحسب نوع التطور المستذل عليه، فادله التطور داخل النوع نفسه اقوي من ادله التطور بين الانواع.

ان نقد نظريه التطور لم ينطلق من دائره الدين - فقط -؛ فان من العلماء التجريبيين من انتقدها وابرز ثغرات كبيره فيها، وبينوا كثيرا من التحديات والاشكاليات التي تواجهها، منهم د. مايكل بيهي استاذ الكيمياء الحيويه بجامعه ليهاي في بنسلفانيا،

الف كتابا في ذلك وهو «صندوق دارون الاسود» وقد احدث ضجه في الاوساط الفكريه، وانطلق فيه من عباره دارون نفسه في كتابه اصل الانواع: «اذا كان من الممكن اثبات وجود اي عضو معقد لا يرجح انه قد تشكل عن طريق العديد من التعديلات المتعاقبه والطفيفه فسوف تنهار نظريتي تماما» ﴿1﴾؛ فشرح د. مايكل بيهي في كتابه تعقيد الخليه الرهيب، وهو ما يتفق مع كلام دارون المذكور.

وقد قام مركز براهين بترجمه الكتاب، وطبع في مركز تكوين في ٤٣٠ صفحه. وهناك كتب اخري لعلماء غربيين انطلقوا في نقدهم للنظريه من منظور علمي، منها: كتاب ايقونات التطور للدكتور جوناثان ويلز، وقد صدر باحثو مركز براهين ترجمتهم لهذا الكتاب بقولهم: «الرساله الاساسيه لكتاب ٨٢ ٨٣ (ايقونات التطور) حول فكرتين جوهريتين؛ الاولي هي ابراز مقدره خبراء العلم الطبيعي علي توظيف العلم توظيفا ايديولوجيا قمعيا سلطويا اقصائيا متي ارادوا ذلك او شعروا بالحاجه اليه.

واما الفكره الثانيه فهي ابراز قابليه العلم الطبيعي نفسه لان يتحول من خلال نظرياته وفرضياته ومؤيديه الي اساطير ذات اقانيم وايقونات، ومرويات وسرديات، ورموز واشارات خاصه ﴿1﴾ انتهي.

وكتاب اخر - ايضا - وهو: العلم واصل الانسان، الفه ثلاثه من العلماء هم (ان جوجر، ودوغلاس اكس، وكيسي لسكين) في نقد التطور الدارويني، وكذلك الكتاب المهم جدا، وهو: تصميم الحياه، تاليف: د. ويليام ديمبسكي ود. جوناثان ويلز.

واحب التنبيه - ايضا - الي ان بعض الباحثين المسلمين المتصدين للطرح الالحادي يتبنون فكره التوفيق بين نظريه التطور، وبين الاسلام؛ وذلك لاعتقادهم ان تطور الانواع ثابت علميا، ولكنهم يخالفون الملحدين الداروينيين في مبدا العشوائيه (الانتخاب الطبيعي)، فهؤلاء المسلمون يقولون بتطور موجه؛ اي:

ان الله هو الخالق لكل شيء، ولكن بسته التطور، وكما يقول بعضهم: من الذي يمنع الاله ان يخلق خلقه بطريق التطور؟

وهذا القدر من الطرح اكثر ما يظهر اصطدامه بالشرع في موضوع خلق ادم ﷺ؛ فان النصوص القرانيه واضحه الدلاله في ان الله خلقه خلقا مباشرا بلا اب ولا ام؛ اي: انه لم يكن نتيجه تطور سلاله سابقه شبيهه بالانسان.

قال الله ﷺ: ﴿وان مثل عيسي عند الله كمثل ءادم خلقته من ثراب ثم قال له كن فيكون﴾ ﴿7﴾ [ال عمران: 59]. وممن عرض اقوال هؤلاء وناقش استدلالاتهم الدكتور هشام عزمي في كتابه التطور الموجه والذي طبع في مركز براهين، والشيخ سلطان العميري في رساله الدكتوراه.

﴿1﴾ ايقونات التطور. تكوين (ص ١٣).

33

العميري في رساله الدكتوراه.

(1) ايقونات التطور. تكوين (ص ١٣).

٨٤

رابعا: فرضيه الاكوان المتعدده: دار حوار بين ريتشارد داوكنز (راس الملحدين في هذا العصر) مع ستيفن واينبرغ (من اشهر الفيزيائيين في العالم، وهو ملحد) حول فرضيه الاكوان المتعدده، وكان دوكنز يؤمل ان يسمع ممن هو اعلم منه ما يقوي من جانب تلك الفرضيه، ولكن خاب فاله، وهذا نص الحوار(1):

«دوكنز: انا قبلت راي علماء الفيزياء ان هناك نوعا ما من التضيط الدقيق، وقد حاولت ان اضع ثلاثه تفسيرات محتمله، احدها: الله، وقلت: انه ليس بتفسير، والاخر: نظريه تعدد الاكوان، ونحن موجودون في احد الاكوان. والثالث: نسبته اليك.

واينبرغ: اوه، لا

دوكنز: ربما بالخطا

الاكوان.

والثالث: نسبته اليك.

واينبرغ: اوه، لا

دوكنز: ربما بالخطا

واينبرغ: تمنيت انك لم تفعل

دوكنز: هو ما اسميه الفيزيائي الجريء هو الذي يقول باننا حاليا لا نفهم لماذا هذه الاشياء (الثوابت) هكذا، ويوما ما سنفهم عندما يكون لدينا نظريه كل شيء، ولكن يبدو من خلال حديثنا انني اسات تمثيلك.

لدينا نظريه كل شيء، ولكن يبدو من خلال حديثنا انني اسات تمثيلك.

واينبرغ: لا اظن ان علي احدنا ان يستهين بالورطه التي نحن فيها واننا في النهايه لن نستطيع ان نفسر العالم. هناك مجموعه من قوانين الطبيعه التي لن نستطيع فهمها بتحويلها الي قوانين رياضيه؛ لاننا يمكن ان نحصل علي قوانين رياضيه ولكنها لا تفسر العالم كما نعرفه.

يمكن ان نحصل علي قوانين رياضيه ولكنها لا تفسر العالم كما نعرفه.

وسيبقي دائما سؤال لماذا قوانين الطبيعه كما هي الان وليست مختلفه، ولا اجد اي طريقه للخروج من هذا.

(1) وهو حوار مشهور، مرفوع علي موقع يوتيوب بروابط كثيره، منها هذا الرابط، وفيه جزء من اللقاء متوجما https://www.youtube.com/watch?v=deM1zfy0v0g

٨٥

هذا الرابط، وفيه جزء من اللقاء متوجما https://www.youtube.com/watch?v=deM1zfy0v0g

٨٥

دوكنز: الفكره الاخيره والتي يعطيها اغلب الفيزيائيين بعض الوقت كما اظن هي نظريه الاكوان المتعدده.

واينبرغ: لم يضع احد هذا في نظريه حقيقيه، فهي ليست فقط بتخمين لان النظريه ستكون تخمينا، ولكننا لا يوجد لدينا نظريه نستطيع ان نضع بها التخمين في قوانين رياضيه، ولكنها احتماليه.

نظريه نستطيع ان نضع بها التخمين في قوانين رياضيه، ولكنها احتماليه.

دوكنز: وحقيقه ان الالغاء دقيق جدا؛ يعني: ان عدد هذه الاكوان يجب ان يكون كبيرا جدا لنستطيع ان نقول: ان كوننا من ضمنها.

الاكوان يجب ان يكون كبيرا جدا لنستطيع ان نقول: ان كوننا من ضمنها.

واينبرغ: يجب ان يكون عددها علي الاقل ١٠ مرفوعه للقوه ٥٦، واذا كان لديك فكره عن الترددات في المسافات القصيره، فسيكون عددها علي الاقل ١٠ مرفوعه للقوه ١٢٠، وفي الحقيقه هذا شيء مزعج". انتهي.

مرفوعه للقوه ١٢٠، وفي الحقيقه هذا شيء مزعج". انتهي.

ان فرضيه الاكوان المتعدده من الفرضيات التي يتعصب لها طائفه من الملحدين علي اعتبار انها مخرج لهم في تفسير نشاه هذا الكون العظيم بعيدا عن الاعتراف بوجود الخالق ﷺ، وذكري للحوار السابق بين دوكنز وواينبرغ انما هو لاثبات عدم استقرار هذه الفرضيه علميا،

بين دوكنز وواينبرغ انما هو لاثبات عدم استقرار هذه الفرضيه علميا، وعدم اعتراف بعض كبار الملاحده الفيزيائيين - كستيفن واينبرغ - بها، ويوجد علي موقع يوتيوب ثلاث مواد مرئيه يعطي مجموعها تصورا اكثر تفصيلا عن الفرضيه وفيها رد علي من استدل بها علي الحاده، وهذه المقاطع هي:

تفصيلا عن الفرضيه وفيها رد علي من استدل بها علي الحاده، وهذه المقاطع هي:

١ - حلقه حواريه بين د. محمد العوضي والبروفيسور الفيزيائي المسلم محمد سالم الطائي بعنوان «فرضيه الاكوان المتعدده والموازيه» (١).

٢ - مقطع بعنوان «سؤال حول نظريه الاكوان المتعدده» للفيزيائي مصطفي قديح (٢).

٣ - حلقه بعنوان «الاكوان المتعدده» لرشاد القرني في برنامجه «ارجع

(٢).

٣ - حلقه بعنوان «الاكوان المتعدده» لرشاد القرني في برنامجه «ارجع https://youtu.be/wiZLCu3QPtM

(١) https://youtu.be/HHs-gVsvmc

(٢) https://youtu.be/12dEpSb23f8

(1)

https://youtu.be/wiZLCu3QPtM

(١) https://youtu.be/HHs-gVsvmc

(٢) https://youtu.be/12dEpSb23f8

(1)

لاصلك"، وبالمناسبه فللاخ رشاد مناقشات جيده لعدد من المعطيات العلميه التي يستدل بها عدد من الملاحده في برنامجه المتميز السابق ذكره(1).

وكما تري فان الملحد علي استعداد لنسبه حدوث الكون الي اي شيء الا للخالق سبحانه، وقد كان واينبرج في غني عن هذا الحساب المزعج بايمانه بالله سبحانه.

وقد كان واينبرغ في غني عن هذا الحساب المزعج بايمانه بالله سبحانه.

القسم الثاني: شبهات حول الحكمه من افعاله جل شانه:

وهذا الباب هو من اكثر الابواب اسئله، ومن ابرز ما يندرج تحته اربعه اسئله:

1 - لماذا خلقنا وامرنا بالعباده؟

2 - لماذا يوجد الشر في العالم؟

3 - لماذا تتاخر اجابه الدعاء او لا تتحقق؟

4 - كيف الجمع بين العدل الالهي وبين القضاء والقدر وكتابه اعمال العباد؟

٤ - كيف الجمع بين العدل الالهي وبين القضاء والقدر وكتابه اعمال العباد؟

وقد تقدم في التاصيل لباب الحكمه من افعال الله، انه باب لا يستقيم فهمه الا بالايمان المسبق بعدد من الامور بيئتها هنالك فلتراجع للاهميه؛ فالاجابه مبنيه علي تلك الاصول.

٨٦

٨٧

السؤال الاول: لماذا خلقنا الله سبحانه؟ ولماذا امرنا بالعباده وهو غني عنا؟

34

لماذا خلقنا الله سبحانه؟ ولماذا أمرنا بالعبادة وهو غني عنا؟ من المهم قبل الجواب عن هذا السؤال أن نراجع المقدمات التي سبق ذكرها في باب الحكمة من أفعال الله، فإن كل سؤال يتعلق بالحكمة من أفعال الخالق سبحانه لا ينفك عن تلك المقدمات التي سبق تقريرها، ثم بعد ذلك نجمل الجواب في نقاط:

1أولاً: إن إيجاد الكون وما فيه مما يدهش العقول، ويحيّر الألباب، ويعجز الإنسان عن أن يضاهي خلق الله في شيء من أصغر ما بث الله في الكون مما له روح - الذباب - هو أكمل من عدم إيجاده، فإن كل شيء في هذا الكون ينادي بكمال من أوجده على هذه الدقة والانتظام.
2ثانياً: أيهما أكمل بعد ما نرى من كل هذا الانتظام والدقة والعظمة، الحكمة من هذا الوجود أم العبثية؟ لا شك أن وجود الحكمة والغايه هو الذي يتسق في عقل المخلوق مع وجود كل هذا الانتظام والدقة والقوانين المعجزة.
3ثالثاً: يقتضي العقل أن تكون هذه الغاية والحكمة متفقة مع كمال خالق هذه الأشياء العظيمة، التي دلتنا على عظمة خالقها وبالغ حكمته وكماله سبحانه.
4رابعاً: من تمام كمال خالق هذا الكون والحكمة من إيجاده الخلائق أن يعرف هذه الخلائق عليه، بما يغرس في قلوبهم من الفطر الدالة عليه، وبما يوحي إليهم بالطريقة التي يشاء من أخبار تفصيلية تدل الخلائق على من خلقهم وأوجدهم.
5خامساً: لا يتصور أن تكون هناك علاقة بين هذه المخلوقات الضعيفة الصغيرة التي أتقن وجودها، وأكمل خلقها وبين خالقها العظيم، إلا أن تكون علاقة خضوع وشكر وحمد وثناء وتعظيم، وهذا هو ما أراده الله من خلقه ﷺ.

فإن قيل: «أليس الرب غني عنا وعن عبادتنا؟»

ج: بلى، ولكنك لست غنياً عنه بأي حال من الأحوال.

س: ما علاقة هذا بذاك؟

ج: نعم، هو خلقك ورزقك، وحياتك بيده، فهو غني عنك، وأنت فقير إليه، والعبادة هي الترجمة الواقعية الطبيعية لهذه العلاقة، فإذا استنكفت عن عبادته، فقد تنكرت لإحسانه، وكفرت وكابرت.

هو لم يأمرك بما يحتاج، وإنما أمرك بما توجبه طبيعة العلاقة بينك وبينه في واقع الأمر، وهذا معنى إخبار الله تعالى عن نفسه بأنه غني عن العالمين وإخباره في ذات الوقت عن نفسه بأنه لا يرضى لعباده الكفر.

فالاول إخبار عن كماله إزاء نقصك، والثاني إخبار عما يلزم من حقيقة كماله ونقصك، إذ أن وجودك يتكمل بوجوده، فإن أبيت إلا أن تتكمل بنفسك، فقد خالفت منطق العقل وضرورة الواقع، ولا بد لهذه المخالفة البالغة في اللجاجة والفجاجة أقصى مداها من عقاب يليق بها.

ولو لم يكن لهذا من عقاب لكان في هذا إذن بأقبح قلب لأعظم حقائق الوجود، وبالتالي إذن بأعظم ظلم؛ ولكن عدل الحق يَأبى ذلك.

فتأمل الآن معنى قوله تعالى ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن﴾ مع معنى قوله تعالى ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾ مع معنى قوله تعالى ﴿ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾.

ختاماً: لنتأمل هذه الآيات من سورة الأنبياء،

﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ ﴿12﴾

﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين﴾ ﴿13﴾

﴿بل قد قذفنا بالحق على الباطل فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ ﴿14﴾

﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾ ﴿15﴾

﴿يسبحون بالليل والنهار لا يفترون﴾ ﴿16﴾

﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون﴾ ﴿17﴾

﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عم يصفون﴾ ﴿18﴾

﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ ﴿19﴾

[آية: 16 - 23].

ومن المراجع في هذا الباب كتاب «لماذا يطلب الله من البشر عبادته» للدكتور سامي عامري من إصدار مركز تكوين.

(1) ما بين القوسين هو من كلام الشيخ عبد الله بن سعيد الشهري في منشور له على صفحته في الفيس بوك بتاريخ 7 نوفمبر 2014.

السؤال الثاني: لماذا توجد الشرور في العالم؟

35

## السؤال الثاني: لماذا توجد الشرور في العالم؟

إن الذي يستشكله المعترضون بهذا السؤال، هو: عدم قدرتهم على الجمع بين وجود الشر وبين كون الله تبارك وتعالى رحيماً، ولا يذكرون في هذا السياق من صفات الله إلا الرحمة، ويغيب عنهم من صفاته - سبحانه - الحكمة البالغة، والعزة والعظمة.

وهذا السؤال كثر فيه النقاش من الناحية الفلسفية والشرعية على حد سواء، وكثرت فيه البحوث، وسأذكر قواعد مختصرة يمكن أن يفهم موضوع الشر على ضوءها. وقبل ذلك لنتوجه بالسؤال للملحد، فنقول له:

حين كفرت بالله سبحانه، هل انتهى الشر من العالم؟! هل توقفت المذابح؟ هل خملت الفيضانات وخبت البراكين وسكنت الزلازل؟ ثم، أخبرنا عن أولئك الطغاة المجرمين القتلة، الذين سفكوا دماء الآلاف أو ملايين البشر، هل سيعاقبون بعد موتهم؟ وهل ستؤخذ حقوق المظلومين منهم؟

إن المشكلة الحقيقية - في سؤال الشر - تواجه الملحد واللاديني اللذين ينكران الدار الآخرة، لا المؤمن الذي يعتقد بالجزاء والعقاب والثواب. فإن المؤمن ينطلق في رؤيته لموضوع الشر من قواعد متماسكة، ورؤية بنائية محكمة، وليس من مجرد العاطفة الخالية من الدليل، وتتمثل فيما يلي:

1جعل الله ﷺ للإنسان إرادة حرة يختار فيها بين الخير والشر، وهذا مقتضى العدل؛ حتى يحاسب الإنسان على هذه الإرادة. ثم حين يختار هو بالإرادة التي أُعطيت له، أن يقتل ويسفك الدماء، فالشر إنما ينسب إلى هذا المختار وليس إلى الله ﷺ.
2لا يمكن أن نفهم الحكمة من وجود الشر إلا إذا آمنا بأن هذه الدنيا دار نقص وابتلاء وليست دار جزاء. فالشر الذي نراه فيها، من مصائب وأمراض وكوارث، داخل في جملة هذا الوصف العام الذي أراد الله أن تكون الدنيا عليه.

فالذي يبحث في هذه الدنيا عن الجزاء والثواب والعقاب، ثم يتهم الله ﷺ إن لم يجد هذه الأشياء، نقول له: أنت لم تفهم مراد الله من هذه الدار.

3من السنن الثابتة التي جعلها الله سبحانه: سنة الابتلاء، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وهي متفقة مع معنى الحكمة في صفات الله؛ فهذه الابتلاءات هي التي يخرج منها المؤمن كالذهب الخالص بعد فتنته بالنار، وهي التي ترجع كثيراً من الناس إلى ربهم، وهي التي تنفيهم من الذنوب، وهي التي تكون سبباً لنجاة الكثير من النار.
4هناك وجوه من الحكمة في ما نراه شراً قد لا تستبين لنا من النظرة الأولى. مثال ذلك: عندما خرق الخضر السفينة لم يتبين لموسى ﷺ الحكمة من ذلك، فقال مستنكراً: «أخرقتها لتغرق أهلها؟» ﴿الكهف: 71﴾، ثم تبين له أن ذلك هو الخير حين علم السبب، وهو أنها كانت لمساكين يعملون في البحر، وأن الملك الظالم في ذلك الوقت كان يغتصب السفن الصالحة؛ فأراد الخضر أن يعيبها عيباً يسيراً وتبقى مع المساكين، بدلاً من أن تكون صالحة فتذهب للملك الظالم.

وهكذا في واقع حياتنا، تمر بنا أشياء كنا حريصين على حصولها؛ ظانين أنها غاية السعادة والهناء، ثم لما وقعت، استبان لنا غير ذلك، وتمنينا أن لم تقع. فكم من إنسان كان يرجو الولد، فلما رزقه صار سبب تعبه ونصبه وشقائه في هذه الدنيا، حتى صار يتمنى أن لو كان عقيماً؛ فليست تقديراتنا الأولية للخير والشر تقديرات حقيقية مطلقة.

والله ﷺ لا يخلق شراً محضاً، فما قد نراه شراً بادئ الرأي قد نلمح فيه الخير إن تلمسناه من كل جوانبه، ولكن ليس بالشرط أن يكون مشهوداً في هذه الحياة، فقد يكون مؤجلاً لما هو أعظم في الدار الآخرة. ومن المراجع المهمة في هذا الباب كتاب «مشكلة الشر ووجود الله» للدكتور سامي عامري.

## السؤال الثالث: لماذا لم يجب الله دعاء بعض الناس؟

أولاً: الله سبحانه يختبر ولا يختبر، ويبتلي ولا يبتلي، فالذي يسأل الله اختباراً يكون قد خالف أمره فكيف يريد الإجابة؟

36

فالذي يسأل الله اختبارًا يكون قد خالف أمره، فكيف يريد الإجابة؟

ثانيًا: الله سبحانه أجاب دعاء كثير من الناس، وهذا أمر نشاهده في أنفسنا وفي من حولنا، فالسؤال الصحيح هو: ما المانع الذي أخرت لأجله الإجابة عني؟ وهذا يدعو إلى مراجعة النفس والبحث في مكامن الخطأ وإصلاح الحال، ومضاعفة الجهد بالتقرب إلى الله، ونطمئن بأن ما يدبره الله لنا خير مما ندبره لأنفسنا.

ثالثًا: لدينا أدلة عقلية قطعية تدل على ضرورة وجود الخالق وتدل كذلك على كمال حكمته وعلمه، فحين يتعارض عند البعض تلك القضية المشكلة التي هي عدم إجابة الدعاء مع تلك الأدلة القاهرة، فالضرورة العقلية تستوجب على العقلاء أن يقدموا الأقوى، وأن يحملوا المشكلة ويفهموها بناءً على الواضح، وهذه قضية بديهية وجودية مستقرة.

رابعًا: تلمس جوانب الحكمة في تأخير الإجابة؛ فإن محدودية علم الإنسان تؤدي إلى محدودية رؤاه وأمانيه، وكم من دعاء منعنا إجابته، ثم استبان لنا وجه الخير في ذلك.

خامسًا: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «والأدعية والتعوذات» (1) هذه النقطة مستفادة من جواب للشيخ الصديق: سلطان العميري.

(1) هذه النقطة مستفادة من جواب للشيخ الصديق: سلطان العميري. 93 (1) الداء والدواء (ص ٢٦). ٩٤

جواب للشيخ الصديق: سلطان العميري. 93 (1) الداء والدواء (ص ٢٦). ٩٤ بمنزلة السلاح، والسلاح بضرب به، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًا لا أفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير»(1) انتهى.

سادسًا: يجب استعراض سائر النصوص في الباب وعدم الاجتزاء، فالذي قال: «ادعوني أستجب لكم» هو الذي قال: «ولتبلونكم» فمن يريد بالدعاء إنهاء سنة الابتلاء للبشر يكون قد أخذ بنص وترك آخر، كذلك فإنه قد جاء في الحديث الصحيح «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل» فهذا نص يبين أمرًا مهمًا في شرط الإجابة، ألا وهو عدم الاستعجال.

وأما إنكار الملحدين لوجود الله سبحانه، متعلقين بدعوى عدم إجابة الدعاء، فإننا نقول لهم، ولو سلمنا - جدلًا - بأنه لا يجب الدعاء - سبحانه -؛ فإن ذلك لا يستلزم عدم الوجود!

السؤال الرابع: كيف نجمع بين القضاء والقدر وبين تعذيب الكافر على كفره؟

إن باب القضاء والقدر من الأبواب الشرعية السمعية، التي يعرف الصواب فيها من الشرع نفسه، ويشارك العقل في هذا الباب من جهة ما يلمسه واقعًا من كون الإنسان مخيرًا فيما يتخذ من قرارات في سائر أمور حياته، وكثيرًا ما يقع اللبس في هذا الباب من جهة الربط بين معنى (القدر) ومعنى (الجبر)، وهذا غير صحيح؛

فإن الله سبحانه قد أثبت للعبد فعلًا ومشيئة، وإرادة يحاسب عليها، ولو لم تكن تلك الإرادة حقيقية لما كان هناك فائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لأن الرسل بعثوا ليذكروا الناس، فيثاب من استجاب، ويعاقب من أبي، فإذا لم تكن للبشرية مشيئة تكون محل كل هذا التذكير والثواب والعقاب؛ لكان ذلك عبثًا ينزه الله سبحانه عنه.

وفي نفس الوقت؛ فإن هذه المشيئة البشرية هي من سنة (الأسباب) التي أودعها الله في هذا الكون، والله هو مسبب هذه الأسباب ومريدها، فكما جعل النكاح سببًا لوجود الولد، والنار سببًا للإحراق، والماء سببًا للإرواء، فكذلك جعل الإرادة سببًا لانبعاث العمل، وجعل العمل سببًا لدخول الجنة أو النار،

وكل هذه الأسباب ليست مستقلة بذاتها عن إرادة الله سبحانه، وإنما هي تحت مشيئته، ولو أراد لعطل أثرها كما فعل في نار إبراهيم عليه السلام.

وباب القدر متعلق بالحكمة الإلهية، والحكمة الإلهية لا يحاط بها، ولذلك جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: (القدر سر من أسرار الله)، فالمنهجية الصحيحة في تأسيس الموقف من القدر إنما تكون بالتسليم لما جاء من خبر الله عن قضائه وقدره وعن تخييره للإنسان وإثباته الإرادة له، وهذا التسليم يبني على مقدمة الإيمان بالله سبحانه، وهذا الإيمان ثبت بدلائل العقل القطعية، فالتسليم هنا مؤسس على دلائل العقل هناك، والله تعالى أعلم.

ومن المراجع في هذا الباب كتاب «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل» للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.

الباب الثاني: شبهات حول القرآن الكريم وتتفرع إلى قسمين:

37

## شبهات حول القرآن الكريم

تتفرع شبهات حول القرآن الكريم إلى قسمين:

### القسم الأول: التشكيك في صحة نسبته إلى الله ﷺ

ونظراً لوجود الترابط والتلازم بين براهين النبوة وبراهين صحة القرآن، فسأرجئ الحديث عن براهين صحة القرآن إلى الباب التالي (الثالث) عند الحديث عن براهين النبوة.

### القسم الثاني: ادعاء وجود أخطاء فيه

والأخطاء المدعاة ثلاثة أنواع: لغوية، وعلمية (طبيعية)، وتناقضات بين الآيات.

#### النوع الأول: أخطاء لغوية (نحوية)

سأذكر أربعة وجوه من الرد على جميع الأخطاء النحوية المدعى وجودها في القرآن:

1غاية ما يريد هؤلاء المشككون قوله: إن القرآن من وضع محمد ﷺ واختراعه وليس من عند الله سبحانه؛ لأنه لو كان من عند الله فلن تقع فيه أخطاء نحوية. ونحن نقول لهم: حتى لو كان القرآن كذلك - وحاشا لله أن يكون - فلا يمكن أن تقع فيه أخطاء نحوية؛ لأن لسان قريش في ذلك الوقت حجة بذاته في اللغة العربية!
2سواء كان المتكلم محمداً ﷺ أم عتبة بن ربيعة أم الوليد بن المغيرة!
3فلو وجدنا نصاً محفوظاً عن أبي جهل فلا يمكن أن يكون فيه خطأ نحوي!
38

فلو وجدنا نصا محفوظا عن أبي جهل فلا يمكن أن يكون فيه خطأ نحوي!

ثانيا: قواعد النحو موضوعة بعد القرآن لا قبله، وهي إنما وضعت واستمدت من الخطاب العربي المحفوظ في تلك المرحلة وما قبلها، فقواعد النحو مستمدة من القرآن وأشعار الجاهليين ونصوص العرب ولغاتهم المحفوظة في تلك المراحل، فالنحويون يستشهدون بالقرآن والشعر على قواعد النحو، وليس العكس!

فالنحويون يستشهدون بالقرآن والشعر على قواعد النحو، وليس العكس!

ثالثا: إن لقبائل العرب لهجات تختلف عن بعضها في شيء من القواعد الإعرابية، يسميها النحويون - لغات -، ولم يتعاملوا معها على أنها خطأ، وإنما اعتبروها وجوها في اللسان العربي، فنجد أن بعض قبائل العرب يلزمون المثنى الألف على كل الحالات، رفعا ونصبا وجرا، قال ابن عقيل في شرحه لألفية ابن مالك في النحو:

«وما ذكره المصنف من أن المثنى والملحق به يكونان بالألف رفعا والياء نصبا وجرا هو المشهور في لغة العرب، ومن العرب من يجعل المثنى والملحق به بالألف مطلقا، رفعا ونصبا وجرا؛ فيقول: جاء الزيدان كلاهما ورايت الزيدان كلاهما ومررت بالزيدان كلاهما»(١).

قال العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد في «منحه الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل»: «هذه لغة كنانة وبني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني هجيم وبطون من ربيعة بكر بن وائل وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿إن هذان لسجران﴾ [طه: ٦٣] وقوله ﷺ: «لا وتران في ليلة»(٢).

وجاء عليها قول الشاعر:

تزود منا بين اذناه طعنه دعته الي هابي التراب عقيم فان من حق «هذان، ووتران، واذناه» لو جرين علي اللغة المشهورة ان تكون بالياء: فان الاولي اسم ان، والثانية اسم لا، وهما منصوبان، والثالثة في موضع المجرور بإضافة الظرف قبلها. وفي الآية الكريمة تخريجات أخرى» ذكرها في هذا الموضع ولم أتم النقل اختصارا، فليراجع (١).

وقال الإمام اللغوي الفذ أحمد بن فارس المتوفي سنة ٣٩٥ في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة»:

«باب القول في اختلاف لغات العرب: اختلاف لغات العرب من وجوه: أحدها: الاختلاف في الحركات كقولنا: «نستعين» و«نستعين» بفتح النون وكسرها. قال الفراء: هي مفتوحة في لغة قريش، وأسد وغيرهم يقولونها بكسر النون. والوجه الآخر: الاختلاف في الحركة والسكون مثل قولهم: «معكم» و«معكم».

وذكر وجوها كثيرة من الاختلاف إلى أن قال: «ومنها: الاختلاف في الإعراب نحو: «ما زيد قائما» و«ما زيد قائم» و«إن هذين» و«إن هذان» وهي بالألف لغة لبني الحارث بن كعب يقولون لكل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ذلك. وينشدون: تزود منه بين اذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم» (٢). انتهى.

رابعا: إن الأخطاء المدعى وجودها في القرآن هي في أبواب من أسهل أبواب اللغة، فمن الذي يجهل أن اسم إن منصوب؟ ومن الذي يجهل أن المعطوف على المنصوب منصوب؟ هذا شيء لا يجهله الصبي الذي درس اللغة العربية؛ فهل يعقل أن كتابا فيه كل هذا البيان وكل تلك الفصاحة يقع فيه خطأ بسيط ساذج؟

لا شك أن هذا الكلام فيه تجاوز لكل حدود المعقول!

فعلى سبيل المثال يقول الطاعنون: إن القرآن فيه خطأ في سورة المائدة برفع ما حقه النصب، وذلك في قول الله سبحانه: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصبتون والصبيان﴾ [٦٩]. فيستشكلون رفع (الصابون) لكونها معطوفة على منصوب وهو اسم إن. وللرد عليهم نقول: إنه قد جاءت في كتاب الله آيتان مشابهتان لهذه الآية وقع فيهما نصب (الصابون) على ما تدعون من الصواب، وذلك في سورة البقرة: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصبتون والصبيان﴾ [٦٢]، وكذلك في سورة الحج: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصبتون والصبيان﴾ [١٧]؛ فليست القضية جهلا إذن كما تظنون!

قال الإمام الطاهر ابن عاشور في تفسيره العظيم - التحرير والتنوير - : «وجمهور المفسرين جعلوا قوله: ﴿والصبتون﴾ مبتدأ، وجعلوه مقدما من تأخير، وقدروا له خبرا محذوفا لدلالة خبر (إن) عليه، وأن أصل النظم: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى لهم أجرهم . . . الخ، والصابون كذلك، جعلوه كقول ضابي بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب»(١) انتهى.

النوع الثاني: أخطاء علمية: من الشبهات التي تثار: أن القرآن الكريم فيه آيات تخالف مكتشفات العلوم الطبيعية، مما يدل على أن هذا القرآن ليس من عند الله ﷺ؛ إذ لو كان من عنده فإنه لن تقع فيه هذه الأخطاء!

ويمثلون لذلك بقول الله ﷺ عن ذي القرنين: ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تعرب في عين عميق﴾ [الكهف: ٨٦]، فقالوا: كيف تغيب الشمس داخل عين حمئة في الأرض مع أننا عرفنا بالعلوم الحديثة أنها أكبر من الأرض، ١٠١

39

في الأرض مع أننا عرفنا بالعلوم الحديثة أنها أكبر من الأرض، ١٠١ وأنها بعيدة جداً عنها، وأن لها مساراً لا يلتقي بالأرض فضلاً عن أن تدخل فيها؟! وهذه الشبهة - على تهافتها في ذاتها - إلا أنها أثرت على بعض الشباب! ويروج لها نصارى العرب وملحدوهم. والرد عليها من وجوه:

أولاً: الله لم يخبر بأن الشمس تغرب في عين حمئة، وإنما وصف الله رؤية ذي القرنين لها فقال: ﴿وجدها تغرب﴾؛ أي: في رؤيته ونظره، كما نقول نحن: طلع القمر من خلف الجبل! وهو في الحقيقة خارج الأرض بعيداً عنها، وإنما في رؤيتنا ونظرنا يطلع أو يغيب خلف الجبل!

ثانياً: قد بين كثير من أئمة المفسرين القدماء، قبل الأقمار الصناعية والمقربات الحديثة، بأن المراد من الآية هو ما يبدو للناظر وليس في حقيقة الأمر، منهم ابن كثير المتوفي سنة ٧٧٤ هـ حيث قال رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «وجدها تغرب في عين حمئة» أي: رأى الشمس في منظر تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبته فيه لا تفارقه(١) انتهى.

ونقل القرطبي في تفسيره عن بعض العلماء ما يلي: «وقال القفال: قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغرباً ومشرقاً وصل إلى جرمها ومسها؛ لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أننا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض»(٢).

وقال البيضاوي في تفسيره لهذه الآية: «ولعله بلغ ساحل المحيط فراها (١) (٥١١/٥) (٢) (٣٧٠/١٣) ١٠٢ كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء، ولذلك قال: ﴿ومدها تعرف﴾ ولم يقل: ﴿كانت تغرب﴾(١). وفي تفسير الجلالين: «وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا»(٢). وهذا كما ترى واضح بين لا خفاء فيه من قديم الزمن.

ومن النصوص القرآنية التي ادعوا أنها تعارض العلم الحديث - أيضاً -: قول الله تعالى: ﴿وهو الذي مد الأرض﴾ [الرعد: ٣] قالوا: إن ذلك يعارض ما اكتشف حديثاً من كونها كروية، وفي الحقيقة فهذا جهل كبير، فإن كروية الأرض أمر معروف من قديم الزمن، ونقل علماء المسلمين الإجماع عليه، فقد ذكر ابن حزم ﷺ: «إن أحداً من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها»(٣).

وأما ادعاء تعارضها مع الآية فقد أجيب عن ذلك قبل قرون طويلة جداً، قال الرازي في التفسير الكبير: «فإن قالوا: قوله: ﴿مد الأرض﴾ ينافي كونها كرة، قلنا: لا نسلم؛ لأن الأرض جسم عظيم، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح»(٤) انتهى.

النوع الثالث: ادعاء أخطاء في القرآن بسبب تعارض الآيات ببعضها: من مداخل الطعن التي يدخل بها الملحدون والمشككون في الإسلام: ادعاء وجود آيات متناقضة فيما بينها، والتناقض نقص؛ إذا فالقرآن لم يصدر عن إله كامل! وهذا الكلام مبني على مقدمة فاسدة، ألا وهي أن في القرآن آيات متناقضة، وهذا الكلام غير صحيح، وكل الأمثلة التي أوردوها مردود عليها بكل وضوح وجلاء.

(١) (٢٩١/٣). (٢) (٣٠٣/١). (٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/٧٨). (٤) مفاتيح الغيب (١٩/٤). ١٠٣

40

والاهواء والنحل (٢/٧٨). (٤) مفاتيح الغيب (١٩/٤).

١٠٣ والمنشا الظاهري لادعاء التناقض، هو: الجهل بدلالات الفاظ اللغه العربيه، من العموم والخصوص، والعام المراد به الخاص ونحو ذلك، والجهل بمجموع النصوص الوارده في الموضوع الواحد من الكتاب والسنه؛ فان بعضها يبين بعضا.

وقد اعتني المفسرون ببيان القول في الايات التي يوهم ظاهرها التعارض، فمهما سمعت من شيء يدعي تعارضه فارجع الي كتب تفسير القران؛ فستجد الجواب، بل ان من العلماء من افرد هذه القضيه في كتاب يعالجها، من اشهرهم الامام محمد الامين الشنقيطي عبر كتابه «دفع ايهام الاضطراب عن اي الكتاب».

مثال علي الايات التي يدعي تعارضها في القران، وقد سمعته علي لسان شاب ملحد مصري، يجاهر بالحاده بعد ان كان علي الاسلام، ويدافع عن فكره الالحادي عبر الاعلام، وحزنت علي ان تكون مثل هذه الامثله - التي قتل الجواب عنها بحثا - حجه لتاركي الاسلام، ولكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.

- حجه لتاركي الاسلام، ولكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.

والمثال كالتالي، يقول: ان هذه الايه: ﴿وان تصبهم حسنه يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئه يقولوا هذه من عندك فل كل من عند الله﴾ [النساء: ٧٨] تتعارض مع الايه التاليه: ﴿ما اصابك من حسنه فتن الله وما اصابك من سيئه فتن تقتلك﴾ [النساء: ٧٩] فكيف تكون الحسنه والسيئه من عند الله في ايه، ثم تكون السيئه من عند انفسنا في ايه اخري؟

ويري الطاعنون ان هذا تناقضا ظاهرا، ولعمر الله لو كان في هذا الكتاب الفصيح المبين تناقض - وحاشاه - لما وقع في ايتين متتاليتين، فمن السذاجه والتفكير السطحي التفوه بهذه الدعوي! وسبحان من قال في نفس السوره، بل وبعد ايتين من هذه الايات: ﴿افلا يتدبرون القربان ولو كان من عند عبد الله لوجدوا فيه اختلافا حكيرا﴾ [النساء: ٨٢]، فكان الله - بهذه الايه - يعلم الجاهل الذي ظن ان الايتين متعارضتان؛ فيقول له: انه لا اختلاف في هذا الكتاب ولا تعارض!

١٠٤ وللجمع بين الايتين نقول: المراد بالايه الاولي: ان المشركين كانوا يتشاءمون ويتطيرون بالرسول ﷺ؛ فما ان يصيبهم جدب او قحط - وهو المراد بالسيئه في الايه - فانهم ينسبونه الي النبي ﷺ، وان ذلك بشؤمه، فقال الله لهم: ان تقدير الجدب والقحط، وكذلك الخصب والرخاء كله من عند الله.

والمراد بالايه الثانيه: ان ما اصاب الناس من خير فهو تفضل من الله واحسان منه، وما اصابهم من سوء فهو بسبب افعالهم، وان كان كله من تقدير الله سبحانه، ولذلك يقول المفسرون: ان هذه الايه تخاطب جميع المسلمين وليست خاصه بالرسول ﷺ.

وتكون الايه كقول الله: ﴿وما اصابكم من مصيبكه فيما كسبت ايديكم ويعقوا عن كثير﴾ [الشوري: ٣٠]. اذن فلا تعارض بين الايتين! فكل شيء من عند الله من جهه القضاء والتقدير، وفي نفس الوقت فان من اسباب المصائب والكوارث: ما تكسبه ايدينا من السوء.

وفي ختام هذا الباب، فان من الكتب المفيده فيه كتاب منقذ السقار «تنزيه القران الكريم عن دعاوي الطاعنين».

١٠٥ الباب الثالث شبهات حول الرسول ﷺ وتتفرع الي قسمين:

- القسم الاول: التشكيك في نبوته ﷺ.

- القسم الثاني: الطعن في مواقف من سيرته وحياته ﷺ.

ومن اشهر المواقف التي يطعن عليه بها:

- زواجه من عائشه ﷺ، وزواجه من صفيه، وقضيه تعدد زوجاته، وحادثه بني قريظه، وحادثه العرنيين.

فاما القسم الاول فالرد عليه يكون باثبات نبوته ﷺ بالدلائل العقليه والنقليه، وقد اعتني العلماء ببيان ذلك، وان كان كثير منهم قد غلبوا جانب المعجزات الحسيه او خرق العادات، علي غيرها من البراهين.

وفي الحقيقه، فان تنويع الدلائل لتجمع بين العقل والنقل هو الاكمل في الاحتجاج، خاصه وان القران فيه ذكر للدليل العقلي في اثبات النبوه. وقد نبه غير واحد من العلماء كالغزالي في المنقذ من الضلال، وابن تيميه في شرح الاصبهانيه وفي النبوات الي ان دلائل نبوه محمد ﷺ لا تقتصر علي المعجزات الحسيه الخارقه للعاده، بل هي متنوعه.

كما ان من المهم الاشاره الي تفاوت الناس في تحصيل اليقين بهذه الدلائل، فبعضهم يحصل له اليقين باحدها، والبعض الاخر يحصل له اليقين بضم بعضها الي بعض، الا ان الذي لا ينازع فيه عاقل عادل، هو ان مجموع دلائل نبوه محمد ﷺ تفيد القطع واليقين المتجاوز لكل شك وريب.

وهذا ذكر لبعض الدلائل والبراهين:

41

واليقين المتجاوز لكل شك وريب. وهذا ذكر لبعض الدلائل والبراهين:

أولاً: برهان صدقه وأخلاقه ﷺ: فإن من المعلوم «أن مدعي الرسالة، إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم؟ وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين، إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور، واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز».

وبعبارة أخرى: «النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهم تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟» وهاتان العبارتان من ابن تيمية(١)، وابن أبي العز الحنفي(٢) رحمهما الله فيهما دلالة عقلية واقعية جميلة جداً؛ إذ باب النبوة إنما هو ادعاء خبر معين، والمخبر بهذا الخبر إما أن يكون صادقاً، وإما أن يكون كاذباً، والتمييز بين الصادق والكاذب في الدعاوي العظيمة يمكن تمييزه بكل سهولة، والخداع فيه لا يستمر حتى يكشف.

وإن معرفة سيرة محمد ﷺ وأحواله لتبين أنه لا يمكن أن يكون كاذباً في دعواه النبوة، فإن العدو والصديق يشهدان له بأنه رجل كامل الأخلاق والمروءة والأمانة، وأنه معروف بالصدق في حديثه منذ صباه.

لذلك؛ فقلبوا كتب أعداء الإسلام والمشككين في الرسول، فإنكم إنما تجدون فيها الطعن عليه بمواقف عملية سلوكية - هو من تهمتها بريء - وليس بمواقف متعلقة بصدقه ﷺ، وهذا اعتراف ضمني منهم بأنه صادق. وهو قبل أن يبعثه الله بالرسالة لبث عمراً في قومه بمكة لقب فيه بـ(الصادق الأمين)، وقد قال لهم حين صعد الصفا أول أمر الرسالة: «أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل؛ أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا! قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»(١).

ومن شواهد صدقه ﷺ أنه حين غطت المدينة سحابة سوداء قاتمة من الإشاعات الباطلة التي تتهم عائشة زوج النبي ﷺ بالزنا، ولحق النبي من ذلك أذى شديد، واشتد الكرب وضاق الحال، فما الذي عمله النبي ﷺ؟ إن كان القرآن من تأليفه فلم لم يبادر بتبرئة زوجة من هذه التهمة وسيصدقه الناس! لماذا طفق يشاور أصحابه في الموضوع، ولماذا يخطب في الناس معلناً أن رأس الفتنة (ابن أبي) قد آذاه في أهله، وهو مع هذا كله لا ينسب شيئاً من هذا لله سبحانه؟ حتى جاءه الوحي بعد مدة بتبرئة عائشة ﷺ(٢).

وحين ذهب أبو سفيان إلى الشام قبل إسلامه، وكان سيد قريش وقائدها ضد رسول الله، استدعاه هرقل عظيم الروم ليعلم منه خبر محمد ﷺ، فسأله عن عدد من الأمور التي أراد بها التوصل إلى معرفة حقيقته، فكان فيما سأله: «هل كنتم تتهمونه بالكذب؟» فاجابه أبو سفيان: لا. فقال له هرقل قوله حكيمة: «سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا؛ فعرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله»(٣).

وكشفت الشمس في اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي ﷺ، فقال الناس: كشفت الشمس لموت إبراهيم. فماذا كان رد النبي محمد ﷺ على هذا الكلام؟ هل أيدهم عليه؟ أو على الأقل سكت؟ بل قام فيهم خطيباً مصححاً هذا الاعتقاد الخاطئ، معظماً ربه وخالقه ومولاه قائلاً: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»(١) ثم أرشدهم إلى الصلاة والاستغفار والصدقة(٢).

(١) صحيح البخاري (٤٩٧١)، صحيح مسلم (٢٠٨). (٢) الحديث بتمامه في صحيح البخاري (٢٥١٨). (٣) صحيح البخاري (٧).

42

احد ولا لحياته» (١) ثم ارشدهم الي الصلاة والاستغفار والصدقة (٢).

ومن شواهد صدقه ﷺ انه بلغ القرآن كاملاً مع ان فيه آيات عتاب الله له؛ كقوله: ﴿عسى أن يكون رجل مثلك﴾ [عبس: ١ - ٣] وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] وقوله: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك تبغي مرضات أزواجك﴾ [التحريم: ١] وقوله: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].

فلو لم يكن محمد رسول الله حقاً، أكان يبلغ هذه الآيات؟ ما الذي يضطره لقول هذا الكلام الذي يقرؤه الناس إلى يوم القيامة إلا أنه مأمور بتبليغه؟

ثانياً: براهين القرآن على صدق نبوته:

إن هذا القرآن الذي خرج به النبي ﷺ على الناس، لهو أكبر دلالة وبرهان على صدق نبوته، وأنه من عند الله، ومع أنه ﷺ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف الشعر، إلا أنه جاء بهذا القرآن متحدياً به البشرية كلها، طالباً منهم - إن أرادوا إبطال دعوته - الإتيان بمثله، بل بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة،

فأثروا قتاله على أن يأتوا بسورة؛ لأنهم عجزوا عن ذلك، مع وجود أقوى الدواعي وهو الخصومة الشديدة، والانفة من الهزيمة، ومع وجود وتوفر كل الأسباب التي يمكنهم بها أن يجاروا ما كان مخترعاً من كلام البشر مهما كان فصيحاً؛ إذ هم غاية ما وصل إليه البشر في الأدب والفصاحة والبيان،

ثم يأتيهم الرسول ﷺ ليعلن في مجالسهم قول الله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الإسراء: ٨٨].

ثم يقول لهم: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٢٣].

فهو يتحداهم، وفوق ذلك يخبرهم أنهم لن يفعلوا، وأن الخير لهم أن يتقوا عذاب النار لأنه حق! فكان العجز جوابهم، وهذا دليل على أن القرآن ليس من عند البشر.

وأمر آخر، وهو أن في القرآن من أخبار الغيب الجازمة القاطعة التي لا تردد فيها، ما لا يمكن لشخص كاذب مدع أن يجازف في اختراعها؛ لأنها لو لم تقع فستكون دليلاً كافياً على كذبه، وسيكون ذلك سبباً لمغادرة أصحابه للإيمان لأنه كذب عليهم!

خاصة وأنه ليس محتاجاً لقولها وقد اتبعوه، أو على الأقل يمكنه أن يذكر أخباراً مستقبلية بصيغة غير مؤكدة، أو بألفاظ تحتمل التأويل؛ لأن المغامرة هنا تعني خسارة الدعوة كلها حال الهزيمة، ولكن هيهات، فهذا كله لو كان القرآن من عند محمد ﷺ، أما وهو من عند الله تعالى فلا تتعجب أن تقرأ فيه هذا الوعد الفخم، القوي الأسلوب، القاطع في التأكيد.

وهو قول الله سبحانه: ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ [الحج: ١٥]، ففي الآية وعد بأن النصر في الدنيا قبل الآخرة سيكون حليف النبي محمد ﷺ.

فقوله سبحانه ﴿بصير﴾؛ أي: ينصر نبيه. فالضمير يعود إلى محمد عليه من الله أزكى سلام. وكذلك قول الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].

ففي الآية عدد من المؤكدات اللفظية على حفظ القرآن الكريم، وهي خبر عن مستقبل، وقد تحقق هذا الوعد، رغم تتابع الهجمات على الإسلام والمسلمين بدءاً من بعثة النبي ﷺ وحتى وقتنا هذا.

وكذلك من أخبار الغيب في القرآن: قول الله تعالى: ﴿التئمت الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ [الروم: ١].

43

(١) ليلك الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴿١﴾ في بضع سنين، الله 110 الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون ﴿٢﴾ ينصر الله من ينصره، وهو العزيز الرحيم ﴿٣﴾ [الروم: ١ - ٥].

والسؤال هنا: ماذا لو لم تنشب هذه الحرب؟ وماذا لو نشبت ولكن كانت النتيجة فيها لصالح الفرس؟ بل وماذا لو انتصر الروم ولكن بعد المدة الزمنية المحددة أو قبلها؟

ومما يدخل في البرهان القرآني: القصص عن الأمم السابقة، وهي من الدلائل العظيمة؛ فإن العرب في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون تفاصيل قصص الأنبياء مع أقوامهم، وأما أهل الكتاب فعندهم في كتبهم شيء من ذلك، وهذه الموافقة هي من دلائل الصحة والقوة لا العكس كما يظن البعض، كما أنه ليس كل ما في القرآن من قصص موجودًا في كتبهم.

إضافة إلى أن في سياق القرآن ما يصحح بعض ما جاء عندهم، فمن أين لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب وعاش في وسط مكة أن يأتي بكل هذا؟ مع جمال في العرض، وفصاحة في السرد، وبلاغة في الوصف، وعبرة في الخاتمة، وذكرى في البداية، مما لا يمكن لشخص اطلع على كل ما كتبته الأمم أن يأتي بمثله، فضلًا عن رجل لم يقرأ صحيفة واحدة في حياته ﴿٤﴾.

ولذلك نجد أن الله ﷺ يشير إلى هذا المعنى في سياق القصص القرآني، وما أجمل هذه الآيات بعد قصة موسى:

وما كت بجانب الطور إذ فضينا إلى موسى الأمر وما كت من الشاهدين ﴿٥﴾ ولنكتا إذًا قروبا فاطاول عليهم الممر وما حسنت ثاويا في أهل مديت تنثوا عليهم دانتين ولنكنا حكمًا مرسلين ﴿٦﴾ وما كت بجانب الطور إذ نادتنا ولنكن رحمة من زيلك لتستدر قومًا ما أنتم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ﴿٧﴾ [القصص: ٤٤ - ٤٦].

وكذلك في قصة نوح ﷺ قال الله ﷺ: ﴿يلك من آباء الغيب نوحيا﴾ إليك ما كت تعلمها إن ولا فومك من قبل هذا فاصبر إن العينيه للمتقين ﴿٨﴾ [هود: ٤٩].

هناك وجوه أخرى من دلالات القرآن على نبوة محمد ﷺ أتركها بعدًا عن التطويل والملل.

ثالثًا: برهان كمال التشريعات والعقائد والآداب التي جاءت على لسانه ﷺ: لم يفرغ الفقهاء والمحدثون والمؤرخون والمفسرون وشراح الحديث بعد - وقد تجاوزنا أربعة عشر قرنًا من وقت الرسالة - من استخراج كنوز نصوص الكتاب والسنة، ولم تعد المكتبات الضخمة تتسع لما أنتجه العلماء في مجال واحد من مجالات النصوص الشرعية كالأحكام الفقهية مثلاً، وأنك لتجد الآلاف المؤلفات في باب واحد من أبواب الدين وكلها تستند على نصوص الكتاب والسنة اللذين بلغهما رسول الله ﷺ.

وليس البرهان معلقًا بالكثرة، وإنما بالشمولية والإحاطة والصلاحية والإتقان، وتتكامل العظمة حين نتذكر أن هذا الرسول الكريم كان منشغلاً في الثلاثة والعشرين عامًا - مدة نبوته - بأعمال تنوء بحملها الجبال، فقد كان منشغلاً بدعوة قومه، وبعرض نفسه على وفود الحجاج في مكة، حتى خرج منها باحثًا عن مأوى، وبمتابعة شؤون أصحابه المستضعفين في مكة، ثم بهجرتهم إلى الحبشة، ثم الانتقال إلى المدينة التي كان فيها الحاكم والقاضي والخطيب والإمام وقائد الجيش، وكان عنده تسعة بيوت، وغزا قرابة عشرين غزوة، فقد فيها عددًا كبيرًا من أصحابه، وفقد فيها عمه وابن عمه، ومولاه؛

فمتى كان يتفرغ لاختراع هذا النظام التشريعي المتكامل إلا أن يكون وحياً أوحاه الله إليه!

وإذا نظرت فيما تحمله نصوص الوحيين في باب صفات الله وتعظيمه وذكره لكان ذلك كافيًا على أن من بلغها نبي مرسل من عند الله؛ إذ إن الخيال البشري مهما استرسل وانطلق متفكرًا في الخالق، فإنه لا يمكن أن يصل إلى الجلال الذي جاء في القرآن والسنة عن الله؛ وهذا لأنه صادر عن الله أصلاً، ولا أحد أعرف بالله من نفسه!

فتأمل في سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وسورة الإخلاص، ثم انظر في العقل البشري المجرد هل يمكن أن يصف الخالق بما جاء في هذه الآيات؟

44

انظر في العقل البشري المجرد هل يمكن ان يصف الخالق بما جاء في هذه الآيات؟ وفي المجال الأخلاقي والمنظومة القيمية السلوكية في القرآن والسنة تجد التكامل والجمال والصلاح والإصلاح للفرد في نفسه، وللمجتمع، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في كتاب كامل الصورة/١ تحت عنوان (ماذا يقدم الحديث النبوي للسلوك الإنساني؟)،

وقد كتب الدكتور محمد دراز رحمه الله تعالى كتابا كبيرا بعنوان (الدستور الأخلاقي في القرآن)، كما أن كتب السنة زاخرة بأبواب البر والصلة والأدب؛ حتى أفردها المحدثون في كتب مستقلة؛ ككتاب الأدب المفرد للإمام البخاري والذي تجاوزت أحاديثه الألف حديث!

رابعا: برهان المعجزات الحسية:

لقد تواترت أخبار الصادقين، المعروفين بالعدالة والضبط، بالأسناد المتصلة إلى وقت النبوة، أن عددا من السنن الكونية قد انخرمت بين يدي الرسول محمد ﷺ، في مواقف كثيرة جمعها العلماء في كتب مفردة تعرف ب«دلائل النبوة»، فمن ذلك: سماع أهل المسجد لصوت حنين جذع النخلة الذي كان يستند إليه النبي ﷺ في الخطب،

بعد أن تركه واتخذ مكانه منبرا، ومنها: تحرك الشجر وانقياده بين يديه ليستتر به النبي ﷺ عند قضاء حاجته، ومنها تكثيره الطعام في مواقف متعددة، ومنها تفجر الماء من بين يديه، إلى غير ذلك من المواقف الكثيرة، ومن أراد الاستزادة فليراجع كتاب «دلائل النبوة» للبيهقي،

وأبواب فضائل النبي ﷺ ودلائل النبوة من كتب السنة عموما. وهذا التواتر المعنوي للأخبار لا سبيل لإنكاره إلا بإنكار كون الخبر الصادق مصدرا للمعرفة، وأن العلماء في مختلف التخصصات الشرعية والطبيعية والاجتماعية، يتحدثون عن حقائق تاريخية متعلقة بالعلم الذي ينتمون إليه،

وإنما كان مصدرهم في ذلك الخبر الصادق، فما الذي يجعله مقبولا هناك ومرفوضا هنا؟ بل إن أخبار المعجزات يتوفر فيها من معايير القبول ما لا يتوفر في كثير من غيرها، مما لا يكاد يرده أحد من الناس كاشتهار أرسطو بالمنطق، وحاتم الطائي بالكرم، وابن سينا بالفلسفة.

وإذا ضممنا برهان المعجزات إلى البراهين السابقة ازداد الأمر جلاء، وتضاءل الشك وتقلص وانكمش، حتى يفنى.

خامسا: دليل أخبار النبوات السابقة المبشرة به ﷺ:

أخبرنا الله تعالى أن موسى وعيسى ﷺ قد بشرا برسول الله محمد ﷺ فقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال سبحانه عن عيسى ﷺ: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٥].

وأخبرنا سبحانه أيضا أن أهل الكتاب حرفوا ما بأيديهم، ولكن التحريف لم يأت على كل شيء أنزله الله، وإنما قد بقي عندهم من الحق شيء، والعجيب أن التحريف لم يكن مختصا بما قبل وقت النبي محمد ﷺ فقط، بل امتد التحريف إلى ما بعد ذلك في ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغة العربية. ومع ذلك كله؛

اجتهد علماء وباحثون مسلمون في إبراز عدد من النصوص، ضمن الكتاب المقدس، المبشرة برسول أو شفيع يأتي من بعد نبي الله عيسى ﷺ، ونصوص أخرى فيها وصف لأمته أو بلده، بل ونصوص يرون أن فيها تصريحا بذكر اسم النبي ﷺ إلا أنها خرفت في التفسير أو الترجمة، فمن ذلك مثلا:

ما جاء في إنجيل (يوحنا/ الإصحاح السادس عشر من فقرة ٥ إلى ١٤): قول عيسى ﷺ: «وأما الآن فإني ماض إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني: أين تذهب؟ لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم. لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم».

45

الحق: انه خير لكم ان انطلق؛ لانه ان لم انطلق لا ياتيكم ١١٤ «المعرج»، ولكن ان ذهبت ارسله اليكم» الي ان قال: «ان لي امورا كثيره ايضا لاقول لكم، ولكن لا تستطيعون ان تحتملوا الان. واما متي جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم الي جميع الحق؛ لانه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بامور اتيه. ذاك يمجدني؛ لانه ياخذ مما لي ويخبركم». انتهي.

وهذه بشاره بمن ياتي بعده صفته انه لا يتكلم من نفسه بل يتكلم بما يسمع، ويخبر بامور اتيه، وهذه صفه تذكرنا بقول الله عن محمد ﷺ: ﴿وما يطعت عن الموت ان هو الا وحمي يوحي﴾ [النجم: ٣، ٤] وقوله سبحانه: ﴿فاذا قراته فابع فراته﴾ [القيامه: ١٨].

هذا غير ما ذكره عدد من الباحثين ومنهم د: منقذ السقار - وهو متخصص في هذا الباب - في معني كلمه (المعزي) وانها ترجمه غير دقيقه للنص الاصلي باليونانيه (باراقليط) وان المعني الادق للكلمه اليونانيه هو: الذي له الحمد الكثير، فيكون الاسم الدال علي ذلك (احمد) او (محمد) او (الحامد) وليس (المعزي) فيكون ذلك - لو صح - من جمله تحريفاتهم.

وايضا في الكتاب المقدس ذكر لمكه باسمها الوارد في القران (بكه)، ففي المزمور ٨٤ العدد ٦ نجده يقول: «طوبي للساكنين في بيتك ابدا يسبحونك (سلاه) طوبي لاناس عزهم بك وطرق بيتك في قلوبهم، عابرين في (وادي البكاء)، يصيرونه ينبوعا ايضا ببركات يغطون موره يذهبون من قوه الي قوه».

وفي النسخه العربيه المشتركه في نفس الموضع يقول: «هنيئا للمقيمين في بيتك، هم علي الدوام يهللون لك، هنيئا للذين عزتهم بك، وبقلوبهم يتوجهون اليك، يعبرون في (وادي الجفاف)، فيجعلونه عيون ماء، بل بركات».

(١) ذكره د. منقذ السقار في مقطع مرئي له في اليوتيوب بعنوان: بشاره النبي محمد في التوراه والانجيل. علي هذا الرابط وغيره: https://www.youtube.com/watch?t=347&v=KSdXkfGHRAI ١١٥

يغمرها المطر، ينطلقون من جبل الي جبل .. «وفي النسخه الياسوعيه»: «طوبي لسكان بيتك فانهم لا يكفون عن تسبيحك، طوبي للذين بك عزتهم وفي قلوبهم مراق اليك، اذا مروا بوادي البلسان جعلوا منه ينابيع» فهذه ثلاث نسخ عربيه مختلفه، وكلها تخالف النسخه الانجليزيه حيث جاء فيها: «As they pass through the Valley of Baca» فالنص هنا يذكر (بكه) علي صيغه (اسم)، حيث بدات بالحرف الكبير. وهي كذلك في عدد من النسخ الانجليزيه(1).

وفي دائره المعارف الكتابيه(2)، Encyclopedia of The Bible نجد فيها كلاما عن (البلسان) الوارد في احدي النسخ العربيه: «اما البلسان الحقيقي الذي ذكره المؤلفون القدماء، فهو بلسم مكه، الذي ما زالت مصر تستورده من شبه الجزيره العربيه، كما كان الامر قديما».

وقد اشار بعض الباحثين الي ان جمله «ينطلقون من جبل الي جبل» تشير الي السعي بين الصفا والمروه والله اعلم.

واختم بموضع اخر في الكتاب المقدس فيه التبشير بنور يتلالا من جبال فاران - وهي جبال مكه -، جاءت في سفر التثنيه الاصحاح ٣٣ (١ - ٣) هذه البركه التي بارك بها موسي رجل الله بني اسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، واشرق لهم من سعير، وتلالا من جبل فاران، واتي من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعه، فاحب الشعب، جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من اقوالك» (التثنيه ٣٣/١ - ٣).

وفي سفر حبقوق (٣/٢ - ٣) «يا رب قد سمعت خبرك، فجزعت، يا رب عملك في وسط السنين احيه، في وسط السنين عرف، في الغضب اذكر».

(1) مستفاد من مقطع للمهندس فاضل سليمان علي الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=TNMR51a19Fo وذلك في حلقه في قناه الناس مع خالد عبد الله.

(2) انظر: دائره المعارف الكتابيه (٢/١٨٧)، نقلا عن كتاب: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ؟ لمنقذ بن محمود السقار (ص٥٥)، الناشر: دار الاسلام. ١١٦

46

ﷺ؟ لمنقذ بن محمود السقار (ص٥٥)، الناشر: دار الاسلام.

﴿116 الرحمه، الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطي السماوات، والارض امتلات من تسييحه﴾. قال د. منقذ السقار: «وتنبئ المواضع التي ورد فيها ذكر «فاران» في الكتاب المقدس انها تقع في صحراء فلسطين في جنوبها، لكن تذكر التوراه ايضا ان اسماعيل قد نشا في بريه فاران. (انظر: التكوين ٢١/٢١)»،

ايضا ان اسماعيل قد نشا في بريه فاران. (انظر: التكوين ٢١/٢١)، ومن المعلوم تاريخيا انه نشا في مكه المكرمه في الحجاز. ويري المسلمون ان النص نبوءه عن ظهور عيسي ﷺ في سعير في فلسطين، ثم محمد ﷺ في جبل فاران، حيث ياتي ومعه الالاف من الاطهار مؤيدين بالشريعه من الله ﷺ. وذلك متحقق في رسول الله لامور:

١ - ان جبل فاران هو جبل مكه، حيث سكن اسماعيل، تقول التوراه عن اسماعيل: «كان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البريه، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في بريه فاران، واخذت له امه زوجه من ارض مصر» (التكوين ٢١/٢٠ - ٢١).

٢ - ان وجود منطقه اسمها فاران في جنوب سيناء لا يمنع من وجود فاران اخري، هي تلك التي سكنها اسماعيل، فقد ورد مثلا اطلاق اسم سعير علي المنطقه التي تقع في ارض ادوم والتي هي حاليا في الاردن، وتكرر ذلك الاطلاق في مواضع عديده في الكتاب، ولم تمنع كثرتها ان يطلق ذات الاسم علي جبل في وسط فلسطين غربي القدس في ارض سبط يهوذا. (انظر: يشوع ١٥/١٠).

ولنا ان نسال اولئك الذين يصرون علي ان فاران هي فاران سيناء: من هو القدوس الذي تلالا من ذلك الجبل الذي لا يرتبط بادني علاقه باي من احداث الانسانيه المهمه، فمن الذي تلالا عليه؟

٣ - لا يقبل قول القائل بان النص يحكي عن امر ماض، اذ التعبير عن الامور المستقبله بصيغه الماضي معهود في لغه الكتاب المقدس.

٤ - ونقول: لم خص جبل فاران بالذكر دون سائر الجبال لو كان الامر مجرد اشاره الي انتشار مجد الله كما زعم بعض كتاب اليهود، فان مجد الله لم يتوقف عند حدود فاران او جبل سعير.

(1) هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ، منقذ السقار (ص ٨٤ - ٨٧).

٥ - ومما يؤكد ان الامر متعلق بنبوءه الحديث عن الاف القديسين، والذين تسميهم بعض التراجم «اطهار الملائكه»؛ اي: اطهار الاتباع، اذ يطلق هذا اللفظ ويراد به: الاتباع، كما جاء في سفر الرؤيا ان «ميخائيل» وملائكته حاربوا التنين، وحارب التنين وملائكته ... (الرؤيا ١٢/٧). فمتي شهدت فاران مثل هذه الالوف من الاطهار الا عند ظهور محمد - ﷺ - واصحابه؟

٦ - وما جاء في سفر حبقوق يؤيد قول المسلمين حيث يقول: «الله جاء» من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطي السماوات، والارض امتلات من تسييحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوباء، وعند رجليه خرجت الحمي، وقف وقاس الارض، نظر فرجف الامم ... (حبقوق ٣/٣ - ٦).

فالنص شاهد علي انه ثمه نبوه قاهره تلمع كالنور، ويملا الافاق دوي اذان هذا النبي بالتسييح. وتليمان كما يذكر محررو الكتاب المقدس هي كلمه عبريه معناها: «الجنوب»، لذا يقول النص الكاثوليكي للتوراه: «الله ياتي من الجنوب، والقدوس من جبل فاران»، ولما كان المخاطبون في فلسطين فان الوحي المبشر به ياتي من جهه الجنوب؛ اي: من جزيره العرب، فالقدوس سيبعث في جبل فاران.

ومن هذا كله فالقدوس المتلالئ في جبال فاران هو نبي الاسلام، فكل الصفات المذكوره لنبي فاران متحقه فيه، ولا تتحقق في سواه من الانباء الكرام» انتهي باختصار(١).

ومن الكتب في هذا الباب:

١ - تباشير الانجيل والتوراه بالاسلام ورسوله ﷺ. لنصر الله ابو طالب.

٢ - يجدونه مكتوبا عندهم. لفيصل علي الكاملي.

٣ - هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ؟ لمنقذ السقار.

﴿118 القسم الثاني: شبهات حول مواقف معينه من سيرته ومن ابرزها زواجه من عائشه ﷺ، وحادثه قتل بني قريظه، والزواج بصفيه رضي الله تعالي عنها﴾.

47

ﷺ، وحادثه قتل بني قريظه، والزواج بصفيه رضي الله تعالي عنها. فاما قضيه زواجه ﷺ بعائشه فانهم يستنكرون صغر سنها وقت الزواج ويطعنون علي النبي ﷺ بسبب ذلك، والجواب كالتالي:

أولاً: ان اسعد الناس بهذا الزواج هي عائشه ﷺ، وقصص الالفه والمحبه بينها وبين النبي ﷺ افضل نموذج للاقتداء، وبالتالي؛ فالمحذور الذي يخشي من الزواج بالصغيره من تضررها جسديا او نفسيا لم يكن في هذا الزواج المبارك.

ثانياً: قبول النفوس للزواج في هذه السن او استنكارها انما هو عائد للاعراف لا للحقيقه في ذاتها؛ والا فلو كان هناك اي غضاضه في هذا الامر لكان اول من استنكره كفار قريش واليهود والمنافقون الذين لا يفوتون فرصه للطعن بالنبي ﷺ، فهم لم يالوا جهدا في الطعن به ﷺ عن طريق عائشه في حادثه الافك!

وقد ذكر الله في القران الطعونات التي وجهها الكفار والمنافقون للرسول ﷺ في ايات كثيره، فقالوا عنه: ﴿ساحر، وشاعر، وكاهن، وانه يستعين باقوام اخرين، وانه انما يعلمه بشر﴾، وذكر الله استنكارهم اكله الطعام ومشييه في الاسواق، وانه اذن، وغير ذلك، ولم يذكر منها طعنهم عليه في هذا الزواج، كما ان السنه والاخبار لم تنقل لنا شيئا من ذلك مع نقلها لكثير مما اثاروه علي النبي ﷺ.

ثالثاً: قد تبلغ المراه عند التاسعه، ومعني بلوغها انها قادره علي الحمل والوضع، ولو كانت القضيه مجرد زواج صغيره لبني بها النبي ﷺ منذ عقد عليها وهي ابنه ست، ولكنه انتظرها ثلاث سنوات حتي تهيات وصلحت للزواج. كما ان العالم الغربي الي فتره قريبه كانوا يزوجون البنات في سن يعتبرونها الان مخالفه للقانون والذوق!

ومن المفارقه ان العلاقات الجنسيه دون سن الزواج القانوني، لا تحظي بمحاربه اعلاميه عندهم كالزواج! بل هي مشروعه بالقانون في سن مبكره علي حسب الدوله او الولايه، والبعض لا يطمئن الا حين تخبرهم بان سن الزواج في عدد من الدول الغربيه كان مسموحا من الحاديه عشره والثانيه عشره والثالثه عشره،

ووجه الاطمئنان ان ضغط التاثير الغربي عند البعض جعله في نفسه ميزانا للمنكر والمعروف، ولسنا بحاجه لهذا كله في الحقيقه، غير ان تنويع الحجه جيد لتفاوت ايمان الناس وافهامهم.

وختاما؛ فان هناك من يحاول الدفاع عن رسول الله ﷺ بانكار حديث عائشه المتفق عليه في بيان سن زواجها، ويستدلون - بعد انكارهم للنص في المساله - ببعض الاخبار والروايات التي فهموا منها ان زواجها كان في سن الثامنه عشره او قريبا من ذلك،

وقد ناقشت عددا من الاشكالات المثاره في هذا الموضوع في مقال بعنوان «مناقشه راي د. عدنان ابراهيم في «سن عائشه عند الزواج»» وخير من هذا المقال واوسع، كتاب «السنا الوهاج في سن عائشه عند الزواج» لفهد الغفيلي.

وقد قدم الاستاذ حسام عبد العزيز ثلاث حلقات عبر (يوتيوب) تحت برنامج (بالعقل) عن سن عائشه عند الزواج، وهي جميله وممتعه ومفيده، وتصلح للنشر.

واما حادثه بني قريظه: فان الشائع عند المشككين في الرسول ﷺ من نصاري وملحدين هو ادعاؤهم قتله الاطفال من يهود بني قريظه، وادعاؤهم الوحشيه والعنف، ومناقشتهم كالتالي: ١٢٠

48

قريظه، وادعاؤهم الوحشيه والعنف، ومناقشتهم كالتالي:

١أولا: لا بد من ابراز سبب قتل بني قريظه، الا وهو غدرهم القبيح في اشد الظروف واصعبها، حيث تزامن ذلك مع حصار الاحزاب للمدينه، وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فتكثره في تلك الحال الشديده التي لا وصف ادق في بيانها من قول الله تعالي: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون﴾ ﴿هذاك ابن المؤمنون﴾ وزلزلوا زلزالا شديدا (10) [الأحزاب: 10، 11].

وتعرضوا لنساء واولاد المسلمين في المدينه، فما كانوا يستحقون الا القتل؟!

٢ثانيا: لم يقتل النبي ﷺ الاطفال من بني قريظه، فانه نهي عن قتل الاطفال والنساء، وانما قتل الرجال. كما في لفظ الحديث في البخاري ومسلم «إن تقتل مقاتلتهم» (1) وذلك في حكم سعد بن معاذ ﷺ عليهم.
٣ثالثا: نقض العهد كان جماعيا، البعض بالمباشره، والاخرون بالرضا، فكانت العقوبه جماعيه.

واما قصه زواجه ﷺ بصفيه:

فانهم يقولون: ان النبي ﷺ دخل بها في نفس اليوم الذي قتل فيه زوجها! ولم يستبرئها! ومع ان هذا محض افتراء، ومع انه يخالف ما جاء في البخاري ومسلم من القصه الا انه شائع عند مثيري الشبهات حول الاسلام، ويتاثر بهذا الكلام اناس! وهذا كله من ضعف النقد العلمي!

ولفظ القصه في صحيح البخاري: «فخرج بها حتي اذا بلغنا سد الروحاء حلت فبني بها» (2)، ولفظ مسلم فيه تصريح بالعده (3).

كما انه لم يقل عن صفيه الا رضاها بهذا الزواج وفرحها برسول الله ﷺ، ونقلها لاخباره وحديثه ﷺ و... وارضاها، بل كانت تاتي للرسول ﷺ في (1) صحيح البخاري (338) (338، 337)، صحيح مسلم (3) (1388، 1398). (2) صحيح البخاري (303) (2230). (3) صحيح مسلم (1370).

١٢١

49

(1388، 1398).

(2) صحيح البخاري (303) (2230).

(3) صحيح مسلم (1370).

١٢١ معتكفه كما في صحيح البخاري فتجلس معه وتتحدث (١).

(1370).

١٢١ معتكفه كما في صحيح البخاري فتجلس معه وتتحدث (١). فان قيل: لو كان لديها اعتراض فانه لن ينقل وانما ينقل خلاف ذلك. فالرد: انه قد نقل موقف بعض من خطبهن النبي ﷺ فرفضت خطبته، كما اخرج البخاري في صحيحه عن الاوزاعي قال: سالت الزهري اي ازواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ قال: اخبرني عروه عن عائشه ﷺ: «ان ابنه الجون لما ادخلت علي رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: اعوذ بالله منك. فقال لها: لقد عدت بعظيم، الحقي باهلك» (٢).

قالت: اعوذ بالله منك. فقال لها: لقد عدت بعظيم، الحقي باهلك» (٢).

(١) كما ورد في صحيح البخاري (١٩٣٠).

(٢) صحيح البخاري (٥٢٥٤).

١٢٢ الباب الرابع شبهات حول التشريع الاسلامي لا زلنا في النوع الاول من نوعي الشبهات المعاصره الا وهو: الشبهات التي يراد بها الطعن في اصل الاسلام، وذكرنا انها تعود الي اربعه ابواب، وهذا هو الباب الرابع: شبهات حول التشريع الاسلامي.

50

تعود إلى أربعة أبواب، وهذا هو الباب الرابع: شبهات حول التشريع الإسلامي.

وأبرز ما يثار من إشكالات حول هذا الباب ثلاثة أمور:

1الأول: ادعاء مظلومية المرأة في الإسلام.
2الثاني: ادعاء أن الدين الإسلامي دين سفك للدماء وإرهاب بسبب شعيرة الجهاد.
3الثالث: ادعاء الوحشية في الحدود والعقوبات الشرعية.

الأمر الأول: وهو ادعاء مظلومية المرأة في الإسلام.

51

## الشرعية

١٢٣ الأمر الأول: وهو ادعاء مظلوميه المرأة في الإسلام، فإنهم يستدلون على مظلوميتها بعدد من التشريعات الإسلامية التي لم يفهموا حكمتها، وبعادات خاطئة يمارسها بعض المسلمين، فينسبها الطاعنون إلى الشريعة جهلاً أو تدليساً.

يمارسها بعض المسلمين، فينسبها الطاعنون إلى الشريعة جهلاً أو تدليساً. وباب الشبهات حول المرأة في الإسلام قد تناوله الباحثون كثيراً، وأجاب علماء المسلمين عن تلك الإشكالات في مقالات، وبحوث وكتب وندوات، ومحاضرات ومشاريع، وقد امتلأت المكتبة الإسلامية المقروءة والمسموعة والمرئية بالمنتجات في هذا الباب.

المكتبة الإسلامية المقروءة والمسموعة والمرئية بالمنتجات في هذا الباب. ومن أبرز الإشكالات المثارة في هذا - مع أنها أخذت حظها من النقاش والرد، وقد أجبت عنها في كتاب كامل الصورة ٢ وأذكرها هنا لشهرتها في الخطاب الغربي، مع عدم حبي للتكرار - إلا وهي قضية ميراث المرأة، وأن من الظلم لها أن يكون على النصف من ميراث الرجل، والرد على هذه الشبهة من وجوه:

١أن الميراث له حالات متعددة، منها ما تعطي فيه المرأة أكثر من نصيب الرجل، ومنها ما تعطي فيه مساوٍ للرجل، ومنها ما ترث فيه الأنثى ولا يرث الرجل، ومنها ما يكون نصيبها فيه أقل من نصيب الرجل. فلو ماتت امرأة وتركت زوجاً وبنتاً فإن البنت هنا ترث أكثر من الزوج، ولو مات ابن وخلف أبوين وأولاداً فإن نصيب الأب والأم يكون متساوياً لقول الله ﴿ ولا يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ (النساء: ١١)، مع العلم أن قول الله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ هو في نفس الآية، غير أنهم يجهلون ذلك أو يتجاهلونه، كما أن من الحالات التي يتساوى فيها الذكر بالأنثى ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ﴾ (النساء: ١٢) وهذا في حال الأخوة لأم.
٢الوجه الثاني: أن الذكر وإن أعطي في بعض الحالات مثل حظ الأنثيين، إلا أنه مأمور شرعاً بأن يبذل للأنثى مهراً عند زواجه بها، ومأمور كذلك أن ينفق عليها طول حياته حين تكون زوجة له ولو كانت غنية، أفيستكثر عليه بعد ذلك أن يكون له نصيب من الميراث على الضعف من نصيبها؟
٣الوجه الثالث: أن منشأ هذا الاستنكار هو مخالفة ما قرروه واستحسنوه من التساوي المطلق بين الذكر والأنثى في كل شيء، وهذا التساوي يخالف طبيعة تركيب كل منهما، وبالتالي فهو مخالف للعدل، بينما تجد الإسلام يجعل التساوي في التشريعات هو الأصل ما لم يكن مخالفاً لطبيعة المرأة أو لما يصلح لها، فنجده يمنحها حق التزين بالذهب لاحتياجها الأنثوي للتزين والتجمل بالحلي، بينما يمنع ذلك على الرجل. كما نجد في القرآن والسنة تشديداً ووعيداً في ترك الجهاد في سبيل الله - إذا وجب - ولكن هذا في حق الرجال لا النساء، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﷺ قالت: «استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: جهادكن الحج»(١). قال ابن بطال رحمه الله تعالى: «دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله: جهادكن الحج أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجباً»(٢) انتهى.

وأما أولئك المنادون بالمساواة المطلقة للمرأة مع الرجل، فإنك إن نظرت إلى واقعهم لا تجد أنه مصدق لدعواهم في كل الجوانب، فعلى كرسي رئاسة الدولة - مثلاً - لا تقارن نسبة النساء بالرجال بل لا تكاد تذكر، فهل هذا لأنهم علموا أن جنس الرجل أقدر على هذا العمل من المرأة؟ أم لأن المبادئ تنهار أمام شهوة الحكم؟ أم لأن أساس دعوى المساواة عندهم زائف؟

(١) (٢٨٧٥) (٢) شرح صحيح البخاري (٥/٧٥).

52

تنهار أمام شهوة الحكم؟ أم لأن أساس دعوى المساواة عندهم زائفة؟ ومن جهة أخرى فإننا إذا تعاملنا مع كلام المدعين مظلومية المرأة في الإسلام بتفكير ناقد ونظرة شمولية فاحصة لنكتشف الثغرات التي تتخلل خطابهم، فسنجد أنهم يقومون بعملية تدليس كبيرة في هذا الباب، منها:

(1) أولاً: أنهم يخلطون بين عادات بعض المنتسبين للإسلام التي يظلمون بها المرأة، وبين الحكم الإسلامي. فمثلاً: حين يقوم ولي المرأة بإكراهها على الزواج ممن تكره، فإنهم ينسبون ذلك إلى الإسلام؛ لأن الذي قام بذلك شخص مسلم، والصواب: أن هذه العادة مما جاء في الإسلام النهي عنها، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».

(2) ثانياً: أنهم لا يذكرون جوانب الإكرام والتقدير التي قررها الإسلام للمرأة مما قد لا تحظى به في أي مكان وزمان ونظام آخر! ويظهر ذلك جلياً في حق الأم المعظم، حتى إن قارئ القرآن ليدرك أن للأم حقاً في الإسلام ليس أعلى منه إلا حق الله وحق رسوله فقط، فتجد الأمر ببرها معطوفاً على الأمر بالتوحيد ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وتجد الحث على شكرها مقروناً بالحث على شكر الله ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤].

وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﷺ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك».

(3) ثالثاً: أنهم لا يذكرون الأحكام الخاصة بالمرأة التي جعلت تخفيفاً عليها في مقابل التشديد على الرجل فيها بما يناسب الفارق بينهما، فيجوز للمرأة لبس الذهب ويحرم ذلك على الرجل، ويجوز للمرأة لبس الحرير ويحرم على الرجل، ويجب على الرجل بذل المال وجوباً للزوجة كنفقة مستمرة ولو كانت غنية، ولا يجب على المرأة الإنفاق عليه!

ويجب على الرجل حضور صلاة الجماعة في المسجد - على الأقرب من أقوال الفقهاء - ولا يجب ذلك على المرأة. وتؤخذ الجزية من الرجال غير المسلمين ولا تؤخذ من النساء! قال ابن القيم: (مقدمة) في كتابه أحكام أهل الذمة: «ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم». قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. وقال أبو محمد في المعنى: «لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذا».

(4) رابعاً: أنهم يتجاهلون الآثار السيئة الكثيرة المترتبة على الانفلات من تشريعات الله للمرأة. ومنها على سبيل المثال: إسقاط ملايين الأجنة سنوياً بعمليات الإجهاض التي تسببت بها علاقات غير شرعية؟ أليس لها حق الحياة؟ فبأي ذنب قتلت؟

الامر الثاني من الشبهات حول التشريع الإسلامي شبهات حول الجهاد والقتال في الإسلام. وهذا الباب من أكثر الأبواب حساسية عند غير المسلمين، ومن أكثرها تداولا، ولا يمكن تناول كل شيء فيه في هذا المقام المختصر، إلا أن هناك إشارات منهجية يحسن ذكرها، وهذه الإشارات تتناول جوانب الخطأ أو التدليس في خطاب المشككين في الإسلام عن طريق شعيرة الجهاد، فمن ذلك:

(1) أولاً: أنهم يبنون تصورهم عن شعيرة الجهاد في الإسلام من خلال الجماعات الجهادية أو القتالية المعاصرة التي تنتمي إلى الإسلام، وهذا الحكم ليس منهجياً، ولا علمياً، بل الصواب أن هذه الجماعات تحاكم إلى الإسلام، وليس العكس، ومعنى قولنا: «تحاكم إلى الإسلام»، أي: تعرض أعمالها على نصوص القرآن وهدي النبي ﷺ في القتال وتوجيهاته، فما وافقها فذاك، وما خالفها فإنه لا ينسب إلا إلى من ابتدعها وعملها. والسؤال الموجه للمشككين في المقابل: هل يحكمون على الإلحاد بأنه مذهب إجرامي إرهابي بسبب أفعال الشيوعيين الملحدين الذين ارتكبوا في العصر الحديث أبشع الجرائم؟ أم أن الميزان في الحكم يختل إذا كان المحاكم غير مسلم؟!

(2) ثانياً: أنهم يجهلون أو يتجاهلون جوانب الرحمة والرفق في أحكام الجهاد في الإسلام.

53

او يتجاهلون جوانب الرحمه والرفق في احكام الجهاد في الاسلام.

فعلي سبيل المثال: القانون الاسلامي المتمثل في نصوص الوحيين فيه نص واضح بين بعدم جواز استهداف النساء والاطفال بالقتل ﴿ ١ ﴾، وفيه نص واضح علي الكف عن قتال المحاربين اذا هم رجعوا عن كفرهم ﴿ ٢ ﴾، وفيه نص واضح علي جواز ابقاء الكفار - او اهل الكتاب - علي كفرهم ودينهم اذا هم دفعوا الجزيه ﴿ ٣ ﴾، وفيه نص واضح بين علي تحريم الغدر مع كل احد ﴿ ٤ ﴾، وفيه امتداح ايثار الاسير بالطعام، وفيه نص بين في التحريم المؤكد للتمثيل بجثث الاعداء ﴿ ٥ ﴾، وفيه نص علي تامين من جاء من المحاربين يريد الاستماع للاسلام ثم ايصاله الي مامنه وان لم يسلم! ﴿ ٦ ﴾.

وهذه كلها من المعاني الساميه والاخلاق العاليه في الحرب والتي لا تجد عند غير المسلمين مثلها.

ثالثا: انهم يتناسون ملايين البشر الذين قتلوا علي ايدي غير المسلمين في التاريخ المعاصر والقديم، ولو عاملوا الاديان والدول والتوجهات التي تنتمي اليها الجيوش التي شاركت في تلك الحروب بنفس الطريقه التي يعاملون بها الاسلام لاسكتهم الخجل من انفسهم قبل ان يتكلموا ضد المسلمين.

ثم بعد هذه النقاط الثلاثه اقول: شتان بين دوافع القتال في الاسلام وبين دوافعه في غيره، ومن الظلم التسويه بين القتال لاجل دين انزله الله وامر بالدفاع عنه، وبين القتال لاجل دين محرف او مذهب وضعي زائف.

وليس الدافع للقتال في الاسلام اجتثاث الكفار، ولا افناءهم قتلا، ولا التسلط عليهم بالظلم والطغيان، وانما الدافع لذلك هو نشر دين الله، وانقاذ الناس من النار، والتخليه بينهم وبين الاختيار الحر للدين بازاله الطغاه ﴿ ١ ﴾ ينظر: صحيح البخاري (٣٠١٥).

واما وجود نماذج اسلاميه في التاريخ خالفت هذا المبدا، فانه لا يعود عليه بالابطال وانما يعود علي المخالف بالذم.

وبهذا نكون قد انهينا الكلام عن ابرز الشبهات التي تثار بقصد الطعن في اصل الاسلام وهي النوع الاول.

النوع الثاني الشبهات التي يراد بها التشكيك في الثوابت الشرعيه.

54

الاول. ١٣٠

النوع الثاني الشبهات التي يراد بها التشكيك في الثوابت الشرعيه. وقد مر معنا في اول البحث ان المقصود بالثوابت: الاحكام والاخبار الشرعيه التي اتفق اهل السنه والجماعه علي الاخذ بها دون ما اختلفوا فيه. وتعود «كثير» من الاشكالات العصريه حول الثوابت الي خمسه ابواب: وهي اجمالا: السنه، والاجماع، ومنهجيه فهم النص، والصحابه، والحدود الشرعيه. ١٣١

والاجماع، ومنهجيه فهم النص، والصحابه، والحدود الشرعيه. ١٣١

الباب الاول شبهات حول السنه النبويه. والاشكالات المشاره حول السنه هي الاكثر حضورا من بين هذه الابواب، ويعود غيرها اليها، وتجد - في الغالب - من عنده اشكالات في باب السنه فان لديه اشكالات في ابواب كثيره اخري؛ كالحدود، واخبار الغيب، والمعجزات، وعذاب القبر، ونحو ذلك.

ومن ضبط باب حجيه السنه واتقن الرد علي الاشكالات المشاره حولها، ثم ضبط باب العلاقه بين العقل والنقل، وبين العلم التجريبي والنقل، فقد اخذ بمجامع الردود علي النسبه الكبري من الشبهات المشاره حول الثوابت الشرعيه.

وترجع الاشكالات المشاره علي حجيه السنه الي سته امور:

١الامر الاول: اصل حجيتها والاستغناء بالقران عنها: ويستدل المشككون في السنه علي دعواهم في الاستغناء بالقران عنها:

- قول الله: ﴿م فاطنا في الكتاب من شيء﴾ [الانعام: ٣٨].

- قالوا: وهل تريدون اوضح دلاله من هذه الايه في انه لا حاجه الي السنه بعد القران؟

والجواب: ان المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ، وليس القران. ١٣٢

55

- والجواب: ان المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ، وليس القرآن، ١٣٢ بدليل سياق الآية نفسها: ﴿وما من دابته في الأرض ولا ظنير يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [الأنعام: ٣٨] وهي كقول الله تعالى: ﴿وما من دابته في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ [هود: ٦] فرزق كل دابة ومستقرها ومستودعها إنما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وليس في القرآن!

ولو سلمنا - جدلاً - بأن المراد بالكتاب هنا القرآن فإنه لا وجه للاستدلال بالآية على إسقاط حجيّة السنة، وبيان ذلك في التعليق على دليلهم الثاني.

الدليل الثاني: قول الله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. قالوا: فبما أن القرآن تبيان لكل شيء فما الحاجة إلى السنة؟ والرد على الاستدلال بهذه الآية: إن من تبيان القرآن إرشاده إلى اتباع الرسول ﷺ والتحذير من مخالفته، وقد جاء ذلك في القرآن في عشرات المواضع، فيها من صيغ العموم ما لا يمكن حمله على خصوصية ما بلغ من القرآن، وبالتالي؛ فمخالفته ﷺ إنما هي مخالفة للقرآن الكريم.

قال البيضاوي في تفسيره لهذه الآية التي استدلوا بها: «لكل شيء» من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس (١) انتهى. وقال الألوسي في روح المعاني مفسرًا هذه الآية: «وكون لكتب تبيانًا» لذلك باعتبار أن فيه نصًا على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة حيث أمر باتباع النبي ﷺ، وقيل فيه: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣] وحتى على الإجماع في قوله سبحانه: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥] (٢). وقال الشوكاني في فتح القدير: «ومعنى كونه يبيانًا لكل شيء» أن فيه البيان لكثير من الأحكام، والإحالة فيما بقي منها على السنة (٣).

(١) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (٣/٢٣٧). (٢) روح المعاني للألوسي (١٤/٢١٤). (٣) فتح القدير للشوكاني (٣/١٨٧).

١٣٣

الدليل الثالث: قول الله ﷺ: ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾ [الأنعام: ١١٤] قالوا: فإنتم باتباعكم السنة قد اتخذتم غير الله حكمًا؛ وهذا شرك! ولذلك فإن كثيرًا منهم يسمي أهل السنة مشركين كفرة، بسبب اتباعهم للرسول ﷺ في سنته! ولا أتحدث هنا عن خيال أو أساطير، بل أتكلم عن واقع حقيقي من أعجب ما يمكن أن تراه في الناس! وبالمناسبة، فالقرآنيون المنكرون لجميع السنة هم من أعجب الناس، وأضيقهم فهمًا وأصغرهم عقولًا، ومع أني لا أحب أن أتحدث عن المخالفين بهذه الطريقة إلا أني رأيت منهم العجب! ولديهم قناعة بباطلهم بصورة غير عادية!

حتى إن أحدهم طلب مني المباهلة وهو من أجهل خلق الله! وعلي كل حال فالرد على استدلالهم بهذه الآية من وجوه، منها:

أولاً: الله سبحانه أرشد في القرآن صراحة إلى اتخاذ حكام يحكمون بين الناس بالعدل، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿وإن خفتم شقاق بينهم فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ [النساء: ٣٥] ولو لاحظنا فإن (حكمًا) جاءت هنا بنفس التركيب واللفظ الذي جاء في الآية التي يستدلون بها! وأيضًا، فقد جاء الإرشاد باتخاذ الحكام في قول الله: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ [النساء: ٥٨] فكيف يوفقون بين هذه الآيات وبين فهمهم لقول الله: ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾ [الأنعام: ١١٤]؟

وإذا كان الله قد أرشد إلى اتخاذ رجل من أمة محمد (حكمًا) في الخلاف الأسري؛ أفيكون اتباع محمد ﷺ نفسه فيما يأمر به وينهى عنه شركًا؟! ما لكم كيف تحكمون؟

ثانيًا: إن طاعة الرسول ﷺ إنما هي طاعة لله سبحانه، كما قال الله سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ٨٠]، وقد أمر الله في القرآن صراحة برد النزاع إلى الرسول وتحكيمه فقال: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥].

ثالثًا: إن المراد بهذه الآية ما قاله ابن كثير ﷺ في تفسيره: «فغير ١٣٤ اللو أيتغي حكمًا» [الأنعام: ١١٤؛ أي: أي بيني وبينكم] (١).

56

اللو ايتغي حكما» ﴿الانعام: ١١٤﴾؛ أي: أي بيني وبينكم (١). وقال ابن عاشور: «والمعني: لا اطلب حكما بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمه عليكم بانكم اعداء مقترفون» (٢). وغيرهما من المفسرين كثير قالوا بقولهما وتركت النقل عنهم تخففا. وما سبق هو الرد علي ابرز ادلتهم، ثم ننصب بعد ذلك ادله حجيه السنه، ليرتفع البناء بعد زوال الاشكال.

ثم ننصب بعد ذلك ادله حجيه السنه، ليرتفع البناء بعد زوال الاشكال. ووجوه اثبات حجيتها كثيره من القران، والسنه، والاجماع، وعمل المسلمين المتواتر المستمر في كل الدهور، وساشير هنا الي اهم الدلائل باختصار شديد، وقد بينتها بصوره اوسع في كتاب «افي السنه شك؟».

الدلائل باختصار شديد، وقد بينتها بصوره اوسع في كتاب «افي السنه شك؟». فمن القران: جاءت ايات كثيره فيها الامر بطاعه الرسول ﷺ، وتحكيمه عند النزاع، والنهي عن مخالفته، ووجه الدلاله من تلك الايات: اننا مخاطبون بالقران كما خوطب به اصحاب محمد ﷺ، ومما خوطبنا به من القران ايات طاعه الرسول ﷺ، ولا سبيل لنا لامتثالها الا باتباع ما ثبت من الاخبار الصحيحه عنه،

كما قال الشافعي ﷺ في كتابه «جماع العلم»: «فهل تجد السبيل الي تاديه فرض الله ﷺ في اتباع اوامر رسول الله ﷺ، او احد قبلك او احد بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ - : الا بالخبر عن رسول الله ﷺ»؟

وايضا؛ من دلاله القران علي حجيه السنه: آية سورة النساء: ﴿فان تنترعتم في شيء فردوه الي الله والاستيل﴾ ﴿النساء: ٥٩﴾. فقوله سبحانه: ﴿فان تنترعتم في شيء﴾، يشمل كل شيء، ﴿فردوه الي الله والاستيل﴾. المراد بالرد الي الله: الرد الي كتابه - وهذا واضح لكل احد -، وكذلك فان الرد الي الرسول:

هو الرد الي شخصه في حياته، والي سنته بعد مماته، وهذا ما اجمع عليه اهل العلم. قال ابن حزم رحمه الله تعالي: «والبرهان علي ان المراد بهذا الرد انما هو الي القران والخبر عن رسول الله ﷺ؛ لان الامه مجمعه علي ان هذا الخطاب متوجه الينا، والي كل من يخلق، ويركب روحه في جسده الي يوم القيامه من الجنه والناس» (١).

وقال ابن القيم: «الناس اجمعوا ان الرد الي الله سبحانه هو الرد الي كتابه، والرد الي الرسول ﷺ هو الرد اليه نفسه في حياته والي سنته بعد وفاته» (٢).

واما دلاله حجيه السنه من السنه نفسها - وهذا الاستدلال انما يفيد من ياخذ ببعض السنه ويترك بعضها ومن هو متذبذب في موقفه من السنه، واما منكرها مطلقا فلا يفيده هذا الاستدلال الا في باب المحاجه، اذا استدل علينا ببعض الاثار، فنقول له: لا تستدل علينا ببعض ما نؤمن به،

بل بجميعه - والنصوص الصحيحه في اثبات حجيتها كثيره، ومنها: ما رواه غير واحد من اصحاب السنن (٣)، من طريق عبيد الله بن ابي رافع، عن ابيه، عن رسول الله ﷺ انه قال: «لا الفين احدكم متكئا علي اريكته، ياتيه الامر من امري؛ مما امرت به او نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»، وهو حديث اسناده صحيح، وهو نص في المساله دال علي وجوب قبول ما جاء عن رسول الله ﷺ مما زاد علي القران.

واخرج الامام احمد من وجه اخر في مسنده من حديث المقدام عن النبي ﷺ: «الا اني اوتيت الكتاب ومثله معه، الا يوشك رجل ينثني شبعانا علي اريكته، يقول: عليكم بالقران، فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» (٤)، واسناده لا باس به.

واما دلاله الاجماع علي حجيه السنه: فالاجماعات علي ذلك كثيره، والاجماع العملي بين في هذه المساله، (١) الاحكام في اصول الاحكام لابن حزم (١/٩٧). (٢) اعلام الموقعين لابن القيم (٢/٩٢). (٣) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن ابي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣).

(٤) اخرجه الامام احمد في مسنده (٤/١٣١). واعني به توارد العلماء علي الاستدلال بالسنه والعمل بها، وساكتفي بنقلين هنا فقط:

57

العلماء علي الاستدلال بالسنه والعمل بها، وساكتفي بنقلين هنا فقط:

١ - في قول الله ﷺ: ﴿فان تنزعتم في حيث فردوه الي الله والاسول ان كنتم تؤمنون بالله والبؤم الاخرين﴾ [النساء: ٥٩] قال الامام عبد العزيز الكناني: «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين واهل العلم، ان رددناه الي الله فهو الي كتابه، وان رددناه الي رسوله بعد وفاته؛ فانما هو الي سنته، وانما يشك في هذا الملحدون»(١). اه.

٢ - وقال ابن عبد البر القرطبي المالكي - رحمه الله تعالي - في مقدمه التمهيد: «اجمع اهل العلم من اهل الفقه والاثر في جميع الامصار - فيما علمت - علي قبول خبر الواحد العدل وايجاب العمل به؛ اذا ثبت، ولم ينسخه غيره من اثر او اجماع. علي هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابه الي يومنا هذا، الا الخوارج وطوائف من اهل البدع، شرذمه لا تعد خلافا»(٢). اه.

وهذا اجماع علي حجيه خبر الواحد فضلا عن المتواتر.

الأمر الثالث: من الاشكالات المثاره علي السنه: التشكيك في حجيه احاديث الاحاد:

أذكر بدايه بان اخبار الاحاد - اصطلاحا - ليست منحصره في خبر الشخص الواحد، وانما فيما دون التواتر؛ فخبر الواحد والاثنين والثلاثه واكثر كلها اخبار احاد، ما لم تصل الي حد التواتر. وابرز الاشكالات المثاره علي حجيه اخبار الاحاد امران، بني ثانيها علي اولها:

الأشكالات المثاره علي حجيه اخبار الاحاد امران، بني ثانيها علي اولها:

الأول: اطلاق القول بان اخبار الاحاد لا تفيد الا الظن.

الثاني: ادعاء ان الظن كله مذموم.

(١) الحيده والاعتذار (ص ٦٩).

(٢) التمهيد لابن عبد البر (٢/١).

١٣٦ (1) (٧٢/٢) ط. الرساله.

وصياغه حجتهم كالتالي: اخبار الاحاد تفيد الظن، وكل ظن فهو مذموم في القران؛ اذن: الاخذ باخبار الاحاد امر مذموم في القران. والرد علي هذه الحجه يكون بابطال احدي المقدمتين؛ فان لم يقنعك ما كتب من ابطال كلا المقدمتين، فيكفي لعدم صحه النتيجه ابطال احداهما فقط، وازعم ان هذا حاصل هنا.

فاما المقدمه الاولي (اخبار الاحاد لا تفيد الا الظن) فهي غير صحيحه شرعا ولا واقعا. فاما شرعا فلان النبي ﷺ كان يقيم الحجه علي الامم، في اصل دين الاسلام، باحاد من اصحابه يبعثهم اليهم، ومثل هذا انما يكون بما يقطع كل احتمال للريب.

واما واقعا؛ فلاننا جميعا (الموافقين والمخالفين) يحصل لنا اليقين في كثير من احوالنا بناء علي اخبار احاد لم تصل الي حد التواتر؛ والامثله علي ذلك اكثر من ان تحضر، من اخبار الزواج والوفاه والولاده والنجاح والفشل والربح والخساره. . . الخ، فيكون اعترافنا بحصول اليقين بهذه الاخبار الاحاديه كافيا في نقض الاطلاق بان اخبار الاحاد لا تفيد الا الظن.

واخبار الاحاد (الصحيحه) المنقول بها السنه، فيها ما يفيد اليقين، وفيها ما يفيد الظن الراجح، بحسب احوال الرواه والاسانيد والقرائن لكل روايه بعينها.

واما المقدمه الثانيه، وهي ان (اتباع الظن مذموم في القران) فهذا التعميم غير صحيح، فقد جاء في القران ذم نوع من الظن وامتداح اخر، فجاء في الذم قوله تعالي: ﴿ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] وجاء في المدح ﴿الحنيبون الذين يظنون انهم ملتقوا ربهم﴾ [البقره: ٤٥ - ٤٦]، والظن في هذه الايه معناه: اليقين؛ والا فهل يفيد ظنهم شيئا لو كان لديهم ادني نسبه من الريب في لقاء ربهم؟

قال القرطبي في تفسيره:

والظن هنا في قول الجمهور بمعني اليقين ومنه قوله تعالي: ﴿ان ظنت اين مني جسابه﴾ [الحاقه: ٢٠] وقوله: ﴿فظنوا انهم موافقوها﴾ [الكهف: ٥٣] انتهي.

58

وقوله: ﴿فظنوا انهم موافقوها﴾ [الكهف: ٥٣] انتهي. وقال الامام الشنقيطي بعد ان ذكر عددا من الايات القرانيه التي ورد فيها الظن بمعني اليقين: «فالظن في هذه الايات كلها بمعني اليقين، والعرب تطلق الظن علي اليقين وعلي الشك»(١) انتهي.

ومقارنه الظن المستفاد من اخبار الاحاد الصحيحه بظن المشركين المذموم في الايه مقارنه خاطئه لا شك في خطئها، قال الشيخ ابن عثيمين ﷺ في تفسيره لايه النجم: ﴿ان يشعرن الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] قال: «والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من احد الاحتمالين، وانتبه لهذا فالظن ياتي بمعني التهمه، وياتي بمعني رجحان الشيء، وياتي بمعني اليقين»(٢) انتهي.

وايضا فان الله سبحانه قد شرع في كتابه الاخذ بشهاده الشهود، وهم احاد، فاما ان يقول المخالفون ان شهادتهم تفيد اليقين فيكون في ذلك نقض للمقدمه الاولي، واما ان يقولوا بانها تفيد الظن ومع ذلك شرعت، فيكون في ذلك ابطال للمقدمه الثانيه، فما ثبت انه تشريع من الله لا يكون مذموما بحال.

قال ابن حزم ﷺ: «اجماع الامه كلها علي قبول خبر الواحد الثقه، عن النبي ﷺ. وايضا فان جميع اهل الاسلام كانوا علي قبول خبر الواحد»(٣). وقد ذكرت وجوها اخر في الرد علي المشككين في حجيه احاديث الاحاد في كتابي: «افي السنه شك».

(١) الاضواء (٤/١٤١ - ١٤٢) نشر مكتبه ابن تيميه. (٢) لقاء الباب المفتوح رقم (٧١). (٣) الاحكام في اصول الاحكام لابن حزم (١١٣/١ - ١١٤).

١٣٩ الاشكال الثالث: حول ثقله السنه ورواتها:

فيقولون: ان السنه قد نقلت الينا عن طريق رجال غير موثوقين، ولا مامونين، ويستدلون علي ذلك ببعض ما روي عن عدد من رواه السنه من مخالفات شرعيه. والرد علي هذا الاشكال من وجوه:

الوجه الاول: ان علم الجرح والتعديل يعطي كل شيء قدره من جهه الطعون في الرواه، فان من الطعون ما يؤثر في قبول الروايه ومنها ما لا يؤثر، واما التعامل السطحي مع الراوي دون تفريق بين ما يؤثر وما لا يؤثر في القبول فهذا غلط.

الوجه الثاني: كثير من القصص التي طعن علي الصحابه او الرواه الثقات بسببها، لا تثبت من جهه الاسناد! وذلك مثل الطعن علي ابي هريره بانه انما لزم النبي ﷺ من اجل الطعام، وان النبي تضايق من كثره دخوله عليه لاجل ذلك، فقال له: «يا ابا هر: زر غبا تزدد حبا»(١)، فربط حديث (زر غبا) بقضيه الطعام باطل، بل ان حديث زر غبا من اصله لا يثبت. فقد قال البزار: لا يعلم في «زر غبا تزدد حبا» حديث صحيح. (٢) وذكر العقيلي انه ليس في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء يثبت. (٣)

الوجه الثالث: ان علم الجرح والتعديل هو الميزان في هذا الباب، وقد بلغ الغايه في الاتقان البشري، وكثير ممن يطعن في علم الحديث لا يعرف قدر هذا العلم ولا يعرف دقه المحدثين فيه، وقد وضعوا قواعد موضوعيه في باب الجرح والتعديل طبقوها علي الموافق والمخالف لهم في المذاهب الفقهيه والعقديه، ولذلك تجد في كتابي البخاري ومسلم رواه من مختلف المذاهب العقديه، ففيهما الراوي السني، والشيعي، والناصبي، والقدري، والخارجي،

(١) مسند الطيالسي (٤/٢٨٦) (٦٢٨٥). (٢) كشف الاستار للهيتمي (٢/٣٩٠). (٣) الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/١٣٨ - ١٣٩).

بشرط ان تثبت عدالته وصدقه، واما من لم تثبت عدالته فانهم لا يخرجون له، سواء اكان سنيا ام ليس سني.

59

واما من لم تثبت عدالته فانهم لا يخرجون له، سواء اكان سنيا ام ليس سني.

الاشكال الرابع: حول النهي عن كتابتها وما يتعلق بتاريخها وتدوينها:

فاما ما يتعلق بالنهي عن الكتابه، فان الذين يستدلون بالحديث الوارد في ذلك فانهم يقعون في الاضطراب والتناقض وسوء الاستدلال من اربعه وجوه:

1الوجه الاول: انهم يستدلون بالسنه التي لا يرونها حجه علي عدم حجيتها.
2الوجه الثاني: ان الذي جاء عنه النهي عن كتابه الحديث هو الذي امر بحفظه وتبليغه ونهي عن رده، والاسانيد في ذلك صحيحه بل اصح من حديث النهي عن الكتابه؛ فلماذا الانتقائيه؟ افيؤمنون من الحديث بما يوافق اهواءهم، وما لا؛ يردونه؟!
3الوجه الثالث: انه كما جاء حديث في النهي عن الكتابه، فقد جاءت احاديث متعدده في الرخصه بها، منها قوله ﷺ مجيبا طلب ابي شاه في كتابه خطبته: «اكتبوا لابي شاه»(1)، ومنها ان عبد الله بن عمرو كان يكتب وايده النبي ﷺ علي ذلك بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه الا حق، واشار الي فيه»(2).

فعلي اي اساس يقوم المنكرون للسنه باختيار حديث النهي والغاء احاديث الرخصه؟

4الوجه الرابع: ان هناك فجوه في الاستدلال بالنهي عن الكتابه علي عدم الحجيه! فالصواب في الاستدلال بالنهي عن الكتابه الا يتجاوز به مورد النص، وهو الكتابه، لا الحجه؛ اذ النص لا اشاره فيه للحجيه من قريب ولا من بعيد، بل جاء في حديث النهي عن الكتابه نفسه قول رسول الله ﷺ: «وحدثوا عني»(3).

(1) صحيح مسلم (1355) باختصار.

(2) سنن ابو داود (374).

(3) صحيح مسلم (300).

١٤١

وبعد ذلك، فان من اهل العلم من قال: ان النهي عن الكتابه لا يصح مرفوعا الي النبي ﷺ، وان الصواب فيه الوقف علي ابي سعيد الخدري (اي: انه من كلام ابي سعيد). وهذا المسلك هو طريقه الامام البخاري (ﷺ)، وقد ذكر ذلك ابن حجر (ﷺ) في (فتح الباري) (١)، وبعض طرق هذا الموقوف ذكرها ابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله (٢).

ومن اهل العلم من اثبت الحديث ولكنهم راوا انه منسوخ باحاديث الرخصه، وهناك وجوه اخري يطول الكلام بسردها.

ومن المراجع في هذا الباب للتوسع:

1كتاب تقييد العلم، للخطيب البغدادي.
2كتاب تدوين الحديث، للسيد مناظر الكيلاني، مكتوب بالاورديه ومترجم للعربيه طبعته دار الغرب.
3كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، لمحمد مصطفي الاعظمي.
4كتاب السنه قبل التدوين، لمحمد عجاج الخطيب.
5كتاب تدوين السنه النبويه، لمحمد مطر الزهراني.

واما ما يتعلق بتاخر تدوينها: فان الاشكال الذي يثار في هذه القضيه مبني علي تصور ناقص لطريقه توثيق السنه، ولذلك؛ فان الاجابه الوافيه عن هذا الاشكال، تكون بالعرض التفصيلي لتاريخ توثيق السنه، وطريقه روايتها ونقلها، وما لم يكن عند المرء تصور تفصيلي لذلك فانه لن يعرف وثاقه نقل السنه، وسيظل يتحدث عن تصورات ذهنيه لا واقعيه.

مع العلم بان التدوين لم ينقطع من وقت النبي ﷺ الي وقت التدوين الشامل، وممن اعتني بتتبع الصحف التي كتبت في مرحله ما قبل التدوين الشامل، الدكتور: محمد مصطفي الاعظمي في كتابه: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه.

(١) فتح الباري لابن حجر (١/٢٠٨).

(٢) (٢٦٨/١) ١٤٢

60

## الاشكال الخامس: حول علم الحديث ومناهج المحدثين:

يقول كثير ممن ينكر السنة أو يشكك فيها: «إنه لا ينكرها من حيث هي سنة، وإنما من جهة عدم الوثوق بطريقتها نقلها». وهنا سؤال مهم لهؤلاء؛ ألا وهو: هل يستحيل - علمياً - معرفة صحة الأخبار المنقولة عن النبي ﷺ من ضعفها؟ الجواب ب(نعم) أو (لا) لا بد أن يكون مبنياً على تصور تام صحيح لواقع الرواية والرواة والأسانيد.

لا بد أن يكون مبنياً على تصور تام صحيح لواقع الرواية والرواة والأسانيد، ولا بد أن يبني بعد تصور تام ل(العلم) المتعلق بتحقيق صحة الأخبار النبوية، وهو (علم الحديث) كونه الأداة المتفق على الاعتماد عليها بين أهل السنة في معرفة صحة الأخبار، وكونه الأشهر أو الذي لا يكاد يوجد غيره في هذا الباب، وكونه مبنياً على الأمر الأول الذي هو التصور التام الصحيح لواقع الرواية.

وأقول بتمام الثقة: إن أغلب المشككين في السنة لا يملكون تصوراً واقعياً عن الأمرين كليهما، لا عن واقع الرواية والرواة، ولا عن العلم المتعلق بذلك؛ فكيف يحكمون بأن نقل السنة غير موثوق؟ وعلى أي شيء يبنون؟!

إذاً فالخطوة الأولى للحكم على علم الحديث بعدم الصلاحية والكفاية، هي: تصور هذا العلم تصوراً صحيحاً كما بناه علماؤه، وهذا - كما سلف - ما لا يتوفر في جل المشككين فيه.

وأما بيان دقة المحدثين وانضباط منهجهم فيستبين من وجوه كثيرة، وكلما رجعنا إلى كتب المحدثين المتقدمين وطريقتهم كان ذلك أظهر في إدراك عظمة هذا العلم.

ومما يمكن أن يظهر دقة هذا العلم وموضوعيته: الوقوف مع شروط الحديث الصحيح وتفصيلاته، وهي شروط خمسة: العدالة، والضبط، واتصال الإسناد، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة.

ومن يعرف علم الحديث معرفة محكمة؛ فإنه يستطيع أن يعرض ما يدخل تحت كل شرط من هذه الشروط الخمسة من دلائل التوثيق ومعالم الضبط، مما لا مزيد عليه في العلوم البشرية الممكنة.

مثال ذلك: إذا تحدثنا عن شرط الضبط، فإن مما يعرض ضمن هذا الشرط: آلية حكم المحدثين على الراوي بالضبط، وهل حكمهم على راوٍ بالضبط يعني أن كل ما يرويه صحيح؟ أم أنه يمكن أن يخطئ؟ وإذا كان يخطئ فكيف يتم اكتشاف خطأه وقد حكمنا عليه بأنه عدل ضابط؟

وهل الرواة الضابطون على درجة واحدة من جهة قبولنا لأخبارهم؟ أم أنهم على مراتب؟ وما الفائدة من هذه المراتب؟ هل نقدم الأكثر ضبطاً منهم على من دونه حال التعارض؟ وما حكم الراوي الصدوق الذي يصيب كثيراً ويخطئ كثيراً؟ متى يقبل المحدثون خبره ومتى يردونه؟

وكيف نعرف أن الراوي الذي حكمنا عليه بالضبط لم يتغير حفظه بعد سنوات من حكمنا عليه؟ إلى آخر هذه التفاصيل التي تظهر دقة قوانين علم الحديث.

## الامر السادس: استشكال أحاديث صحيحة معينة بدعوى التعارض:

إن استشكال روايات صحيحة ليس أمراً منكراً إذا كان على سبيل التفهم وطلب رفع ما توهم من تعارض، فقد استشكلت عائشة وحفصة وغيرهما من الصحابة بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ، وبين لهم ما يزيل الإشكال، وإنما المستنكر هو الفوضى في التعامل مع الروايات المستشكلة، واستجهال أئمة المسلمين، وعرض الأحاديث المتوهم تعارضها على سبيل الاكتشاف والمفاجأة للناس، مما قد أجاب العلماء عن وجه الإشكال فيه قبل قرون.

فلقد اعتنى علماء المسلمين بمبحث التعارض بين الأدلة، أما بين آيات القرآن، أو بين القرآن والحديث، أو بين الحديث والحديث، أو بين الحديث والعقل أو الحس، ورسموا منهجاً للتعامل مع هذه القضية، تجده في مبحث «التعارض بين الأدلة» في كتب الأصول، وفي مبحث «مختلف الحديث» في كتب علوم الحديث.

وقد ألفت كتب كثيرة متخصصة في هذا المجال - قديماً وحديثاً - يطول سردها، أذكر منها على سبيل المثال والإشارة: اختلاف الحديث للشافعي، شرح مشكل الآثار للطحاوي، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.

(1) من (ص ٩٨ إلى ص ١١٣)، ط ١.

61

مختلف الحديث لابن قتيبه. (1) من (ص ٩٨ الي ص ١١٣)، ط ١. ومن الكتب المعاصره: دفع دعوي المعارض العقلي عن الاحاديث المتعلقه بمسائل الاعتقاد دراسه لما في الصحيحين لعيسي النعمي، التعارض في الحديث النبوي للطفي الزغير، احاديث العقيده المتوهم اشكالها في الصحيحين لسليمان الدبيخي، وغيرها كثير.

العقيده المتوهم اشكالها في الصحيحين لسليمان الدبيخي، وغيرها كثير. وقد ذكرت في كتاب «افي السنه شك؟» قواعد منهجيه للتعامل مع الاحاديث التي يتوهم تعارضها مع القران، ومع العقل، ومع روايات حديثيه اخري، ومع العلم الحديث، فلتراجع(١).

١٤٤ ١٤٥ الباب الثاني شبهات حول الاجماع

وصل الحال عند بعض من ينكر حجيه الاجماع الي تجويز اطباق جميع الامه علي مدي اربعه عشر قرنا علي الخطا، وهذا الموقف يخالف ما اخبر الله به ان هذه الامه خير الامم، وانها امه وسط لتكون شاهده علي الناس لعدالتها وصدقها، فكيف يجوز مع ذلك ان تتضرم قرونها وهي متفقه علي الباطل غير عارفه بالحق ولا قائمه به؟!

تتضرم قرونها وهي متفقه علي الباطل غير عارفه بالحق ولا قائمه به؟! وحتي في ميزان التقدير العقلي يبعد ذلك جدا، فان مصدر الاحكام الشرعيه الكتاب والسنه، والاجماعات المنقوله عن اهل العلم انما ترجع الي اصل في الوحيين صريح او غير صريح، ويشترك جميع المجتهدين في اصل ادوات الاستنباط من الكتاب والسنه، علي تفاوت شخصي في تحقيق الكمال من هذه الادوات،

غير ان مجموع المجتهدين يضم كل هذه المستويات؛ ومن ثم لا بد ان يخرج بنتيجه صحيحه في الاستنباط اذا اتفقوا عليه، فهل يعقل ان يقع كل المجتهدين في خطا فهم النص؟ وان الصواب لم يعرف الا بعد اربعه عشر قرنا من الهجره؟

في خطا فهم النص؟ وان الصواب لم يعرف الا بعد اربعه عشر قرنا من الهجره؟ خاصه وان مستوي تحقيق المجتهدين الاوائل للكمال في ادوات الاستنباط كان اعلي من مستوي المتاخرين، وذلك لصفاء اللسان العربي من الشوائب التي لحقته بعد ذلك، ولوجود عامل مهم في الصف الاول من المجتهدين خاصه، اعني: صف الصحابه، وهو عامل معاصره نزول الوحي ومصاحبه من يتنزل عليه القران،

صف الصحابه، وهو عامل معاصره نزول الوحي ومصاحبه من يتنزل عليه القران، وبالتالي فهم اقدر من غيرهم علي فهم النص - مع عدم اغلاق باب الاجتهاد لغيرهم، لكن دون تخطئه مجموعهم -، فكيف يتفقون كلهم علي الخطا في الفهم، خاصه وانه لم تستجد عوامل خارجيه مؤثره علي فهم النص في كثير من المسائل التي خولف فيها الاجماع من قبل بعض الباحثين المعاصرين، وانما هي مسائل شرعيه سمعيه بحته؛ كحد الرجم، وعقوبه المرتد،

وانما هي مسائل شرعيه سمعيه بحته؛ كحد الرجم، وعقوبه المرتد، ونحو ذلك؛ فما الامر الذي تخللف عند المجتهدين الاوائل وتوفر في بعض الباحثين المعاصرين حتي يخطؤوا جميعا في فهم ايات القران واثبات احاديث الرسول، ويصوب الباحثون المعاصرون؟ ازعم ان هذا السؤال يستدعي التامل والتفكير بعيدا عن تاثير عباره (نحن رجال وهم رجال) وعباره (كم ترك الاول للاخر)؛

عن تاثير عباره (نحن رجال وهم رجال) وعباره (كم ترك الاول للاخر)؛ فاني لا اتحدث هنا عن استنباطات جديده، ولا عن مزيد من الغوص في معاني الايات، وانما اتحدث عن تخطئه كل الاولين لا الزياده عليهم.

ومما يزيد الكلام اثباتا، ان عددا من المسائل التي انكرت، وضرب بالاجماع الثابت فيها عرض الحائط، انما ادعي المنكرون في انكارهم لها انها مسائل تخالف نصا صريحا من القران؛ كقولهم:

المنكرون في انكارهم لها انها مسائل تخالف نصا صريحا من القران؛ كقولهم: ان عقوبه الرده تصادم بشكل ظاهر قول الله تعالي: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ فهل تعتقد ان القضيه بهذه السطحيه؟ وهنا مقام اخر، الا وهو ان البعض يتجاوز التقرير السابق، ويوافق علي ان الامه لا تجتمع علي خطا، ولكنه ينازع في ثبوت الاجماع،

علي ان الامه لا تجتمع علي خطا، ولكنه ينازع في ثبوت الاجماع، وهذا مبحث اصولي فيه تفصيلات متعدده واقوال مختلفه في تحديد الاجماع الذي يمكن ضبطه، ولكنه لا يعود علي اصل الاجماع بالابطال، فالاجماعات المنقوله علي درجات من جهه ثبوتها ومن جهه قطعيتها.

ويستدل بعضهم علي عدم امكانيه تحقق الاجماع بعباره الامام احمد رحمه الله تعالي: «من ادعي الاجماع فهو كاذب»(١).

بعباره الامام احمد رحمه الله تعالي: «من ادعي الاجماع فهو كاذب»(١). وسانقل باختصار وتصرف ما كتبته في (كامل الصوره/٢) عن هذه العباره: (١) العده في اصول الفقه (٤/١٠٥٩). ١٤٧

62

عن هذه العبارة: (١) العدة في أصول الفقه (٤/١٠٥٩).

١٤٧ "احذ عبارة الإمام أحمد هذه وترك عباراته الأخرى في نفس الموضوع انتقائية غير موضوعية، أو جهل مبني على قلة اطلاع، قال الإمام أبو داود في مسائله: «سمعت أحمد قيل له: إن فلانا قال: قراءة فاتحة الكتاب - يعني: خلف الإمام - مخصوص من قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فقال: عمن يقول هذا؟! اجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة. (١)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فهذا نص واضح ثابت عن الإمام أحمد يدعي فيه الإجماع على أمر شرعي، فهل نطبق عليه عبارته: "من ادعى الإجماع فهو كاذب"(٢) أم نحاول فهمها على الوجه الذي يستقيم مع تطبيقه هو؟!

كاذب"(٢) أم نحاول فهمها على الوجه الذي يستقيم مع تطبيقه هو؟! ولماذا يتم الاعتماد على عبارة واحدة دون العبارات الأخرى؟ إذا كانت القضية انتقائية؛ فقد يقول قائل: إنه يريد أن ينتقي العبارة التي فيها إثبات الإجماع ويلغي العبارة التي فيها أن دعوى الإجماع كذب! ولا شك أن المنهج المرضي عند أهل العلم والذي سلكوه في التعامل مع عبارة أحمد هو توجيهها وفهمها في ضوء تطبيقه وأقواله الأخرى، لا الاتكاء عليها لإبطال الإجماع!

فمن التوجيهات التي ذكرها أهل العلم لعبارته: أن الإمام أحمد قال ذلك إنكارا على فقهاء المعتزلة. قال المرداوي في التحبير: "وقال ابن رجب في آخر شرح الترمذي: وأما ما روي من قول الإمام أحمد: "من ادعى الإجماع فقد كذب فهو إنما قاله إنكارا على فقهاء المعتزلة، الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين. "(٣)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ومما يؤيد هذا الفهم: تمام عبارة أحمد نفسه، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى (١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، مكتبة ابن تيمية (ص ٤٨).

(٢) سبق تخريجه.

(٣) التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، للمرداوي، مكتبة الرشد (٤/١٥٢٨).

شرح التحرير في أصول الفقه، للمرداوي، مكتبة الرشد (٤/١٥٢٨). بشر المريسي والأصم» (١). اه.

وبشر المريسي والأصم من رؤوس المبتدعة في وقت أحمد. ويزيد الأمر وضوحا: قول ابن تيمية ﷺ: «إنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين» (٢). اه.

وقريب من ذلك قول ابن القيم ﷺ: «وليس مراده - أي: الإمام أحمد - بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بلوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبين الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها» (٣). اه.

هذا التوجيه الأول لكلام الإمام أحمد.

لا يجوز رد السنن بمثلها» (٣). اه.

هذا التوجيه الأول لكلام الإمام أحمد.

والتوجيه الثاني: أنه محمول على جهة الورع في الدعوى، بمعنى أن دعوى الإجماع أمر صعب، فلعل هناك خلافا لم يبلغ مدعي الإجماع؛ فلذلك أرشد الإمام أحمد إلى استعمال عبارة: «لا أعلم فيه اختلافا» ونحوها؛ لأنها أقرب إلى الواقع.

وهذا لا ينفي أن يدعي العالم المطلع على أقوال الناس الإجماع إن تيقن وقوعه، كما فعل أحمد نفسه ذلك، قال القاضي أبو يعلى ﷺ في العدة: «وظاهر هذا الكلام أن أحمد قد منع صحة الإجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال هذا على طريق الورع، لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف» (٤). اه.

(٥)

لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف» (٤). اه.

(٥)

وهذا التوجيه الثاني وجيه؛ فإن العالم قد يخفي عليه الخلاف، ولكن هذا الاحتمال يضعف جدا إذا توارد العلماء على نقل الإجماع من مختلف المذاهب والبلدان والعصور.

إذا توارد العلماء على نقل الإجماع من مختلف المذاهب والبلدان والعصور.

(١) العدة في أصول الفقه (٤/١٠٥٩).

(٢) المسودة في أصول الفقه (٣١٦ ص).

(٣) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة (٣/٥٨٣).

(٤) (٤/١٠٦٠).

(٥) كتاب كامل الصورة ٢.

١٤٨ www.youtube.com/watch?v=Xf8CAx0d6aQ

(1) الباب الثالث إشكالات حول منهجية فهم النص الشرعي

63

## الباب الثالث: إشكالات حول منهجية فهم النص الشرعي

إن من أبرز الإشكالات المعاصرة حول النص الشرعي قضية الفهم، فتجد من يقول: تؤمن بالقرآن، وبالسنة، ولكن بفهم من؟ وهل هناك فهم صحيح، وآخر خاطئ؟ ولماذا لا يكون النص مفتوحًا لقراءات متنوعة متعددة، يأخذ كل قارئ له ما يفهمه منه، دون تخطئة لأي قارئ آخر؟

وإذا تأملت في حقيقة هذا القول فستجد أنه ينزع من النص صفة بيان الحق فيما يختلف فيه المسلمون، ويفقده صفة القطع في قضايا الشريعة، بل ويستطيع الكافر أن يجد من خلال قراءته للنص القرآني مبررًا لكفره إذا أراد أن يفهمه بطريقته الخاصة. وقد شدد الله في كتابه القول على من لم يحكم بما أنزل؛

فكيف يمكن أن يحكم بالقرآن إذا كان لكل إنسان فهمه؟ فلو أراد القاضي أن يجلد الزاني مائة جلدة كما جاء في النص القرآني، فقد يكون للزاني قراءة أخرى وفهم مختلف للزنا المحرم، فقد يرى أنه الاغتصاب، أو الخيانة الزوجية!

مع العلم بأنه يوجد من المعاصرين من يدعي ذلك، ويقول: إن الزنا المحرم هو الخيانة الزوجية، وأما غير المتزوج إذا تراضى مع امرأة غير متزوجة فإنه لا يكون زانيًا، طالما لم يكن أمام الناس! وقد سمعت الشيخ الضال محمد شحرور يقول ذلك، وهذا رابط لكلامه بصوته (١) فأي دين يبقى بعد ذلك؟! وأي هداية تبقى للقرآن إذا كان كل نص فيه بهذه الطريقة؟

وعلى كل حال فهذه إشارة سريعة في الباب، وللاستزادة راجع المعلق الأول من مزالق هدر النصوص ضمن كتاب "ينبوع الغواية الفكرية" لعبد الله العجيري.

## الباب الرابع: إشكالات حول الحدود الشرعية

أكثر الجدل في باب الحدود الشرعية يعود إلى حد الرجم، وعقوبة الردة:

أولاً: حد الرجم:

ينكر بعض المسلمين أن يكون في الإسلام عقوبة الرجم بالحجارة للزاني المحصن، ويرون أنه أمر وحشي، والمستند الظاهري لاستنكارهم هو أنها عقوبة لم تذكر في القرآن، خاصة وأن الجلد للزاني قد جاء في سورة النور دون الرجم، كما يرون أنها عقوبة تعارض بعض الآيات القرآنية.

فأما ما يتعلق بالوحشية فإن الرجم عقوبة وليس مكافأة، ومن شأن العقوبات الزجر، وقد شرع الله في القرآن عقوبة رادعة زاجرة في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا، وهي قطع اليد والرجل من خلاف، ويقبلها كثير ممن يدعي الوحشية في الرجم.

إن تقدير العقوبات من الله ﷺ أمر تابع لحكمته وعلمه، ونحن لم نخترع هذا الحد من عند أنفسنا، وإنما تصديقًا بالأخبار الصحاح الثابتة عن رسول الله ﷺ. ومن المفترض أن يقول المؤمن: ما أبشع الزنا من المتزوج؛ لأن الله شرع فيه حدًا شديدًا وهو الرجم، وهذا يدل على قبح هذا الذنب.

وأما إنكار الرجم لأنه لم يرد في القرآن فغير مستقيم على طريقة المتبعين للنبي ﷺ؛ فقد ثبت عنه في السنة القطعية أنه رجم عددًا ممن زنى في وقته من المتزوجين، ووجه القطعية في هذه الأخبار أنها قد نقلت من وجوه صحيحة كثيرة تفيد العلم لمن يعرف قوانين الأخبار، وأحوال الرواة، لا من يجهل ذلك.

وقد أجمع أهل السنة على هذا الحد: قال ابن عبد البر حيث قال: «وأما أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فلا يرون الرجم على أحد من الزناة ثيبًا كان أو غير ثيب، وإنما حد الزناة عندهم الجلد، الثيب وغير الثيب سواء عندهم. وقولهم في ذلك خلاف سنة رسول الله ﷺ، وخلاف سبيل المؤمنين فقد رجم رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، وعلماء المسلمين في أقطار الأرض متفقون على ذلك من أهل الرأي، والحديث. وهم أهل الحق»(1) انتهى.

وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: «وجوب الرجم على الزاني المحصن... وهذا قول عامة أهل العلم... ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج»(2).

وقال ابن بطال: «وثبتت الأخبار عن الرسول أنه أمر بالرجم ورجم، ألا تري قول علي: رجمنا بسنة رسول الله ﷺ ورجم عمر بن الخطاب، فالرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم، منهم مالك بن أنس في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والثوري وجماعة أهل العراق، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.

ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة واعتللوا بأن الرجم ليس في كتاب الله تعالى»(3). وأما إنكار العقوبة بدعوى تعارضها مع بعض الآيات القرآنية كقول الله ﴿...﴾.

(1) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والاسانيد (121/120). (2) المغني (12/120، ط. التركي). (3) شرح ابن بطال (4/120).

64

(2) المغني (12/120، ط. التركي).

(3) شرح ابن بطال (4/120).

١٥٣ في الاماء: ﴿فمكن يصف ما علي المحصنات من المداب﴾ [النساء: ٢٥]. فيقولون ان المحصنات هن المتزوجات، وعلي المتزوجات الرجم في قولكم، وهذا يعارض الايه؛ لان الرجم لا ينصف.

وعلي المتزوجات الرجم في قولكم، وهذا يعارض الايه؛ لان الرجم لا ينصف. والرد علي هذه الدعوي يكون ببيان خطا تفسير المحصنات في الايه بالمتزوجات، بل المراد بهن: الحرائر، وهذا في غايه الجلاء لمن قرا اول الايه؛ اذ فيها الحث علي نكاح المحصنات؛ اي: الحرائر.

لمن قرا اول الايه؛ اذ فيها الحث علي نكاح المحصنات؛ اي: الحرائر. وعقوبه الحرائر ان زنين وكن متزوجات: الرجم، وهو لا ينصف، وعقوبتهن ان كن غير متزوجات: مائه جلده، وهي مما ينصف؛ فيكون حد الامه الزانيه اذا نصف ذلك، وهو: خمسين جلده.

مما ينصف؛ فيكون حد الامه الزانيه اذا نصف ذلك، وهو: خمسين جلده. وختاما فان الكلام عن الاشكالات المثاره حول هذا الحد اكبر من هذا العرض المختصر، وقد اجبت في كتاب كامل الصوره/١ عن بعض ما اثير عليه، واحيل من يرغب التوسع في هذا الموضوع الي كتاب «شبهات حول احاديث الرجم وردها» للدكتور سعد المرصفي. وهو متوفر علي الشبكه.

مع العلم بان عقوبه الرجم لا تكاد تتحقق الا بالاعتراف؛

علي الشبكه. مع العلم بان عقوبه الرجم لا تكاد تتحقق الا بالاعتراف؛ لان شروط ثبوت الحد في غايه الصعوبه، والذي يجيء معترفا فانما هو مختار لذلك ليس مكرها عليه، والمستحب هو الستر علي النفس لا المبادره بالاعتراف بالذنب، وحتي من راي شخصا اخر علي زنا؛ فان الافضل ان يستره، ولا يبلغ الحاكم عنه، الا ان يكون مجاهرا بسوء فقد يكون هذا من باب الردع والزجر.

عنه، الا ان يكون مجاهرا بسوء فقد يكون هذا من باب الردع والزجر.

ثانيا: عقوبه الرده:

مجاهرا بسوء فقد يكون هذا من باب الردع والزجر. ثانيا: عقوبه الرده: ابرز اعتراض علي هذه العقوبه هو انها تعارض قول الله ﷺ: ﴿لا اكراه في الدين﴾ [البقره: ٢٥٦]، وفي الحقيقه فان هذه الايه لم تكن تخفي علي اي عالم من علماء المسلمين، الذين اجمعوا علي القول بان للرده عقوبه القتل، قال ابن قدامه المقدسي: «واجمع اهل العلم علي وجوب قتل المرتدين»(١).

قال ابن قدامه المقدسي: «واجمع اهل العلم علي وجوب قتل المرتدين»(١).

(١) المغني (١٢/٢٦٤)، ط. عالم الكتب.

١٥٤ وهاهنا لدينا ثلاثه احتمالات حيال موقفهم من الايه: اما انهم جميعا لم يفهموا المراد منها. واما انهم فهموه وعلموه ولكنهم كتموه وتعمدوا مخالفته. واما انهم علموا من تفسيرها ما لا يتعارض مع حديث قتل المرتد. ولا شك ان الاحتمال الثالث هو الصواب، وهو الذي يرضاه كل مسلم لنفسه، فكيف بحق علماء الامه كلهم.

هو الصواب، وهو الذي يرضاه كل مسلم لنفسه، فكيف بحق علماء الامه كلهم. فانهم لم يكونوا غافلين عن هذه القضيه، فقد قال امام المفسرين ابن جرير الطبري ﷺ: «المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ انه اكره علي الاسلام قوما، فابي ان يقبل منهم الا الاسلام، وحكم بقتلهم ان امتنعوا منه، وذلك كعبده الاوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق الي الكفر ومن اشبههم،

من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق الي الكفر ومن اشبههم، وانه ترك اكراه اخرين علي الاسلام بقبوله الجزيه منه، واقراره علي دينه الباطل، وذلك كاهل الكتابين ومن اشبههم؛ كان بينا بذلك ان معني قوله: ﴿لا اكراه في الدين﴾ [البقره: ٢٥٦] انما هو لا اكراه في الدين لاحد ممن حل قبول الجزيه منه بادائه الجزيه ورضاه بحكم الاسلام»(١).

لاحد ممن حل قبول الجزيه منه بادائه الجزيه ورضاه بحكم الاسلام»(١).

وقال ابن كثير في تفسيره: «وقد ذهب طائفه كثيره من العلماء ان هذه محموله علي اهل الكتاب»(٢).

«وقد ذهب طائفه كثيره من العلماء ان هذه محموله علي اهل الكتاب»(٢).

وقضيه عقوبه الرده من اكبر ما يثار اعتراضا علي الاسلام من جهه الملحدين، واللادينيين، كما انها تثار من كثير المسلمين بقصد الدفاع عن الاسلام، حيث يرون انها تخالف مبادئ التسامح الاسلاميه، كما انهم يستدلون ببعض الاحداث في السيره النبويه،

التسامح الاسلاميه، كما انهم يستدلون ببعض الاحداث في السيره النبويه، وهم في ذلك كله يتجاوزون النص الصحيح الصريح عن رسول الله ﷺ في قتل المرتد، وان كانوا لا يتعمدون مخالفه هديه عليه الصلاه والسلام، - اعني المسلمين لمدافعين منهم - وفي رايي ان هؤلاء الذين اشكلت عليهم هذه العقوبه من المسلمين يجب ان

وفي رايي ان هؤلاء الذين اشكلت عليهم هذه العقوبه من المسلمين يجب ان (١) تفسير الطبري (٤/٥٥٤)، ط. عالم الكتب.

(٢) (٦/٦٨٧)، ط. طيبه.

١٥٥ يتعامل معهم دون تشنج، وانما بكشف الاشكالات، وتبين ما يلتبس في هذا الباب، فانه باب كثر فيه الكلام، وفيه من الاثار والاخبار ما يحتاج الي ناظر عادل يجمع بين الفهم والتقوي ليصل الي الصواب في هذه القضيه.

65

الي ناظر عادل يجمع بين الفهم والتقوي ليصل الي الصواب في هذه القضيه. كما ان التشبث بكلمه (حد) في هذا الباب قد تورث بعض الالتباس في الفهم.

كما ان التشبث بكلمه (حد) في هذا الباب قد تورث بعض الالتباس في الفهم. ومنشا الاشكال الاصلي في باب عقوبه الرده هو نابع من ثقافه مركزيه الانسان المسيطره علي هذا العصر، فان هذه العقوبه لم تكن محل اشكال في التراث الاسلامي ولم يقع فيها هذا القدر من الاشكال الا في العصر الحديث.

مع ان المنكرين لهذه العقوبه لا يصرحون بقضيه مركزيه الانسان وانما يتشبثون ببعض النصوص التي توصل الي انكار هذه العقوبه في رايهم، ويحاولون توهين النصوص الاخري لاسباب متكلفه جدا، تشعر الناظر بان هذا الحرص والتشبث انما ينبع من دافع باطن اخر قد لا يشعرون به، وهو ضغط ثقافه مركزيه الانسان.

واما حين كان سائدا في كل القرون السابقه ما يعارض هذه الثقافه وما يقدم مركزيه الرحمن علي مركزيه الانسان لم تكن تستشكل هذه العقوبه التي هي تابعه لدنو منزله المرتد.

وعلي كل حال فليس من مرادي هنا استقصاء مستمسكاتهم في هذا الانكار، وقد ذكرت في كتاب (كامل الصوره/١) عشر اعتراضات علي عقوبه الرده والاجابه عنها، كما ان من الكتب المفيده جدا في هذا الباب كتاب فضاءات الحريه لسلطان العميري، وكتاب الرده بين الحد والحريه لصالح العميري.

١٥٦ الباب الخامس شبهات حول الصحابه

اتفق اهل السنه علي عداله الصحابه ﷺ، واستدلوا علي ذلك بدلائل من الكتاب، ومن السنه، ومن واقع الصحابه وسيرتهم. وهذا الباب من اكثر الابواب الشرعيه التي نقل فيه اجماع اهل السنه، ويطول المقام جدا بتتبع الاجماعات فيه، غير اني انقل طائفه يسيره منها:

قال ابن عبد البر ﷺ: «ونحن وان كان الصحابه ﷺ قد كفينا البحث عن احوالهم لاجماع اهل الحق من المسلمين وهم اهل السنه والجماعه علي انهم كلهم عدول»(١).

وقال الجويني في البرهان في اصول الفقه: «فان الامه مجمعه علي انه لا يسوغ الامتناع عن تعديل جميع اصحاب رسول الله ﷺ.. ولعل السبب الذي اتاح الله الاجماع لاجله ان الصحابه هم نقله الشريعه ولو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعه علي عصر رسول الله ﷺ ولما استرسلت علي سائر الاعصار»(٢).

وقال الغزالي ﷺ في المستصفي: «والذي عليه سلف الامه، وجماهير الخلف، ان عدالتهم معلومه بتعديل الله ﷺ اياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو (١) الاستيعاب في معرفه الاصحاب (٢/٧). (٢) البرهان في اصول الفقه (١/٦٣٢).

معتقدنا فيهم، . . " ثم قال: "فاي تعديل اصح من تعديل علام الغيوب - سبحانه - وتعديل رسوله ﷺ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواثر من حالهم في الهجره، والجهاد، وبذل المهج، والاموال، وقتل الاباء والاهل، في موالاه رسول الله ﷺ، ونصرته، كفايه في القطع بعدالتهم" (١).

وقال العلائي: "وهذا هو الامر المستقر الذي اطبق عليه اهل السنه؛ اعني: القول بعداله جميع الصحابه ولا اعتبار بقول اهل البدع والاهواء" (٢).

وقال ابن تيميه ﷺ: "اهل السنه متفقون علي عداله الصحابه" (٣). والاجماعات كما تقدم كثيره جدا.

والشبهات المثاره في هذا الباب كثير منها يعود الي الاستدلال ببعض ما وقع من الصحابه من اخطاء للطعن فيهم، وخاصه ما حصل في الجمل وصفين. والرد علي هذه الاشكاليه يكون بما يلي:

اولا: نحن لا نقول بعصمه الصحابه، وانما نقول بعدالتهم وافضليتهم، فالخطا منهم وارد، فلا جديد اذن في نقل خبر عن احدهم يدل علي وقوعه في خطا او ذنب، وهذا الامر يحل كثيرا من الاشكالات التي يطرحونها.

ثانيا: ان كثيرا مما ينقله المشككون في الصحابه من اخبار عن النبي ﷺ في ذم بعض الصحابه، او من اخبار ما جري بين الصحابه في الجمل وصفين وغيرهما غير ثابت اسنادا، وبالتالي فالمطلوب من الناقل اثبات الصحه - كما تقدم في قواعد التعامل مع الشبهات - قبل ان نكون نحن مطالبين بالرد والتوضيح، وهذه قاعده مهمه.

والمتتبع لكلام مثيري الشبهات حول الصحابه يجد ان كثيرا مما اعتمدوا عليه للطعن فيهم لا يصمد امام شروط المحدثين، ومن المفارقات غير المستغربه علي اهل الاهواء، ان كثيرا من هؤلاء الطاعنين (١) المستصفي (١/٣٠٧). (٢) جامع التحصيل (ص ٧٣). (٣) الفتاوي (٥٤/٣٥).

في الصحابه بناء علي اخبار غير ثابته، يشككون في نفس الوقت فيما هو ثابت من الاحاديث الصحيحه عن النبي ﷺ.

66

يشككون في نفس الوقت فيما هو ثابت من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ.

ثالثا: إن ما وقع من بعض الصحابة من المعاصي كان كثير منه فيه دليل على فضلهم؛ فمبادرتهم للتوبة والندم والاعتراف بل المبالغة في الطلب لإقامة الحد عند رسول الله ﷺ أكبر دليل على تعظيمهم لله وخشيتهم.

إقامة الحد عند رسول الله ﷺ أكبر دليل على تعظيمهم لله وخشيتهم. حتى قال النبي ﷺ في حق الجهينية التي زنت: «لقد ثابَت توبة لو قُسِمَت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟»(١)

رابعا: إن أهل السنة قد أجمعوا على عدالتهم وفضلهم وقبول أخبارهم وروايتهم، وقد تقدم ذكر شيء من الإجماعات على ذلك، وهو من الإجماعات الثابتة المتحققة المبنية على نصوص القرآن والسنة وما تواتر من فضلهم وتقدمهم، وليس بعد إجماع أهل السنة إلا تفرق أهل البدعة!

خلاصات في أبواب فكرية مهمة

الخلاصة الأولى: في العقل والشرع

أولا: الذي يقول: إن العقل يقدم على الشرع بسبب أن الشرع عُرف بدلالة العقل؛ فيكون حاكما عليه. نقول له: إن العقل حين دلنا على الشرع، فإنه دلنا عليه بصفة لازمة فيه، ألا وهي: (العصمة من الخطأ والنقص)، وفي ذات الوقت فإن العقل لا يعترف لنفسه بهذه العصمة؛ فكيف نقدم المصدر غير المعصوم على المصدر المعصوم؟

فلو دلنا جاهل على عالم، فليس معنى ذلك أن قول الجاهل مقدم على قول العالم احتجاجا بدلالته عليه، وإنما يكفي أنه دل وأرشد إلى أنه عالم، ثم بعد ذلك يكون الاتباع للعالم لا للجاهل.

ثانيا: الأفكار تتفاوت، ومعايير استيعاب الناس وقبولهم للأخبار تختلف من شخص لآخر، بحسب طريقة تربية أحدهم وظروف نشأته ومحيطه ومجتمعه، فما قد يراه الشخص الذي يعيش في أدغال أفريقيا مخالفا للعقل، يراه غيره ممن نشأ وتقلب في المدنية الحديثة من مقبولات العقول. بل وربما من مسلماتها!

فعلى ذلك فمن يستنكر نصا من نصوص الشرع من باب الفهم فلا يستعجل في نسبة هذا الاستشكال إلى صريح العقل، بل يراجع نظره ونظر غيره من العقلاء، فقد يكتشف أن الإشكال هو في طريقة فهمه واستيعابه التابعة من مسلماته التي تكونت من نشأته وبيئته وظروفه التي أحاطت بتكوينه وحياته.

وينبغي على ذلك: أنه إذا اختلف أصحاب العقول الحرة المفكرة في قبول حديث عن النبي ﷺ - مثلا - ورده، فمن الحكم في ذلك؟ ومن الأولى بأن يكون عقله مقدما على عقل غيره؟ فنقول: هنا لا بد من عامل آخر خارجي، وهو وسيلة الإثبات إلى الشرع، بمعنى أن هذا الخبر المختلف فيه عقلا، نحتاج معه ما يثبت لنا هل قاله الرسول ﷺ أم لم يقله، فإذا ثبت أنه قاله فإنه لن يخالف العقل قطعا.

ثالثا: ضرورة إدراك حدود العقل: قال الإمام الشاطبي (رحمه الله تعالى): «إن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب»(1) انتهى. والاعتراف بحدود العقل ليس استنقاصا من شأنه، بل هو تنزيل له في المكان الذي يستحقه، ومن هنا نطلق في الإجابة عن بعض أسئلة الغيبيات التي قد تحير العقول.

رابعا: أهمية التفريق بين محارات العقول، وبين محالاتها؛ أي: التفريق بين ما يستبعد عقلا وما يستحيل عقلا: فالشريعة قد تأتي بالأمر الذي يحير العقل، أو يكون مستغربا، ولكن لا تأتي بما هو محال في العقل ولا بما يناقضه! قال ابن تيمية ﷺ في الجواب الصحيح: «يجب التفريق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته، فالاول من محالات العقول، والثاني من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني»(2).

وقال أيضا في نفس الكتاب: «الأنبياء ﷺ قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول»(١).

وسأذكر ثلاثة مراجع في هذا الباب:

١ - ينبوع الغواية الفكرية في حديثه عن إهدار النص بسبب العقل.

٢ - مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم.

٣ - الموسوعة الضخمة: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ولكنها لا تصلح للمبتدئ ولا للمتوسط، وهي موسوعة ضخمة وفيها صعوبة ولكنها شاملة في هذا الباب.

67

موسوعه ضخمه وفيها صعوبه ولكنها شامله في هذا الباب.

الخلاصه الثانيه: في التعارض بين العلم الطبيعي والدين ترددت في ادراج هذا الموضوع تحت بند (الخلاصات) نظرا لانه موضوع كثير الفروع؛ يصعب تقريب اهم ابعاده في اسطر معدوده، كما انه لم يحظ بما حظي به صنوه: (العقل والنقل) من الكتابه والبحث، وحسبي ان اشير الي بعض ما اراه مهما في الباب ثم احيل الي بعض المراجع فيه.

وحسبي ان اشير الي بعض ما اراه مهما في الباب ثم احيل الي بعض المراجع فيه.

أولا: ان اصابه النظر في هذا الباب لا تتاتي دون معرفه طبيعه الظروف التي مر بها العلم الطبيعي في العصر الحديث، وطبيعه الصراعات التي نشات في المجتمع الاوروبي علي اثر ذلك، سواء ما كان منها يتعلق بالكنيسه او ببعض رجالها.

هذا التاريخ وطبيعه ما وقع من ظروف محيطه بنشاه العلم الطبيعي جعلت اكثر المنتسبين لهذا العلم ينحون منحا بعيدا عن كل ما هو ديني او غيبي، وصار مرتبطا في اذهان اكثرهم ان العلم لم ينطلق او ان البشريه لم تنطلق في مجال الاكتشافات العلميه الا بعد ان عتقت من ربقه الدين وسلطه الكنيسه.

ولذا صارت المعطيات العلميه عندهم - وان لم تكن قطعيه - مقدمه علي اي معطي اخر، بل انهم يلقبون العلوم الدينيه والفلسفيه بالعلوم الزائفه، فاذا جاء شيء متعلق بالامر الديني او العقلي الفلسفي فانهم لا يضعونه في مصاف معطيات العلم التجريبي.

ونحن لدينا منظومه دينيه مؤسسه علي معطيات عقليه ودلائل برهانيه متكامله، وهذه المنظومه نعتقد انها لا تتعارض مع اي معطي تجريبي صحيح ثابت قطعي، واعتقادنا هذا مبني علي ١٦٣ اصول متعدده يطول المقام بذكرها، غير ان الذي اريد ان الفت النظر اليه هو انه لابد من استحضار تاريخ نشاه العلم الطبيعي والظروف التي مر بها المجتمع الاوروبي في هذه النشاه؛ لانها هي التي شكلت الموقف الرافض من الاديان ومن الامور الغيبيه.

ثانيا: ينظر البعض الي المجتمع العلمي التجريبي بانه مجتمع محايد، لا يتاثر باي اعتقادات مسبقه، فكل ما يصدر عما له علاقه به فهو مبرا من كل ميل، منزه عن كل اغراض فاسده، وهذا الكلام ليس دقيقا، فان هناك نزعه ماديه الحاديه شكلت ذهنيه معينه، تبحث عن تفسير مادي لكل شيء.

وحال انعدامه فانها تبحث عن افتراضات ماديه كاحتمالات للتفسير، وحين تصدر هذه الافتراضات عن علماء لهم وزن في البيئه العلميه فان تاثيرها يكون كبيرا.

بل ان هناك ثقه عند كثير من علماء الطبيعه، وفلاسفه الالحاد بان منهجيه العلم الطبيعي في الاستدلال هي المنهجيه الوحيده التي يوثق بها، ولا يلتفتون الي غيرها، وان العلم الطبيعي قد اغني عن كل مصدر اخر لتفسير الكون وفهمه.

بل وصل الحال الي ادعاء ان الكون مستغن بنفسه بسبب القوانين الرياضيه والفيزيائيه التي تحكمه، وانه لا حاجه له الي وجود الخالق كما يقول ستيفن هوكنج.

فهل يمكن والحال كذلك ان نعتمد علي كل ما يصدر ممن ينتسب الي العلم التجريبي لمجرد انه دكتور في الفيزياء او بروفيسور في الاحياء؟ الساذجون وحدهم من يعتمدون ذلك.

ثالثا: العلم الطبيعي تتجدد فيه المعطيات، وتحدث التجارب، وتبادل النظريات، بخلاف المصدر الالهي، ولذلك؛ فان من الخطا التعامل مع النظريات العلميه بالنظره اليقينيه لمجرد انها تنتسب للمجتمع العلمي التجريبي، وهناك امثله وشواهد علي نظريات علميه قوبلت بالقبول، وشاعت وذاعت واشتهرت، حتي لا يكاد يعرف غيرها، الي ان اكتشف خطؤها وحلت نظريه اخري بدلا عنها، ومن ابرز الامثله علي ذلك: نظريه نيوتن في (الاثير) وبعض مفاهيم الفيزياء الكلاسيكيه التي اعترض عنها بمفاهيم الفيزياء الحديثه. فقد كان لنظريات نيوتن اثر في الفكر والفلسفه والموقف من الدين حتي «اصبح ١٦٤».

68

نيوتن أثر في الفكر والفلسفة والموقف من الدين حتى «أصبح المقبول في باب الحقائق هو ما تقبله الصورة النيوتنية للعلم سواء قال ذلك نيوتن أو مما بني على نظرياته، والمرفوض هو ما لا تقبله. . . حتى شيدت على تلك الفرضيات العلمية مذاهب فكرية ينزع أغلبها نحو الإلحاد والمادية وإقصاء الأصول الدينية،

مذاهب فكرية ينزع أغلبها نحو الإلحاد والمادية وإقصاء الأصول الدينية، وبلغت ذروتها في النزعة العلموية والمذهب الوضعي في المنتصف الأول من القرن التاسع عشر. . . وفي ذروة تحمس العلوم لتقليد الفيزياء، وذروة الغلو الوضعي تأتي ضربة موجعة لمجموعة من الحقائق المطلقة وبعض المفاهيم الصلبة في الفيزياء الكلاسيكية، وجاءت الضربة من داخل الفيزياء ذاتها. .

الصلبة في الفيزياء الكلاسيكية، وجاءت الضربة من داخل الفيزياء ذاتها. . وهما أمران وقعا في النشاط الفيزيائي فقلبا أمورها بشكل عجيب، زلزلت الفيزياء اليقينية لتتحول إلى اللايقين أو النسبية، وهما: الأول: تجربة مايكلسون ومورلي عام 1887م التي قضت على مفهوم الأثير.

تجربة مايكلسون ومورلي عام 1887م التي قضت على مفهوم الأثير. الثاني: اكتشاف عالم الذرة المدهش الذي لا يخضع لقوانين الفيزياء المعهودة»(١). وقد أحدثت تجربة مايكلسون ومورلي ضجة كبيرة في الوسط العلمي، وبات العلماء في حيرة وتردد وذهول من نتيجتها ما بين البقاء على القول بالأثير وأن أدى إلى القول بأن الأرض ثابتة لا تتحرك، أو عدم إثباته مع أن له متعلقات متعددة،

القول بأن الأرض ثابتة لا تتحرك، أو عدم إثباته مع أن له متعلقات متعددة، وبنيت عليه نظريات أخرى، قال مصطفى محمود في كتابه «أينشتاين والنسبية» بعد أن ذكر تجربة مايكلسون ومورلي: «وكان معنى هذا أن يسلم العلماء بأن نظرية الأثير كلام فارغ ولا وجود لشيء اسمه الأثير أو يعتبروا أن الأرض ساكنة في الفضاء،

كلام فارغ ولا وجود لشيء اسمه الأثير أو يعتبروا أن الأرض ساكنة في الفضاء، وكانت نظرية الأثير عزيزة عند العلماء لدرجة أن بعضهم شكك في حركة الأرض واعتبرها ساكنة فعلاً!»(٢). فبعد أن أثبتت التجربة خطأ نظرية الأثير بحثوا عن البديل الذي يمكن أن تقاس حركة الأشياء بالاستناد إليه، حتى جاء أينشتاين ففسر المعضلة، وكان جوابه أنه لا يوجد مقياس وأن حركة الأشياء نسبية،

ففسر المعضلة، وكان جوابه أنه لا يوجد مقياس وأن حركة الأشياء نسبية، فكل حركة إنما تقارن (١) النظريات العلمية الحديثة، حسن الاسمري (٢٢٧ - ٢٨). (٢) أينشتاين والنسبية (٣٨ - ٣٧). بغيرها حسب مكان الملاحظ.

(1). رابعاً: كما أسلفت فإن هذا الموضوع متشعب، ولا بد فيه من قراءة تاريخ العلم الحديث وشيء من فلسفته ونقده، وللاستزادة في هذا الباب:

من قراءة تاريخ العلم الحديث وشيء من فلسفته ونقده، وللاستزادة في هذا الباب:

1كتاب النظريات العلمية الحديثة، مسيرتها الفكرية وأساليب الفكر الغربي في التعامل معها، للدكتور حسن الاسمري.
2كتاب العلموية، د: سامي عامري.
3مبحث: النزعة العلموية من رسالة الدكتوراه، لسلطان العميري.
4فصل «درء تعارض العلم التجريبي والنقل» من كتاب ميليشيا الإلحاد، لعبد الله العجيري.
5محاضرة للدكتور سامي عامري على موقع يوتيوب بعنوان «العلموية عرض ونقد».

(1) انظر: النظريات العلمية الحديثة (1/231).

(2) بدءاً من (ص 141) في الطبعة الثانية من الكتاب.

الخلاصة الثالثة: في قضية الحرية في الإسلام

أولاً: معرفة مفهوم الحرية في الإسلام هل هو باب عقلي أم باب شرعي؟

الصواب: أنه باب شرعي؛ إذ لا يمكننا بمجرد العقل أن نعرف كثيراً من الأحكام الإسلامية المرتبطة بباب الحرية؛ كأحكام الجزية وأهل الذمة، وما يجب فيه الحد وما لا يجب، وغير ذلك مما له تعلق بباب الحرية من أحكام الشرع؛ فالباب إذا سمعي شرعي،

وينبغي على ذلك أن سبيل معرفة الصواب فيه إنما يكون بتتبع ما ورد فيه من النصوص الشرعية والتأليف بينها وعدم الاجتزاء بأخذ بعضها دون الآخر.

النصوص الشرعية والتأليف بينها وعدم الاجتزاء بأخذ بعضها دون الآخر. وجمع النصوص يعطينا فائدة أخرى، ألا وهي إحسان فهمها على ضوء مجموعها لا على نظر محدود لنص واحد منها، فنفهم قول الله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ ﴿البقرة: 256﴾ في ضوء قول الله - أيضاً -: ﴿وأنظر إليك إنهك الذي ظلك عليه عاكفا لحرفته ثم لننفذه في اليو شنقا﴾ ﴿طه: 97﴾ وفي ضوء قوله سبحانه ذاماً بني إسرائيل: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لئن ما كانوا يفعلون﴾ ﴿المائدة: 79﴾. وفي ضوء آية النور ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ ﴿آية: 2﴾. فمن الخطأ فهم أحد هذه النصوص بمعزل عن سائرها.

﴿آية: 2﴾. فمن الخطأ فهم أحد هذه النصوص بمعزل عن سائرها.

(1) صحيح البخاري (2887)

69

احد هذه النصوص بمعزل عن سائرها.

(1) صحيح البخاري (٢٨٨٧)

ثانيا: من المهم للوصول الي نظر شرعي صحيح في باب الحريه في الاسلام ان ندرك ان هناك عاملا خارجيا مؤثرا له دور كبير في تشكيل مفاهيم معينه عن الحريه تخالف المفهوم الاسلامي، الا وهو عامل ضغط الثقافه الليبراليه الغربيه، والذي بدوره اثر علي بعض الاطروحات الاسلاميه في باب الحريه مما شكل تصورا مشوشا في هذا الباب.

علي بعض الاطروحات الاسلاميه في باب الحريه مما شكل تصورا مشوشا في هذا الباب. فمن الضروري للباحث ان يميز بين معالم الحريه الغربيه وبين معالمها الاسلاميه، وليس معني ذلك رفض كل شيء في باب الحريه ان كان مصدره غريبا؛ كلا، وانما المراد ادراك المعالم الشرعيه، وتصورها من مصادرها الاصليه بعيدا عن المؤثرات الخارجيه، ثم ادراك المفهوم المخالف، ثم اعمال الفقه في التعامل مع الواقع بملابساته.

ثم ادراك المفهوم المخالف، ثم اعمال الفقه في التعامل مع الواقع بملابساته.

ثالثا: من المفاهيم الاساسيه في باب الحريه الاسلاميه والتي لا تكاد تجدها في غير الاسلام: تحرير الانسان من ان يكون عبدا للمال او للشهوه؛ فقد صح عن رسولنا ﷺ انه قال: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الحميصه، تعس والتكس واذا شيك فلا انتقش»(١).

وعبد الدرهم، وعبد الحميصه، تعس والتكس واذا شيك فلا انتقش»(١).

رابعا: لا بد من التفريق في مساحه الحريه في الاسلام بين ما يعتقده الشخص في نفسه وبين ما يعلن به بين الناس، فالاسلام يقبل بوجود الكفار في ارضه بشروط منها عدم اعلان الطعن في الدين وعدم المجاهره بالكفر.

الكفار في ارضه بشروط منها عدم اعلان الطعن في الدين وعدم المجاهره بالكفر.

ويحصل اللبس - او التلبيس - في هذه النقطه حين لا يتم التفريق بين المقامين، فتجد من يستدل بتعايش الكفار مع المسلمين في التاريخ الاسلامي علي تشريع قوانين تجعلهم كالمسلمين في باب الدعوه الي دينهم، والتشكيك في الاسلام، وهذا غلط؛ اذ ان اعتقادهم في انفسهم وفي بيئتهم المغلقه شيء، واعلانهم ونشرهم لما يعتقدون - مما انكره الاسلام - شيء اخر.

واعلانهم ونشرهم لما يعتقدون - مما انكره الاسلام - شيء اخر.

وقريب من هذا: الخلط بين الحريه التي يتيحها الاسلام في السؤال عما يشكل علي الانسان من قضايا الدين، وبين بث هذه الاشكالات في الناس وافساد صفاء عقيدتهم ويقينهم.

الدين، وبين بث هذه الاشكالات في الناس وافساد صفاء عقيدتهم ويقينهم.

فالصوره الاولي فيها مساحه كبيره للحريه ﴿واذ قال ابراهيم رب ارفي حجف تحيي الموتي قال اولم تؤمن قال بلي ولكن ليطمسن قلبي﴾ ﴿البقره: ٢٦٠﴾ ﴿وان كنت في شك مما اراينا اليك فستلقي الليت يقرئون الحجبات من قبلك﴾ ﴿يونس: ٩٤﴾

فالواجب الا يوصد باب السؤال والنقاش والحوار امام المستشكلين ومن عندهم شك او ريب، واما ان ينتقل هذا الشك والريب الي صوره الاعلان والتشكيك، فهذا من المنكر الذي يجب انكاره شرعا.

والنقاط السابقه انما هي اضاءات في هذا الباب، ولذلك فاني احيل الي هذه المراجع المعاصره للاستزاده:

١ - كتاب فضاءات الحريه في الاسلام، لسلطان العميري. اصدار المركز العربي للدراسات الانسانيه.

٢ - كتاب الحريات السياسيه المعاصره في ضوء فقه الصحابه، لفهد العجلان. اصدار المركز العربي للدراسات الانسانيه.

٣ - كتاب افاق الحريه، لعلي حمزه العمري. اصدار دار الامه.

٤ - كتاب الاستدلال الخاطئ بالقران والسنه علي قضايا الحريه، لابراهيم بن محمد الحقيل. اصدار مركز البيان للبحوث والدراسات.

٥ - كتاب مفاهيم الحريه وتطبيقاتها في الدين والنفس والمال، لعبد العزيز الحميدي.

خاتمه الاسلام قادم . . والحمد لله اولا واخرا، والصلاه والسلام علي رسول الله محمد .

المراجع:

- الاجماع، ابو بكر محمد بن ابراهيم بن المنذر النيسابوري، صغير بن احمد بن محمد حنيف ابو حماد.

- احكام اهل الذمه، محمد بن ابي بكر بن ايوب ابن قيم الجوزيه ابو عبد الله، يوسف بن احمد البكري ابو براء، احمد بن توفيق العاروري ابو احمد، رمادي للنشر - الدمام ١٤١٨ه - ١٩٩٧م.

- الاحكام في اصول الاحكام، علي بن احمد بن سعيد بن حزم الاندلسي ابو محمد، احمد محمد شاكر، دار الافاق الجديده - بيروت، ط٢، ١٤٠٣ - ١٩٨٣.

- الاستيعاب في معرفه الاصحاب، يوسف عبد الله محمد عبد البر ابو عمر، محمد علي البجاوي، دار الجيل، ط١، ١٤١٢ه - ١٩٩٢م.

- اضواء البيان في ايضاح القران بالقران، محمد الامين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، مجمع الفقه الاسلامي بجده.

- الاعتصام، ابراهيم بن موسي بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، سليم بن عبد الهلالي، دار ابن عفان - السعوديه، ط١، ١٤١٢ه - ١٩٩٢م.

- اعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزيه ابو عبد الله، مشهور بن حسن ال سلمان ابو عبيده، دار ابن الجوزي، ط١، ١٤٢٣ه.

- الاعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي، دار العلم للملايين، ط١٥، ٢٠٠٢م.

- انوار التنزيل واسرار التاويل المعروف بتفسير البيضاوي، ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي، محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار احياء التراث العربي - بيروت، ط١، ١٤١٨ه.

70

دار احياء التراث العربي - بيروت، ط١، ١٤١٨ه.

١أينشتاين والنسبيه، مصطفي محمود.
٢البرهان في اصول الفقه، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ابو المعالي.
٣امام الحرمين، عبد العظيم الديب، دوله قطر، ط ١، ١٣٩٩ه.
٤النظريات العلميه الحديثه مسرتها الفكريه واسلوب التفكير التغريري في التعامل معها دراسه نقديه، حسن الاسمري، طبعه تاصيل.
٥التحبير شرح التحرير في اصول الفقه، علي بن سليمان المرداوي الحنبيلي.
٦علاء الدين ابو الحسن، مكتبه الرشد، ط ١، ١٤٢١ه - ٢٠٠٠م.
٧التحرير والتنوير «تحرير المعني السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الدار التونسيه للنشر - تونس، ١٩٨٤ه.
٨تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسيه للنشر.
٩تفسير الجلالين الميسر، جلال الدين المحلي، جلال الدين السيوطي - فخر الدين.
١٠قباوه، ط ١، ٢٠٠٣م.
١١تفسير القران العظيم، ابو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي.
١٢الهيثمي، العسقلاني، احمد شاكر، بن كثير القرشي البصري.
١٣الدمشقي، الهيثمي، العسقلاني، احمد شاكر، الالباني، الارناؤوط، المكتبه.
١٤العصريه.
١٥تفسير القران العظيم، اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ابو الفداء.
١٦عماد الدين، سامي بن محمد السلامه، دار طيبه، ط ٢، ١٤٢٠ه - ١٩٩٩م.
١٧التمهيد لما في الموطا من المعاني والاسانيد، ابو عمر يوسف بن عبد الله بن.
١٨التمهيد لما في الموطا من المعاني والاسانيد، ابو عمر يوسف بن عبد الله بن.
١٩محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، مصطفي بن احمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزاره عموم الاوقاف والشؤون الاسلاميه - المغرب، ١٣٨٧ه.
٢٠تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسه الرساله، ط ١، ١٤٢١ه - ٢٠٠٠م.
٢١جامع البيان عن تاويل اي القران (تفسير الطبري)، محمد بن جرير الطبري، عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعه والنشر.
٢٢جامع التحصيل في احكام المراسيل، ابو سعيد بن خليل بن كيكلدي ابو سعيد.
٢٣العلائي، حمدي عبد المجيد السلفي، عالم الكتب - بيروت، ط ٢، ١٤٠٧ه - ١٩٨٦م.
٢٤جامع بيان العلم وفضله، ابو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، ابي الاشبال الزهيري، دار ابن الجوزي - المملكه العربيه السعوديه، ط١، ١٤١٤ه - ١٩٩٤م.
٢٥الجامع لاحكام القران (تفسير القرطبي)، محمد بن احمد الانصاري القرطبي ابو عبد الله، عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسه الرساله، ط١، ١٤٢٧ه - ٢٠٠٦م.
٢٦جماع العلم، محمد بن ادريس الشافعي المطلي، احمد محمد شاكر، مكتبه ابن تيميه.
٢٧الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تقي الدين ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن ابي القاسم بن محمد ابن تيميه الحراني الحنبلي الدمشقي، علي بن حسن، عبد العزيز بن ابراهيم، حمدان بن محمد، دار العاصمه - السعوديه، ط٢، ١٤١٩ه - ١٩٩٩م.
٢٨الحاشيه علي شرح اداب العضد، الشيخ الصبان، (مخطوط).
٢٩الحيده والاعتذار في الرد علي من قال بخلق القران، عبد العزيز بن يحيي بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني المكي الكناني، علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، مكتبه العلوم والحكم - المدينه المنوره.
٣٠الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سال عن الدواء الشافي)، محمد بن ابي بكر بن ايوب ابن قيم الجوزيه ابو عبد الله، محمد اجمل الاصلاحي، زائد بن احمد النشيري، مجمع الفقه الاسلامي بجده، ط١، ١٤٢٩م.
٣١درء تعارض العقل والنقل، شيخ الاسلام تقي الدين احمد بن عبد الحليم بن تيميه الحراني الدمشقي، محمد رشاد سالم، جامعه الامام محمد بن سعود الاسلاميه، ط٢، ١٤١١ه - ١٩٩١م.
٣٢رحله عقل، عمرو شريف، مكتبه الشرق الدوليه - مصر، ط٤، ١٤٣٢ه - ٢٠١١م.
٣٣روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الالوسي، احياء التراث - بيروت، ط٢.
٣٤سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد بن ماجه القزويني ابو عبد الله، شعيب الارناؤوط واخرون، دار الرساله العالميه، ط١.
٣٥سنن ابي داود، سليمان بن الاشعث ابو داود السجستاني، محمد ناصر الدين الالباني - مشهور بن حسن ال سلمان، مكتبه المعارف للنشر والتوزيع، ط١.
71

مشهور بن حسن ال سلمان، مكتبه المعارف للنشر والتوزيع، ط١.

١٧٤ - سنن الترمذي.

- شرح ابن عقيل علي الفيه ابن مالك، ابن عقيل عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري، محمد محيي الدين عبد الحميد، دار التراث - القاهره، دار مصر للطباعه، سعيد جوده السحار وشركاه، ط٢٠، ١٤٠٠ ه - ١٩٨٠م.

- شرح العقيده الاصفهانيه، تقي الدين ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن ابي القاسم بن محمد ابن تيميه الحراني الحنبلي الدمشقي، محمد بن رياض الاحمد، المكتبه العصريه - بيروت، ط١، ١٤٢٥ه.

- شرح العقيده الطحاويه، ابن ابي العز، عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسه الرساله، ط٢، ١٤١١ه - ١٩٩٠م.

- شرح صحيح البخاري، ابو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي، ياسر بن ابراهيم - ابراهيم الصبيحي، مكتبه الرشد.

- الصاحبي في فقه اللغه العربيه ومسائلها وسنن العرب في كلامها، احمد بن فارس بن زكريا الرازي ابو الحسين، احمد حسن بسج، دار الكتب العلميه، ط١، ١٤١٨ه - ١٩٩٧م.

- صحيح البخاري، محمد بن اسماعيل البخاري ابو عبد الله، دار ابن كثير - دمشق بيروت، ط١، ١٤٢٣ه - ٢٠٠٢م.

- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ابو الحسين، محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء الكتب العربيه عيسي البابي الحلبي وشركاه.

- الطبقات الكبري، ابو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد، احسان عباس، دار صادر - بيروت، ط١، ١٩٦٨م.

- العده في اصول الفقه، ابو يعلي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، احمد بن علي بن سير المباركي، ط٣، ١٤١٠ه - ١٩٩٠م.

- فتح الباري شرح صحيح البخاري، احمد بن علي بن حجر ابو الفضل العسقلاني الشافعي، ابن باز، دار الحديث - القاهره، ١٤٢٤ه - ٢٠٠٤م.

- فتح القدير الجامع بين فني الروايه والدرايه من علم التفسير (تفسير الشوكاني)، محمد بن علي الشوكاني، وزاره الاوقاف السعوديه، دار المعرفه - بيروت، ط٤، ١٤٣١ه - ٢٠١٠م.

- الله ليس كذلك، زيجريدهونكه، غريب محمد غريب، دار الشروق، ط٢، ١٤١٧ه - ١٩٩٦م.

غريب، دار الشروق، ط٢، ١٤١٧ه - ١٩٩٦م.

١٧٥ - مجموع فتاوي شيخ الاسلام ابن تيميه، احمد بن عبد الحليم بن تيميه، عامر الجزار - انور الباز، دار الوفاء.

- مسائل الامام احمد روايه ابي داود سليمان بن الاشعث السجستاني، سليمان بن الاشعث ابو داود، طارق بن عوض الله بن محمد ابو معاذ، مكتبه ابن تيميه، ط١، ١٤٢٠ه - ١٩٩٩م.

ابو معاذ، مكتبه ابن تيميه، ط١، ١٤٢٠ه - ١٩٩٩م.

- المستصفي من علم الاصول، ابو حامد الغزالي، حمزه بن زهير حافظ، شركه المدينه المنوره للطباعه.

- مسند ابي داود الطيالسي، ابو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصري، محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر - مصر، ط١، ١٤١٩ه - ١٩٩٩م.

- مسند الامام احمد بن حنبل، ابو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن اسد الشيباني، شعيب الارنؤوط - عادل مرشد واخرون، مؤسسه الرساله، ط١، ١٤٢١ه - ٢٠٠١م.

- مسند الامام احمد بن حنبل، احمد بن حنبل، احمد معبد عبد الكريم، جمعيه المكنز الاسلامي - دار المنهاج، ١٤٢٩ه - ٢٠٠٨م.

جمعيه المكنز الاسلامي - دار المنهاج، ١٤٢٩ه - ٢٠٠٨م.

- مسند البزار (البحر الزخار)، ابو بكر احمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، محفوظ الرحمن زين الله، عادل بن سعد، صبري عبد الخالق الشافعي، مكتبه العلوم والحكم - المدينه المنوره، ط١، ١٩٨٨م - ٢٠٠٩م.

- المسوده في اصول الفقه، ال تيميه: مجد الدين ابو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر.

- مصنف عبدالرزاق، مجد الدين ابو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر.

- مصنف عبدالرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني ابو بكر، حبيب الرحمن الاعظمي، المجلس العلمي - جنوب افريقيا، ط١، ١٣٩٠ه - ١٩٧٠م.

- معرفه انواع علوم الحديث (مقدمه ابن الصلاح)، عثمان بن عبد الرحمن ابو عمرو تقي الدين المعروف بابن الصلاح، نور الدين عتر، دار الفكر - سوريا، دار الفكر المعاصر - بيروت، ١٤٠٦ه - ١٩٨٦م.

- المغني، موفق الدين ابي محمد عبد الله بن احمد بن محمد بن قدامه المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي، عبد الله بن عبد المحسن التركي، عبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب للطباعه والنشر والتوزيع - الرياض، ط٣، ١٤١٧ه - ١٩٩٧م.

والتوزيع - الرياض، ط٣، ١٤١٧ه - ١٩٩٧م.

١٧٦ - المغني، موفق الدين ابن قدامه، عبد الله بن عبد المحسن التركي، عبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب، ط ٣، ١٤١٧ه - ١٩٩٧م.

- مفاتيح الغيب (تفسير الرازي)، فخر الدين الرازي، دار الفكر، ط ١، ١٤٠١ه - ١٩٨١م.

- مقدمه ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ولي الدين، عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، ط ١، ١٤٢٥ه - ٢٠٠٤م.

- هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلي الله عليه وسلم؟ ، منقذ بن محمود السقار، دار الاسلام للنشر والتوزيع، ط ١، ١٤٢٨ه - ٢٠٠٧م.

- وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان، ابو العباس شمس الدين احمد بن محمد بن ابي بكر بن خلكان، احسان عباس، دار صادر - بيروت.

- ينبوع الغوايه الفكريه (غلبه المزاج الليبرالي. . واثره في تشكيل الفكر والتصورات)، عبد الله بن صالح العجيري، مركز البحث والدراسات، مجله البيان - الرياض، ط ١، ١٤٣٤ه.

| رقم الايداع: ١٢٥٢/١٤٣٧ |

| --- |

| ردمك: ٢ - ٩٩٤٠ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ |