الرئيسية السلاسل العلمية المكتبة البرامج البحث الذكي اسأل الشيخ
تثبيت حجية السنة ونقض أصول المنكرين

تثبيت حجية السنة ونقض أصول المنكرين

الشيخ أحمد السيد 144 صفحة 679 مقطع 66 قسم

كتاب يخدم مجال حجيّة السنّة وإحكام باب الاستدلال المثبت لحجيّتها

اختبر فهمك

نص الكتاب

1

## تثبيت حجيه السنه ونقض اصول المنكرين

أحمد بن يوسف السيد حقوق الطبع والنشر محفوظه الطبعه الخامسه ٢٠٢٣ - ١٤٤٥ منار الفكر الترقيم الدولي: 978-625-99258-5-1 KAYABAŞI MAH. ARMAĞAN SK. NO:1N BAŞAKŞEHİR / İSTANBUL F ☑ FikirManar +905556600088 www.fikirfeneri.net info@fikirfeneri.net MATBAA: STEP AJANS MATBAA LTD. ŞTİ, GÖZTEPE MAH. BOSNA CAD, NO11 BAĞCILAR, İSTANBUL TELEFON :0212 446 88 46 MATBAA SERTIFICA NO : 45522

ونفض اصول المنكيرين

جدول المحتويات

| ٧ | مقدمه الطبعه الاولي | | --- | --- | | ٩ | مقدمه الطبعه الثانيه | | ١١ | تمهيد: لماذا الحديث عن موضوع حجيه السنه؟ | | ١٥ | القسم الاول: ركائز حجيه السنه | | ١٨ | الركيزه الاولي: دلائل القران علي حجيه السنه | | ٢٠ | الطريق الاول: | | | الركيزه الاولي: دلائل القران علي حجيه السنه | | ٢٠ | الطريق الاول: الامر العام لجميع الامه بطاعه الرسول ﷺ مع اطلاق الطاعه دون تقييد | | ٢٣ | الطريق الثاني: دلاله القران علي ان السنه وحي | | ٢٥ | الوجه الاول: الاخبار بانزال الحكمه المعطوفه علي الكتاب | | ٣٠ | الوجه الثاني: دلاله القران علي ان السنه وحي | | ٣١ | الوجه الثالث: | | | الوجه الثاني: دلاله القران علي ان السنه وحي | | ٣١ | الوجه الثالث: الايات الداله علي نزول الوحي علي النبي ﷺ في مقامات معينه باحكام واخبار ليست مذكوره في نص القران | | ٣٥ | الطريق الثالث: دلالته علي ان الرسول ﷺ مين له | | ٤١ | الطريق الرابع: دلاله القران علي حفظ السنه | | ٥٠ | الطريق الخامس: لزوم حفظ بيان القران | | ٥٢ | الركيزه الثانيه من ركائز حجيه السنه: لزوم حفظ بيان القران | | ٥٢ | الركيزه الثانيه من ركائز حجيه السنه: التواتر | | ٥٥ | النوع الاول: تواتر اخبار الغيب عن النبي ﷺ | | ٥٦ | النوع الثاني: تواتر الاحاديث القدسيه عن النبي ﷺ التي ينسب فيها كلاما لله سبحانه ليس مذكورا في القران | | ٥٦ | النوع الثالث: تواتر بيان النبي ﷺ للقران | | ٥٧ | الركيزه الثالثه: الاجماع | | | تواتر بيان النبي ﷺ للقران | | ٥٧ | الركيزه الثالثه: الاجماع | | ٥٨ | سبعه من النقول المثبته للاجماع علي حجيه السنه | | ٦٣ | القسم الثاني نقض اصول منكري السنه | | ٦٥ | قضايا منهجيه في تثبيت حجيه السنه ومناقشه منكريها | | ٧٨ | الاصل الاول: اسقاط الحاجه اليها استغناء بالقران الكريم | | ٨٢ | الاصل الثاني: حصر السنه المعتبره في المتواتر منها واسقاط حجيه الاحاد | | | الاصل الثاني: حصر السنه المعتبره في المتواتر منها واسقاط حجيه الاحاد | | ٨٩ | الاصل الثالث: الطعن في نقلتها واتهامهم | | | واسقاط حجيه الاحاد | | ٨٩ | الاصل الثالث: الطعن في نقلتها واتهامهم | | 90 | امثله في الطعون | | --- | --- | | 92 | الاصل الرابع: دعوي ضياع السنه وعدم حفظها استنادا الي النهي عن كتابتها وتاخر تدوينها | | 92 | اولا: دعوي عدم حفظ السنه | | 95 | ثانيا: مساله حديث النهي عن كتابه السنه | | 97 | ثالثا: تاخر تدوين السنه: | | 99 | اثبات العنايه بالسنه عبر المراحل الزمنيه | | 99 | اولا: |

2

## السنه:

| | 99 | اثبات العنايه بالسنه عبر المراحل الزمنيه | | 99 |

أولا: العنايه بها زمن النبوه:

| | 102 |

ثانيا: عنايه الصحابه بسنه النبي ﷺ في حياته وبعد موته

| | 104 |

ثالثا: عنايه التابعين بسنه النبي ﷺ

| | 108 |

رابعا: العنايه بالسنه في وقت اتباع التابعين

| | 108 |

خامسا: العصر الذهبي للسنه تصنيفا ونقدا

| | 110 |

الاصل الخامس:

| | 108 |

خامسا: العصر الذهبي للسنه تصنيفا ونقدا

| | 110 |

الاصل الخامس: اسقاط مكانه علم الحديث والتشكيك في منهجيه المحدثين وطرقهم في تصحيح الاخبار وتضعيفها

| | 114 |

الجوانب الكاشفه عن تميز المحدثين في منهجهم النقدي، اجمالا

| | 115 |

الجانب الاول: اشتراط المحدثين سلامه اسانيد الروايات في الظاهر

| | 122 |

الجانب الثاني:

اشتراط المحدثين سلامه اسانيد الروايات في الظاهر

| | 122 |

الجانب الثاني: عنايه المحدثين باستخراج العلل الخفيه وعدم الاكتفاء بشروط الصحه الظاهره

| | 127 |

الجانب الثالث: تحديث المعلومات عن الرواه برصد الاشكالات الطارئه، وعدم الاكتفاء بالحكم المسبق

| | 129 |

الجانب الرابع: نقدهم للمتون، ولو صحت اسانيدها في الظاهر

| | 132 |

الاصل السادس: من اصول المنكرين:

ولو صحت اسانيدها في الظاهر

| | 132 |

الاصل السادس: من اصول المنكرين: توهم معارضه الاحاديث الصحيحه لما هو ارجح منها

| | 134 |

الاخطاء المنهجيه التي يقع فيها منكرو الاحاديث الصحيحه بدعوي التعارض

| | 134 |

اولا: اقامه دعوي التعارض علي احاديث غير ثابته

| | 137 |

ثانيا: الخطا في فهم النص او دلالته ثم ادعاء التعارض علي ذلك الفهم الخاطئ

| | 140 |

ثالثا:

النص او دلالته ثم ادعاء التعارض علي ذلك الفهم الخاطئ

| | 140 |

ثالثا: معارضه الاحاديث بها هو دونها من حيث الثبوت او الدلاله

| | 142 |

الخاتمه | مقدمه الطبعه الاولي

هو دونها من حيث الثبوت او الدلاله

| | 142 |

الخاتمه | مقدمه الطبعه الاولي

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يجب الله تبارك وتعالي ويرضي، اللهم صل وسلم علي نبيك الهادي البشير، محمد بن عبد الله، صلاه زاكيه موصوله الي يوم الدين، وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته، اما بعد:

موصوله الي يوم الدين، وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته، اما بعد: فقد اخذت اقلب - في السنتين الماضيتين - النظر في كثير من الكتب المؤلفه في باب اثبات حجيه السنه ورد الشبهات عنها، ويسر الله لي الشروع في كتابه بحث تعريفي بهذه الكتب، بعنوان: (مسالك العلماء في تثبيت حجيه السنه)، فرايت قدر الجهود المبذوله في سبيل الدفاع عن سنه النبي ﷺ،

حجيه السنه)، فرايت قدر الجهود المبذوله في سبيل الدفاع عن سنه النبي ﷺ، ووجدت ان تلك الكتب لا يكاد يفوتها شيء مما اثاره المستشرقون ومن تاثر بهم، وانها تناولت موضوعات كثيره ومتنوعه في الاثبات والرد، الا ان هناك بعض القضايا المهمه في هذا الباب لم يتناولها كثير ممن كتب فيه، ورايت انها تستحق مزيدا من البحث والدراسه، وهي:

كثير ممن كتب فيه، ورايت انها تستحق مزيدا من البحث والدراسه، وهي:

١ - الاجابه عن الاعتراضات المثاره ضد «ادله» حجيه السنه، او عرض ادله حجيه السنه بطريقه تجيب عن الاعتراضات المثاره ضد هذه الادله. وهذه الاعتراضات تختلف عما يثار ضد اصل حجيه السنه علي وجه العموم، فالنوع الثاني هو اغلب ما تجده في كتب مناقشه المنكرين بخلاف النوع الاول.

فالنوع الثاني هو اغلب ما تجده في كتب مناقشه المنكرين بخلاف النوع الاول.

٢ - اثبات حجيه السنه عن طريق التواتر من وجوه متعدده ملزمه للمخالف.

٣ - اثبات صحه علم الحديث، وكفايه قوانينه لتوثيق السنه.

٤ - ابراز الخلل المنهجي في خطاب المنكرين، وتاسيس القواعد الكليه في محاجه منكري السنه.

٨ - اشبله الحكمه السنير ونقض اصول المنكرين

3

في محاجه منكري السنه. ٨ أشبله الحكمه السنير ونقض اصول المنكرين. وقد حرصت في هذا البحث علي بيان ما يتعلق بهذه القضايا الأربع، ولم أقصره عليها، بل تناولت فيه عموم ركائز الإثبات، ونقض اصول المنكرين.

وأما كتابي السابق: (أفي السنه شك؟) فيتفق مع هذا الكتاب في بعض العناوين العامة، ويختلف في المحتوى وطريقة الاستدلال والتقسيم ومستوى الخطاب، وكان غرضي من كتابته تسهيل مباحث حجيه السنه، وتقريب الرد علي الشبهات المثارة ضدها، وتقديم ذلك بلغة ميسرة، ليستفيد منه القارئ غير المتخصص.

ويكون من باب الممانعة العامة لموجه التشكيك في الثوابت، ويجد فيه من تأثر بشيء من الشبهات مفاتيح للرد علي إشكالاته.

وأما هذا الكتاب فأردت به خدمة مجال حجيه السنه وأحكام باب الاستدلال المثبت لحجيتها، الملزم للمخالف، ولذلك فهو موجه إلي شريحة طلاب العلم، والمعتنين بالفكر، والمهتمين بالسنه، ثم هو موجه كذلك إلي منكري السنه والطاعنين فيها، سائلاً الله سبحانه وتعالي أن يثبت بهذا الكتاب حجة المحاور لمنكري السنه، وأن يهدي به الباحث عن الحق ممن ضل سبيل المؤمنين، وأن يغفر لي التقصير والزلل.

المؤلف ١٤٣٨/٥/٢١ هـ المدينة النبوية مقدمة الطبعة الخامسة

الحمد لله والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده، أما بعد: فإن العناية بباب (حجيه السنه النبويه) يجب أن تزداد عند طلاب العلم، ومن المهم إضافة هذا الباب إلي الدرس الشرعي المنتظم، أما بإضافته إلي دروس أصول الفقه أو إلي دروس علوم الحديث علي جهة التوسع والتأصيل لا علي جهة الاستطراد أو الفوائد المكملة.

إذ لا بد لطلاب العلم أن يدرسوا كل علم من جهتين: جهة مضمونه وأبوابه، وجهة الاحتجاج له والدفاع عنه، وذلك لكثرة المعارضين والمشككين وقلة المدافعين بل وقلة القادرين علي الدفاع من طلاب العلم الذين درسوا العلم من الجهة الأولي – أي من جهة مضامينه وأبوابه – ولم يدرسوه من الجهة الثانية – من جهة الاحتجاج له والدفاع عنه –، وفرق بين فهم العلم وبين القدرة علي الاحتجاج له.

فلكل منهما طريق وشروط تختلف عما ينبغي للآخر منهما.

وهذا كله ليس من باب الترف العلمي ولا الجدل والخصومات، وإنما من باب الضرورة الشرعية التي اقتضاها الواقع، وهذا من الانتصار للإسلام والسنة وميراث النبوة وعلوم الشريعة، وهو من أفضل العلم وأزكى العمل، وهذا هو هدي العلماء علي مر العصور.

إنهم يقومون بالدفاع عن الحق والإسلام والسنة ويحثون علي ذلك طلابهم وأقرانهم، ونحن في زمن قل نظيره من جهة كثرة الهجمات علي ثوابت الإسلام والملة، وقد قاوم هذه الهجمات من قاوم ممن لم يقم بهم فرض الكفاية بعد.

ولذلك فإن إدراج مواد الدفاع عن الثوابت ضمن الدروس الشرعية المنظمة من أهم ما يعين علي تخريج القادرين من طلاب العلم علي القيام بهذه المسؤولية.

4

من طلاب العلم علي القيام بهذه المسؤوليه.

١٠ وتقض اصول المنكرين وياتي هذا الكتاب ضمن الكتب التي تصلح للدراسه في باب حجيه السنه، وهو مكتوب لطلاب العلم ابتداء، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوه الا به.

مكتوب لطلاب العلم ابتداء، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوه الا به. وقد قرر هذا الكتاب في عدد من البرامج العلميه الالكترونيه، وتاتي هذه الطبعه الجديده لدار منار الفكر ضمن مشروع اعاده طباعه جميع كتبي السابقه بعد مراجعتها وتحريرها، غير ان هذا الكتاب اعيد طبعه كما هو، حيث لم ار حاجه لمراجعته لقرب عهدي بالاطلاع عليه ورؤيتي حينها انه ينبغي ان يبقي كما هو في تحريره وبراهينه وابوابه، واسال الله القبول والبركه.

ان يبقي كما هو في تحريره وبراهينه وابوابه، واسال الله القبول والبركه.

احمد بن يوسف السيد اسطنبول ٩ / ٢ / ١٤٤٥ ه ٢٥ / ٨ / ٢٠٢٣ م

* * *

تمهيد: لماذا الحديث عن موضوع حجيه السنه؟

٨ / ٢٠٢٣ م

* * *

تمهيد: لماذا الحديث عن موضوع حجيه السنه؟ فان من اكثر الاسئله التي نوقشت فيها خلال العام الماضي سؤال: «هل صار الالحاد يشكل ظاهره في مجتمعاتنا الاسلاميه؟»، وكنت – ولا زلت – اخرص عند تقديم الجواب علي نقل تفكير السائل واهتمامه من دائره مصطلح (الالحاد) الضيقه، الي دائره اكثر اتساعا؛ لتعيين علي تصور شامل للمشكله، وعلي فهم منهجي لها، مما يقود الي دراسه اكثر انضباطا وواقعيه لتقدير حجمها وانتشارها.

مما يقود الي دراسه اكثر انضباطا وواقعيه لتقدير حجمها وانتشارها. فالالحاد الصريح ليس الا نتيجه لتراكمات من الشبهات والشكوك والمواقف التي لم يكن عند المتاثر بها من اليقين ما يدفع به اثرها المضاد للايمان، ولا من المنهج المعرفي والنقدي ما يضعها به موضعها الذي لا ينبغي ان تتجاوزه وتعداه، ولا من المعرفه التفصيليه بالشريعه ما يرد بها تفاصيل ما اشتبه عليه،

ولا من المعرفه التفصيليه بالشريعه ما يرد بها تفاصيل ما اشتبه عليه، فمادت به هذه الاشكالات والشبهات في دائره الحيره والاضطراب زمنا، ثم القته في مهاوي الانكار والجحود للنبوه والوجود الالهي.

زمنا، ثم القته في مهاوي الانكار والجحود للنبوه والوجود الالهي. ولو انه عالج تلك الاشكالات بمنهجيه معرفيه منضبطه، وبيقين يؤوب اليه عند الاضطراب، لما انتقل من هذه الدائره الواسعه الي دائره الالحاد الضيقه.

وعلي ذلك؛ فمن يريد ان يعالج مشكله الالحاد، ويقلل من انتشارها، ويضيق من دائرتها؛

يريد ان يعالج مشكله الالحاد، ويقلل من انتشارها، ويضيق من دائرتها؛ فليجعل جزءا كبيرا من اهتمامه متوجها الي الدائره الواسعه التي يمكن ان نسميها (مقدمات الالحاد) وهي الدائره التي تاثر بها عدد كبير جدا من المنتسبين الي الاسلام، ويمكن ان نصفها بالظاهره، بخلاف الالحاد الصريح؛

١٢ England & the United States of America

5

ويمكن أن نصفها بالظاهرة، بخلاف الإلحاد الصريح؛ ١٢ England & the United States of America فإنه يصعب تقدير حجم انتشاره - في هذه المرحلة -؛ لعدم قدرة الملاحدة في عدد من المجتمعات الإسلامية على الإعلان والكشف عن أنفسهم، فيلجؤون إلى الكتابة بالأسماء المستعارة، فتختلط حساباتهم بالحسابات الإلحادية التي تكتب من الخارج، إلا أن الأمر البين هو أن نسبة الإلحاد في تصاعد وازدياد.

ومما يجدر التنبيه إليه في سياق الحديث عن مقدمات الإلحاد، أنه لا يلزم انتهاء كل من وقع في هذه المقدمات إلى الإلحاد الصريح أو الربوبية - التي ينكر أصحابها الأديان مع اعترافهم بوجود الخالق -، فقد يظل بعضهم في دائرة المقدمات متقلبًا مضطربًا، دون أن ينكر الديانة والنبوات،

بل قد يكون مدافعًا عن الإسلام وعن النبي ﷺ - وهو في هذه الدائرة -، ولكن بمنهجية منحرفة، وقد يلحد بسببه خلق كثير ممن ليس عندهم من المعرفة بالإسلام ودلائله ما عنده،

فيظل هو واثقًا بصحة أصل الإسلام - مع انحرافه في باب الثوابت ومنهجية الاستدلال - ويفارقه كثير من جهله أتباعه إلى الجحود التام بعد أن هدم عددًا من المسلمات الصحيحة التي كانوا يؤمنون بها، وبعد أن جراهم على رد النصوص الصحيحة وعلى تخطئة الإجماعات الثابتة بكل سهولة،

وهذا مشاهد بكثرة في النموذج العدناني - أعني عدنان إبراهيم -، الذي سقط بسببه عدد كبير في ظلمات الكفر الصريح مع أنهم اتبعوه أول الأمر على أنه النموذج الأكثر فهمًا للإسلام، ولولا أني رأيت بعيني كثرة الحالات الإلحادية التي يقول أصحابها إنهم ابتدؤوا بعدنان إبراهيم؛ لما تصورت أن يبلغ الأمر إلى هذا الحد،

ولكم أن تسألوا عددًا من المعتنين بهذا الملف عن هذه القضية تحديدًا وانظروا مدى موافقتهم أو مخالفتهم لما ذكرت. ١٣ بوابة المسلم ونقض أصول المستبر والمقصود بمقدمات الإلحاد أربعة أمور:

الأول: إنكار الثوابت الشرعية أو التشكيك فيها دون إنكار أصل الإسلام. مثال ذلك:

إنكار الثوابت الشرعية أو التشكيك فيها دون إنكار أصل الإسلام. مثال ذلك: إنكار حجية السنة، وإنكار بعض الحدود الشرعية المتفق عليها كحد الرجم على الزاني المحصن، والتشكيك في منزلة الصحابة، وكذلك التكذيب ببعض الأخبار النبوية الصحيحة الصريحة التي بلغت حد التواتر أو تلقاها الصحابة ومن تبعهم بالقبول والتثبت والرضا، كالأنباء عن نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان،

وكالأنباء عن فتنة القبر، ونحو ذلك. مع ملاحظة قضية مهمة، وهي أن إنكار هذه الأخبار والأحكام في الوقت المعاصر يختلف عن إنكار بعضها في إطار المذاهب العقدية الإسلامية المخالفة لأهل السنة، لأن تلكم المذاهب تنطلق من رؤية معرفية شاملة لأبواب الدين،

بخلاف الإنكار المعاصر الذي ينشأ - في غالب الأمر - من الاضطراب المنهجي، والتشتت المعرفي، والتأثر بضغط القيم المستوردة.

الأمر الثاني: التأثر بالمفاهيم الفكرية الغربية المصادمة لثوابت الإسلام؛ كمفهوم الحرية الغربية بكل تفاصيله وتبعاته، وليس ببعض صوره الصحيحة التي لا تعارض الإسلام، أو تبني المناهج المعرفية التي تعارض نصوص الوحي ومقاصده؛ كالغلو في المنهج العلمي التجريبي وتقديمه على الوحي عند التعارض، ويظهر هذا في تبني عدد من النظريات التي تتصادم مع صريح القرآن وصحيح السنة.

الأمر الثالث: الاضطراب في الموقف من مصادر التلقي الشرعية ومن منهجية الاستدلال المنضبطة بأصول الشرع. ١٤ للذين الذين الذين والفضلين والفضلات المنتفكرين

6

بأصول الشرع. ١٤ للذين الذين الذين والفضلين والفضلات المنتفكرين مثال ذلك: هدم سور الإجماع، وعدم الاعتراف بأي منهجية تراثية/ شرعية للتعامل مع النص الشرعي كاشتراط موافقة تفسير النص القرآني لمقتضى الخطاب العربي، وكرد المتشابه إلى المحكم، وكاعتماد السنة مفسرة للقرآن مبينة لمجمله، ونحو ذلك.

إلى المحكم، وكاعتماد السنة مفسرة للقرآن مبينة لمجمله، ونحو ذلك. الأمر الرابع: الموقف السلبي من العلوم الشرعية، ومن (عموم) علماء المسلمين المتخصصين في علوم الشريعة، ومن أخصهم: علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وكبار محققي أتباعهم، والتقليل من شأنهم، ومن قيمة إجماعهم، ومن منهجية تعاملهم مع النصوص،

والتقليل من شأنهم، ومن قيمة إجماعهم، ومن منهجية تعاملهم مع النصوص، ونسف نتاجهم العلمي في حال تعارضه مع أي فكرة يريد مخالفهم تقريرها، حتى وإن كان هذا المخالف لهم شابًا لا يعرف من علوم الشريعة ولا من أصول لغتها ما يعرفه المبتدئ في طلب العلم، ثم تجده يتعالم ويتعاظم حتى يسهل عليه تخطئة مجموعهم في مقابل فهمه هو للنص، والأمثلة على ذلك كثيرة.

تخطئة مجموعهم في مقابل فهمه هو للنص، والأمثلة على ذلك كثيرة. وإذا تقرر ما سبق، فإن من أهم الأبواب التي يقود كسرها إلى دوامة كبيرة من الاضطرابات المؤدية إلى الإلحاد، أو إنكار الأديان -في كثير من الأحيان-: باب حجية السنة النبوية، ومكانتها، وبيانها للقرآن الكريم، ولذلك؛ فإن تثبيت هذا الباب، وإصلاح ما قد ينشأ من التصورات الخاطئة تجاهه يعد حماية لأصل الإسلام.

وإصلاح ما قد ينشأ من التصورات الخاطئة تجاهه يعد حماية لأصل الإسلام. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

* * *

القسم الأول: ركائز حجية السنة

ركائز حجية السنة يؤسس أهل السنة موقفهم من حجية السنة ومكانتها في التشريع على مجموعة من الركائز المحكمة الثابتة، ويجعلون هذه الركائز أصلًا كليًا يرد إليه كل ما يشكل في هذا الباب.

ويجعلون هذه الركائز أصلًا كليًا يرد إليه كل ما يشكل في هذا الباب. بخلاف موقف المشككين في السنة الذين ينطلقون من الإشكالات فيؤسسون عليها موقفهم، ويتركون القاعدة المحكمة والأصل الكلي، وهذا خلل منهجي كبير جدًا. كما أن الركائز التي يعتمد عليها أهل السنة تشكل عقبة كبيرة ضد منكري السنة والمشككين فيها، ولا يستقيم موقفهم في الإنكار دون أن يجيبوا عنها.

والمشككين فيها، ولا يستقيم موقفهم في الإنكار دون أن يجيبوا عنها. ولذلك؛ فإن العناية بالركائز المؤسسة لحجية السنة والمثبته لها = أمر في غاية الأهمية، كي تبني المعرفة بصورة صحيحة، وكي يتم الاحتجاج على المخالف بهذه الأصول الركائز العظام.

بصورة صحيحة، وكي يتم الاحتجاج على المخالف بهذه الأصول الركائز العظام. وقد اعتنى علماء المسلمين وباحثوهم بهذا الباب، وصنفوا كتبًا كثيرة في إثبات حجية السنة، وذكر دلائلها، والبراهين المثبتة لها، وفي الرد على ما يخالف ذلك من الشبهات والإشكالات. وسأذكر أهم الركائز الكبرى التي يعتمد عليها في تثبيت حجية السنة ومكانتها في الإسلام.

الركائز الكبرى التي يعتمد عليها في تثبيت حجية السنة ومكانتها في الإسلام. وهي ثلاث ركائز: ركيزة القرآن، وركيزة التواتر، وركيزة الإجماع.

الركيزة الأولى: دلائل القرآن على حجية السنة

إن أعظم ما ينطلق منه أهل العلم لإثبات حجية سنة المصطفى ﷺ هو القرآن الكريم، ولا يكاد يخلو كتاب من الكتب المؤلفة في هذا الباب من الاستشهاد بآياته على مكانة السنة وحجيتها.

7

من الكتب المؤلفه في هذا الباب من الاستشهاد بآياته على مكانة السنة وحجيتها. والمتأمل لدلائل القرآن على حجية السنة يجد أنها تثبت معنيين شريفين جليلين، فيهما الرد على مختلف الطوائف المنكرة للسنة، سواء كان إنكارهم لها من جهة أصلها، أو من جهة طريقة نقلها.

ولا ينبغي الاقتصار في الاستدلال على حجية السنة بالقرآن على معنى واحد منهما، بل لا بد من العناية بإثبات المعنيين كليهما؛ إذ بتكاملهما تنقطع حجة كل منكر للسنة أو مشكك فيها. والمعنيان هما:

1دلالة القرآن على أصل حجية السنة.
2دلالة القرآن على دوام حجيتها.

يمكن إثبات هذين المعنيين من خمسة طرق، ثلاثة منها تعود إلى المعنى الأول، والبقية عائدة إلى الثاني:

- الطريق الأول: دلالة الأوامر القرآنية العامة بطاعة الرسول ﷺ، مع إطلاق الطاعة دون تقييد.

- الطريق الثاني: دلالة القرآن على أن السنة وحي.

- الطريق الثالث: دلالة القرآن على أن السنة بيان له.

- الطريق الرابع: دلالة القرآن على حفظ السنة.

- الطريق الخامس: لزوم حفظ بيان القرآن.

* * *

الطريق الأول: الأمر العام لجميع الأمة بطاعة الرسول ﷺ مع إطلاق الطاعة دون تقييد والاستدلال بهذا الطريق يبني على مقامات، هذا بيانها وبسطها:

المقام الأول: عموم الخطاب القرآني للأمة وهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو أن الله عز وجل قد أنزل القرآن حجة على جميع هذه الأمة، لا على الأفراد الذين عاشوا مع النبي ﷺ وحدهم، وهذا مقتضى كون النبي ﷺ رسولاً للناس كافة. وهذا أمر لا ينازع فيه مسلم، ولا يعارضه كل من يستدل بالقرآن من منكري السنة.

فما أمر الله به في القرآن أو نهى عنه، فإننا معنيون بهذا الأمر والنهي كما عني به الأولون ممن عاصروا نزول الوحي.

المقام الثاني: مجيء الأمر القرآني العام بطاعة الرسول ﷺ. إذا تقرر عموم الخطاب القرآني، فإن من المعلوم أن مما جاء فيه: الأمر بطاعة الرسول واتباعه في آيات كثيرة، منها قول الله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [سورة النساء: ٥٩]. فالامر في هذه الآية موجه إلينا وإلى من قبلنا ومن بعدنا، كما قال ابن حزم ﷺ عن هذه الآية: «الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يحلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس» (١).

(١) الأحكام في أصول الأحكام (١/ ٩٧).

المقام الثالث: إطلاق لفظ الطاعة والاتباع للرسول في الآيات القرآنية.

8

## المقام الثالث:

اطلاق لفظ الطاعه والاتباع للرسول في الايات القرانيه والمقصود بهذا المقام ان اوامر الله سبحانه بطاعه رسوله لم تات مقيده بطاعته في نوع من الامر دون الاخر، او في مقام دون مقام، بل انك تجدد في سياق الايات ودلالات الفاظها ما يؤكد معني الاطلاق، خاصه وان الامر بطاعه الرسول قد تكرر كثيرا في القران بالفاظ مختلفه، يؤكد بعضها بعضا:

كقوله سبحانه ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سوره الحشر: ٧] وقوله: ﴿فليخذر الذين يحاقفون عن امره ان يصيبهم فتنه او يصيبهم عذاب اليم﴾ [سوره النور: ٦٣] وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد اطاع الله﴾ [سوره النساء: ٨٠] وامثالها.

﴿من يطع الرسول فقد اطاع الله﴾ [سوره النساء: ٨٠] وامثالها. ولو كان مرادا لله الا نتبع النبي ﷺ في كل ما يامر به لكان قد جاء التقييد الصريح لتلك الايات المطلقه.

ولو ان انسانا سمع النبي ﷺ يامره بشيء او ينهاه عن شيء، ثم امتنع عن طاعته في ذلك بحجه انه ليس في القران لكان -بلا ريب عند جميع الامه- مخالفا للايات الوارده في هذا المعني، كقول الله سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنه اذا قضي الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخبره من امرهم﴾ [سوره الاحزاب: ٣٦] وغيرها من الايات.

ولا وجه للتفريق في هذا المقام بين من سمع النبي ﷺ مباشره وبين من جاءه الخبر عنه؛ لان المنازعه هنا انما هي في دلاله الايات علي وجوب الطاعه المطلقه للرسول ﷺ وليست في طريقه ثبوت هذا الامر او النهي عنه.

والفرق بين المقام الاول وبين هذا المقام، هو ان الاول راجع الي شمول الخطاب لكل الامه، والثاني راجع الي اطلاق الطاعه لتشمل كل اوامر النبي ﷺ.

فاذا ثبتت المقامات السابقه: فان من المعلوم انه لا يمكننا امثال فرض الله بطاعه رسوله الا باتباع الاخبار الثابته عنه، كما قال الشافعي ﷺ في كتابه «جماع العلم»: «فهل تجد السبيل الي تاديه فرض الله عز وجل في اتباع اوامر رسول الله ﷺ – او احد قبلك او احد بعدك ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ-: الا بالخبر عن رسول الله ﷺ؟»(١)

وسياتي في البحث – ان شاء الله – ما يثبت ان الله قد حفظ سنه نبيه ﷺ وان منهجيه المحدثين في توثيق السنه منهجيه صحيحه كافيه في تامين نقل السنه وان هذا من جمله الاسباب التي حفظ الله بها السنه، فيتحقق من ذلك كله ان اتباع الخبر الصحيح عن رسول الله انما هو امثال للايات الامره بطاعته.

(١) جماع العلم للشافعي (ص ٢١-٢٢).

## الطريق الثاني:

دلاله القران علي ان السنه وحي

9

## الطريق الثاني: دلالة القرآن على أن السنة وحي

يقرر منكرو السنة أن الوحي منحصر فيها جاء في نص القرآن، وأنه لا شيء مما يروي في كتب السنة يصدق عليه أنه وحي من عند الله سبحانه وتعالى، وإنما هو من خرافات المحدثين، وأساطير الأولين. وعند التأمل في نصوص القرآن الكريم نجد أنه يدل دلالة واضحة – لا التباس فيها – على أن الله قد أوحى لنبيه ﷺ بأحكام وأخبار هي أهم مما ثبت في نص القرآن، وهي مما بلغها من سنته ومما علمها أمته.

وهذه المسألة من الأبواب الشريفة في العلم، ولأهل التفسير والحديث والأصول كلام كثير في تقريرها. وقد صنف بعض المعاصرين في ذلك سفراً جامعاً، وهو الشيخ خليل ملا خاطر في كتاب سماه «السنة وحي»، وهو كتاب نافع جداً. وفي الباب بحوث ورسائل متعددة، منها: كتاب «الوحي الإلهي في السنة النبوية» لعماد عبد السميع حسين، وكتاب «السنة النبوية وحي من الله محفوظة كالقرآن الكريم» لأبي لبابة بن الطاهر حسين، وغير ذلك.

يمكن الاستدلال على أن السنة وحي بأنواع من الأدلة من القرآن والنقل المتواتر، وسأكتفي هنا بذكر بعض وجوه الاستدلال بالقرآن العزيز على أن السنة وحي، غير أني أنبه إلى أن هذا التقرير لا أقصد به أن كل أفعال النبي ﷺ وأقواله من الوحي، بل المقصود في الإثبات في هذا المقام أن من السنة ما هو وحي، وأن الوحي ليس منحصراً في النص القرآني. وأما أفعال النبي ﷺ في أمر الدين والتعبد فهي على شقين: إما أن تكون وحياً، وإما أن تكون اجتهاداً.

٢٤أشيدتكم يا أشيدتكم ونقص أصول المنكرين والاجتهاد على نوعين:

أ. أما أن يكون اجتهاداً أقره الله تعالى عليه كقوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة».

ب. وأما أن يكون اجتهاداً صححه الله له كالاجتهاد في أسرى بدر، والتصحيح الإلهي من الوحي.

والمراد بهذا هو التنبيه إلى أن العبارة يقصد بها الإجمال حين أقول: (وجوه الاستدلال بالقرآن العزيز على أن السنة وحي).

ووجوه الاستدلال بالقرآن العزيز على أن السنة وحي ثلاثة:

1الوجه الأول: الإخبار بأنزال الحكمة المعطوفة على الكتاب.
2الوجه الثاني: الإخبار بأن الله تكفل ببيان القرآن، وأخبر عن رسوله بأنه يبين للناس ما نزل إليهم.
3الوجه الثالث: نصوص قرآنية متعددة تدل على نزول الوحي على النبي ﷺ في مقامات معينة بأحكام وأخبار ليست مذكورة في نص القرآن، منها:

١. دلالة آيات الأخبار بنزول الملائكة.

٢. دلالة آيات تحويل القبلة.

٣. دلالة آيات سورة التحريم.

٤. دلالة فتح مكة مع آيات تحريمها.

وهذا أوان عرضها:

الوجه الأول: الإخبار بأنزال الحكمة المعطوفة على الكتاب: تكرر في الكتاب العزيز ذكر الحكمة في سياقات مختلفة، فتارة تأتي مفردة، وتارة تأتي مقرونة إما بالكتاب، أو بالملك، أو بآيات الله، أو بغير ذلك.

10

وتاره تاتي مقرونه اما بالكتاب، او بالملك، او بايات الله، او بغير ذلك. ولا تجد اشكالا لدي عامه المفسرين في ان الحكمه تفسر بحسب سياقها ومتعلقها، فقد تفسر بالنبوه، او بالفهم الصحيح، او بالفقه في الدين، او بشيء من الوحي المنزل، وغير ذلك.

بالفهم الصحيح، او بالفقه في الدين، او بشيء من الوحي المنزل، وغير ذلك. وقد ذكر الله في كتابه انه انزل الحكمه علي رسوله ﷺ، وفي اكثر تلك المواضع يذكرها مقرونه بالكتاب معطوفه عليه، وقد ذهب اكثر المفسرين من ائمه المسلمين من مختلف المذاهب الفقهيه الي ان الحكمه المعطوفه علي الكتاب اذا كانت متعلقه ببينما محمد ﷺ فالمراد بها سنته.

علي الكتاب اذا كانت متعلقه ببينما محمد ﷺ فالمراد بها سنته. وحكموا بذلك لدلاله العطف المقتضي للمغايره، ولدلاله سياق بعض الايات.

بذلك لدلاله العطف المقتضي للمغايره، ولدلاله سياق بعض الايات. كما ان مما يرجح هذا القول انه قد ثبت بالتوتر المفيد للقطع ان النبي ﷺ قد علم اصحابه كثيرا من امور الدين مما لم يذكره الله في نص القران، كتعليمه اياهم صفه الصلوات الخمس ومواقيتها وصيغ الاذان، والتشهد، واحكام الامامه، وسجود السهو، كما انه علمهم كثيرا من الذكر والثناء علي الله سبحانه، ومن امور الادب والصله والاعتدال، وغير ذلك.

والثناء علي الله سبحانه، ومن امور الادب والصله والاعتدال، وغير ذلك. وهذا التعليم منه ﷺ موافق لما وصفه الله به من انه يعلم الامه الكتاب والحكمه، واذا كنا قد علمنا نص الكتاب، فقد بقي ان نقول فيما علمه امته -مما تواتر عنه من سنته- انه الحكمه.

٢٦ اشبله الحكمه السماء ونفض اصول المنكرين من سنته- انه الحكمه. ٢٦ اشبله الحكمه السماء ونفض اصول المنكرين. وهذا الامر مهم في معرفه ما يثبت صحه استدلال المفسرين علي ان الحكمه هي السنه، لان كثيرا من المحاورين لمنكري السنه لا يكون لديهم استحضار للماخذ الذي يثبت صحه هذا القول، وانما قد يبنون علي اتباع المفسرين علي هذا المعني – ولا باس بهذا الاتباع غير انه لا يكفي في مقام المناظره والجدل –.

هذا المعني – ولا باس بهذا الاتباع غير انه لا يكفي في مقام المناظره والجدل –. قال ابن تيميه ﷺ: «وليس من شرط المنقول المتواتر ان يكون في القران، بل كما تواتر عنه من شريعته مما ليس في القران، وهو من الحكمه التي انزلها الله عليه، كذلك تواتر عنه من دلائل نبوته ما ليس في القران وهو من اياته وبراهينه، وقد قال تعالي في غير موضع: ﴿ولن انه عليك الحكيم والحكمه﴾ فالحكمه منزله عليه وهي منقوله في غير القران».

عليك الحكيم والحكمه﴾ فالحكمه منزله عليه وهي منقوله في غير القران). وقد ظن بعض من لم يحرر النظر ان تفسير الحكمه بهذا المعني حادث في الاسلام، وان اول من قرر ذلك انما هو الامام الشافعي ﷺ، وان المسلمين قبله لم يكونوا علي هذا الفهم للقران، ويرون ان هذا التفسير من الشافعي بدايه لمرحله انحراف في الامه، ولذلك تجد ان منكري السنه يقفون من الامام الشافعي موقفا عدائيا، ويحملونه تبعات كثير من الخلل الفكري الطارئ علي الامه – وحاشاه –.

ويحملونه تبعات كثير من الخلل الفكري الطارئ علي الامه – وحاشاه –. ويربط محمد شحرور بين تفسير الشافعي للحكمه بالسنه وبين الابعاد الايديولوجيه عنده، وانه مارس التاطير العقدي والاستبداد المعرفي، فقد قال في كتابه الدوله والمجتمع تحت عنوان «الاستبداد المعرفي»: «امر اخر تم في القرن الثاني الهجري هو تاطير الاسلام من النواحي العقائديه والفقهيه والفلسفيه، علي يد الفقهاء الخمسه وعلي راسهم الشافعي...، وكان ثمه مدرستان: مدرسه الجواب الصحيح، ابن تيميه (٢ / ٥٧٠)، ت: سفر الحوالي».

٢٧ لثديت محمد الشبتير ونقض اصول المتجرين

11

ت: سفر الحوالي. ٢٧ لثديت محمد الشبتير ونقض اصول المتجرين اهل الراي، يتزعمها ابو حنيفه النعمان، ومدرسه اهل الحديث، يتزعمها الشافعي. فعندما اراد الشافعي تاسيس هذه المدرسه، واعطاءها ابعادها واطرها الايديولوجيه، اعتمد علي ما يلي:

1"فذكر امورا منها": ﴿ان مصطلح الحكمه الذي ورد في التنزيل الحكيم، النساء ١١٣ وال عمران ٨١، يقصد به السنه واستقلالها بالتشريع، واعتبارها وحيا من نمط مغاير لوحي التنزيل، اي اعتبارها الهاما﴾. ثم قال شحرور: (ونحن نري ان الحكمه لا تعني السنه النبويه لا من قريب ولا من بعيد. والقول بانها شيء واحد خطا). (١)
2السنه النبويه لا من قريب ولا من بعيد. والقول بانها شيء واحد خطا). (١) وقال د. عبد العزيز بايندر: «ومن خلال مطالعتنا علي موضوع الحكمه وجدنا انه لم يتحدث فيها من الفقهاء غير الامام الشافعي ﷺ». (٢) وهذا غير صحيح، فان تفسير الحكمه -المعطوفه علي الكتاب- بالسنه قد ذكره غير واحد من كبار ائمه الاسلام السابقين للشافعي، من اهل العلم بالشرع وبلسان العرب.
3من كبار ائمه الاسلام السابقين للشافعي، من اهل العلم بالشرع وبلسان العرب. فقد اسند امام المفسرين -الطبري- عن التابعي المفسر: قتاده بن دعامه السدوسي تفسير الحكمه بالسنه، فقال: «وعلي بقوله: ﴿وادخرت ما يتلي ف يبوتكم من ايات الله﴾ [سوره الاحزاب: ٣٤]: واذكرن ما يقرا في بيوكن من ايات كتاب الله والحكمه. ويعني بالحكمه: ما اوحي الي رسول الله صلي الله عليه وسلم من احكام دين الله، ولم ينزل به قران، وذلك السنه». (١)

الدوله والمجتمع، شحرور، ص (٢٣١-٢٣٢) باختصار. (٢) مقال منشور علي موقع (حبل الله) علي الشبكه، بعنوان: (مفهوم الحكمه عند الامام الشافعي). ٢٨

4للذين الذين الذين والفضلات والفضلات المنحكين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال اهل التاويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده في قوله: «واذكرت ما يتلي في بيوتكم من ايات الله والحكمه» [سوره الاحزاب: ٣٤] اي: السنه، قال: يمتن عليهم بذلك(١).
5[سوره الاحزاب: ٣٤] اي: السنه، قال: يمتن عليهم بذلك(١). وقال ابن كثير ﷺ: «وقوله تعالي: «ويعلمهم الكتاب») [سوره البقره: ١٢٩]. يعني القران، و«والحكمه» يعني السنه. قاله الحسن، وقتاده، ومقاتل بن حيان، وابو مالك وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاه(٢). قلت: وقد توفي الحسن وقتاده رحمها الله تعالي قبل ولاده الامام الشافعي.
6قلت: وقد توفي الحسن وقتاده رحمها الله تعالي قبل ولاده الامام الشافعي. غير ان الشافعي يعد اشهر من قرر هذا المعني من المتقدمين وناظر فيه وذكره في غير موضع من كتبه، وهو من اوسع علماء الشريعه معرفه باللغه مع علمه بالكتاب والسنه وعمل المسلمين.
7وقد نقل في كتابه جماع العلم نص محاورته مع منكر السنه، وفي هذه المحاوره فوائد في تثبيت تفسير الحكمه بالكتاب، فقال ﷺ: «قال الله عز وجل: «هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليها وابنته ويركهم ويعلمهم الكتاب والحكمه») [سوره الجمعه: ٢٤]. قال –اي منكر السنه–: فقد علمنا ان الكتاب كتاب الله، فما الحكمه؟ قلت –اي الشافعي–: سنه رسول الله ﷺ.
8ان الكتاب كتاب الله، فما الحكمه؟ قلت –اي الشافعي–: سنه رسول الله ﷺ. قال: افيحتمل ان يكون يعلمهم الكتاب جمله والحكمه خاصه وهي احكامه؟ (١) تفسير الطبري، (١٩ / ١٠٨)، دار عالم الكتب. (٢) تفسير ابن كثير (١ / ٢٧٥). ٢٩ لثديتكيجيا السيتيرا ونفض اصول المنكيرين
12

كثير (١ / ٢٧٥). ٢٩ لثديتكيجيا السيتيرا ونفض اصول المنكيرين قلت: تعني بان يبين لهم عن الله -عز وعلا- مثل ما بين لهم في جمله الفرائض من الصلوات والزكاه والحج وغيرها؛ فيكون الله قد احكم فرائض من فرائضه بكتابه، وبين كيف هي علي لسان نبيه ﷺ؟ قال: انه ليحتمل ذلك.

بكتابه، وبين كيف هي علي لسان نبيه ﷺ؟ قال: انه ليحتمل ذلك. قلت: فان ذهبت هذا المذهب فهي في معني الاول قبله، الذي لا تصل اليه الا بخبر عن رسول الله ﷺ؟ قال: فان ذهبت مذهب تكرير الكلام؟ قلت: وايهم اولي به اذا ذكر الكتاب والحكمه ان يكونا شيئين، او شيئا واحدا؟

أولي به اذا ذكر الكتاب والحكمه ان يكونا شيئين، او شيئا واحدا؟ قال: يحتمل ان يكونا كما وصفت كتابا وسنه فيكونا شيئين، ويحتمل ان يكونا شيئا واحدا. قلت: فاظهرهما اولاهما، وفي القران دلاله علي ما قلنا وخلاف ما ذهبت اليه. قال: واين هي؟

وفي القران دلاله علي ما قلنا وخلاف ما ذهبت اليه. قال: واين هي؟ قلت: قول الله عز وجل: ﴿واذكرت ما يتلي في بيوتكم من ايات الله والحكمه ان الله كان لطيفا خيرا﴾ [سوره الاحزاب: ٣٤] فاخبر انه يتلقي في بيوتهن شيئان. قال: فهذا القران يتلقي فكيف تتلقي الحكمه؟ قلت: انما معني التلاوه ان ينطق بالقران والسنه كما ينطق بها.

الحكمه؟ قلت: انما معني التلاوه ان ينطق بالقران والسنه كما ينطق بها. قال: فهذه ابين في ان الحكمه غير القران من الاولي (١).

(١) جماع العلم، الشافعي (٩).

٣٠ للذين الذين الذين وتقض المولي المنكرين وفي الرساله قال الشافعي: «فسمعت من ارضي من اهل العلم بالقران يقول: الحكمه سنه رسول الله ﷺ». (١)

من ارضي من اهل العلم بالقران يقول: الحكمه سنه رسول الله ﷺ). (١) ومحصل القول ان تفسير الحكمه بالسنه قد قال به اكثر المفسرين، وان ذلك مقتضي العطف، ومفهوم بعض سياقات الايات، ومقتضي موافقه قول الله سبحانه: ﴿ولعلم اكبر بالحكمه﴾ لما تواتر من تعليم النبي ﷺ لامته من احكام الاسلام ما لم يذكر في نص القران.

الوجه الثاني من وجوه دلاله القران علي ان السنه وحي:

لم يذكر في نص القران. الوجه الثاني من وجوه دلاله القران علي ان السنه وحي: تكفل الله بيان القران، واخباره عن رسوله بانه يبين للناس ما نزل اليهم.

تكفل الله بيان القران، واخباره عن رسوله بانه يبين للناس ما نزل اليهم. المقصود بهذا الوجه: الاثبات بان للقران بيانا تكفل الله به، وانه جعل هذا البيان علي لسان رسوله ﷺ، وهذا يدل علي انه من عنده سبحانه، خاصه وان من هذا البيان الثابت عن رسوله ﷺ ما لا يحتمل ان يكون محل اجتهاد منه، كتحديد عدد الصلوات وركعاتها ومواقيتها.

ان يكون محل اجتهاد منه، كتحديد عدد الصلوات وركعاتها ومواقيتها. وتكفل الله بيان القران جاء بقوله: ﴿ان علينا جمعا وقرانا فاذا قرانا فانتع فرانا ثرمان علينا بيانا﴾ [سوره القيامه:١٧-١٩]. قال ابن كثير: «ثم ان علينا بيانه»: اي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه علي ما اردنا وشرعنا). (٢)

نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه علي ما اردنا وشرعنا). (٢) واخباره بان رسوله مبين للقران جاء بقوله: ﴿وانزلنا اليك الذكر لشيئت للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [سوره النحل:٤٤]. (١) الرساله، للشافعي (٣٤). (٢) تفسير ابن كثير، (٨/٢٧٨) دار طيبه.

٣١ لثلايت فخريز البستير ونقص اصول المتكرين

13

دار طيبه. ٣١ لثلايت فخريز البستير ونقص اصول المتكرين قال القرطبي: ﴿الثبين للتاس ما نزل اليهم﴾ [سوره النحل: ٤٤] في هذا الكتاب من الاحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك، فالرسول ﷺ مبين عن الله عز وجل مراده مما اجمله في كتابه من احكام الصلاه والزكاه، وغير ذلك مما لم يفصله. (١)

اجمله في كتابه من احكام الصلاه والزكاه، وغير ذلك مما لم يفصله. (١) وساكتفي هنا بهذا العرض المجمل، لاشتراك هذا الوجه مع ما سياتي في الطريق الثالث من طريق دلاله القران علي حجيه السنه، وسافصل في ذلك الموضع (٢) - ان شاء الله تعالي-.

الوجه الثالث من وجوه دلاله القران علي ان السنه وحي: الايات الداله علي نزول الوحي علي النبي ﷺ في مقامات معينه باحكام واخبار ليست مذكوره في نص القران.

الوحي علي النبي ﷺ في مقامات معينه باحكام واخبار ليست مذكوره في نص القران. والاستدلال بهذه الايات علي درجتين:

١الاولي: عدم انحصار الوحي في القران - وهذا مهم في الرد علي المنكرين-.
٢الثانيه: ان من سنه النبي ﷺ ما هو وحي.

وساكتفي بذكر اربعه مواضع من القران تدل علي ذلك:

الموضع الاول: دلاله ايات الاخبار بنزول الملائكه في بدر:

جاء في سوره ال عمران ان النبي ﷺ وعد اصحابه بان الله سيمدهم بثلاثه الاف من الملائكه منزلين، وذلك يوم بدر فقال: (١) الجامع لاحكام القران، القرطبي (١٢/٣٢٩-٣٣٠). (٢) انظر ص ١١ من هذا الجزء.

«لم يكن لمحبكم ولم تعلم لم يحبكم والعظم لم يحبكم والعظم لم يحبكم» ﴿اذ تقول للمؤمنين ال يكون للمؤمنين منزلين﴾ [سوره ال عمران: ١٢٤].

ولا شك ان هذا الخبر من النبي ﷺ لاصحابه لا يكون الا بوحي، لانه لا محل فيه للاجتهاد والتخمين، والايحاء بهذا الخبر ليس مذكورا في القران؛ وانما هو مما اوحاه الله الي النبي خارج النص القراني. قال الطاهر بن عاشور: (والمعني: اوحاه الله الي النبي خارج النص القراني. قال الطاهر بن عاشور: (والمعني: اذ تعد المؤمنين بامداد الله بالملائكه، فما كان قول النبي ﷺ لهم تلك المقاله الا بوعد اوحاه الله اليه ان يقوله)(١).

الموضع الثاني: دلاله ايات تحويل القبله: من المعلوم ان النبي ﷺ كان يتوجه اول الاسلام في صلاته الي الشام، حتي بعد هجرته الي المدينه، مع تطلعه الي ان تكون الكعبه قبلته، وما كان يمنعه من التحول الي القبله التي يتطلع اليها الا انه مامور من الله بخلاف ذلك، حتي نزل عليه قول الله سبحانه: ﴿فدنزوت تقلب وجهك في الاماء فلم يؤتك قبله تزضع﴾ [البقره: ١٤٤] والقبله التي يرضاها هي الكعبه كما هو معلوم؛ فان تتمه الايه ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقره: ١٤٤].

السؤال المتوجه هنا هو:

اين الامر الالهي له باستقبال القبله السابقه للكعبه؟ ومن المعلوم ان هذا الامر ليس مذكورا في القران، فيكون هذا دليلا علي ان نزول الوحي علي النبي ﷺ ليس منحصرا في النص القراني، والله اعلم.

وقد جري لي موقف طريف مع احد منكري السنه انكارا كليا في دلاله هذه الايات علي المعني المذكور، فحين سالته:

(١) التحرير والتنوير (٤/٧٢).

«اشاتبهم للمبتد وتقصر المطكيرين» ففوجئت به يقول:

14

(٤/٧٢). ٣٣ اشاتبهم للمبتد وتقصر المطكيرين ففوجئت به يقول: ان القبله لم تتحول اصلا، وانها هذا قول السفهاء! يعني قول الله سبحانه: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولنهم عن قبلهم القي كافرا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]. فقلت له: ان السفهاء لم يدعوا تحول القبله ابتداء وانها كان سؤالهم وتشغيبهم في سبب التحول، فقالوا: «ما ولنهم» اي لاي شيء تولوا وتحولوا؟

في سبب التحول، فقالوا: «ما ولنهم» اي لاي شيء تولوا وتحولوا؟ وهذا ظاهر جدا، وبعد منازعه طويله منه في ذلك، انتقل الي المطالبه بامر فرعي ليس متعلقا باصل الاستدلال، وهو الاثبات بان القبله كانت الي الشام، فقلت له: ليس الشان في انها كانت الي الشام او الي اليمن، وانها الشان في انها كانت الي غير الكعبه، وفي ان النبي ﷺ كان راغبا في ان تكون اليها.

انها كانت الي غير الكعبه، وفي ان النبي ﷺ كان راغبا في ان تكون اليها، ولم يمتنع من تحقيق رغبته الا لانه مامور بخلافها، حتي نزل عليه قول الله: ﴿فلنوليتك قبله ترضيها قول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]. فالسؤال متوجه الي البحث عن الامر الالهي الاول باستقبال جهه لم تكن الكعبه اصاله، وليس متوجها الي تحديد تلك الجهه عينا!

جهه لم تكن الكعبه اصاله، وليس متوجها الي تحديد تلك الجهه عينا! فلم يزد علي تكرار سؤاله هاربا من ماخذ الاستدلال الحقيقي، ولم يكن ذلك غريبا لمن عرف حال القوم وما سلبهم الله من الفهم الصحيح.

الموضع الثالث: دلاله ايات سوره التحريم:

وما سلبهم الله من الفهم الصحيح. الموضع الثالث: دلاله ايات سوره التحريم: قال الله تعالي: ﴿واذ اسر النبي الي بعض ارواحه حديثا فامرا نباتك به واظهره الله عليه عرف بعضه واعرض عن بعض فامرا نباتها به فالت من انباك هذا قال نباوي العليم الحجير﴾ [سورة التحريم: ٣].

و موضع الشاهد من الايه، قوله سبحانه: ﴿واظهره الله عليه﴾ [سورة التحريم: ٣] وقوله: ﴿قال نباوي العليم الحجير﴾ [سورة التحريم: ٣].

٣٤ ونقص اصول المنكرين ومن المعلوم ان انباء الله نبيه - بالوحي - بها نبات به زوجته ليس مذكورا في نص القران، فدل ذلك علي ما دلت عليه الامثله السابقه من ان الوحي النازل علي رسول الله ﷺ اوسع مما حفظ بين الدفتين.

الطريق الثالث: من طرق دلاله القران علي حجيه السنه دلالته علي ان الرسول ﷺ مبين له لم يختلف علماء المسلمين في ان النبي ﷺ قد بين ايات الكتاب العزيز، اما من جهه تبليغ الفاظه – وهذا نوع من البيان – واما من جهه تفصيل مجملها، وايضاح مشكلها، قال ابن حزم ﷺ (جاء النص)، ثم لم يختلف فيه مسلمان في ان ما صح عن رسول الله ﷺ انه قاله ففرض اتباعه، وانه تفسير لمراد الله تعالي في القران، وبيان لمجمله). (١)

اتباعه، وانه تفسير لمراد الله تعالي في القران، وبيان لمجمله). (١) واثبات ذلك مبني علي اصول:

الاصل الاول: ان الله تكفل ببيان القران، وذلك بقوله: ﴿ان علينا جمعه وفتعه فاذا قرانه فاشبع فرعانه ترسلن علينا بيانه﴾ [سورة القيامه:١٧-١٩]. واخبر -سبحانه- بان ذلك سيكون علي لسان الرسول ﷺ، وذلك بقوله: ﴿وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [سورة النحل:٤٤]. وسياتي التفصيل في الايتين بعد قليل.

يتفكرون﴾ [سورة النحل:٤٤]. وسياتي التفصيل في الايتين بعد قليل.

الاصل الثاني: ان القران فيه اوامر مجمله لا يمكن امتثالها الا بمعرفه بيان الرسول ﷺ فيها، كقول الله سبحانه: ﴿واقيموا الصلاه﴾ [سورة البقرة:٤٣]. وقوله: ﴿ولو علي الناس حج البيت﴾ [سورة ال عمران:٩٧]. فان هذا القدر من الامر ليس فيه بيان الكيفيه او الهيئه التي اراد الله منا ان نقيم الصلاه عليها، ولا صفه الحج الذي كلفنا الله به.

فلم يبين الله لنا – في نص كتابه – عدد الصوات التي نقيمها، ولا عدد ركعاتها، ولا تفصيل مواقيتها.

15

كتابه – عدد الصوات التي نقيمها، ولا عدد ركعاتها، ولا تفصيل مواقيتها. ولم يبين لنا – كذلك – كم نطوف بالبيت في الحج اذ امرنا به، ولا كم نسعي بين الصفا والمروه، ولا ذكر المواقيت المكانيه ولا رمي الجمار.

ولا كم نسعي بين الصفا والمروه، ولا ذكر المواقيت المكانيه ولا رمي الجمار. ثم نظرنا في الكتاب العزيز فوجدنا ان الله يامرنا باتباع رسوله، وطاعته، ويجذرنا من مخالفته، ويصف رسوله بانه مبين للناس ما نزل اليهم، فعلمنا اننا محتاجون الي بيان الرسول ﷺ وعمله بالقران كي نتبعه.

فعلمنا اننا محتاجون الي بيان الرسول ﷺ وعمله بالقران كي نتبعه.

الاصل الثالث: التواتر عن النبي ﷺ بانه قام ببيان كثير مما اجمل في القران كالصلاه والحج. وثبوت ذلك عنه قد تحقق باعلي ما يمكن ان يثبت عند البشريه من تواتر. وسياتي مزيد بسط لقضيه التواتر عند الحديث عن الركيزه الثانيه ان شاء الله تعالي.

مزيد بسط لقضيه التواتر عند الحديث عن الركيزه الثانيه ان شاء الله تعالي. قال الشافعي في الرساله: «فلم اعلم من اهل العلم مخالفا في ان سئن النبي ﷺ من ثلاثه وجوه، فاجتمعوا منها علي وجهين... احدهما: ما انزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب. والاخر: مما انزل الله فيه جمله كتاب، فبين عن الله معني ما اراد؛ وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما»(1).

«فبين عن الله معني ما اراد؛ وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما»(1).

(1) الرساله، الشافعي، ص (٤١) دار الوفاء.

٣٧ بوابه المسلم www.phoenix.com التكامل بين الاصول الثلاثه:

ص (٤١) دار الوفاء.

٣٧ بوابه المسلم www.phoenix.com التكامل بين الاصول الثلاثه: ان النظر في الاصول الثلاثه مجتمعه ينفي كل شبهه عن ان الرسول ﷺ كان مبينا للقران الكريم، وهذا من باب الكمال وقطع حجه المخالف، لا من باب توقف صحه الاستدلال علي مجموع النظر في الاصول الثلاثه، فان كل اصل منها دال بحياته علي ان السنه مبينه للقران.

في الاصول الثلاثه، فان كل اصل منها دال بحياته علي ان السنه مبينه للقران.

غير ان المخالف قد يستغل اقوال بعض المفسرين في حملهم ايتي سوره القيامه والنحل علي بيان البلاغ، فينفي - بسبب ذلك - اصل بيان الرسول ﷺ لمجملات القران، وهذا انتقال خاطئ في الاستدلال.

وهؤلاء يناقشون من وجوه، منها: ان ثبوت تبيين الرسول ﷺ لمجملات الكتاب ليس منحصرا في دلاله الايات المذكوره في الاصل الاول وحده، بل ان هناك تكاملا بين الاصول الثلاثه في تثبيت ذلك.

في الاصل الاول وحده، بل ان هناك تكاملا بين الاصول الثلاثه في تثبيت ذلك.

وقد احدث بعض منكري السنه الشقاق في كون الرسول ﷺ مبينا لمجملات القران، وانكروا ما ثبت عنه بالتواتر من قيامه بذلك، حتي ادعوا ان النبي ﷺ انما كان يصلي ثلاث صلوات لا خمسا، وردوا التواتر العملي الذي نقلته الامه كافه في جميع مساجدها، وهذا انكار لاعلي درجات التواتر الذي يمكن ان تنقله البشريه، وسياتي بيان ذلك ان شاء الله تعالي في الركيزه الثانيه.

تنقله البشريه، وسياتي بيان ذلك ان شاء الله تعالي في الركيزه الثانيه.

واما دلاله الايتين - اعني ايه القيامه وايه النحل - فانك تري ان من المفسرين من يكتفي في تفسيره لهما بذكر احد البيانين - بيان اللفظ «الابلاغ» او بيان المعني وتفصيل المجمل -، وبعضهم يجمع بينهما، غير ان احدا منهم لا ينفي ان النبي ﷺ قد بين شيئا مما اجمل في الكتاب العزيز.

16

لا ينفي أن النبي ﷺ قد بين شيئًا مما أجمل في الكتاب العزيز.

٣٨ أشيدتكم يا أشيدتكم ونقص أصول المتكرين.

أجمل في الكتاب العزيز. ٣٨ أشيدتكم يا أشيدتكم ونقص أصول المتكرين ففي آية القيامة ﴿١٩: لم تنتب نبيه﴾ [سورة القيامة: ١٩] قال الطبري: وقوله ﴿مر أن تنتب نبيه﴾ يقول تعالى ذكره: ثم إن علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه، وأحكامه لك مفصلة. (ورجح –الطبري– هذا القول وأسنَد عن ابن عباس وعن قتادة ما يؤيد هذا المعنى ثم ذكر القول الآخر ومستنده (١)).

وقال النسفي: ﴿مر أن تنتب نبيه﴾ إذا أشكل عليك شيء من معانيه (٢). واكتفى كثير من المفسرين بهذا المعنى –أي بيان ما أجمل، وتوضيح ما أشكل– وكثير منهم يذكر البياتين في الآية –بيان اللفظ وبيان المعنى–، كالقرطبي والعز بن عبد السلام والشوكاني وغيرهم.

والأقل منهم من يكتفي بذكر بيان اللفظ أو ينص على ترجيحه كالطاهر ابن عاشور (٣). والمحصل أن جماهير المفسرين يذكرون (بيان المعنى) في تفسيرهم لهذه الآية.

وقد اجتهد الشيخ خليل ملا خاطر في مختصر كتابه «السنة وحي» في توضيح وجه دلالة الآية على أن المقصود بالبيان فيها بيان السنة للقرآن، أي بيان المعنى وتفصيل المجمل، فقال: (وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مر أن تنتب نبيه﴾ تكفل من الله عز وجل ببيان القرآن الكريم، الذي يشكل على الناس في معانيه، ومجمله وأحكامه).

(١) تفسير الطبري، (٢٣/٥٠٤).

(٢) تفسير النسفي (٣/٥٧٢) دار ابن كثير.

(٣) التحرير والتنوير (٢٩/٣٥٠).

٣٩ لثمان التحيين التسبين ونفض أصول المنكرين. وهذا البيان الذي تكفل الله تعالى به: أما أن يكون قرآنًا لاحقًا؛ ينزله في كتابه مثل القرآن النازل، أو لا.

أما أن يكون قرآنًا لاحقًا؛ ينزله في كتابه مثل القرآن النازل، أو لا. فإن كان قرآنًا افتقر هو الآخر إلى بيان آخر أيضًا، وهكذا يحتاج القرآن إلى قرآن تالٍ ليبينه، ويكون التسلسل. يضاف إلى ذلك أيضًا أن مجمل القرآن، ومعانيه وأحكامه موجودة في القرآن الكريم، وقد بينها النبي المصطفى الكريم ﷺ كما سيأتي ذكر بعضه بعد قليل إن شاء الله تعالى.

وإن كان البيان علاوة على القرآن الكريم –وهو الحق– كان منزلًا أيضًا، باعتبار قوله تعالى: «ثرت علينا بيانه» حيث تكفل به، وكان هذا البيان المنزل غير الذي نقرؤه، وهو وحي أيضًا باعتبار الالتزام الذي التزم الله سبحانه وتعالى به في قوله تعالى: «إن علينا بيانه» ولا شك أن هذا البيان هو السنة؛ الموحي بها إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ، والله تعالى أعلم (١).

(١) السنة؛ الموحي بها إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ، والله تعالى أعلم (١).

وأما آية سورة النحل، وهي قول الله سبحانه: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون» [سورة النحل: ٤٤]: فإن لأهل العلم من المفسرين وغيرهم في المراد بالتبيين الوارد فيها قولين كسابقتها.

فمنهم من حمله على تبيين المعنى، وتفصيل ما أجمل، وبيان ما أشكل، كما قال البغوي: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» [النحل: ٤٤] أراد بالذكر الوحي، وكان النبي ﷺ مبينًا للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة. وقال الرازي: (قوله: «لتبين للناس ما نزل إليهم» محمول على المجملات) (٢).

(١) مختصر السنة النبوية وحي (٣٦).

(٢) مفاتيح الغيب، الرازي (٢٠/٣١).

٤٠ للذين الذين الذين وفقض أصول المنكرين.

17

الرازي (٢٠/٣١).

٤٠ للذين الذين الذين وفقضاصول المنكرين.

وقال ابن كثير: ﴿وانزلنا اليك الفتح﴾ يعني القرآن «لتبتين للناس ما نزل اليهم» أي من ربهم؛ لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجل وتبين لهم ما أشكل.

وقال البقاعي: «لتبتين للناس» كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق، واللسان الذي هو أعظم الألسن وأفصحها وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد «ما نزل» أي وقع تنزيله «إليهم» من هذا الشرع الهادي إلى سعادة الدارين بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل.

ومنهم من ذكر الاحتمالين: (اللفظ والمعنى) كالبيضاوي وأبي حيان وابن عطيه، وغيرهم.

قال ابن عطيه: «وقوله: لتبتين» يحتمل أن يريد لتبين بسردك نص القرآن ما نزل، ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك المجمل، وشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما بينته السنة من أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد. ومنهم من ذكر بيان اللفظ فقط، والله تعالى أعلم.

(1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٤/٥٧٤).

(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي (١١/١٦٨).

(3) المحرر الوجيز.

الطريق الرابع: دلالة القرآن على حفظ السنة

تقدم معنا في أول مبحث الركائز أن دلائل القرآن على حجية السنة لا تقتصر على إثبات أصل حجيتها فقط، وإنما تفيد دوام الحجية واستمرارها كذلك. ولا يقل إثبات معنى دوام الحجية أهمية عن إثبات أصلها، فإن منازعة كثير من المشككين في السنة إنما هي في قضية حفظها والثقة في طريقة نقلها في أصل الاحتجاج بها.

وهذا المعنى يجب استحضاره عند مناقشة المشككين والمنكرين، حتى إذا أقر أحدهم بدلالة آيات طاعة الرسول ﷺ على حجية سنته، ثم نازع في حفظها، حاججناه بدلائل دوام الحجية، واستمرار الحاجة إليها.

وإذا تأملنا في القرآن الكريم لاستخراج ما يمكن أن يدل على معاني الحفظ ودوام حاجة المؤمنين للسنة، سنجد فيه دلائل متعددة على ذلك، وهي متفاوتة المراتب من جهة ظهور وجه دلالتها، ومن جهة الاتفاق عليها أو الاختلاف فيها بين العلماء من أهل الإسلام، وسأذكر جملة من هذه الأدلة:

الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فارجعوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (سورة النساء: ٥٩).

٤٢ اشاتحياء المستد ونفض اصول المنكرين وجه الدلالة مجملا:

18

٥٩). ٤٢ اشاتحياء المستد ونفض اصول المنكرين

وجه الدلاله مجملا: ان الخطاب في الايه عام لاهل الايمان الي يوم القيامه برد نزاعاتهم الي الكتاب والسنه، ولا يتم العمل بهذه الايه الا اذا كان الكتاب والسنه محفوظين، ليكونا فصلا للنزاع بين المؤمنين، فان لم يحفظا فقد بطل مقتضي الايه.

اثبات وجه الدلاله: نظرا لاهميه الاستدلال بهذه الايه علي حفظ السنه النبويه فسابين الخطوات التي نثبت بها وجه الدلاله الذي سبق ذكره مجملا، وهذه الخطوات هي:

١- اثبات عموم الايه.

٢- اثبات شمول قول الله: ﴿فردوه الي الله والرسول﴾ للكتاب والسنه.

٣- اثبات احتياج عموم اهل الايمان في كل الازمان للكتاب والسنه في فصل النزاعات.

أولا: اثبات عموم الايه: والمقصود بعمومها اي باعتبار المخاطبين، ويمكن اثبات ذلك بطرق:

المقصود بعمومها اي باعتبار المخاطبين، ويمكن اثبات ذلك بطرق: منها: ان الايه مصدره بخطاب الله للذين امنوا، فتشمل كل من دخل في وصف الايمان الي يوم القيامه، حتي يقوم الدليل علي التخصيص واخراج من لم يعاصر زمن الخطاب من اهل الايمان، خاصه وان لفظ (الذين) من الفاظ العموم كما يقرره الاصوليون، ولا دليل علي التخصيص في هذه الايه، فهي كسائر الايات العامه التي يامر الله فيها اهل الايمان وينهاهم، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ [سورة آل عمران: ١٣٠] وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ [سورة النساء: ١٩] وغيرها، فالاصل في خطاب المؤمنين بالامر والنهي في القران ان يكون شاملا لكل من امن الي يوم القيامه، وهذا هو المقتضي الضروري لكون النبي ﷺ خاتم الانبياء، ولكون القران حجه علي سائر البشر، ولا يعدل عن هذا الاصل الا بدليل او قرينه تدل علي اراده الخصوص ابتداء، او بدليل يدل علي التخصيص بعد اراده العموم.

ومنها: الاجماع، فقد نقل غير واحد من اهل العلم الاجماع علي ان هذه الايه عامه، من اشهرهم ابن حزم حيث قال: «والبرهان علي ان المراد بهذا الرد انما هو الي القران والخبر عن رسول الله ﷺ؛ لان الامه مجمعه علي ان هذا الخطاب متوجه الينا والي كل من يخلق ويركب روحه في جسده الي يوم القيامه من الجنه والناس، كتوجهه الي من كان علي عهد رسول الله ﷺ وكل من اتي بعده عليه السلام وقبلنا ولا فرق».

ثانيا: اثبات شمول قوله سبحانه: ﴿فردوه الي الله والرسول﴾ للكتاب والسنه. بعد اثبات عموم الايه باعتبار المخاطبين بها، ناتي الي خطوه اثبات شمولها للكتاب والسنه، وليس للكتاب وحده، ويتحقق اثبات ذلك بطرق:

منها: تكرار فعل الامر «واطيعوا»، فهذا يعطي مزيد معني لامر الرسول ﷺ ونهيه، ويضيف خصوص اهتمام به حتي لو لم يكن مذكورا في النص القراني، كما قال ابن عاشور في تفسيره: «وانما اعيد فعل: «واطيعوا الرسول» مع ان حرف العطف يغني عن اعادته؛ اظهارا للاهتمام بتحصيل طاعه الرسول، لتكون اعلي مرتبه من طاعه اولي الامر، ولينبه علي وجوب طاعته فيما يامر به، ولو كان امره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي؛ لئلا يتوهم السامع ان طاعه الرسول ﷺ».

(١) الاحكام في اصول الاحكام (١/٩٧).

19

## الأحكام

(١/٩٧). ٤٤ لبنت لبنت لبنت لبنت وبقض اصول المنكرين المامور بها ترجع الي طاعه الله فيها يبلغه عن الله دون ما يامر به في غير التشريع، فان امثال امره كله خير (١).

يبلغه عن الله دون ما يامر به في غير التشريع، فان امثال امره كله خير (١). ومنها ان الله قد امر في الايه بالرد اليه، والي رسوله عند وجود النزاع، ومن المعلوم اننا لا نستطيع الرد الي الله مباشره؛ لانه لن يوحي لاحدنا بالفصل فيها نتنازع فيه، فيكون المراد – اذا – بالرد الي الله هو الرد الي كتابه.

فيها نتنازع فيه، فيكون المراد – اذا – بالرد الي الله هو الرد الي كتابه. واذا كان كذلك فان الاليق بالسياق ان يكون المراد بالرد الي الرسول ﷺ الرد الي قضائه وحكمه مع حكم الكتاب وفصله، لا ان يكون المراد به نفس ما اريد بلفظ الرد الي الله دون اي معني يختص به.

لا ان يكون المراد به نفس ما اريد بلفظ الرد الي الله دون اي معني يختص به. ثم ان هذا الحكم والقضاء قد يسمع منه ﷺ مباشره لمن عاصره، وقد يبلغ من غاب عنه بواسطه، كما كان رسل رسول الله يقضون بين الناس في الافاق بقضاء رسول الله ﷺ، وهم – اي المقضي بينهم – انها علموا هذا القضاء بواسطه لا مباشره.

وهم – اي المقضي بينهم – انها علموا هذا القضاء بواسطه لا مباشره. قال ابن حزم: «وحتي لو شغب مشغب بان هذا الخطاب انما هو متوجه الي من يمكنه لقاء رسول الله ﷺ لما امكنه هذا الشغب في الله عز وجل اذ لا سبيل لاحد الي مكالمته تعالي؛ فبطل هذا الظن وصح ان المراد بالرد المذكور في الايه – التي نصصنا – انها هو الي كلام الله تعالي – وهو القران – والي كلام نبيه ﷺ المنقول علي مرور الدهر الينا جيلا بعد جيل.

– وهو القران – والي كلام نبيه ﷺ المنقول علي مرور الدهر الينا جيلا بعد جيل. وايضا فليس في الايه المذكوره ذكر للقاء ولا مشافهه اصلا، ولا دليل عليه، وانها فيه الامر بالرد فقط. ومعلوم بالضروره ان هذا الرد انما هو تحكيم اوامر الله تعالي. (١) التحرير والتنوير (٥/ ٩٧)

٤٥ لثمنت حجما / السببتراء ونفض اصول المنحكين

(٥/ ٩٧) ٤٥ لثمنت حجما / السببتراء ونفض اصول المنحكين واوامر رسوله ﷺ موجوده عندنا، منقول كل ذلك الينا، فهي التي جاء نص الايه بالرد اليها دون تكلف تاويل ولا مخالفه ظاهر). (١) والمقصود ان امر الله بالرد الي الرسول يراد به الرد الي سنته؛ اي الي ما يقضي به ويحكم للفصل في النزاع ولو لم يكن هذا القضاء مذكورا في القران.

ومنها: الاجماع:

في النزاع ولو لم يكن هذا القضاء مذكورا في القران. ومنها: الاجماع: قال عبد العزيز الكناني ﷺ عن هذه الايه: «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين واهل العلم، ان رددناه الي الله فهو الي كتابه، وان رددناه الي رسوله بعد وفاته؛ فانما هو الي سنته، وانما يشك في هذا الملحدون». (٢)

رسوله بعد وفاته؛ فانما هو الي سنته، وانما يشك في هذا الملحدون». (٢) وقال ابن القيم ﷺ: «الناس اجمعوا ان الرد الي الله سبحانه هو الرد الي كتابه، والرد الي الرسول ﷺ هو الرد اليه نفسه في حياته والي سنته بعد وفاته». (٣)

ثالثا: اثبات احتياج عموم اهل الايمان في كل الازمان للكتاب والسنه في فصل النزاعات:

احتياج عموم اهل الايمان في كل الازمان للكتاب والسنه في فصل النزاعات: قال الله تعالي: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [سورة النساء: ٥٩].

لقد علقت هذه الايه الكريمه الامر بالرد الي الكتاب والسنه علي امر يتجدد في كل حين بين الناس، وهو التنازع بينهم، وجعلت هذا الرد علامه (١) الاحكام لابن حزم (١/٩٨) دار الافاق الجديده. (٢) الحيده والاعتذار (ص ٦٩). (٣) اعلام الموقعين، لابن القيم (١/٣٩). ٤٦

20

(ص ٦٩).

(٣) اعلام الموقعين، لابن القيم (١/٣٩).

٤٦ لبنت لم تنتزع للمتخيرين وتقض اصول المنكين علي الايمان بل وشرطا فيه، اذ قال سبحانه وتعالي: ﴿فردوه الي الله والاسفل ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر﴾، ثم بين سبحانه ان هذا الرد محمود العاقبه فقال: ﴿ذلك خير واحسن تاويلا﴾ ﴿سوره الاسراء: ٣٥﴾. والتاويل هنا: العاقبه.

خير واحسن تاويلا﴾ ﴿سوره الاسراء: ٣٥﴾. والتاويل هنا: العاقبه. والمتامل في هذه العمومات الوارده في الايه سواء في اولها بالامر العام بطاعه الله وطاعه رسوله، او في عموم مورد النزاع المستفاد من كلمه (شيء) في الايه، ثم يذكر حسن العاقبه التي تترتب علي هذا الرد – والذي هو مطلب كل مؤمن يدرك عموم احتياج اهل الايمان اليها في كل الازمان – وهذا يقتضي امرا مهما – سياتي تفصيله ان شاء الله – وهو: ان يحفظ الله الكتاب والسنه حتي يتم بها فصل النزاعات الناشئه بين المؤمنين.

الله الكتاب والسنه حتي يتم بها فصل النزاعات الناشئه بين المؤمنين.

الدليل الثاني: قول الله سبحانه وتعالي: ﴿انا نحن نزلنا الذكر وانا له مخطول﴾ ﴿سوره الحجر: ٩﴾.

وتعالي: ﴿انا نحن نزلنا الذكر وانا له مخطول﴾ ﴿سوره الحجر: ٩﴾. لقد قدمت ان الادله في هذا الباب منها ما هو متفق عليه في الاستدلال علي حفظ السنه ومنها ما هو دون ذلك، ولان المقام لا يتسع لبسط الخلاف الجزئي فساكتفي بيان وجه استدلال من استدلال بهذه الايه من اهل العلم علي ان السنه داخله فيها نصا، وخطوات اثبات ذلك، واما الاستدلال بها علي حفظ السنه باللازم عند ضم غيرها من الايات اليها فله مقام اخر سياتي باذن الله.

السنه باللازم عند ضم غيرها من الايات اليها فله مقام اخر سياتي باذن الله.

وجه دلاله الايه علي حفظ السنه محملا: ان كلمه (الذكر) لا تختص بالقران وحده، بل تشمل عموم ما انزل الله علي نبيه من الوحي – ومنه السنه – فتكون داخله في تكفل الله بحفظها.

٤٧ لثديت محمد السبت ونقض اصول المنكرين اثبات وجه الدلاله: تتطلب صحه الاستدلال بهذه الايه علي حفظ السنه اثبات امرين:

الدلاله: تتطلب صحه الاستدلال بهذه الايه علي حفظ السنه اثبات امرين:

الأول: ان الذكر المنزل من عند الله لا ينحصر في القران وانما يشمل عموم الوحي.

الثاني: ان السنه من الوحي الذي انزله الله.

القران وانما يشمل عموم الوحي. الثاني: ان السنه من الوحي الذي انزله الله. فاما الثاني فقد تقدم في هذا الكتاب ما يثبته، واما شمول الذكر لعموم الوحي فالاستدلال عليه بقول الله تعالي: «وما ارسلنا قبلك الا رجالا نوحي اليهم فتنلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون» ﴿سوره الانبياء:٧﴾.

نوحي اليهم فتنلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون» ﴿سوره الانبياء:٧﴾. فالمقصود باهل الذكر هنا هم اهل الكتاب من اليهود والنصاري كما هو ظاهر من سياق الايه، فهي متعلقه بالايات قبلها، وفيها حكايه قول المشركين عن النبي ﷺ: «هل هذا الا بشر مثلكم»؟ فيحيلهم الله الي من يشتركون معهم في عدم الايمان بالنبي ﷺ ليسالهم هل كان انبياؤهم من البشر ام من الملائكه؟

الايمان بالنبي ﷺ ليسالهم هل كان انبياؤهم من البشر ام من الملائكه؟ قال ابن كثير ﷺ: (يقول تعالي راذا علي من انكر بعثه الرسل من البشر: «وما ارسلنا قبلك الا رجالا نوحي اليهم» ﴿سوره الانبياء: ٧﴾. اي جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر لم يكن فيهم احد من الملائكه، كما قال في الايه الاخري: «وما ارسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم من اهل القري». . . ، ولهذا قال تعالي:

من قبلك الا رجالا نوحي اليهم من اهل القري». . . ، ولهذا قال تعالي: «فستلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون» اي اسالوا اهل العلم من الامم كاليهود والنصاري وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين اتوهم بشرا او ملائكه؟

٤٨ وانما كانوا بشرا وذلك من تمام نعمه الله علي خلقه؛ اذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والاخذ عنهم.

21

اذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والاخذ عنهم. (١) واذا كان الامر كذلك فان من اهل العلم من راي ان هذه الايه يستدل بنصها ولفظها وظاهرها علي حفظ السنه مع القران؛ لانها من الوحي الذي انزله الله تعالي.

علي حفظ السنه مع القران؛ لانها من الوحي الذي انزله الله تعالي. قال ابن حزم ﷺ: «قال الله عز وجل عن نبيه ﷺ: وما يطوعن الهوي ان هو الا وحي يوحي» ﴿سوره النجم: ٣-٤﴾. وقال تعالي امرا لنبيه عليه الصلاه والسلام ان يقول: «فلما ما حنت بدعا من الرسول وما ادري ما يفعل بي ولا يكوون انباه الا ما يوحي الي وما انا الا نذير مبين» ﴿سوره الاحقاف: ٩﴾.

وقال تعالي: «انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحفظون» ﴿سوره الحجر: ٩﴾.

وقال تعالي: «باليتن والزبر وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون» ﴿سوره النحل: ٤٤﴾. فصح ان كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك، [قلت:

كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك، [قلت: وهذا اثبات الامر الثاني] ولا خلاف بين احد من اهل اللغه والشريعه في ان كل وحي نزل من عند الله تعالي فهو ذكر منزل [قلت وهذا اثبات الامر الاول استدل عليه بالاتفاق]؛ فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالي له. (٢)

استدل عليه بالاتفاق]؛ فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالي له. (٢) الدليل الثالث: قول الله تعالي: «يبيدون ان يطفقوا نور الله بافواههم وياتي الله الا ان يتر نوره ولو حره الحفرون ﴿١٢﴾ هو الذي ارسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الذين حله ولو حره المشركون» ﴿تفسير ابن كثير (٥/٣٣٤) باختصار. طيبه، ط: ٢﴾. (١) تفسير ابن كثير (٥٣٤/١٢١)

باختصار. طيبه، ط: ٢]. (١) تفسير ابن كثير (٥٣٤/١٢١) ٤٩ لبنانتحجر المستدراج وافض اصفار المنحكرين ﴿التوبه: ٣٢-٣٣﴾. وجه الدلاله من الايه مجملا: ان الله تكفل باتمام نوره واظهار دينه، والسنه من الدين، فهي داخله في هذا التكفل المقتضي للحفظ ليستمر الظهور.

اثبات وجه الدلاله: يتطلب الاستدلال بهذه الايه علي حفظ الله للسنه اثبات ما يلي:

الدلاله: يتطلب الاستدلال بهذه الايه علي حفظ الله للسنه اثبات ما يلي:

١اولا: ان السنه من الدين.
٢ثانيا: ان اظهار الدين يقتضي حفظه.

فاما الاول فقد تم اثباته في طيات ما سبق من البحث، من وجوه وطرق متعدده. واما الثاني فامره ظاهر، وهو قريب الماخذ، فان اظهار الدين علي الاديان يقتضي حفظه ليظل ظاهرا والا صار مثلها في الضياع والتحريف ولم يصح ظهوره عليها!

والظهور لا يكون دائيا بالسيف والسنان، بل قد يكون بالحجه والبيان، فان دين الاسلام ظاهر علي كل ما سواه في كل زمن وحين من جهه الحجه والبيان، وقد يظهر عليه غيره في زمن من الازمان من جهه السيف والسنان، والله المستعان.

* * *

الطريق الخامس: لزوم حفظ بيان القران

22

جهة السيف والسنان، والله المستعان.

* * *

الطريق الخامس: لزوم حفظ بيان القرآن

لقد مر معنا في الطريق الثالث من طرق دلالة القرآن على حجية السنة الأصول المثبتة لكون السنة مبينة للقرآن، وأنه يتعذر العمل ببعض ما أمر الله به في كتابه دون الرجوع إلى سنة نبيه، فلتراجع هناك.

وإذا كان أمر السنة كذلك فإن تمام حفظ القرآن لا يتحقق إلا بحفظ بيانه؛ لأنه – لولا ذاك – سيظل القرآن في أهم أوامره مجملاً لا يدري وجه بيانه، ولا يقدر على امتثاله.

فهب أن ما ثبت في سنة النبي ﷺ من عدد الصلوات ومواقيتها وصفاتها وأركانها، وما ثبت فيها من أنصبة الزكاة وتفصيل المال المزكي من غيره، وما ثبت فيها من مواقيت الحج المكانيّة ورمي الجمار وتفاصيل النسك، ونحو ذلك، هب أن ذلك كله قد ضاع؛ فهل يمكن أن يمتثل أمر الله في كتابه؟ أم يكون في الكتاب أوامر أكدها الله وثبت فرضها ثم لا يعلم وجه امتثالها!

هذا كله يستلزم أن يحفظ الله البيان ليتم حفظ القرآن مرشداً هادياً، لا أن يحفظ نصه فقط دون قدرة على امتثاله!

وقد تقدم معنا قريباً قول من استدل من أهل العلم بقول الله تعالى: ﴿إنه لكن ربك يعلمون﴾ [الجر: ٩] على أن السنة داخلة في الذكر، وأشرت إلى أن هذه الآية تدل – كذلك – على حفظ السنة حتى على تقدير أن لا تكون داخلة في الذكر بناءً على كون تمام حفظ القرآن لا يتحقق إلا بحفظها.

قال المعلمي: (فأما السنة فقد تكفل الله بحفظها أيضاً؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمداً ﷺ خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع. بل دل على ذلك قوله: ﴿أربان علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩]، فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كتبت ودونت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقاً جداً؛ لأنها تشمل جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك. والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومتعب بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير، لا جرم خفف الله عنهم واكتفى من تبليغ السنة غالباً بأن يطلع عليها بعض الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء.

فالشان في هذا الأمر هو العلم بأن النبي ﷺ قد بلغ ما أمر به التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنة بلوغه إلى من يحفظه من الأمة ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجوداً بين الأمة، وتكفل الله تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنة مئة (أي دليلاً)، فتم الحفظ كما أراد الله تعالى، وبهذا التكفل يدفع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض القطع التي كتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده ونحو ذلك.

ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمن بعدهم وتدبر ما أتاهم الله تعالى من قوة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجد والتشمير لحفظ السنة وحياطتها، علم أن ذلك ثمرة تكفل الله تعالى بحفظ دينه – وشأنهم في ذلك عظيم جداً – أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها) (١).

(١) الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص (٤٣)، عالم الفوائد.

الركيزة الثانية من ركائز حجية السنة: التواتر

23

ص (٤٣)، عالم الفوائد.

الركيزه الثانيه من ركائز حجيه السنه: التواتر.

ان اثبات صحه ما قاله رسول الله ﷺ «نصا» في شان لزوم اتباع سنته يتطلب علما خاصا بالرواه والاسانيد وقوانين علم الحديث، غير ان هناك امورا كثيره ثبتت عنه بنقل متواتر لا يتطلب ذلك العلم الخاص، ولا يختلف كل من ينسب نفسه الي شيء من العلم بالشرع في انها ثابته عنه ﷺ،

يختلف كل من ينسب نفسه الي شيء من العلم بالشرع في انها ثابته عنه ﷺ، وفيها ما يبلغ اعلي ما يمكن ان يبلغه التواتر عند عموم البشر مما لا ينازع فيه احد الا السفسطائيون واشباههم، كالمنازعه في وجود شخص المسيح عليه السلام، وفي وجود فراعنه مصر في التاريخ، ونحو ذلك.

فان ما تواتر عن النبي ﷺ من انه كان يصلي بالناس خمس صلوات في اليوم والليله بسجود وركوع وقيام وقعود، وتكبیر وتسليم، وانه وقف بعرفه يوم التاسع من ذي الحجه، وانه رمي الجبار ايام التشريق ونحو ذلك مما شاهده الاف الناس وعملوه وعمله من بعدهم اقتداء بمشاهدتهم اياهم،

كل ذلك يعد من اعلي ما يمكن ان يثبت عند البشر عن طريق التواتر. ولا سبيل لانكار وقوع ذلك الا بالغاء اعتبار الخبر مصدرا للمعرفه، وفي ذلك تنكر للحقائق ولما يجده الانسان من نفسه ضروره.

كما قال ابن حزم في كتابه «الاحكام» عن الخبر الذي تنقله (كافه بعد كافه حتي تبلغ به النبي ﷺ، وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الاخذ به، وفي انه حق مقطوع علي غيبه؛ لان بمثله عرفنا ان القران هو الذي اتي به محمد ﷺ، وبه علمنا صحه مبعث النبي ﷺ،

و به علمنا عدد ركوع كل صلاه وعدد الصلوات واشياء كثيره من احكام الزكاه وغير ذلك مما لم يبين في القران تفسيره، وقد تكلمنا في كتاب «الفصل» علي ذلك، وبينا ان البرهان قائم علي ٥٣ لثابتتحجل السبترا ونفض اصول المنكرين صحته، وبينا كيفيته وان الضروره والطبيعه توجبان قبوله، وان به عرفنا ما لم نشاهد من البلاد، ومن كان قبلنا من الانبياء والعلما والفلاسفه والملوك والوقائع والتاليف، ومن انكر ذلك كان بمنزله من انكر ما يدرك بالحواس الاول ولا فرق ولزمه ان لا يصدق بانه كان قبله زمان ولا ان اباه وامه كانا قبله ولا انه مولود من امراه). (١)

وقال الغزالي في المستصفي: (اما اثبات كون التواتر مفيدا للعلم فهو ظاهر، خلافا للسمانيه حيث حضروا العلوم في الحواس وانكروا هذا. وحضرهم باطل، . . . ثم لا يستريب عاقل في ان في الدنيا بلده تسمي بعداد وان لم يدخلها، ولا يشك في وجود الانبياء بل في وجود الشافعي وابي حنيفه رجمها الله، بل في الدول والوقائع الكبيره. فان قيل:

لو كان هذا معلوما ضروره لما خالفناكم. قلنا: من يخالف في هذا فانما يخالف بلسانه او عن حبط في عقله او عن عناد، ولا يصدر انكار هذا من عدد كثير يستحيل انكارهم في العاده لما علموه وعنادهم). (٢)

واذا ثبت ذلك؛ فان كثيرا مما نقل عن النبي ﷺ بالتواتر يمكن ان نثبت به حجيه السنه ومكانتها من وجوه متعدده سياتي ذكرها باذن الله.

تنبيه: التواتر المقصود فيما سياتي في الباب هو ما يسميه كثير من المتاخرين بالتواتر المعنوي، وان كان قد يسمي عند بعض من تقدمهم تواترا لفظيا، كما قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: (فاما التواتر فضربان، احدهما: تواتر من طريق اللفظ، والاخر: تواتر من طريق المعني. (١) الاحكام في اصول الاحكام (١/١٠٠).

تواتر من طريق المعني. (١) الاحكام في اصول الاحكام (١/١٠٠). (٢) المستصفي للغزالي/ باختصار، (٢/١٣٢-١٣٣)، ت: حمزه حافظ، ط: شركه المدينه المنوره.

٥٤ اشبله الحجب التسبي: ونقص اصول المنكرين

24

ط: شركه المدينه المنوره.

٥٤ اشبله الحجب التسبي: ونقص اصول المنكرين.

فاما التواتر من طريق اللفظ: فهو مثل الخبر بخروج النبي ﷺ من مكه الي المدينه، ووفاته بها ودفنه فيها، ومسجده، ومنبره، وما روي من تعظيمه الصحابه وموالاته لهم ومباينته لابي جهل وسائر المشركين، وتعظيمه القران وتحديهم به واحتجاجه بنزوله، وما روي من عدد الصلوات وركعاتها واركانها وترتيبها، وفرض الزكاه والصوم والحج ونحو ذلك.

و اما التواتر من طريق المعني: فهو ان يروي جماعه كثيرون يقع العلم بخبر كل واحد منهم حكما غير الذي يرويه صاحبه الا ان الجميع يتضمن معني واحدا فيكون ذلك المعني بمنزله ما تواتر به الخبر لفظا، مثال ذلك:

واحدا فيكون ذلك المعني بمنزله ما تواتر به الخبر لفظا، مثال ذلك: ما روي جماعه كثيرون من عمل الصحابه بخبر الواحد والاحكام مختلفه والاحاديث متغايره ولكن جميعها تتضمن العمل بخبر الواحد العدل، وهذا احد طرق معجزات رسول الله ﷺ فانه روي عنه تسيبح الحصي في يديه، وحنين الجذع اليه، ونبع الماء بين اصابعه، وجعله الطعام القليل كثيرا،

ومجه الماء من فمه في المزاده فلم ينقصه الاستعمال، وكلام البهائم له، وما اشبه ذلك مما يكثر.

(١) العفويه والمتفقه، الخطيب البغدادي (١/ ٩٥).

٥٥ ليدين stand up for you | ونقص اصول المتكرين انواع الاخبار المتواتره المثبته لحجيه السنه ومكانتها في الاسلام الي انواع:

النوع الاول: تواتر اخبار الغيب عن النبي ﷺ. لقد اعتني علماء المسلمين بتدوين الاخبار الغيبيه التي ذكرها رسول الله ﷺ، وتتبعوا ما وقع منها علي مر التاريخ،

وجعلوا ذلك من اهم دلائل نبوته ﷺ، ولا ينازع احد من اهل العلم بالاخبار والسير في وقوع ذلك منه، وقد كثرت الاحاديث التي دونها العلماء في هذا المعني، ومن يطالع دلائل النبوه للبيهقي، والبدايه والنهايه لابن كثير، وغيرهما من الكتب التي اعتنت بذكر دلائل النبوه من جهه الاثر والخبر،

يجد عجبا من توارد هذه الاخبار وقوه اسانيدها.

وجه دلاله احاديث الغيب علي حجيه السنه: ان الله سبحانه وتعالي قد اخبر في كتابه انه عالم الغيب وحده، وانه لا يطلع علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول، فعلم بذلك ان ما يقوله ﷺ من اخبار الغيب انما هو من عند الله سبحانه وتعالي،

وبالتالي فهو وحي من الله سبحانه وتعالي، وليس هذا الوحي مما ذكر في نص القران.

والعجيب ان منكري السنه يستدلون بوجود اخبار الغيب في كتب الحديث علي ابطال السنه، وليس علي كونها وحيا، فهم يقولون: ان الله ذكر في كتابه العزيز ان لا احد يعلم الغيب الا هو، ويذكر اهل السنه عن النبي ﷺ انه يعلم.

٥٦

25

احد يعلم الغيب الا هو، ويذكر اهل السنه عن النبي ﷺ انه يعلم ﴿٥٦﴾ اشيدتكم يا اشيدتكم ونقص اصول المتكرين.

النبي ﷺ انه يعلم ﴿٥٦﴾ اشيدتكم يا اشيدتكم ونقص اصول المتكرين الغيب لاحاديث الاخبار الغيبيه التي يروونها في كتبهم، وبالتالي فالسنه باطله. وهذا استدلال فاسد، فان الله قد اثبت في كتابه انه يطلع رسله علي الغيب، وليس معني ذلك انه يطلعهم علي جميع الغيب، فان هناك من الغيب ما اختص به الله سبحانه وتعالي وقد ابقت السنه علي هذا الغيب الذي هو من خصوصيه الله، سبحانه وتعالي.

وقد ابقت السنه علي هذا الغيب الذي هو من خصوصيه الله، كما ثبت في حديث جبريل في البخاري ومسلم انه سال النبي ﷺ عن الساعه فقال: «ما المسؤول عنها باعلم من السائل».

النوع الثاني: تواتر الاحاديث القدسيه عن النبي ﷺ التي ينسب فيها كلاما لله سبحانه ليس مذكورا في القران.

لقد تواتر عن الرسول ﷺ انه حدث باحاديث عن ربه سبحانه وتعالي، وكان يصدرها بقوله: «قال الله تعالي»، او يقول راويها عنه: «فيما يرويه عن ربه عز وجل».

وقد صح من هذه الاحاديث شيء كثير حتي بلغت في جمع بعض المعاصرين لها - وهو الشيخ مصطفي العدوي في كتابه: الصحيح المسند من الاحاديث القدسيه - ﴿١٨٥﴾ حديثا قدسيا صحيحا، ولسنا نستدل هنا علي المنكرين بافراد هذه الاحاديث وانما بمجموعها الذي يفيد تواترا معنويا في نسبه النبي ﷺ كلاما الي ربه سبحانه ليس مذكورا في نص القران.

ووجه الدلاله منها علي كون السنه وحيا ظاهر، اذ لا سبيل الي معرفه ما قاله الله سبحانه الا بالوحي.

النوع الثالث: تواتر بيان النبي ﷺ للقران. وقد تقدم ما يكفي من الكلام في ذلك في الفصول المتقدمه.

الركيزه الثالثه: الاجماع

ان المتامل في كتاب الله، وهدي رسوله ﷺ، وفي طريقه اصحابه، ومن اتبعهم، وفي مذاهب ائمه الاسلام وفقهائهم ومفسريهم ومؤرخيهم، لا يشك في ان عدم اعتبار السنه حجه لمن اولي ما يدخل في قول الله تعالي: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيت له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما نولي» ﴿سوره النساء: ١١٥﴾.

وذلك ان من المعلوم - قطعا - من جهه النقل المتواتر، ان اصحاب النبي ﷺ بعد موته كان يقضي قاضيهم علي الملا بسنته وهديه، في الحدود والنكاح والمواريث والبيع وغيرها من ابواب العبادات والمعاملات - سواء اكان ذلك مما ذكر في نص القران ام لا -، ولا ينكر بعضهم علي بعض، بل يقرونه، ويمضونه في نص القران ام لا -، ولا ينكر بعضهم علي بعض، بل يقرونه، ويمضونه في اموالهم واعراضهم وسائر احوالهم، ويسند من يسال منهم عن مصدره في ذلك الي النبي ﷺ، فيرضي منه بهذه النسبه، ويقنع بها، وقد يطلب منه مزيد تحقيق وثبت - ان ظن المستفهم احتمالا وهم الناقل -، فاذا تحققت اقر ورضي.

مع انهم - في ذات الوقت - ينكرون ما يحدثه الناس من الاعمال الدينيه مما لا اصل له في كتاب الله وسنه رسوله ﷺ.

ولا يشك احد له ادني درايه بالاخبار والسير ان هذا الامر متواتر عنهم تواترا معنويا، وان المحفوظ من اقضيتهم وتعاملاتهم شاهد علي اعتمادهم سنه النبي ﷺ وهديه؛ ومن يطالع اقضيه الصحابه وفتاواهم في الكتب المسنده التي جمعت اخبارهم كمصنف عبد الرزاق ومصنف ابن ابي شيبه سيجد مئات الاخبار المسنده الصحيحه المثبته لذلك. فهذا سبيلهم وتلك طريقتهم.

﴿٥٨﴾ اشاتحيير المبينين ونفض اصول المنكين.

26

سبيلهم وتلك طريقتهم.

﴿58﴾ اشاتحيير المبينين ونفض اصول المنكين ولا شك ان الصحابه هم اولي من يدخل في المؤمنين الذين سماهم الله تعالي في قوله: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» ﴿سوره النساء: ١١٥﴾ فانه قد شهد لهم -سبحانه- بالفضل والخير بقوله «لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقتل اولئك اعظم درجه من الذين انفقوا من بعد وقتلوا وكلا وعد الله الحسني» ﴿سوره الحديد: ١٠﴾ وبقوله سبحانه «والتاثرون الاولون من المهاجرين والاصار والذين اتبعوهم باحسن رضي الله عنهم ورضوا عنه» ﴿سوره التوبه: ١٠٠﴾ الي غير ذلك من الايات.

وقد ثبت عنهم مقام اخر كذلك؛ الا وهو تبليغ السنه للتابعين، وتعليمهم اياها قولا وعملا، وهذا بمجموعه متواتر تواترا معنويا لا ارتياب في قطعيته عند اهل السير والحديث وغيرهم من علماء الشريعه، وكتب الاثار والاخبار طافحه بذلك.

وهذه بعض النقولات المثبته للاجماع علي حجيه السنه:

١ - في سياق مناظره الامام عبد العزيز الكناني ﷺ لبشر المريسي -راس المبتدعه في ذلك الوقت- قال الكناني معلقا علي قول الله سبحانه وتعالي: «فان تنزعتم في شيء فردوه الي الله والاسمول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر» ﴿النساء: ٥٩﴾: (هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين واهل العلم ان رددناه الي الله فهو الي كتاب الله، وان رددناه الي رسوله بعد وفاته رددناه الي سنته، وانما يشك في هذا الملحدون)، فتامل قول الكناني: (لا خلاف فيه بين المؤمنين)، وقوله: (وانما يشك في هذا الملحدون).

٢ - وقال ابن حزم ﷺ : (ان جميع اهل الاسلام كانوا علي قبول خبر الواحد الثقه عن النبي ﷺ، يجري علي ذلك كل فرقه في علمها؛ كاهل السنه والخوارج والشيعه والقدريه، حتي حدث متكلمو المعتزله بعد المائه من التاريخ، فخالفوا الاجماع في ذلك).

٣ - وقال ابن عبد البر القرطبي المالكي ﷺ في مقدمه التمهيد: (اجمع اهل العلم من اهل الفقه والاثر في جميع الامصار -فيما علمت- علي قبول خبر الواحد العدل وايجاب العمل به؛ اذا ثبت، ولم ينسخه غيره من اثر او اجماع. علي هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابه الي يومنا هذا، الا الخوارج وطوائف من اهل البدع، شرذمه لا تعد خلافا) اه، وهذا اجماع علي حجيه خبر الواحد فضلا عن المتواتر.

٤ - وقال العلائي: (العلماء متفقون في كل عصر علي التمسك في اثبات الاحكام بايات القران العظيم واحاديث السنه).

٥ - وقال ابن القيم ﷺ في قوله تعالي: ﴿فان تتزاعد في شيء فارتجعت الي الله والاسفل ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ ﴿سوره النساء: ٥٩﴾: (الناس اجمعوا ان الرد الي الله سبحانه هو الرد الي كتابه، والرد الي الرسول ﷺ، هو الرد اليه نفسه في حياته، والي سنته بعد وفاته).

(١) الاحكام في اصول الاحكام، ابن حزم، (١) ١١٣-١١٤، دار الافاق الجديده.

(٢) التمهيد، لابن عبد البر (٢/١)

(٣) تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، العلائي (٣٩٧) دار الارقم ط ١.

(٤) اعلام الموقعين، لابن القيم (١/٣٩).

(٥) ارشاد الفحول، للشوكاني (١ / ٩٧)

27

لابن القيم (١/٣٩).

٦ارشاد الفحول، للشوكاني (١ / ٩٧)

(٢) الانوار الكاشفه، للمعلمي (١ / ٦٧)

٦ - وقال الشوكاني ﷺ في «ارشاد الفحول»: ﴿ان ثبوت حجيه السنه المطهره، واستقلالها بتشريع الاحكام ضروره دينيه، ولا يخالف في ذلك الا من لا حظ له في الاسلام﴾ (١).

٧ - وقال المعلمي ﷺ في «الانوار الكاشفه» حين تكلم عن حجيه خبر الاحاد: ﴿والحجج في هذا الباب كثيره، واجماع السلف علي ذلك محقق﴾ (٢). وقوله: ﴿محقق﴾ يدل علي حتميه ثبوت هذا الاجماع عنده.

واذا تاملت سياق هذه الاجماعات، فانك تري وضوح قضيه حجيه السنه عند علماء المسلمين، وقطعيتها، وانها ليست من مسائل الخلاف المعتبر. فهذا منهج اهل العلم، وهذه طريقتهم وهديهم.

* * *

دلاله القران علي حفظ السنه

# القسم الثاني نقض اصول منكري السنه

(1) مجموع الفتاوي (١٩ / ٢٠٣).

قضايا منهجيه في تثبيت حجيه السنه ومناقشه منكريها من الامور المهمه التي تعين علي بناء معرفه صحيحه منضبطه، ان يكون لدي المرء قواعد كليه يبني عليها تصوراته الاساسيه في ابواب المعرفه، ويرد اليها الجزئيات والمشكلات، كما قال ابن تيميه ﷺ: ﴿لابد ان يكون مع الانسان اصول كليه ترد اليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟﴾

﴿اليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ والا فيبقي في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات؛ فيتولد فساد عظيم﴾ (١).

وتولد الفساد المعرفي العظيم الذي اشار اليه ابن تيميه –عند فقدان الكليات والقواعد المنهجيه– امر ظاهر في سائر الابواب العلميه والمعرفيه، وبالاخص في ابواب الشريعه.

ومن اكثر المواطن التي يظهر فيها هذا الفساد وينكشف: مقامات المناظره والجدل مع المخالفين، فانها كاشفه فارقه، تفصل بين ذوي الرؤي المنهجيه المؤسسه علي القواعد الكليه، وبين المضطربين المتذبذبين، الذين يجمعون بين المتناقضات، وينفون –في مواضع– ما يثبتونه في اخري.

وقد استبان لي بعد كثير من النقاشات مع منكري السنه او الشاكين فيها حجم الخلل المنهجي الذي بنوا عليه تصوراتهم، وقدر الفوضي المعرفيه التي تشكل رؤاهم في هذا الباب.

فاردت ان اقدم بهذه القواعد المنهجيه، والضوابط العامه، التي تبين رسوخ بناء المحتجين بالسنه، وتظهر تهافت المشككين فيها، ثم انتقل بعد ذلك الي ذكر ٦٦ اشيدتكم الحبيب الماجد ونقض اصول المتكبرين ركائز حجيه السنه ودلائلها بالتفصيل ان شاء الله تعالي.

وهذه القواعد المنهجيه، بعضها متوجه الي تثبيت الحجيه، وبعضها متوجه الي الرد علي المخالفين.

28

بعضها متوجه الي تثبيت الحجيه، وبعضها متوجه الي الرد علي المخالفين.

أولا: من الامور المنهجيه في تقرير دلائل حجيه السنه عند من ينكرها، الا نستدل عليه بالسنه نفسها، الا في حالات، منها:

السنه عند من ينكرها، الا نستدل عليه بالسنه نفسها، الا في حالات، منها:

١- ان اراد المنكر ان يستدل علينا ببعض الروايات التي يشير بها شبهه فاننا نرد عليه بروايات اخري ترسم الصوره الكليه للباب الذي شبه فيه المشبه، فنكشف له خطا الانتقاء غير المنهجي، ونستدل عليه من جنس ما استدل به علينا.

فنكشف له خطا الانتقاء غير المنهجي، ونستدل عليه من جنس ما استدل به علينا.

٢- اذا كانت الاحاديث المذكوره من اخبار الغيب التي ثبت تحققها، فان في ذلك قدرا من الاحتجاج زائدا علي مجرد كونها خبرا مرويا.

فان في ذلك قدرا من الاحتجاج زائدا علي مجرد كونها خبرا مرويا.

٣- ان نثبت له «قطعيه» الروايه التي انكرها – ان كانت كذلك – عن طريق عرض طرقها المتقاعده القاطعه لاحتمالات الوهم والخطا، وبيان الاحوال المكتنفه لها من جهه اسانيدها، وليثبت – هو – خلاف ذلك ان استطاع.

الاحوال المكتنفه لها من جهه اسانيدها، وليثبت – هو – خلاف ذلك ان استطاع.

٤- ان يكون المخالف ممن يقبل من السنه اشياء ويدع اخري، وليس ممن قوله استقر علي انكار جميعها، فقد يصلح مع بعض هؤلاء الاستدلال بشيء من السنه، فنثبت له صحه الروايات التي نحتج بها، ونطلب منه بيان وجه معارضته لها.

فنثبت له صحه الروايات التي نحتج بها، ونطلب منه بيان وجه معارضته لها.

ثانيا: ينبغي الا يغيب عن نظر من يجاور منكري السنه، ان لديه اثباتا من اقوي الاثباتات القطعيه – التي لا يمكن التشكيك في قطعيتها الا بنوع من السفسطه والمغالطه –، بان النبي ﷺ قد اقام امورا من شعائر الاسلام العظام وتبعه عليها جميع اصحابه دون ان يكون لها ذكر في نص القران.

العظام وتبعه عليها جميع اصحابه دون ان يكون لها ذكر في نص القران.

٦٧ لبنت ١٧/١٠/١٩٦٧ ونفض اصول المنحكين

29

في نص القران. ٦٧ لبنت ١٧/١٠/١٩٦٧ ونفض اصول المنحكين واعني بها ما نقلته الامه عن الامه، والعامه عن العامه، جيلا بعد جيل من الشعائر التعبديه، مما لم يختص المحدثون وحدهم بروايته؛ كاقامه خمس صلوات في اليوم والليله، بقدر ركعاتها المعروف، وكاعتبار المواقيت المكانيه للحاج والمعتمر، وكرمي الجبار ونحو ذلك،

وكاعتبار المواقيت المكانيه للحاج والمعتمر، وكرمي الجبار ونحو ذلك، فان ثبوت ذلك عن النبي ﷺ من جهه التواتر العملي الذي تنقله الكافه عن الكافه امر لا شك فيه ولا ارتياب. والمعني الذي يراد تحقيقه بهذا الدليل ليس اثبات عدد الصلوات ولا مقدار ركعاتها ونحو ذلك -فهذا ظاهر- وانما هو اسقاط القضيه المركزيه الكبري عند منكري السنه،

- فهذا ظاهر - وانما هو اسقاط القضيه المركزيه الكبري عند منكري السنه، الا وهي الزعم باننا لا نحتاج في اقامه ديننا لاي شيء مفصل لم يذكر في نص القران. وعاده ما يغالط هؤلاء المنكرون عند هذا الموضع من الاستدلال فيقولون ان هذه العبادات انما ثبتت بالتواتر العملي وليس بالسنه القوليه. والرد علي هذه المغالطه يكون ببيان محل النزاع، الا وهو:

هل يقام شيء من الدين لم يذكر في نص القران ام لا؟ ، بصرف النظر عن طريقه نقله.

ثالثا: المحتجون بالسنه يثقون في منهج المحدثين، ويثبتون بمئات الادله والشواهد ان قوانين علم الحديث تشكل منظومه نقديه توثيقيه متكامله، لا تكتفي بظواهر الاسانيد، ولا تغتر بصلاح الرواه ظاهرا، بل ولا تكتفي بصلاحهم باطنا، بل تعتمد منهج المقارنه والعرض والاعتبار والاختبار اساسا في التوثيق والتوهين، كما انها تخضع المتون للنقد ولو حسنت ظواهر اسانيدها.

والتوهين، كما انها تخضع المتون للنقد ولو حسنت ظواهر اسانيدها. ويفخرون بهذا العلم الذي لا مثيل له في تاريخ البشريه، والذي انما نضج بسبب ادراك علماء الامه وصالحيها اهميه السنه النبويه وضروره توثيقها وحمايتها من الدخن، ويعتمدون هذا العلم اصلا في توثيق الاخبار. ٦٨

وحمايتها من الدخن، ويعتمدون هذا العلم اصلا في توثيق الاخبار. ٦٨ واما منكرو السنه فانهم يطعنون في هذا المنهج، ويثيرون عليه الاشكالات، ويرسمون صوره ساذجه عنه، غير ان المتتبع لطعوناتهم واشكالاتهم يجدها -دائما- قاصره عن التصور الصحيح لمنهج المحدثين، ويجد كثيرا منها مبنيا علي دعاوي منقوضه او غير مبرهنه؛ كاتهامهم المحدثين بالتحيز وعدم الموضوعيه،

منقوضه او غير مبرهنه؛ كاتهامهم المحدثين بالتحيز وعدم الموضوعيه، ونشرهم لاي افتراء يجترع ضد المحدثين دون تحرير؛ كاتهام الامام الزهري بوضع الحديث واختراعه لصالح بني اميه، واتهام البخاري بالنصب والميل عن اهل البيت، وغير ذلك من الاتهامات التي تكشف عن ضحاله معرفيه وعن تصور ناقص، وتجد ان اهل السنه يجيبونهم عن هذه الدعاوي واشباهها بعشرات الامثله المبطله لها.

يجيبونهم عن هذه الدعاوي واشباهها بعشرات الامثله المبطله لها. والحاصل ان اهل السنه ينطلقون من قاعده واضحه في هذا الباب، بنيت علي معرفه تفصيليه شامله بعلم الحديث ومنهج المحدثين، ولهم علي كل جزء من هذا العلم دليل علي دقته، وفي كل باب من ابوابه شواهد علي صحته.

جزء من هذا العلم دليل علي دقته، وفي كل باب من ابوابه شواهد علي صحته. رابعا: يتعامل المشككون في السنه باضطراب مع الاحاديث والاخبار، فتاره تجدهم يستدلون بها لتقويه موقفهم السلبي من السنه وتاكيده، -مع انهم قد ابطلوا حجيه ما استدلوا به في مواطن اخري-، وتاره يوهنون الاخبار الصحيحه ويبطلونها اذا كانت مخالفه لموقفهم. وهذا شائع جدا فيهم، وربما سلم منه بعضهم.

كانت مخالفه لموقفهم. وهذا شائع جدا فيهم، وربما سلم منه بعضهم. مثال: صنف السيوطي رساله مختصره، بعنوان «مفتاح الجنه في الاحتجاج بالسنه» كتبها ردا علي من انكر حجيه السنه وقال انه لا حجه الا في القران.

بالسنه» كتبها ردا علي من انكر حجيه السنه وقال انه لا حجه الا في القران. وذكر في مقدمتها: (ان قائلا رافضيا زنديقا اكثر في كلامه ان السنه النبويه والاحاديث المرويه - زادها الله علوا وشرفا - لا يجتج بها، وان الحجه في القران خاصه، واورد علي ذلك حديث: «ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه علي ٦٩ لثابت حجي السبتر ونفض اصول المتحجين ٦٩

30

من حديث فاعرضوه علي ﴿ ٦٩ ﴾ لثابت حجي السبتر ونفض اصول المتحجين ﴿ ٦٩ ﴾ القران، فان وجدتم له اصلا فخذوا به والا فردوه»(١). فكيف صار هذا الحديث من بين سائر الاحاديث حجه عند هذا الرافضي وغيره ممن يعمل عمله؟!

المصيبه ان الحديث لا يصح من جهه الاسناد اصلا! وقد نقل السيوطي عن البيهقي ابطاله، فقال: (قال البيهقي: والحديث الذي روي في عرض الحديث علي القران باطل لا يصح، وهو يعكس علي نفسه بالبطلان، فليس في القران دلاله علي عرض الحديث علي القران، انتهي كلام البيهقي في المدخل الصغير)(٢).

مثال اخر:

ذكر محمود ابو ريه - وهو من رؤوس المشككين في السنه - في كتابه «اضواء علي السنه المحمديه» ما يلي: (وقد جاءت احاديث صحيحه واثار ثابته تنهي كلها عن كتابه احاديثه ﷺ:

جاءت احاديث صحيحه واثار ثابته تنهي كلها عن كتابه احاديثه ﷺ: نجتزئ هنا بذكر بعضها: روي احمد ومسلم والدارمي، والترمذي والنسائي، عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكتبوا عني شيئا سوي القران فمن كتب عني غير القران فليمحه»)(٣).

والذي يقرا كتابه ويري مقدار التشكيك في الاحاديث الصحيحه الواقع فيه، يتعجب من سلاسه حكمه علي هذا الحديث بانه «صحيح» خاصه وانه من الاحاديث القوليه التي يشدد ابو ريه كلامه فيها.

وقد يستدل بعض اذكيائهم بمثل هذه الاخبار لالزام الخصم بها، فيقول:

مثلا - اذا كنتم تصححون حديث النهي عن الكتابه فانا الزمكم بدلالته علي عدم الحجيه مع اني لا اخذ به.

وهذا استدلال فاسد، وسياتي وجه فساده في البحث ان شاء الله تعالي.

علي اننا نرد علي من يحاول الزامنا بما نصححه من السنه باننا نؤمن بمجموع الاحاديث في الباب، لا بحديث واحد يجعله -المخالف- اصلا فيعارض به غيره مما هو اصح منه، او مما يكون ناسخا له، ونحو ذلك؛ فاذا اراد المجادله فليجادلنا بمجموع الاخبار الوارده لا بخبر واحد منها.

خامسا: عند مجادله من ينكر السنه، نساله -ابتداء-: هل الاشكال عندك في اصل لزوم اتباع امر النبي ﷺ اذا لم يذكر -هذا الامر- في نص القران؟ ام ان منازعتك في طريقه نقله؟

فان سلم بلزوم اتباعه ﷺ ولكنه نازع في طريقه النقل، فلا وجه للنقاش معه في دلاله ايات القران علي طاعه الرسول ﷺ؛ لانه يقر بذلك، ومنازعته -علي حد قوله- انها هي في طريقه نقل قول النبي ﷺ وامره ونهيه وليس في اصل لزوم الاتباع، وهذا يختصر كثيرا من موارد الجدال مع هؤلاء المنكرين؛

لانك تجد اكثرهم يجادلون في دلاله ايات القران علي لزوم اتباع النبي ﷺ، ويتكلفون تاويلها بما لا تحتمله اللغه ولا السياق، كقولهم ان المراد بالرسول: الرساله، وليس الشخص المرسل، ونحو ذلك من التاويلات البعيده.

وهذا كله لا وجه لايراده في النقاش اذا كان الخلاف في طريقه النقل لا في اصل الاتباع.

سادسا: اذا قال منكر السنه انه لا يثق بطريقه نقلها، نقول له: علي ماذا بنيت عدم ثقتك هذه؟ هل بنيتها علي علم تفصيلي بها؟ فان قال نعم، ناظرناه في ذلك واثبتنا له دقه منهج المحدثين وكفايته في تامين نقل السنه.

٧١ لثابت حجج السبتز وتفض اصول المشكرين

31

في تأمين نقل السنة. ﴿ ٧١ ﴾ لثابت حجج السبتز وتفض أصول المشكرين، وإن قال لا، يكون قد أبان عن جهله وعجلته في الحكم على علم من أكبر العلوم وأوسعها دون أن يعرف تفصيلاته.

وعجلته في الحكم على علم من أكبر العلوم وأوسعها دون أن يعرف تفصيلاته. فإن قال: إنها حكمت بعدم كفايتها لأني أستنكر بعض الأحاديث التي رويت بهذه الطريقة التي تدعون انضباطها وإن لم أعرف قوانين هذا العلم. قلنا له: كم عدد هذه الأحاديث التي تستنكرها؟ وما وجه استنكارك لها؟ بين لنا ذلك.

هذه الأحاديث التي تستنكرها؟ وما وجه استنكارك لها؟ بين لنا ذلك. وفي العادة لا يستطيع هؤلاء سرد عشرين حديثاً مما يدعون نكارته، وأكثرهم لا يبلغ العشرة مما يستنكر. فنقول لهم: إن آلاف الأحاديث قد نقلت بهذه الطريقة، وبني المسلمون دينهم عليها، واستلهموا محاسن أخلاقهم منها، ولم تستنكروها أنتم ولا غيركم،

واستلهموا محاسن أخلاقهم منها، ولم تستنكروها أنتم ولا غيركم، ولا نسبة للعدد الذي استنكرتموه أمام أضعافه - عشرات المرات - من العدد المقبول؛ فهل تنقضون أصل الطريقة كلها بسبب هذه النسبة النادرة؟ وهل تنقضون العلوم الأخرى التي يقع فيها الخطأ بهذه النسبة؟

النادرة؟ وهل تنقضون العلوم الأخرى التي يقع فيها الخطأ بهذه النسبة؟ كما أن كثيراً مما يستنكر من الأحاديث إنما يكون بسبب إساءة فهمها، أو عدم ضم أحاديث الباب الأخرى إليها، أو بسبب الظن الخاطئ بأنها تخالف أمراً ضرورياً لا تثبت ضرورته عند تحقيق النظر، وغير ذلك من وجوه الاستنكار غير المحررة.

ضرورته عند تحقيق النظر، وغير ذلك من وجوه الاستنكار غير المحررة. ثم إن بعض ما يستنكر من الأحاديث مما يكرر المشككون ذكره كثيراً، لا يثبت من جهة الإسناد عند التحقيق؛ كحديث أكل الداجن لآية الرجم، وحديث أن البرق سوط الملك والرعد صوته، وحديث محاولة النبي ﷺ الانتحار حين فتر عنه الوحي، وغيرها. وإذا كان غير ثابت من جهة الإسناد فلا وجه لقولكم: إننا لا نثق بالطريقة ﴿ ٧٢ ﴾ لبنت الحق المتقين.

الإسناد فلا وجه لقولكم: إننا لا نثق بالطريقة ﴿ ٧٢ ﴾ لبنت الحق المتقين التي نقلته؛ لأن معرفتنا بضعفه إنما نشأت من قوانين طريقة نقل السنة نفسها - أعني قوانين علم الحديث - وفي ذلك تقوية لهذه القوانين لا توهين لها.

سابعا: كثير من الأحاديث الصحيحة التي يستنكرها المشككون في السنة يكون لها نظائر في القرآن من جهة المعنى، وهم يؤمنون بالقرآن وكماله. فنسألهم عن هذه النظائر القرآنية، ما توجيههم لها؟ وكيف تعاملهم معها؟

مثال ذلك: قول من ينكر عقوبة الرجم الثابتة في السنة، لأنها مما تستعظمه النفس. فنقول له: وما قولك في قطع اليد والرجل من خلاف - الوارد في سورة المائدة - ؟ فإن قال: هذا حكم قرآني قطعي الثبوت وهو بسبب الاعتداء وقطع الطريق. قلنا له:

هذا حكم قرآني قطعي الثبوت وهو بسبب الاعتداء وقطع الطريق. قلنا له: حديثنا معك ليس عن درجة الثبوت، ولا عن سبب العقوبة، وإنما عن كيفية العقوبة. وقد استنكرت الرجم من جهة نفسية؛ فنحن نقول لك: ليست عقوبة قطع اليد والرجل خالية من جنس المعنى الذي استنكرته في الرجم - وقد تحصل المنازعة في الدرجة لا في الجنس - ، غير أن ما هو عقوبة القطع عندك أمران: الأول:

في الدرجة لا في الجنس - ، غير أن ما هو عقوبة القطع عندك أمران: الأول: أنها حكم الله سبحانه. الثاني: سببها وهو قطع الطريق إذ فيه اعتداء على الناس. ونحن نقول كذلك في الرجم؛ فإنه حكم الله وقضاؤه، وقد ثبت ذلك بالتواتر على لسان رسوله ﷺ. كما أن سبب الرجم تعدي حدود الله وانتهاك محارمه ممن قد أحصن وأعذر؛ ﴿ ٧٣ ﴾ لبنت ليجز للمستنكرين وتقصر أمثال المنكرين.

32

قد احصن واعذر؛ ٧٣ لبنت ليجز للمستنتر وتقصر امسول المنجكرين وليس الاعتداء علي الناس بأولي أن يعاقب عليه المعتدي من انتهاك محارم الله وحدوده.

على أن ثمة فارقًا بين العقوبتين وهو أن تنفيذ الرجم قد أحيط بسياج من التثبت والتحوط وشهادة الشهود بصفة معينة يصعب تحققها في حالة من حالات الزنا المستترة، بخلاف عقوبة قطع الطريق.

يصعب تحققها في حالة من حالات الزنا المستترة، بخلاف عقوبة قطع الطريق. والمحصل أن من يتأمل هذا المعنى سيجد له أمثلة متعددة في القرآن يحسن ذكرها في عرض الحوار مع من يستنكر الأحاديث الصحيحة من جهة معناها ومضمونها، كأحاديث القتال في سبيل الله، والأحاديث المعارضة لقيم الحرية الغريبة والحداثة ونحو ذلك.

ثامنًا: من أهم المطلقات التي يدعي منكرو السنة تأسيس موقفهم عليها، قولهم: إن السنة مليئة بالروايات المعارضة، والنصوص المشكّلة، ويبنون على ذلك إسقاط حجية السنة وردها.

ويصفون تعامل علماء السنة مع الروايات التي قد يظهر فيها التعارض - من الاجتهاد في الجمع بينها على وجوه الجمع الممكنة، ونحوه-، بأن اجتهادهم ذلك أنها محاولة فاشلة لسد الخلل، ورقع الخرق، ورتق الفتق.

بينما يقوم هؤلاء المنكرون بالتعامل مع الآيات القرآنية التي يكون بينها تعارض في الظاهر، أو يشار حولها إشكال من الملاحدة وغيرهم، بقدر من التأويل أو التحريف غير المقبول، والذي هو أشد مما استنكروه على علماء السنة من الاجتهاد في الجمع بين النصوص، فيجيزون لأنفسهم ما يستنكرونه على غيرهم.

ولو أنهم نظروا إلى النصوص القرآنية التي أثير عليها إشكال، بنفس نظرهم - القاصر - إلى نصوص السنة وأطردوا في ذلك لانكروا القرآن وأسقطوا حجيته. ٧٤ لبنين يحتم الرسول للمتخيرين.

تاسعًا: من المعاني المهمة التي يؤدي حضورها في النفس إلى تعظيم السنة، ومعرفة قدرها ومكانتها وأهميتها في الإسلام، كما يؤدي غيابها إلى هوان منزلتها وسهولة التأثر بالشبهات المثارة ضدها:

ما تتضمنه السنة من المعاني السلوكية والأخلاقية العظيمة، التي ترقي بالبشرية إلى الدرجات العلا من الكمال الإنساني، وما تحويه من إرشادات مهمة تحقق توازن الإنسان مع نفسه ومع أهله وجاره ورحمه وصديقه، وتجمع له بين الإحسان في عبادة ربه وبين الإحسان إلى نفسه وإلى الناس، ونحو ذلك من النصوص في هذا المعنى وما يشبهه.

فإن الذي يكون عارفًا بجمال السنة وأهميتها للتعامل والسلوك في مختلف جوانب الحياة، فإنه يدرك قدرها وسمو مصدرها، ويكون لها في نفسه عظمة ومهابة، بخلاف من هو جاهل بها، بعيد عنها، ثم يتلقى الشبهات حول بعض نصوصها، فإنه لا تكون لديه الوقاية النفسية من جحودها وإنكارها.

وبهذا يظهر الارتباط بين محتوى السنة السلوكي الأخلاقي، وبين تثبيت حجيتها – وإن كان ذلك بطريق غير مباشر إلا أنها في غاية الأهمية– فلا ينبغي الفصل بينهما فإن كلا الأمرين مكمل للآخر مثبت له، معزز لمكانته.

عاشرًا: كما أن المنكرين للسنة يشيرون تساؤلات على مثبتها، فإن لدينا – نحن المثبتين – أسئلة أكثر منها موجهة إليهم، يجب عليهم أن يجيبوا عنها، فنحن لا نكتفي باستقبال الاعتراضات والشبهات فنظل في دور المدافع، بل نثير عليهم أضعاف ما يشيرون، ونستشكل عليهم أكثر مما يستشكلون.

ولمعرفة قدر الأسئلة والاستشكالات التي تواجه منكري السنة يكفي أن تستعرض العبادات التي يقوم بها المسلمون في اليوم، والأسبوع، والشهر، والعام، ثم ترى مدى إمكانية إقامة المفروضات الواجبات منها على فرض ٧٥ لثديت محمد الشبيح ونقص أصول الشكرين.

33

الواجبات منها علي فرض ٧٥ لثديت محمد الشبيح ونقص اصول الشكرين عدم وجود نصوص السنه، لتدرك خطوره القول بانكار هذه النصوص الثابته عن النبي ﷺ. وساذكر شيئا يسيرا من هذه الاسئله التي توجه الي منكري السنه او المشككين فيها، ليجيبوا عنها دون الاستفاده من نصوص السنه الصحيحه:

1كم اركان الاسلام؟ وما الدليل؟
2وما هي الصلوات المفروضه؟
3وكم عدد ركعاتها؟
4وما الدليل علي وجود صلاه تسمي الظهر؟ ومتي ينتهي وقتها؟
5وما الدليل علي صحه ما يعمله المسلمون في مساجدهم من اداء خمس صلوات في الاوقات المعلومه؟

فان قال المعترض: الدليل هو التواتر العملي المنتهي الي النبي ﷺ، فيصاغ السؤال كالتالي: علي ماذا اعتمد النبي ﷺ في اداء الصلوات بهذه الطريقه؟ هل اعتمد علي النص القراني ام علي وحي من الله تعالي –خارج النص القراني– عين فيه هذه الكيفيات؟ وهل التشهد في الصلاه مشروع؟

وماذا يفعل المصلي اذا سها فشك في صلاته او زاد فيها ونقص؟ هل يسجد للسهو؟ ما الدليل؟ وما صفه الاذان للصلاه؟

وايضا: هل كل من ملك شيئا من المال تجب عليه الزكاه؟ ام ان هناك نصابا معينا اذا بلغه المال تجب زكاته؟ فالذي يملك خمسه غرامات من الذهب هل تجب عليه زكاته؛ لئلا يدخل في الوعيد الوارد في القران علي الذين يكنزون الذهب والفضه؟

٧٦ لبنت للحق المتقين ونفض اصول المنكين. وما القدر الذي اذا اخرجه المرء من ماله تكون قد برئت ذمته وامتثل الاوامر القرانيه بايتاء الزكاه؟

فالذي يملك مليار ريال مثلا، وزكي منها مائه ريال فقط، هل تبرا ذمته؟ وما المقدار الذي يجب اخراجه في زكاه الحبوب والثمار ليكون المسلم ممتلا لقول الله تعالي: ﴿وما تواحقه يومحصاده﴾؟ وهل هناك فرق بين ما سقي بالنفسح وبين ما سقته السماء؟

وايضا: هل علي الحائض صوم؟ وما الدليل من نص القران؟ وهل تقضي الحائض ما فاتها من الصلوات؟ ام تقضي فوات الصيام فقط؟ نريد دليلا واضحا من نص القران. وهل علي من جامع اهله في رمضان كفاره؟ ما الدليل؟ وهل تشرع صدقه الفطر في نهايه شهر رمضان؟ ما الدليل؟ وما مقدارها؟

وايضا: هل هناك مواقيت مكانيه لا يتجاوزها الحاج الا باحرام؟ سموا لنا هذه المواقيت، ومن الذي وقتها؟ وهل ما يعمله المسلمون اليوم من جمع الصلاتين في عرفه صحيح؟ وما الدليل من القران علي رمي الجمرات؟ وهل هناك طواف للوداع؟

والاسئله اكثر من ذلك في العبادات والمعاملات، بل ان كل دليل يستدل به علي حجيه السنه فهو سؤال يعترض به علي المنكرين. فهل يستقيم بعد ذلك قول من قال: السنه انما هي ركام من المرويات، والاخذون بها عابدون للاسانيد!

أصول منكري السنه النبويه.

34

هي ركام من المرويات، والأخذون بها عابدون للأسانيد!

أصول منكري السنة النبوية بعد التأمل في الإشكالات والشبهات التي يعتمد عليها منكرو السنة والمشككون فيها وجدت أنها تعود إلى ستة أصول:

1الأصل الأول: إسقاط الحاجة إليها بدعوى الاستغناء بالقرآن الكريم.
2الأصل الثاني: حصر السنة المعتبرة في المتواتر منها وإسقاط حجيّة الأحاد.
3الأصل الثالث: الطعن في نقلتها واتهامهم.
4الأصل الرابع: دعوى ضياعها وعدم حفظها استنادًا إلى تأخر كتابتها وتدوينها.
5الأصل الخامس: إسقاط مكانة علم الحديث والتشكيك في منهجية المحدثين وطرقهم في تصحيح الأخبار وتضعيفها.
6الأصل السادس: استنكار أحاديث وروايات معينة من السنة الصحيحة لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها.

وقد عرضت هذه الأصول مع شيء من الإجابات عنها في كتابي: «سابغات» و«أفي السنة شك؟» غير أن نقض هذه الأصول هنا يختلف من جهة التفصيل والبسط، ومن جهة الترتيب، ومن جهة عرض وجوه الرد، وغير ذلك، فالمقامان مختلفان، والتشابه إنما هو في عناوين هذه الأصول.

الأصل الأول: إسقاط الحاجة إليها استغناء بالقرآن الكريم.

يزعم منكرو السنة أنه لا حاجة للمسلم – كي يقيم دينه على الوجه الذي يريده الله سبحانه – إلى أي مصدر ديني سوى نص القرآن الكريم، لأنه تبيان لكل شيء.

وعليه؛ فكل مصدر يستمد منه المسلمون حكماً شرعياً لم يذكر في النص القرآني فإنما هو من المصادر الزائفة التي تؤدي إلى الزيغ والانحراف، ولو كانت تنتهي بأصح الأسانيد إلى رسول الله ﷺ.

ويناقش هذا الكلام بأنه لا شك في كون القرآن تبياناً لكل شيء، ولكن الشأن في تحرير وجه التبيان الذي جاء به القرآن، فهم يخصرونه في طريق النص على كل حكم بعينه؛ وهذا تضييق لدلالة اللفظ لا نقبله؛ فإن طرق التبيان واسعة، منها النص ومنها الإشارة ومنها الإحالة وغير ذلك.

ولو أن طبيباً وصف لمريض دواءه ثم أحاله في الوقاية إلى ورقة لطبيب آخر مكتوب فيها «حمية» ليتبعها المريض لقلنا: إن الطبيب بين له العلاج وبين له الوقاية أيضاً، مع أنه لم ينص عليها، وإنما كان وجه التبيان هنا: الإحالة.

وهكذا الشأن في القرآن الكريم؛ فإننا نجد أن الله سبحانه وتعالى يرشد فيه إلى طاعة أمر رسوله ﷺ واجتناب نهيه، وذلك في عشرات المواضع؛ فمن يتبع ما أمر به الرسول ﷺ مما لم يذكر نصه في القرآن فإنما يكون متبعاً للقرآن في الحقيقة، وذلك لأن فيه تبياناً لوجوب طاعة هذا الرسول الكريم.

قال البيضاوي في تفسير الآية: «لكل شيء» من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس.

35

من امور الدين علي التفصيل، او الاجمال بالاحاله الي السنه او القياس.

(١) وقال الالوسي في روح المعاني: (وكون الكتاب تبيانا لذلك باعتبار ان فيه نصا علي البعض واحاله للبعض الاخر علي السنه حيث امر باتباع النبي ﷺ، وقيل فيه: ﴿وما يطوعن الهوي﴾ [سوره النجم: ٣] وحتا علي الاجماع في قوله سبحانه: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [سوره النساء: ١١٥]).

(٢) ولمنكري السنه اعتراض علي التقرير السابق من جهه اخري، وهو ان الايات التي جاء فيها الامر بطاعه الرسول لا تدل علي معني اتباع سنته وامره مطلقا، بل تدل علي اتباع الكتاب الذي جاء به، وهو القران، فالرسول يراد به الرساله لا الشخص المرسل، ويقولون:

الذي جاء به، وهو القران، فالرسول يراد به الرساله لا الشخص المرسل، ويقولون: ان كل شيء فعله النبي ﷺ مما لم يذكر في نص القران فانما فعله بمقتضي النبؤه لا الرساله، والنبؤه لا يصدر عنها شيء ملزم شرعا، ويفرقون بين الرسول والنبي بهذا الاعتبار.

وهذا التقرير انما يدل علي فساد نظرهم، وضيق افهامهم؛ فان معني (الرسول) في ايات الامر بطاعته اظهر من ان يستدل علي تعيينه، الم يقل الله سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد اطاع الله ومن تولف فما ارسلناك عليهم حفيظا﴾؟ فالكاف في ﴿ارسلناك﴾ ظاهره في ان المراد بالرسول هنا الشخص المرسل لا الرساله،

ولو تاملنا في سياق اشهر ايه يستدل بها علي حجيه السنه، وهي ايه سوره الحشر: ﴿وما ءاتنحتم الرسول فحذوه وما نهادكم عنه فانبهوا﴾ [سوره الحشر: ٧] لوجدنا ان لفظ «الرسول» هنا لا يحتمل معني الرساله؛ وذلك لان الله سبحانه وتعالي قال: ﴿فا افاء الله علي رسوله من اهل القري فلا ول رسول ول ذي القري والمستقين واي السييل كن لا يكون دوله بين الاغنياء منكم وما استحتم الرسول فخذوه وما نهتدو عنه فانتهوا﴾ [سوره الحشر: ٧] فالحديث هنا عن الفيء الذي وقع لرسول الله ﷺ في غزوه بني النضير؛ فما شان الرساله هنا؟

وبالنسبه لتفريقهم المبتدع بين الرسول والنبي فقد جاء في القران جمعها في سياق امتداح الاتباع، وذلك في قوله سبحانه وتعالي: ﴿الذين يتبعون الرسول اللين الاخي﴾ [سوره الاعراف: ١٥٧] فكيف يقال بعد ذلك ان محمدا ﷺ لا يتبع بوصف النبوه؟

ولا يكتفي منكرو السنه بدعوي استغنائهم بالقران الكريم، بل يرون ان اتباع السنه ضلال وزيف وانحراف، بل ان كثيرا منهم يري ان اتباعها شرك بالله، وتحكيم لغيره، وتقديم لاعراف الاباء وسنه الاجداد والساده والكبراء علي امر الله وشرعه، وقد نقل د. خادم حسين بخش في كتابه:

(القرانيون وشبهاتهم حول السنه) بعض اقاويل كبرائهم في اطلاق اوصاف الكفر والشرك علي من ياخذ بالاحاديث مع القران، ورد عليهم.

(١) وقد لمست غلوهم ذلك من خلال نقاشاتي المباشره معهم، فقد لحقني من بعضهم وصف الشرك - صريحا - بسبب الاخذ بالسنه.

واذا كان امر اتباع السنه عندهم بهذا القدر من الزيف والضلال؛ فكيف يكون القران - علي ذلك - هاديا ومبينا مع كل ما فيه من الايات التي اطلقت لزوم طاعه امر الرسول ﷺ ولم تقيده؟ الا يكون نزول هذه الايات فتنه واضلالا للخلق - ان كان اتباع سنه النبي شركا -؟ لان الناس انما وقعوا في

٨١ بوابه المساحات والمقطع ونفض اصول المنحكين الشرك - بزعمهم - بسبب فهمهم الخاطئ للايات التي امر الله فيها بطاعه رسوله ﷺ، وهذا لازم لقولهم في غايه الفساد والانحراف.

36

الله فيها بطاعه رسوله ﷺ، وهذا لازم لقولهم في غايه الفساد والانحراف. ثم ان من هؤلاء من اذا اوقف علي حقيقه قوله، وادرك اوله واخره ومالاته وما يلزم منه من الفساد فانه قد يعود علي القران فيكذب به بدلا من ان يرجع عنه فيعتقد بصحه السنه، وذلك لشده القطيعه بينهم وبين السنه.

يرجع عنه فيعتقد بصحه السنه، وذلك لشده القطيعه بينهم وبين السنه، وقد صرح لي احد الشباب الاذكياء الذين ناقشتهم نقاشا طويلا حول حجيه السنه - بعد ان فهم لوازم قوله - ان اعتقاده بصحه القران الكريم سيتسرب اليه الشك! مع ان النظر الصحيح يقتضي ان يعود علي موقفه السلبي من السنه فيبطله، لا ان يشك في القران الكريم.

ان يعود علي موقفه السلبي من السنه فيبطله، لا ان يشك في القران الكريم، وذلك بعد الحديث المفصل حول ما يلزمه من تضليل كافه الامه بسبب اعتمادها علي المنقول عن النبي ﷺ في شان الفرائض، وعجزه عن تفسير خلو الكتاب العزيز من النص علي عدد الصلوات وركعاتها مع انها اهم الفروض بعد التوحيد، ولا شك ان ذلك لا يستقيم مع من يهون من شان السنه ويغلو في فهمه لكفايه القران. والله المستعان.

مع من يهون من شان السنه ويغلو في فهمه لكفايه القران. والله المستعان.

* * *

الاصل الثاني: حصر السنه المعتبره في المتواتر منها واسقاط حجيه الاحاد حين يدرك كثير من المشككين في السنه حجم المازق الذي سيفضي اليه قولهم بانكارها مطلقا، - وخاصه فيما يتعلق بتضليل الكافه في باب الصلوات الخمس؛ اذ يصعب اقناع المرء نفسه بان اطباق الامه كلها علي تحديد المفروضات بخمس صلوات انما وقع في الامه نتيجه البدعه في الدين ومخالفه القران الكريم - فانهم يمررون قبول مثل هذه الفريضه بدعوي انها مما تواترت الامه عمليا علي نقله، وهذا في الحقيقه مجرد خداع للنفس، وتسكين لها بما لا يتفق مع حقيقه قولهم القائم علي الاستغناء بالقران وعدم اتخاذ مصدر ديني.

مع حقيقه قولهم القائم علي الاستغناء بالقران وعدم اتخاذ مصدر ديني سواء، فان حكمهم بقبول فريضه الصلوات الخمس لاجل تواتر نقلها عمليا لا يلغي سؤال المصدر الذي استمد منه تحديد الفرض بخمس صلوات، والذي - في الواقع - ليس ايه من القران الكريم. فحقيقه فعلهم هو نقل المشكله من سؤال المصدر والتشريع الي سؤال النقل والتوثيق، وهذا حياد عن طبيعه الاشكال وحقيقته.

الي سؤال النقل والتوثيق، وهذا حياد عن طبيعه الاشكال وحقيقته. غير ان هناك شريحه اخري من المضطربين في السنه النبويه - كعدنان ابراهيم ومن تاثر به - يجتذبون من جذور الخلافات التراثيه ما وقع الجدل فيه حول ما يفيده خبر الاحاد ومدي صلاحيته في ابواب الاعتقاد، والاشكال القديم راجع الي قولهم: ان خبر الاحاد لا يفيد الا الظن، وان العقائد لا بد فيها من قطع والاحاد لا تفيده.

غير ان كثيرا من المعاصرين المحتجين بهذا الاصل لا يجعلون مورد هذا الاشكال منحصرا في نطاق قول المتكلمين في ابواب الاعتقاد، بل يعممون ذلك ليشمل كل حديث ضاق عليهم معناه او توجيهه، ٨٣ اشاتش ونقص اصول المتكرين ولو لم يكن في الاعتقاد مورد.

مناقشه الاشكالات المثاره في هذا الباب:

37

المتكرين ولو لم يكن في الاعتقاد مورد.

مناقشه الاشكالات المثاره في هذا الباب: لقد اعتني علماء اهل السنه بذكر ادله ايجاب اتباع اخبار الاحاد (١) الصحيحه عن النبي ﷺ، وناقشوا ادله المخالفين واعتراضاتهم، ويمكن ان نجمل اهم وجوه الاثبات والرد فيها يلي:

أولا: مناقشه قولهم: بان «اخبار الاحاد لا تفيد الا الظن» من جهه الشرع ومن جهه مخالفه الحال.

فأما من جهه الشرع، ف (لان النبي ﷺ كان يقيم الحجه علي الامم، في اصل دين الاسلام، باحاد من اصحابه يبعثهم اليهم – وهذا معلوم بطرق كثيره، وهو من العلم العام الذي لا يختلف فيه لشهرته وعموم نقله، مثاله: بعث النبي ﷺ معاذا الي اليمن –، ومثل هذا انما يكون بما يقطع كل احتمال للريب.

ومثل هذا انما يكون بما يقطع كل احتمال للريب. واما من جهه مخالفه الحال؛ فلان الموافقين والمخالفين في هذا الباب يتحصل لهم اليقين في كثير من احوالهم باخبار احاد لم تصل الي حد التواتر؛ والامثله علي ذلك اكثر من ان تحصر من اخبار الزواج والوفاه والولاده والنجاح والفشل والربح والخساره... الخ، فيكون اعترافهم بحصول اليقين بهذه الاخبار الاحاديه كافيا في نقض الاطلاق بان اخبار الاحاد لا تفيد الا الظن (٢).

والرد علي هذا التقرير بالتفريق بين الاخبار المعاصره وبين الاخبار القديمه غير وجيه، لان المراد اثبات اصل مفاد اخبار الاحاد وليس القرائن المحيطه (١) لا يخفي علي القارئ الكريم ان المراد باخبار الاحاد ما كان دون التواتر لا ما انفرد به الواحد فقط. (٢) كتاب سابغات – الطبعه السادسه – ص ١٣٧ بتصرف.

فقط. (٢) كتاب سابغات – الطبعه السادسه – ص ١٣٧ بتصرف.

فاذا اثبتنا لهم وجود اخبار احاد تفيد اليقين، ناقشناهم بعد ذلك في اليه التحقق من صحه الاخبار الاحاديه القديمه. واخبار الاحاد «الصحيحه» المنقول بها السنه، فيها ما يفيد اليقين، وفيها ما يفيد الظن الراجح، بحسب احوال الرواه والاسانيد والقرائن لكل روايه بعينها.

ثانيا: يعترض بعض المنكرين للاخذ باخبار الاحاد بعد تقريره لافادتها الظن - وحده - بان (اتباع الظن مذموم في القران)، وهذا فيه تعميم غير صحيح، فقد جاء في القران ذم نوع من الظن وامتداح اخر، فجاء في الذم قوله تعالي: ﴿ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من المق شيئا﴾ ﴿سوره النجم: ٢٨﴾ وجاء في المدح: ﴿الذين يظنون انهم ملفقوا ربهم﴾ ﴿البقره: ٤٥-٤٤﴾، والظن في هذه الايه معناه: اليقين؛ والا فهل يفيد ظنهم شيئا لو كان لديهم ادني نسبه من الريب في لقاء ربهم؟

قال القرطبي في تفسيره (١): (والظن هنا في قول الجمهور بمعني اليقين ومنه قوله تعالي: ﴿اني ظنت اي ملق حسنيه﴾ وقوله: ﴿فظنوا انهم موافعوها﴾) انتهي.

وقال الامام الشنقيطي بعد ان ذكر عددا من الايات القرانيه التي ورد فيها الظن بمعني اليقين: (فالظن في هذه الايات كلها بمعني اليقين، والعرب تطلق الظن علي اليقين وعلي الشك)(٢) انتهي.

ومقارنه الظن المستفاد من اخبار الاحاد الصحيحه بظن المشركين المذموم في الايه مقارنه خاطئه لا شك في خطئها، قال الشيخ ابن عثيمين في تفسيره (١) (٧٢/٢) ط. الرساله. (٢) الاضواء (٤/١٤١-١٤٢) نشر مكتبه ابن تيميه.

38

مكتبه ابن تيميه. ٨٥ لبنت بمجتدئك الرسول ونفض اصول المنكيرين لايه النجم: ﴿ إن يبغون إلا الظن وإن الظن لا يغني من المتي شيئا ﴾ [سوره النجم: ٢٨].

«إن يبغون إلا الظن وإن الظن لا يغني من المتي شيئاً» [سوره النجم: ٢٨]. قال: (والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين، وانتبه لهذا فالظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين).

(1). وأيضاً فإن الله سبحانه قد شرع في كتابه الأخذ بشهادة الشهود، وهم أحاد، فإما أن يقول المخالفون إن شهادتهم تفيد اليقين فيكون في ذلك نقض للمقدمة الأولى – التي هي أن أخبار الأحاد لا تفيد إلا الظن –، وإما أن يقولوا بأنها تفيد الظن ومع ذلك شرعت، فيكون في ذلك إبطال للمقدمة الثانية – التي هي أن اتباع الظن مذموم مطلقاً –، فما ثبت أنه تشريع من الله لا يكون مذموماً بحال.

قال ابن حزم: «إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة، عن النبي ﷺ. وأيضاً فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد».

(2). ثالثاً: النظر في قلة الأحاديث المتواترة من السنة أو ندرتها إلى جانب وجود عشرات النصوص القرآنية المرشدة إلى اتباع سنة النبي ﷺ – كما تقدم ذكر شيء منها مع وجوه دلالتها في القسم الأول من الكتاب –،

فإذا حصر مدلول كل تلك النصوص القرآنية في السنة المتواترة فستقع مفارقة كبيرة بين قدر التوصية القرآنية وبين واقع الأمر الموصى به – أي الحديث المتواتر –، إذ إنه لا يكاد يوجد إلا في دائرة ضيقة جداً، وهذا كله على اعتبار أن المتواتر هو ما استقر عليه تعريفه عند الأصوليين والمتكلمين ومتاخري المحدثين،

والذي قال عنه الإمام ابن الصلاح: «لا يكاد يوجد في رواياتهم» – أي في روايات المحدثين –،

(1) لقاء الباب المفتوح رقم ٧١.

(2) الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١) / ١١٣ - ١١٤.

(3) كتاب سابغات – الطبعة السادسة – ص ١٣٨ بتصرف.

٨٦ لبنت للحجود المشتقدين وتقصر الصول المنتكرين

39

ص ١٣٨ بتصرف.

٨٦ لبنت للحجود المشتقدين وتقصر الصول المنتكرين.

وقال أيضا: «ومن أراد مثالا لذلك – أي للمتواتر – أعياه تطلبه»(١). فإذا كان الواقع كذلك، فهل يكون هذا القدر الذي يعيي المتطلب وجوده هو ما أراده الله بكل الآيات التي أوصي فيها باتباع سنة نبيه ﷺ؟

وأما إذا عرفنا المتواتر بأنه ما ورد من غير طريق صحيح وأفاد القطع بحسب ما يعتبره متقدمو المحدثين من قرائن الرواية وأحوال الرواة وتفاوتهم في الضبط والإتقان، فلا شك أنه كثير جدا في السنة، وهو الأصح في التعامل مع مصطلح المتواتر. غير أن أكثر المتأخرين يدخلون هذا النوع في جملة الأحاد.

ويضم إلى هذا الوجه من النقاش: الآيات التي يستنبط منها معنى الشمولية والعموم في السنة، وهو معنى لا يتوفر في المتواتر على التعريف الشائع المشار إليه.

مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [النساء: ٥٩]. ففي هذه الآية بيان للمرجع في فصل النزاع وأنه الكتاب وسنة الرسول ﷺ، وإذا كان الكتاب والسنة كذلك فلا بد أن يكونا شاملين لموارد النزاع بين المؤمنين المخاطبين بهذه الآية.

ثم إنك إذا اعتبرت واقع الأحاديث المتواترة بمعناها الشائع فلن تجد فيها القدر التفصيلي الحاكم في النزاع بمثل ما هو موجود في السنة الأحادية، والآية جعلت للسنة قدرا ظاهرا، ونصيباً وافراً في فصل النزاع، ولذلك؛

فإن عامة ما يستدل به العلماء لترجيح أقوالهم عند النزاع مأخوذ من نصوص القرآن ومن السنة الأحادية والمتواترة، لا من المتواترة وحدها، حتى في بعض مسائل الاعتقاد.

(١) ينظر: علوم الحديث، لابن الصلاح (٢٦٨-٢٦٩).

(٢) وقد بينت وجه دلالة الآية على ذلك في القسم الأول من هذا الكتاب، في ذكر دلالة القرآن على حجيّة السنة.

٨٧ لبنانتهم للمبشرين ونفض أصول المنجكين.

40

## القواعد:

القران علي حجيه السنه. ٨٧ لبنانتهم للمبشرين ونفض اصول المنجكين

رابعا: ان العلماء اجمعوا علي الاخذ بخبر الاحاد، قال ابن عبد البر: «اجمع اهل العلم من اهل الفقه والاثر في جميع الامصار –فيما علمت– علي قبول خبر الواحد العدل، وايجاب العمل به اذا ثبت ولم ينسخه غيره: من اثر او اجماع. علي هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابه الي يومنا هذا، الا الخوارج وطوائف من اهل البدع، شرذمه لا تعد خلافا»(١).

هذا، الا الخوارج وطوائف من اهل البدع، شرذمه لا تعد خلافا»(١).

وقال ابن حزم: «فصح بهذا اجماع الامه كلها علي قبول خبر الواحد الثقه، عن النبي ﷺ. وايضا فان جميع اهل الاسلام كانوا علي قبول خبر الواحد»(٢).

خامسا: ان حصر قبول الاخبار النبويه في التواتر امر مبتدع. ثبت عن اصحاب رسول الله ﷺ بطرق كثيره يفيد مجموعها القطع انهم كانوا يتلقون عنه الحديث، ثم يتلقي بعضهم عن بعض ما فاتهم سماعه من النبي ﷺ مباشره، ويحتجون به دون اشتراط التواتر، ويقيمون دينهم واعتقاداتهم بناء علي ذلك،

فلا نجد احدا من اصحاب رسول الله ﷺ او من علماء التابعين وتابعيهم من ائمه القرون المفضله؛ من اذا اخبر بخبر في ابواب الاعتقاد او غيرها عن رسول الله رده علي صاحبه؛ حتي ياتيه بتسعه شهود معه؛ ليبلغ خبره حد التواتر العشري –علي اشهر الاقوال في تحديد التواتر بالعدد– نعم،

قد يتثبت بعضهم في الروايه اذا قام في قلبه ما يدل علي الحاجه للثبت، ولكنه لا يجعل التثبت متعلقا بعدد التواتر، فعلي سبيل المثال: من يستدل بقصه تثبت عمر بن الخطاب ﷺ لما جاءه ابو موسي بخبر الاستئذان، فطلب منه عمر ان ياتيه بشخص اخر يوافقه علي هذا الحديث.(١)

نقول له: ان روايه شخص اخر لهذا الحديث مع ابي موسي لم تخرج الحديث من حد الاحاد، وقناعه عمر بقول من وافق ابا موسي علي الخبر يستدل بها علي عكس مرادهم، اذ فيه دليل علي قبول خبر الاحاد.

مع التاكيد علي ان عمر بن الخطاب قد اخذ يخبر الواحد المتفرد بالروايه في مواطن اخري، كاخذ الجزيه من المجوس استنادا الي خبر عبد الرحمن بن عوف وحده عن النبي ﷺ. (١) ينظر: صحيح البخاري (٦٢٤٥)، صحيح مسلم (٢١٥٣).

الاصل الثالث: الطعن في نقلتها واتهامهم

41

صحيح مسلم (٢١٥٣).

الاصل الثالث: الطعن في نقلتها واتهامهم ان اتهام بعض مشاهير حمله السنه وناقليها ليمن اصول الاشكالات التي اعتمد عليها المستشرقون في طعنهم علي سنه النبي ﷺ، وتشربت هذه الطعونات طائفه ممن تاثر بالمستشرقين فبثتها في الكتب والندوات والمحافل.

ونجد ان تركيزهم واهتمامهم متوجه الي اكثر الصحابه روايه للحديث، فانك اذا نظرت الي اشهر كتاب معاصر في باب التشكيك في السنه – وهو كتاب ابي ريه – ستجد ان الطعن علي ابي هريره يمثل جزءا كبيرا من الكتاب وياخذ بنصيب وافر منه.

ولذا؛ فقد اعتني الرادون علي كتاب ابي ريه بتفنيد شبهاته حول ابي هريره ﷺ واوسعوا الحديث في ذلك، كما فعل مصطفي السباعي في كتابه «السنه ومكانتها في التشريع الاسلامي»، والمعلم في كتابه «الانوار الكاشفه» وغيرهما، وافرد عبد المنعم العزي كتابا كبيرا في الرد علي شبهات ابي ريه وغيره في الطعن علي ابي هريره ﷺ، سماه: «دفاع عن ابي هريره».

المتامل في اطروحات اولئك المستشرقين واتباعهم ضد نقله السنه يجد ان كثيرا مما يعتمدونه للطعن فيهم لا يقوم علي اصل صحيح من جهه الثبوت، ولذلك؛ فان الخطوه المنهجيه المركزيه لمناقشه هذا الاصل من الاشكالات تكون في طلب ثبوت الاصل المعتمد من الروايات والاخبار.

فاذا اثبتوا ذلك انتقلنا للنقاش معهم في قضيتين اساسيتين:

١الاولي: في دلاله تلك الاخبار علي اسقاط عداله الراوي او اهليته للنقل الصحيح.
٢الثانيه: في الموازنه بين مجموع ما نقل عن الراوي من سيرته وحياته، وعدم حصر معطيات تقييمنا له في روايه معينه يكون محلها الصحيح في النقد انها من زلات بني ادم التي لا يسلم منها احد غير معصوم.

مثال علي الطعن الذي لا يقوم علي اصل صحيح، وقد ذكره ابو ريه وعدنان ابراهيم وغيرهما: اتهام ابي هريره بانه انما لزم النبي ﷺ من اجل الطعام، وان النبي ﷺ تضايق من كثره دخوله عليه لاجل ذلك، فقال له: «يا ابا هر: زر غبا تزدد حبا»، وهذا خبر غير صحيح، وفيه جزءان احدهما اضعف من الاخر:

الجزء الاول: ربط حديث (زر غبا تزدد حبا) بقضيه الطعام، فهذا في غايه الضعف.

الجزء الثاني: اصل حديث (زر غبا) دون ربطه بقصه الطعام، وهو ضعيف ايضا، غير ان ضعفه اخف من سابقه وان كان حسنه بعض العلماء الا ان الراجح ضعفه، كما قال البزار: (لا يعلم في «زر غبا تزدد حبا» حديث صحيح) (١). وذكر العقيلي انه ليس في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء يثبت (٢).

مثال متعلق بعدم فهم دلاله الروايات: الطعن في بعض الصحابه والرواه بشربهم النبيذ، ومن المعلوم ان كلمه (النبيذ) لا يفهمها كثير من المعاصرين الا مساويه لكلمه (الخمر) بينما يطلق النبيذ في اللغه علي ما ينبذ سواء اكان مسكرا ام غير مسكر، فقد جاء في لسان العرب: (والنبذ: الطرح. وهو ما لم يسكر حلال، فاذا اسكر حرم، وقد تكرر) (١) كشف الاستار، للهيئمي (٢/٣٩٠). (٢) الضعفاء الكبير، للعقيلي (٢/١٣٨-١٣٩).

42

## القواعد:

٩١ لبنانتهم للمبين ونفض اصول المنجكرين في الحديث ذكر النبيذ وهو ما يعمل من الاشربه من التمر والزبيب والعسل والخطه والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب اذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا، فصرف من مفعول الي فعيل، وانتبذته اتخذته نبيذا، وسواء كان مسكرا او غير مسكر فانه يقال له نبيذ، ويقال للخمر المعتصره من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر. (١) اه.

ويقال للخمر المعتصره من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر. (١) اه.

مثال علي عدم الموازنه بين مجموع ما نقل عن الراوي من سيرته وحياته:

اه. مثال علي عدم الموازنه بين مجموع ما نقل عن الراوي من سيرته وحياته: الطعن في معاويه ﷺ بسبب بعض المواقف في مرحله الفتنه، واهمال ثقه الصحابه به، وعدم انكارهم عليه في الروايه، وتوليه عمر بن الخطاب له، وابقاؤه اياه علي الولايه – مع انه عزل عدد من ولاته – وتنازل الحسن له – وان كان لحقن الدماء؛ الا انه لا يتنازل لمنافق يحكم المسلمين –، وغير ذلك.

لحقن الدماء؛ الا انه لا يتنازل لمنافق يحكم المسلمين –، وغير ذلك. وقد امتدح الرسول ﷺ هذا التنازل حين قال عن الحسن: «ابني هذا سيد، ولعل الله ان يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٢)، ويتركون – كذلك – قول ابن عباس ﷺ فيه: «انه فقيه» (٣) فيهملون كل هذه الحقائق، ويتعلقون بروايات كثير منها لا يثبت، وما ثبت منها فانه من الخطا الذي يقع فيه الصحابه وغيرهم من الناس؛

لا يثبت، وما ثبت منها فانه من الخطا الذي يقع فيه الصحابه وغيرهم من الناس؛ فاننا لا نقول بعصمه معاويه ولا غيره، ولا نقول انه كان مصيبا في قتاله لعلي ﷺ، ولكن لا نتهمه بالنفاق، ولا بالكذب علي رسول الله ﷺ، ونعتقد ان معاصريه من الصحابه هم اعلم به. (١) لسان العرب، ابن منظور (٣/٥١١) دار صادر. (٢) صحيح البخاري (٣٧٤٦). (٣) صحيح البخاري (٣٧٦٥).

(٢) صحيح البخاري (٣٧٤٦). (٣) صحيح البخاري (٣٧٦٥).

الاصل الرابع: دعوي ضياع السنه وعدم حفظها استنادا الي النهي عن كتابتها وتاخر تدوينها

اولا: دعوي عدم حفظ السنه:

كثيرا ما يثير المنكرون للسنه والمشككون فيها هذا السؤال، وهو (لو كانت السنه حجه فلماذا لم يحفظها الله كما حفظ القران)؟ ولا شك ان هذا السؤال فيه خلل ظاهر، وهو يختلف اختلافا جذريا عن سؤال (هل حفظ الله السنه كما حفظ القران) فانه يتضمن ايجاد بان من المسلم كون (السنه غير محفوظه)، وان البحث انما هو في العله –فقط–، وهذا غير صحيح.

غير محفوظه)، وان البحث انما هو في العله –فقط–، وهذا غير صحيح.

ووجه الغلط في هذا السؤال انه يتضمن (دعوي) غير مبرهنه، وهذه الدعوي هي (ان الله لم يحفظ السنه)، والتفكير الناقد يقتضي ان يقال لصاحب السؤال: من اين لك ان الله لم يحفظ السنه؟ اثبت دعواك اولا، والا فلا قيمه لسؤالك، فان اثبت بدليل فمن حقك ان تبحث عن الاجابه، واما ان تدعي دعوي مرسله دون برهان ثم تطلب من الناس ان يجيبوا عنها، فهذا لا يستقيم.

مرسله دون برهان ثم تطلب من الناس ان يجيبوا عنها، فهذا لا يستقيم.

ومع ان هذا النوع من الغلط في الاسئله منتشر الا ان كثيرا من الناس لا يكتشفونه؛ فمررت بسبب ذلك كثير من الاسئله المغلوطه علي الشباب، وتاثر كثير منهم بها، فوقعوا في الشك والانكار لبعض الثوابت الشرعيه، بينما لم يكن يحتاج الامر الي اكثر من ان يطلب من صاحب الدعوي اثباتها.

بينما لم يكن يحتاج الامر الي اكثر من ان يطلب من صاحب الدعوي اثباتها.

فيقال للسائل: انت تنسب الي الله سبحانه انه ترك حفظ سنه نبيه ﷺ، فما مستندك في هذه النسبه؟ هل عندك خبر من الله عن نفسه او خبر من رسوله ﷺ عنه؟ ٩٣ لبنت ينتسب للمبين

43

خبر من الله عن نفسه او خبر من رسوله ﷺ عنه؟

٩٣ لبنت ينتسب للمبين فان قال: انها احتج بقول الله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر: ٩] وهذا في شأن القرآن، ولم يقل سبحانه مثل ذلك في السنة. نقول له: إن دعواك هي (نفي) حفظ الله للسنة، وليس (عدم ذكر) حفظ الله للسنة، والآية لا تدل على (نفي) الحفظ لغير القرآن، وأنها تبين للقرآن.

والآية لا تدل على (نفي) الحفظ لغير القرآن، وأنها تبين للقرآن. فابحث لك عن دليل غير هذا.

(نفي) الحفظ لغير القرآن، وأنها تبين للقرآن. فابحث لك عن دليل غير هذا. ووجه آخر في الرد، وهو أن الآية تتحدث عن حفظ (الذكر)، ولا شك أن القرآن من الذكر، ولكن، هل تنفي أن تكون السنة من الذكر؟ قال ابن حزم ﷺ: «ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه» ثم قال: «فإن قال قائل إنها عني تعالى بذلك القرآن وحده؟ قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل. . .»

مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل. . . فصح أن من لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن، وأيضاً فإن الله تعالى يقول: ﴿بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤] فصح أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه،

والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن ببيان رسول الله ﷺ فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضه علينا فيه) انتهى.

(١) في الأحكام (١/١١٧).

٩٤ وعلي هذا القول فإن دلالة الآية تكون ضد قول السائل لا معه!

44

٩٤ وعلي هذا القول فان دلاله الايه تكون ضد قول السائل لا معه! وحتي لو قلنا بان الذكر لا يشمل السنه فان الذي لا ريب فيه ان السنه مبينه للقران – كما تقدم اثباته في الكتاب علي وجه التفصيل–، واذا كانت كذلك؛ فان من تمام حفظ القران حفظ بيانه، وحفظ لسانه – كما قال المعلمي ﷺ في الانوار الكاشفه–،

القران حفظ بيانه، وحفظ لسانه – كما قال المعلمي ﷺ في الانوار الكاشفه–، ودليل ذلك انك اذا نظرت في شان الصلاه – مثلا – فانك تجد النص القراني في الامر بهذه الفريضه مجملا، وانت تري ان كل المسلمين ينقلون عمن سبقهم، وان من سبقهم ينقلون عمن تقدمهم، – نقل الكافه عن الكافه–، ان الرسول ﷺ صلي باصحابه خمس صلوات في اليوم والليله، بعدد ركعات معين لكل صلاه، ثم اننا لا نجد هذا التفصيل في القران،

بعدد ركعات معين لكل صلاه، ثم اننا لا نجد هذا التفصيل في القران، فعلمنا بذلك ان السنه تبين مجمل القران؛ فكان من لازم حفظه حفظها، والا فلن يمكن للمسلم امثال ما امر الله به مجملا في القران الكريم. فان قال: الواقع شاهد علي عدم حفظ الله للسنه!

به مجملا في القران الكريم. فان قال: الواقع شاهد علي عدم حفظ الله للسنه! نقول له: بل ان الواقع شاهد علي حفظ الله للسنه، وكلانا مدع، وليست دعواك باولي من دعوانا، وانها الشان في برهانك وبرهاننا، مع العلم بانه ليس يوافقك في دعواك – هذه– الا بعض الطوائف المبتدعه، وطائفه من المستشرقين الطاعنين في القران قبل السنه، ومن تاثر بهم، واما نحن فمعنا ائمه الاسلام وفقهاء المله.

قبل السنه، ومن تاثر بهم، واما نحن فمعنا ائمه الاسلام وفقهاء المله. فان قال: البرهان هو اننا نجد في السنه الصحيح والضعيف، ولا نجد مثل ذلك في القران، فلو كانت محفوظه لما وقع فيها هذا الاختلاف. فنقول: ان هذا البرهان لا يقيم دعواك، بل يضعفها؛ وذلك ان تمييز الضعيف عن الصحيح، والثابت عن المكذوب، انما يدل علي العنايه لا الاهمال، وعلي الضبط والاتقان لا علي خلافها.

انما يدل علي العنايه لا الاهمال، وعلي الضبط والاتقان لا علي خلافها. ٩٥ لثديت حجج السست ونقض اصول المنحكرين ولو كان عندك من المعرفه التفصيليه بطرق المحدثين في التصحيح والتضعيف، والتثبيت والتعليل، والجرح والتعديل؛ لادركت ان ذلك انما هو من اثار حفظ الله سبحانه وتعالي لدينه. وانما يكون قولك صحيحا اذا لم يميز الصحيح من الضعيف، واما بعد التمييز والتحرير فلا يستقيم كلامك.

لم يميز الصحيح من الضعيف، واما بعد التمييز والتحرير فلا يستقيم كلامك. ثم انك تري ان من الناس من حرف القران، وتقول علي الله تعالي في ذلك، ونسب الي القران ايات ادعي انها مفقوده وضائعه، فهل نقول ان ذلك ينافي حفظ الله للقران الكريم او يسقط حجيته؟!

ثانيا: مساله حديث النهي عن كتابه السنه:

الكريم او يسقط حجيته؟! ثانيا: مساله حديث النهي عن كتابه السنه: ان من ابرز المحاور التي يرتكز عليها القائلون بضياع السنه محور عدم كتابتها في العهد النبوي والراشدي، ويقولون: ان النبي ﷺ نهي عن كتابه اي شيء سوي القران، وهذا يدل علي ان السنه ليست بحجه؛ لانها لو كانت حجه لما نهي عن كتابتها، والرد علي هذه الشبهه من وجوه:

لانها لو كانت حجه لما نهي عن كتابتها، والرد علي هذه الشبهه من وجوه:

١الوجه الاول: ان يقال: ما التلازم بين النهي عن كتابه السنه وبين عدم حجيتها؟، وهل لا يتحقق كون الكلام حجه الا بالاذن بكتابته؟ فاذا نهي عن ذلك تسقط حجيته؟ لا شك ان اسقاط حجيه السنه بحديث النهي عن الكتابه ينقصه وجود التلازم الذي هو العمده في الاستنتاج من الادله.

النهي عن الكتابه ينقصه وجود التلازم الذي هو العمده في الاستنتاج من الادله.

٢الوجه الثاني: ان الذي نهي عن كتابه السنه ﷺ هو الذي امر بحفظها وتبليغها، ونهي عن رد ما زاد منها علي القران، كما في حديث الاريكه (١)، فكيف ينتقون من السنه ما يوافق اراءهم، ويتركون منها ما يخالفها؟

(١) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن ابي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣). ٩٦

45

سنن ابي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣).

٩٦ ثانيات الحجاب المستد واقصاص المؤمنين

سنن ابن ماجه (١٣).

٩٦ ثانيات الحجاب المستد واقصاص المؤمنين

الوجه الثالث: النهي عن كتابة السنة قد قوبل بنصوص أخرى ترخص في كتابتها، منها قوله ﷺ مجيباً طلب أبي شاه في كتابة خطبته: «اكتبوا لأبي شاه»(١)، ومنها أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأيده النبي ﷺ على ذلك بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»(٢)، وأشار إلى فيه.

بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»(٢)، وأشار إلى فيه. وكل ما جاء من النصوص في النهي عن الكتابة ضعيف، إلا حديث أبي سعيد ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج»(٣)، فإنه مصحح عند جماعة من أهل العلم، ولكن ما وجه تقديمه على نصوص الرخصة؟

مصحح عند جماعة من أهل العلم، ولكن ما وجه تقديمه على نصوص الرخصة؟ ولا ريب أن أعمال النصين اللذين يظهر لبعض الناظرين فيهما التعارض أولى من إهمالهما، وأعمال أحد النصين دون الآخر يحتاج إلى دليل ومرجح، وهذا ما اجتهد أهل العلم فيه، فكانت لهم مسالك في الجمع بين هذه النصوص أو الترجيح بينها:

العلم فيه، فكانت لهم مسالك في الجمع بين هذه النصوص أو الترجيح بينها:

١- فمنهم من سلك مسلك الترجيح؛ وذلك بترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث النهي لتفاوت رتب ثبوتها، فإن أحاديث النهي رواها أبو هريرة وزيد بن ثابت وأبو سعيد، فأما حديث أبي هريرة وزيد فلا إشكال في ضعفه، وأما حديث أبي سعيد فقد صححه الإمام مسلم وغيره، ولكن رجح البخاري وقفه على أبي سعيد الخدري، كما ذكر ذلك ابن حجر ﷺ في «فتح الباري»(٤)، وبعض طرق هذا الموقوف ذكرها ابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله.

٢- ومنهم من سلك مسلك الجمع بالقول بنسخ حديث النهي عن الكتابة (١) صحيح البخاري (٢٤٣٤). (٢) مسند الإمام أحمد (٦٥١٠) بنحوه، وسنن أبي داود (٣٦٤٦).

مسند الإمام أحمد (٦٥١٠) بنحوه، وسنن أبي داود (٣٦٤٦). (٣) صحيح مسلم (٣٠٠٤). (٤) فتح الباري، لابن حجر (١/٢٠٨).

٩٧ لبنت يحب السنباترا ونفض أصول المنكرين بأحاديث الرخصة في الكتابة، وأنه إنما مهي عن الكتابة أول الأمر خشية اختلاط السنة بالقرآن، فلما أمن ذلك رخص فيها.

عن الكتابة أول الأمر خشية اختلاط السنة بالقرآن، فلما أمن ذلك رخص فيها. ومنهم من قال إن ذلك؛ لإبقاء سنة الحفظ التي كانت عند العرب، وقيل غير ذلك.

من قال إن ذلك؛ لإبقاء سنة الحفظ التي كانت عند العرب، وقيل غير ذلك. فهذه مجموعة من المسالك لأهل العلم في التعامل مع هذه النصوص، وقد وقع في بداية الأمر خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم زال الخلاف واستقر الإجماع. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﷺ: «ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته»(١).

ثالثاً: تأخر تدوين السنة:

المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته»(١).

ثالثاً: تأخر تدوين السنة: لا يفتأ المشككون في السنة من طرح قضية تأخر تدوينها للتوصل إلى إسقاط الثقة بها، وادعاء تحريفها وضياعها، حتى صارت هذه الشبهة من الشبهات المركزية في الخطابات الحداثية والعلمانية وفي أطروحات من يعرفون ب(القرآنيين)، يقول الحارث فخري عيسى في كتابه «الحداثة وموقفها من السنة»:

يقول الحارث فخري عيسى في كتابه «الحداثة وموقفها من السنة»: (لعل الميدان الأكبر الذي يستند إليه كثير من الحداثيين لإبطال مشروعية السنة وإنكار ثبوتها التاريخي هو القول بتأخر تدوينها، وأن الحديث لم يدون في الصحف، ولم يكتب في الكتب إلا بعد مرور مائة عام على الأقل من وفاة النبي محمد ﷺ)(٢).

ومن يتأمل في استدلال المشككين بهذه الشبهة يجد فيه عدداً من الأخطاء والإشكالات والثغرات، من أهمها:

بهذه الشبهة يجد فيه عدداً من الأخطاء والإشكالات والثغرات، من أهمها:

١ - حصر التوثيق في الكتابة، وإهمال وسائل التوثيق الأخرى. (١) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص ١٣٨). (٢) ص ١٧٥، دار السلام، الطبعة الأولى.

٩٨ أشاتكبيت السنة ونفض أصول المنكرين

٢ - الجهل بصور العناية بالسنة في القرنين الأول والثاني.

٣ - الجهل بوجود الكتابة المبكرة للحديث النبوي.

46

في القرنين الأول والثاني:

٣ - الجهل بوجود الكتابة المبكرة للحديث النبوي.

٤ - التصور الخاطئ لآلية تدوين أصحاب الكتب المشهورة للسنة في القرنين الثاني والثالث.

آلية تدوين أصحاب الكتب المشهورة للسنة في القرنين الثاني والثالث. فهم يعتقدون وجود مرحلة فراغ استمرت لقرن ونصف أو قرنين، بين وقت النبي ﷺ وبين أصحاب الكتب المشهورة للسنة؛ كالبخاري ومسلم ونحوهما، فيفترضون تعامل هؤلاء المصنفين مع أكوام من الروايات التاريخية غير الموثقة، ومن ثم لملمتها في كتبهم، وهذا في غاية المفارقة لواقع الرواية والتصنيف.

لملمتها في كتبهم، وهذا في غاية المفارقة لواقع الرواية والتصنيف. ويقضي ذلك كله معرفة آلية توثيق السنة بعد وفاة النبي ﷺ، والاطلاع التفصيلي على طريقة روايتها في التحمل والأداء، وفهم قواعد المحدثين بشكل جيد، ومعرفة صور العناية المبكرة بالسنة، وبدون معرفة ذلك على وجه التفصيل فإن الطعن في السنة بدعوى تأخر تدوينها إنما هو طعن متعجل قاصر، مبني على تصور خاطئ.

تأخر تدوينها إنما هو طعن متعجل قاصر، مبني على تصور خاطئ. وحقيقة الرد على هذه الشبهة يتمثل في أمرين يلي ذكرهما على وجه التفصيل:

١ - الأمر الأول: إثبات العناية المبكرة بالسنة.

٢ - الأمر الثاني: إثبات صحة قوانين المحدثين وآليتهم في توثيق الأخبار.

وسيأتي ذكر الأمر الثاني في الرد على الأصل الخامس من أصول منكري السنة، وهذا شروع في تفصيل الأمر الأول:

٩٩

على الأصل الخامس من أصول منكري السنة، وهذا شروع في تفصيل الأمر الأول:

٩٩ إثبات العناية بالسنة عبر المراحل الزمنية.

أولاً: العناية بها زمن النبوة:

لقد ثبت عن النبي ﷺ بأصح الأسانيد، ومن طرق كثيرة جداً تفيد القطع بها، انتهت إليه أنه قال: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»(١)، وقال: «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار»(٢)، وقال: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(٣).

ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(٣). وهذه النصوص هي اللبنة الأولى التي بني عليها المحدثون قواعدهم، كما أن فيها إشارة ضمنية إلى جواز رواية الحديث عن النبي ﷺ، لأن التحذير من الكذب عليه يفهم منه تجويز النقل الصادق المثبت عنه، ولو كان مراداً للنبي ﷺ ألا يحدثوا عنه أبداً، وإلا ينقلوا عنه شيئاً من كلامه أو أفعاله لنهي عن ذلك.

عنه أبداً، وإلا ينقلوا عنه شيئاً من كلامه أو أفعاله لنهي عن ذلك، ولكنه حذر من الكذب عليه في الوقت الذي حث على التبليغ عنه في مقامات متعددة.

ولكنه حذر من الكذب عليه في الوقت الذي حث على التبليغ عنه في مقامات متعددة. وقد كان للوعيد النبوي الوارد في التحذير من الكذب عليه أثر على أصحابه فمن بعدهم من أئمة النقل، وعلماء الأثر، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﷺ أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي ﷺ قال: «من تعمد علي كذب، فليتبوأ مقعده من النار»(٤)، مع أن أنس بن مالك من الرواة المكررين عن النبي ﷺ.

مقعده من النار»(٤)، مع أن أنس بن مالك من الرواة المكررين عن النبي ﷺ. وقد جاء في صحيح مسلم في المقدمة أن الرسول ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بها لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم»(١).

(١) صحيح البخاري (١٠٧).

(٢) صحيح البخاري (١٠٦).

(٣) صحيح البخاري (١٢٩١).

(٤) صحيح البخاري (١٠٨).

(٣) صحيح البخاري (١٢٩١).

(٤) صحيح البخاري (١٠٨).

١٠٠ للمتقين السباق ونفض أصول المنكرين.

47

صحيح البخاري (١٠٨). ١٠٠ للمتقين السباق ونفض اصول المنكرين فاياكم واياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم» ﴿١﴾، قال الخطيب البغدادي في (الكفايه): «وقد اخبر النبي ﷺ بان في امته ممن يجيء بعده كذابين، فحذر منهم، ونهي عن قبول رواياتهم، واعلمنا ان الكذب عليه ليس كالكذب علي غيره، فوجب بذلك النظر في احوال المحدثين والتفتيش عن امور الناقلين،

احتياطا للدين، وحفظا للشريعه من تلبيس الملحدين» ﴿٢﴾ اه. وفي كلام الخطيب ما يفيد ان التاسيس الاولي لعلم الحديث وقواعد التثبت مستفاد من الشرع نفسه، ومن كلام المصطفي ﷺ، ولا شك ان ذلك صحيح، اضافه الي التوجيه الرباني في سوره الحجرات:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» ﴿الحجرات: ٦﴾ ﴿٣﴾. ومن صور العنايه النبويه بالسنه: ان النبي ﷺ كان يشجع بعض اصحابه الذين اعتنوا باحاديثه كما في قصه سؤال ابي هريره النبي ﷺ: من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامه؟ فقال:

«لقد ظننت يا ابا هريره ان لا يسالني عن هذا الحديث احد اول منك، لما رايت من حرصك علي الحديث. اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامه، من قال لا اله الا الله، خالصا من قلبه، او نفسه» ﴿٤﴾. وهذه لفته تشجيعيه مؤيده كما في الحديث الصحيح الاخر: «نضر الله امرا سمع ما شيئا فبلغه كما سمع،

فرب مبلغ اوعي من سامع» ﴿٥﴾. وكما في قصه عبد الله بن عمرو ﷺ، حين قال: «كنت اكتب كل شيء اسمعه من رسول الله ﷺ اريد حفظه، فنمتني قريش، وقالوا: اتكتب كل شيء تسمعه؟ ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضا؟

اتكتب كل شيء تسمعه؟ ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضا؟ ﴿١﴾ مقدمه صحيح مسلم (٧). ﴿٢﴾ الكفايه في علم الروايه (٣٥). ﴿٣﴾ سوره الحجرات ايه (٦). ﴿٤﴾ صحيح البخاري (٩٩). ﴿٥﴾ سنن الترمذي (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ١٠١ ليديت كجبل السبت و نفض اصول المنحيرين

هذا حديث حسن صحيح. ١٠١ ليديت كجبل السبت و نفض اصول المنحيرين فامسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فاوما باصبعه الي فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه الا حق». وهذا الحديث اخرجه الامام احمد ﴿١﴾ وابو داود ﴿٢﴾ - رحمها الله تعالي - باسناد جيد؛ ولذلك ثبت في صحيح البخاري من حديث ابي هريره قال: «ما من اصحاب النبي ﷺ احد اكثر حديثا عنه مني، الا ما كان من عبد الله بن عمرو -، فانه كان يكتب ولا اكتب» ﴿٣﴾.

عنه مني، الا ما كان من عبد الله بن عمرو -، فانه كان يكتب ولا اكتب» ﴿٣﴾. وحين خطب النبي ﷺ خطبه في تحريم مكه، قام رجل من اهل اليمن، يقال له ابو شاه، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «اكتبوا لابي شاه» ﴿٤﴾.

اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «اكتبوا لابي شاه» ﴿٤﴾. وثبت عنه ﷺ انه قال: «عليكم بسنتي» ﴿٥﴾. وقال: «لا الفين احدكم متكئا علي اريكته، ياتيه الامر من امري؛ مما امرت به او نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» ﴿٦﴾. وهو حديث صحيح. وحدث رسول الله ﷺ وفد عبد القيس بحديث، ثم قال لهم: «احفظوه واخبروه من وراءكم» ﴿٧﴾.

وفد عبد القيس بحديث، ثم قال لهم: «احفظوه واخبروه من وراءكم» ﴿٧﴾. ﴿١﴾ مسند الامام احمد (٦٥١٠) بنحوه. ﴿٢﴾ سنن ابي داود (٣٦٤٦). ﴿٣﴾ صحيح البخاري (١١٣). ﴿٤﴾ صحيح البخاري (٢٤٣٤). ﴿٥﴾ سبق تخريجه. ﴿٦﴾ سنن ابي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣). ﴿٧﴾ صحيح البخاري (٨٧). ١٠٢

48

سنن ابن ماجه (١٣). (٧) صحيح البخاري (٨٧).

١٠٢ لبنتهم للمسائل المتخيرين ونفض اصول المنحكرين

ثانيا: عناية الصحابة بسنة النبي ﷺ في حياته وبعد موته:

تقدم ذكر حديثي أبي هريرة وابن عمرو في هذا الشأن، وحرصها على تتبع حديث النبي ﷺ، والعجيب أن حرص الصحابة على ذلك لم ينته بوفاة رسول الله ﷺ، كما قال البخاري في صحيحه: «باب الخروج في طلب العلم. ورحل جابر بن عبد الله مسيره شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد»(١).

وتجد –وأنت تستعرض كتب السنة– أن كثيراً من روايات الصحابة متلقاة بواسطة صحابة آخرين عن النبي ﷺ، مما يدل على عنايتهم بسماع الحديث فيما بينهم، ومن أمثلة ذلك روايات ابن عباس ﷺ الكثيرة عن النبي ﷺ، مع أنه لم يسمع منه إلا أحاديث قليلة، فقد توفي رسول الله ﷺ وهو شاب صغير السن.

كما أنه قد تواتر عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم لم يقتصروا في فتاواهم وأقضيتهم على ما في القرآن، بل ضموا إليه السنة كمصدر تشريعي، كما في القصة المشهورة التي نقلها جمع غفير في شأن أبي بكر الصديق ﷺ مع فاطمة الزهراء ﷺ، وذلك أنها جاءته تطلب ميراثها من رسول الله ﷺ، فقال لها أبو بكر:

«إن رسول الله ﷺ قال: أنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة»(٢).

وقال أبو بكر لها: «لست تاركاً شيئاً؛ كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ»(٣).

وكل هذا مع أن الحكم الوارد في حديث: «... لا نورث ما تركنا صدقة» ليس مذكوراً في القرآن، إلا أن أبا بكر ﷺ شدد فيه هذا التشديد، بالرغم من أنه كان في حرج من رد طلب فاطمة، غير أنه يخشى على نفسه من أن يزيغ لو تركه.

(١) صحيح البخاري (٢٦ / ١)

(٢) صحيح البخاري (٣٠٩٣)، صحيح مسلم (١٧٥٩)

(٣) صحيح البخاري (٣٠٩٣)، صحيح مسلم (١٧٥٩)

١٠٣

وهذا عمر بن الخطاب يتوقف في أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف، أن النبي ﷺ أخذها، فعمل بذلك(١)، وهذا حكم عام يتعلق بالدولة الإسلامية بناه عمر على حديث سمعه من شخص واحد وهو عبد الرحمن بن عوف ﷺ، واشتهرت هذه الحادثة ونقلها المحدثون وأصحاب السير والمغازي.

بل إنك تجد من بعض الصحابة موقفاً شديداً تجاه المتهاون في شأن بعض السنن، كما وقع لابن عمر ﷺ إذ حدث عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنتم إليهن» قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله: فسبه سباً سيئاً؛ ما سمعته سباً مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن(٢).

وكانت نتيجة هذا الحرص في التلقي والمتابعة والتعظيم أن قاموا بتبليغ ما سمعوه ورأوه عن رسول الله ﷺ، وتعليمه من بعدهم، فهذا أحدهم يأتي بإناء؛ ليعلم التابعين وضوء النبي ﷺ، والآخر يصل أمامهم، وما يريد بذلك إلا تعليمهم صلاة رسول الله ﷺ. كما في قصة مالك بن الحويرث ﷺ(٤).

وكان يكتب بعضهم لبعض ما يهمهم من أحاديث رسول الله ﷺ، فهذا أبو بكر الصديق ﷺ يكتب كتاباً لأنس بن مالك ﷺ، فيه مقادير الزكاة، وتفاصيل أحكامها عن رسول الله ﷺ، وهذا في صحيح البخاري(٥).

وكتب جابر بن سمره ﷺ إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثاً. كما في صحيح

(١) صحيح البخاري (٣١٥٦-٣١٥٧).

(٢) صحيح مسلم (٤٤٢).

(٣) صحيح البخاري (١٨٥).

(٤) صحيح البخاري (٨٠٢).

(٥) صحيح البخاري (١٤٥٤).

١٠٤ لبنين يحتم الرحمن للمتشكرين

49

صحيح البخاري (١٤٥٤). ١٠٤ لبنين يحتم الرحمن للمتشكرين.

الإمام مسلم (١). وكتب عبد الله بن أبي أوفى ﷺ لعمر بن عبيد الله. كما في صحيح البخاري (٢).

عبد الله بن أبي أوفى ﷺ لعمر بن عبيد الله. كما في صحيح البخاري (٢). وكان بعضهم يبلغ أحاديث النبي ﷺ في مقام عام على منبر رسول الله ﷺ. فهذا عمر ﷺ كما في صحيح البخاري - قام خطيبًا في مسجد رسول الله على منبر رسول الله ﷺ، وذكر حد الرجم على الزاني، وقال:

«لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، إلا وأن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، إلا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده» (٣).

ثالثًا: عناية التابعين بسنة النبي ﷺ:

قال التابعي الفقيه عروة بن الزبير ﷺ: «لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج - يعني سنين - ٤ أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته» (٤).

إن من أهم مظاهر عناية التابعين بسنة المصطفى ﷺ: ملازمتهم للصحابة وضبطهم لأحاديثهم، فتجد أحدهم يلازم الصحابي مدة طويلة، يسمع منه الحديث، ويضبطه عنه، حتى تتحصل لديه خبرة خاصة بأحاديث هذا الصحابي، حتى صارت هناك دوائر من التابعين المتفزين محيطًا بالصحابة المكرمين من الرواية.

ثم نجد دوائر من تابعي التابعين محيطًا بدوائر التابعين، وهكذا إلى مرحلة التدوين الشامل في مصنفات السنة، وتتفاوت رتب الدوائر عن الراوي الواحد، فالدائرة الأولى هي الأكثر ضبطًا والأوثق، ثم الدائرة الثانية، ثم الثالثة... الخ.

(١) صحيح مسلم (١٨٢٢).

(٢) صحيح البخاري (٢٨١٨).

(٣) صحيح البخاري (٦٨٢٩).

(٤) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ٩٣).

فإذا اختلف الرواة عن الصحابي الواحد أو عن التابعي الواحد في رواية خبر ما، فإن المحدثين يقدمون رواية أصحاب الدائرة الأولى على من بعدهم، ويتفاوت إخراج أصحاب كتب السنة لأصحاب هذه الدوائر بحسب شرط صاحب الكتاب.

مثال ذلك: قال ابن رجب: (أصحاب الزهري خمس طبقات):

الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان، وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبد الله بن عمر، ومعمر، ويونس وعقيل، وشعيب، وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.

الطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يبارسوا حديثه، وهم في إتقانه دون الطبقة الأولى؛ كالأوزاعي، والليث، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد ونحوهم، وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.

الطبقة الثالثة: لازموا الزهري، وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم كسفيان بن حسين، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعه بن صالح، ونحوهم. وهؤلاء يخرج لهم أبو داود، والترمذي والنسائي، وقد يخرج مسلم لبعضهم متابعة.

الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري، من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم، مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.

لكن أسماء المستدير وقصاص المؤمنين هؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.

50

لكن اسماء المستدير واقصاص المؤمنين وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.

الطبقه الخامسه: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الاولي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب وبحر السقاء، ونحوهم. فلم يخرج لهم الترمذي، ولا ابو داود، ولا النسائي، ويخرج ابن ماجه لبعضهم، ومن هنا نزلت درجه كتابه عن بقيه الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبره سوي طائفه من المتاخرين) اه(١).

بقيه الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبره سوي طائفه من المتاخرين) اه(١). بل نجد المحدثين في دقتهم يفاضلون بين اصحاب الدائره الواحده، فعلي سبيل المثال: لا يختلف اهل الحديث ان سالم بن عبد الله ونافعا مولي بن عمر اضبط من روي عن ابن عمر، وانهما في الدائره الاولي، وان كل واحد منهما روي عن عبد الله بن عمر قدرا كبيرا من الاحاديث، ومع ذلك نجد الامام المحدث النسائي يقول:

«اختلف سالم ونافع في ثلاثه احاديث، وسالم اجل من نافع -يعني قدرا وعلما-، واحاديث نافع الثلاثه اولي بالصواب» اه من كتاب (تهذيب التهذيب) (٢)، فانظر كيف حدد قدر الاختلاف بينهما بدقه ثم رجح قول نافع، ولم يمنعه كونها غايه في الحفظ والضبط من ان يتبه لهذا النقد الدقيق.

كتاب الحديث في زمن التابعين:

كتب الدكتور محمد مصطفي الاعظمي رساله نافعه بعنوان: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) نال بسببها درجه الدكتوراه من جامعه كامبريدج بامتياز، وقد تتبع فيها اسماء الذين كتبوا الحديث من الصحابه والتابعين وتابعيهم، وقام بجهد كبير في هذا التتبع، ووصل الي نتائج مذهله،

(١) شرح علل الترمذي (١/١١٣) (٢) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/٢١١).

في طبقه القرن الاول من التابعين رصد ثلاثه وخمسين ممن كتبوا الحديث، او كتب عنهم، وفي طبقه تابعي القرن الثاني تتبع تسعه وتسعين تابعيا ممن كتبوا، او كتب عنهم، وهذا يدل علي انتشار كتابه الحديث في زمن التابعين، علي خلاف ما يدعيه المنكرون.

وقد تولي الخليفه التابعي عمر بن عبد العزيز ﷺ الاهتمام بقضيه تدوين السنه – وقد عاش في زمن متقدم في اواخر القرن الهجري الاول-، كما قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم:

«وكتب عمر بن عبد العزيز الي ابي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فاني خفت دروس العلم – اي اندثاره وذهابه – وذهاب العلماء، ولا تقبل الا حديث النبي ﷺ، وليفشوا العلم، وليجلسوا حتي يعلم من لا يعلم، فان العلم لا يهلك حتي يكون سرا» (١).

ومن جهه اخري فقد عرف بعض التابعين بالتدقيق والتتبع والتفتيش في الاسانيد والرواه، وقد كان التابعي الجليل محمد بن سيرين ﷺ من اشهر من اعتني بذلك، كما قال علي ابن المديني ﷺ:

«كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الاسناد، ولا نعرف احدا اول منه: محمد بن سيرين، ثم كان ايوب وابن عون، ثم كان شعبه، ثم كان يحيي بن سعيد، وعبد الرحمن»

وهذا نقله ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٢)، وثبت عن ابن سيرين انه قال: «ان هذا العلم دين فانظروا عمن تاخذون دينكم» (٣).

(١) صحيح البخاري (٣١/١) (٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٣٥٥/١) (٣) مقدمه صحيح مسلم (١٥).

51

لابن رجب (٣٥٥/١) (٣) مقدمه صحيح مسلم (١٥).

١٨ (1) شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/٣٤١).

رابعا: العناية بالسنة في وقت اتباع التابعين:

قال ابن رجب ﷺ - في «شرح العلل» -: «والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفا مرتبا مبوبا، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صنفت التصانيف» (١) والتصنيف هو ترتيب الأحاديث على الأبواب.

وممن صنف في هذه المرحلة: ابن جريج ﷺ: حيث صنف في السنن والطهارة والصلاة، وتوفي عام (١٥٠ه). ومنهم محمد بن إسحاق: صنف في المغازي، وقد توفي عام (١٥١ه) - على خلاف في سنة وفاته -. وكذلك معمر بن راشد الأزدي: صنف الجامع، وتوفي عام (١٥٣ه). وابن أبي عزوبة: صنف السنن والتفسير، وتوفي عام (١٥٧ه). وكذلك ممن صنف في هذه المرحلة سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهما رحمهم الله جميعا.

ومن الصنفات المشهورة جدا في هذه المرحلة: موطأ الإمام مالك. والموطأ مرتب على الكتب والأبواب، وفيه كلام النبي ﷺ وكلام بعض الصحابة والتابعين مع كلام الإمام مالك كذلك.

خامسا: العصر الذهبي للسنة تصنيفا ونقدا.

يمكن القول بأن مرحلة القرن الثالث الهجري مع أواخر القرن الثاني هي المرحلة الذهبية للسنة النبوية. وقد اجتمع في هذه المرحلة عدد كبير من أفذاذ علماء الحديث، بحيث لم يجتمع في عصر قبله ولا بعده مثل هذا العدد لعلماء متمكنين من الحديث والأسانيد والعلل والرجال.

فقد اجتمع فيه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين.

وتطورت المصنفات في السنة لتشمل أنواعا جديدة من التصنيف، فجمع البخاري الأحاديث التي يجمعها رابط الصحة العليا، وهو أول من قام بذلك، وقد اشتبه هذا العمل على بعض جهلة المشككين فظنوا أنه أول من جمع الحديث، وليس الأمر كذلك، بل إنه سبق بمصنفات حديثية كثيرة كما مر معنا، وهو إنما ابتدع جمع الصحيح من الحديث وإفراده في كتاب مستقل.

وانتشر التصنيف في الرجال ورواة الحديث وأحوالهم وبيان مسائل المصطلح وقواعد النقد، فقد جمع البخاري كتابا كبيرا في رواة الحديث قبل أن يجمع كتابه الصحيح، ودون أصحاب الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كلام أئمتهم في الرجال والعلل والتصحيح والتضعيف في كتب عرفت بكتب المسائل، وصنف ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه.

المحصّل من كل ما سبق ذكره من مراحل العناية أن الطعن في السنة بدعوى عدم تدوينها ينقصه إدراك واقع الرواية وطبيعة نقلها، وحيثيات ذلك، فالتدوين موجود منذ الزمن الأول، والتوثيق الذي قام به المحدثون لنقل السنة كان غاية في التثبت والتحوط، بل هو أثبت من كثير مما هو موجود في تراث الأمم من المخطوطات والصحف القديمة التي يجهل كثير من كتابها ومؤلفيها.

وفي الأصل التالي بيان الوجه الآخر في نقض الشبهة.

* الأصل الخامس: إسقاط مكانة علم الحديث والتشكيك في منهجية المحدثين وطرقهم في تصحيح الأخبار وتضعيفها.

52

الحديث والتشكيك في منهجيه المحدثين وطرقهم في تصحيح الاخبار وتضعيفها.

أول من نظم نقد الروايات التاريخيه، ووضع القواعد لذلك: علماء الدين الاسلامي؛ فإنهم اضطروا اضطراراً إلى الاعتناء بأقوال النبي ﷺ، وأفعاله؛ لفهم القرآن وتوزيع العدل. فقالوا: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾، ما تلي منه فهو القرآن وما لم يتل منه فهو السنة؛ فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها،

ومالم يتل منه فهو السنة؛ فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها، فاخفوا علم الحديث بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا (١).

هذا ما قاله الدكتور أسد جبرائيل رستم – أحد أشهر علماء التاريخ في القرن العشرين – وهو لبناني نصراني كان يدرس في الجامعة الأمريكية ببيروت، وذلك أنه حين أراد أن يؤلف كتابه الأشهر في التعامل مع النصوص التاريخية: «مصطلح التاريخ» اطلع عن كثب على تراث المحدثين وكتبهم في مصطلح الحديث، فادهش لذلك،

وتعجب من منهجيتهم الدقيقة في توثيق الأخبار ونقدها، وقد سجل الحالة الشعورية التي مر بها وهو يقرأ في كتب مصطلح الحديث، فقال: «أكببت على مطالعة كتب المصطلح وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعا عليها ازداد ولعي بها وإعجابي بواضعيها» (٢) اه.

ثم ذكر تجربته التفصيلية مع كتاب الإلمع للقاضي عياض، فقال: «ولا أزال أذكر حادثاً وقع لي عام (١٩٣٦) في دمشق يوم احتفلت الحكومة» (١) مصطلح التاريخ – أسد رستم، (٣٩) – مركز تراث للبحوث والدراسات. (٢) مصطلح التاريخ، أسد رستم، (٤٦).

أسد رستم، (٤٦). ١١١ لثابت كحجر السبت ونفض أصول المنحكين.

أسد رستم، (٤٦). ١١١ لثابت كحجر السبت ونفض أصول المنحكين السورية بمرور ألف عام على وفاة المتنبي، فإني كنت في جملة الوافدين إلى عاصمة الأمويين والمحتفلين بذكرى شاعر العرب، وأقمت فيها مدة من الزمن أقلب في أثنائها مخطوطات المكتبة الظاهرية. وما إن بدأت بالعمل حتى أيقنت أني أمام أعظم مجموعة لكتب الحديث النبوي في العالم،

ففي خزائن هذه المكتبة عدد لا يستهان به من أمهات المخطوطات في هذا العلم، وقسم منها يحمل خطوط أعاظم رجال الحديث؛ ومن أهم ما وجدت فيها نسخة قديمة من رسالة القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في علم المصطلح، كتبها ابن أخيه سنة (٥٩٥ هـ)، وكنت قد قرأت شيئاً عنها في بعض رسائل المصطلح،

فاستنسختها بالفوتوستات، وبدأت في درسها وتفهم معانيها، فإذا هي من أنفس ما صنف في موضوعها، وقد سما القاضي عياض إلى أعلى درجات العلم والتدقيق في عصره.

والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ في أوروبا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، وذلك على الرغم من مرور سبعة قرون عليها؛ فإن ما جاء فيها من مظاهر الدقة في التفكير والاستنتاج،

تحت عنوان «تحري الرواية والمجيء باللفظ» يضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في أهم كتب الفرنجة في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبلاد الإنجليز. وقد اقتطفنا من كلام القاضي عياض في هذا الموضوع شيئاً أوردناه في باب تحري النص والمجيء باللفظ في كتابنا هذا.

والواقع أن الميثودولوجيا الغربية التي تظهر اليوم لأول مرة بثوب عربي، ليست غريبة عن علم مصطلح الحديث، بل تمت إليه بصلة قوية؛ فالتاريخ دراية أولاً ثم رواية، وبعض القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتوصل إلى الحقيقة في الحديث، تتفق في جوهرها مع بعض الأنظمة التي أقرها.

53

## القواعد:

الي الحقيقه في الحديث، تتفق في جوهرها وبعض الانظمه التي اقرها ﴿١١٢﴾ (1) مصطلح التاريخ - اسد رستم، ص٤٦-٤٨. علماء اوربا فيما بعد في بناء علم المثودولوجيا، ولو ان مؤرخي اوربا في العصور الحديثه اطلعوا علي مصنفات الائمه المحدثين، لما تاخروا في تاسيس علم المثودولوجيا حتي اواخر القرن الماضي (1) انتهي.

لما تاخروا في تاسيس علم المثودولوجيا حتي اواخر القرن الماضي (1) انتهي. وفي المقابل نجد بعض جهله المسلمين من مدعي التجديد والتنوير، يشككون في قيمه هذا العلم، بل يرون انه علم زائف، وانه ليس الا وسيله لتمرير المذاهب والايديولوجيات التي ينتمي اليها المحدثون، فهو علم غير موضوعي، ولا حيادي، ولا يفيد شيئا في تمييز الصحيح من ركام المرويات -كما يعبرون-،

ولا حيادي، ولا يفيد شيئا في تمييز الصحيح من ركام المرويات -كما يعبرون-، وقد لمست من خلال تجربتي الشخصيه في مناقشه منكري السنه ان احكامهم تلك علي علم الحديث ليست صادره عن علم ومعرفه به، ولذلك جاءت اعتراضاتهم عليه منقوصه، مشوهه، مضطربه.

ومعرفه به، ولذلك جاءت اعتراضاتهم عليه منقوصه، مشوهه، مضطربه. واما من ادرك تفاصيل هذا العلم، واطلع علي حقائقه، وكان عادلا منصفا في حكمه، فانه سينظر اليه بعين التقدير، وسيعرف لرواده فضلهم ومنزلتهم، كما فعل اسد رستم.

اليه بعين التقدير، وسيعرف لرواده فضلهم ومنزلتهم، كما فعل اسد رستم. واشير هنا الي اهميه اشتغال المتخصصين في علم الحديث بابراز جوانب العظمه في هذا العلم، والا يكتفوا بشرح مسائل المصطلح والتخريج، بل يجمعوا الي ذلك الاشتغال بقضايا الاثبات الكبري المتعلقه بهذا الفن الشريف،

الي ذلك الاشتغال بقضايا الاثبات الكبري المتعلقه بهذا الفن الشريف، خاصه وان اكثر الذين كتبوا في مجال حجيه السنه لم يتصدوا لاثبات صحه علم الحديث وكفايته في توثيق السنه، مع ان ذلك في غايه الاهميه والخطوره، وهو قاطع لاكثر الشبهات، ووائد لها في مهدها. ﴿١١٣﴾ بوابه المساحت الرقم السبيع

الشبهات، ووائد لها في مهدها. ﴿١١٣﴾ بوابه المساحت الرقم السبيع وممن كتب قواعد علم الحديث مستحضرا طعونات المشككين من المستشرقين ونحوهم: الدكتور نور الدين عتر ﷺ في كتاب «منهج النقد في علوم الحديث». ومن الكتابات الجيده في رد الاعتراضات المثاره ضد علم الحديث ومنهجيه المحدثين: ما قدمه الدكتور خالد ابا الخيل في كتابه: «الاتجاه العقلي وعلوم الحديث».

ما قدمه الدكتور خالد ابا الخيل في كتابه: «الاتجاه العقلي وعلوم الحديث». وقبل ان اذكر جوانب تميز المحدثين في منهجهم النقدي اشير الي ان علم الحديث لم ينشا في بيئه منعزله عن واقع الروايه، فهو وان كان قد تاسست اصوله مع نزول الوحي، وذلك بالتاكيد علي التثبت في الانباء، وتغليظ الكذب علي رسول الله ﷺ –كما تقدم–، الا ان تطوره وتشعبه جاء مواكبا للتحديات المحيطه بواقع الروايه،

الا ان تطوره وتشعبه جاء مواكبا للتحديات المحيطه بواقع الروايه، ففي المراحل الاولي في زمن الصحابه وكبار التابعين؛ لم تكن سلسله الاسناد طويله، اذ كان الصحابي يروي عن النبي ﷺ دون واسطه بينهما، وربما روي عن صحابي اخر عن النبي ﷺ، والتابعون الكبار يروون عن الصحابه مباشره، ثم بدات السلسله تطول في وقت صغار التابعين،

يروون عن الصحابه مباشره، ثم بدات السلسله تطول في وقت صغار التابعين، فقد يروي احدهم حديثا عن تابعي اخر عن ثالث عن صحابي عن النبي ﷺ، وربما اكثر من ذلك، وظلت السلسله في امتداد مع تاخر الزمن، ودخل في سلسله الاسناد رواه كثر، فيهم المعروف والمجهول، وانتشر الكذب في الروايات، وكثرت الوهم لكثره الرواه علي اختلاف مستوياتهم، ولاجل ذلك كله؛

وكثرت الوهم لكثره الرواه علي اختلاف مستوياتهم، ولاجل ذلك كله؛ طور العلماء والمحدثون الادوات الضامنه لمعرفه ما صح من الروايه، مما لم يصح، وتفرغ اناس من الجهابذه لهذه المهمه العظيمه، وتوفرت لديهم الاله المناسبه، مع دقه الفهم والنظر، وبذل اقصي الجهد في الرحله والدراسه والمقارنه.

* * *

الجوانب الكاشفه عن تميز المحدثين في منهجهم النقدي، اجمالا

54

## الجوانب الكاشفه عن تميز المحدثين في منهجهم النقدي

اجمالا:

١- اشتراط المحدثين سلامه اسانيد الروايات في الظاهر، من جهه اتصالها وعداله رواتها وضبطهم.

٢- عنايه المحدثين باستخراج العلل الخفيه وعدم الاكتفاء بشروط الصحه الظاهره.

٣- تحديث المعلومات عن الرواه برصد الاشكالات الطارئه، وعدم الاكتفاء بالحكم المسبق.

٤- نقدهم للمتون، ولو صحت اسانيدها في الظاهر.

الجانب الاول: اشتراط المحدثين سلامه اسانيد الروايات في الظاهر، من جهه اتصالها وعداله رواتها وضبطهم

سلامه اسانيد الروايات في الظاهر، من جهه اتصالها وعداله رواتها وضبطهم يشترط المحدثون لقبول الروايات والاخبار شروطا تعود الي ظواهر الاسانيد واخري الي بواطنها، فاما الشروط التي تعود الي الظاهر فهي للتصفيه الاوليه، ثم ينخلون بعد ذلك المصفي من الروايات بالبحث عن عللها الباطنه، فيستبعدون كثيرا من الاخبار التي صحت ظواهر اسانيدها بعد نخل باطنها والتدقيق فيها.

كثيرا من الاخبار التي صحت ظواهر اسانيدها بعد نخل باطنها والتدقيق فيها، ويبقون ما ظهر صفاؤه بعد التنقيه الظاهره والباطنه، وهذه المنهجيه الصارمه لا تجدها في اي ميدان تاريخي للامم، بل ان التصفيه الاولي العائده الي ظواهر الاسانيد لا تكاد تجدها عند غيرهم فضلا عن النخل الباطن.

فانك تري ان كثيرا من علماء التاريخ في العالم يحفلون ببعض المخطوطات القديمه ويبنون عليها حقائق تاريخيه مع انه ينقصها بعض شروط الصحه الظاهره، كضبط الراوي والتاكد من نزاهته، فلو وجدنا مخطوطه تعود للقرن الرابع الميلادي علي سبيل المثال، ويتحدث فيها كاتبها عن حدث معين في تلك المرحله.

فان هذا ينقصه التاكد من حال كاتب المخطوطه، اذ ان القدم لا يساوي الثقه، فكيف لو كان كاتب المخطوطه –مع ذلك– يتحدث عن امر وقع في زمن قبله؟ فهذا انقطاع زمني لا يقبله المحدثون في الصحيح من احكامهم بينما قد يقبله غيرهم.

والشروط الظاهره التي يشترطها المحدثون لصحه الروايات الحديثيه ثلاثه:

(عداله الرواه الناقلين للخبز، وضبطهم لما ينقلون ويروون، واتصال اسانيد اخبارهم بالا يكون فيها انقطاع ظاهر ولا باطن)

وفيما يلي تفصيل لمنهجيه المحدثين في كل شرط من هذه الشروط:

١١٦ اشبله الحجل المسمد ونقص اصول المنكرين

الشرط الاول: عداله الرواه:

العداله هي نزاهه الراوي في باب الصدق، وسلامته الدينيه من الفسق. واشتراط المحدثين لذلك انما كان خشيه وقوع الكذب المتعمد في الروايه بزياده فيها، او باختلاق شيء من القصص ثم تنسب الي النبي ﷺ؛ لان الذي يتجرا علي الحرام ويتهاون في ارتكابه، قد يتجرا ويكذب علي رسول الله ﷺ.

ولا يكتفي المحدثون في شرط العداله بعدم قبول روايه من عرفوا فيه الفسق، بل انهم يدرجون في ذلك من كان مجهول الحال من الرواه ممن لا يعرف حاله. فان قال قائل: اليس قد يتلبس انسان بالصلاح ظاهرا، ويكون في باطنه علي خلاف ذلك؟

فنقول: ان شرط العداله ليس الا بوابه شروط تصحيح الحديث، وليس كافيا عند المحدثين كون الراوي صالحا صلاحا حقيقيا في الباطن والظاهر حتي يحكموا علي حديثه بالصحه، فضلا عن ان يكون صلاحه زائفا، فتجدهم يقولون في بعض الغباد الكبار الذين عرفوا بمزيد اختصاص في الشان التعبدي: لا تقبلوا احاديثهم.

وذلك لانهم اختبروا احاديثهم التي رووها فوجدوا ان شرط الضبط والاتقان غير متحقق فيهم، فاسقطوا الاحتجاج باحاديثهم، مع حفظهم لمقامهم في الصلاح والعباده والفضل.

١١٧ اشبات محمد الشيراز ونقض اصول المتكرين

الشرط الثاني: الضبط والاتقان.

55

## القواعد:

اشبات محمد الشيراز ونقض اصول المتكرين

**الشرط الثاني: الضبط والاتقان.** قد يكون الراوي عدلا صالحا، ولكنه لا يضبط الاخبار - كما تقدم-، فمثلا هذا لا يخشي من تعمده الكذب وانها يخشي من خطئه وغلطه؛ فلذلك لا يقبل المحدثون روايه الصالحين حتي يتحققوا من مستوي ضبطهم ودرجه اتقانهم.

كيف يعرف النقاد ضبط الراوي واتقانه؟ يعرفون ذلك بوسائل دقيقه وطرق متقنه، فمنها اختبار الاحاديث والمتون التي رواها وحدث بها الراوي، وهذه الطريقه هي العمده في الجرح والتعديل، فيختبرون احاديثه، ومن ثم يحكمون عليه بالضبط او عدمه بناء علي ذلك، بل وربما حكموا عليه بالكذب وهم لا يعرفون شخصه، وانها بناء علي ما روي، وهذه بعض الامثله:

١أحمد بن إبراهيم الحلبي، وهو راو قد روي أحاديث منكره المتن منها: ﴿إن النبي ﷺ كان يناعي القمر وهو صغير، فيشير له إلى اليمين فيذهب يمينا، وإلى الشمال فيطيعه، فذكر النبي ﷺ أن القمر كان يلهيه حين يبكي وهو صغير﴾. فهذا الراوي، قد حكم عليه أحد أئمة الحديث الكبار وهو أبو حاتم الرازي بالكذب مع تصريحه بأنه لا يعرفه، وأنها حكمه عليه من خلال حديثه فقط، فقد جاء في كتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم أن أبا حاتم قال عنه: «لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب» (١) اه.
٢وسأل المروذي الإمام أحمد عن راو اسمه جابر الجعفي: «يتهم في حديثه بالكذب؟ قال أحمد: من طعن فيه، فإنها يطعن بها يخاف من الكذب» (١)، والشاهد قوله: (وذلك في حديثه بين).
٣وقال ابن معين - إمام الجرح والتعديل - عن روح بن عبادة: «ليس به بأس صدوق، حديثه يدل على صدقه» (٢).

ومن أهم وسائل اختبار أحاديث الراوي عند نقاد المحدثين: معارضتها ومقارنتها بأحاديث الثقات، قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث: «يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر - أي نعرض ونختبر - روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه» (٣).

مثال ذلك: قال يحيى بن معين: «قال لي إسماعيل بن عليه يوما: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله» (٤).

ومعنى قول ابن معين لابن عليه: «عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة»، أي: أجرينا عملية اختبار ومقارنة لرواياتك وأحاديثك بمرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا أن رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا أنك ثقة من أثر هذه المقارنة العملية، والاختبار الدقيق.

ومن الوسائل التي يعرف بها المحدثون ضبط الراوي - أيضا - سؤال الراوي واختباره مباشرة.

(١) ينظر: العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد رواية المروذي (٤٦٦). (٢) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي (٩ / ٢٤٢). (٣) علوم الحديث (١٠٦)، دار الفكر، تحقيق نور الدين عتر. (٤) معرفة الرجال، رواية ابن محرز، مجمع اللغة العربية (٢ / ٣٩).

56

لثابتتحجير السبتتر ونفض اصول المنجكرين الراوي واختباره مباشره. مثال ذلك: اختبار حماد بن سلمه لشيخه ثابت البناني – وكلاهما ثقتان – حيث قال: «كنت اظن ان ثابتا البناني لا يحفظ الاسانيد، كنت اقول له لحديث ابن ابي ليلي: كيف حديث انس في كذا وكذا؟ فيقول: لا انها حدثناه ابن ابي ليلي، واقول له: كيف حديث فلان في كذا، فيقول: لا، انها حدثناه فلان»(١)،

فحماد كان يخلط له الاسانيد متعمدا؛ لانه يريد ان يعرف هل يميز ثابت بين ما روي عن انس، وما روي عن عبد الرحمن بن ابي ليلي؟ فاذا لم يميز، علم ان حفظه ليس بذاك، واذا تنبه، علم انه متقن يقظ، فعلم بهذا الامتحان انه متقن يقظ.

امور يراعيها المحدثون اثناء تحقيق شرطي العداله والضبط:

١البعد عن المحاباه:

جاء في «تهذيب التهذيب» لابن حجر ﷺ في ترجمه ابان ابي عياش، قال عباد المهلبي: «اتيت شعبه انا وحماد بن زيد، فكلمناه في ابان ان يمسك عنه، – اي: يترك الكلام في تضعيفه – فامسك، ثم لقيته بعد ذلك فقال: ما اراني يسعني السكوت عنه». اه. وكان ابان مشهورا بالصلاح، ولكنه سيئ الحفظ.

بل ان من الائمه من تكلم في ضعف ضبط ابيه او ولده للروايه، كل ذلك حفظا لجناب السنه النبويه(٢).

(١) العلل ومعرفه الرجال، للامام احمد روايه ابنه عبد الله (٣٤٧٨).

(٢) ينظر مثلا: ترجمه عبد الله بن جعفر المديني في كتب الجرح والتعديل.

١٢٠ اشاتان الحجاب المستد وبقض اصول المنكرين.

٢قبول احاديث المخالفين في الاعتقاد من اهل المذاهب المبتدعه؛ تقديما لمصلحه السنه والروايه:

واجه المحدثون في زمن الروايه اشكال انتشار الفرق التي تخالف طريقه الصحابه والتابعين في ابواب الاعتقاد؛ كالقدريه والخوارج والشيعه والنواصب، وكان كثير من المنتمين لهذه الفرق يطلبون الحديث ويحضرون مجالسه ويجتهدون في تحصيله، ويعرفون بالضبط والاتقان، فاختلف المحدثون في الموقف من هؤلاء الرواه،

هل يروون عنهم، ويحكمون بثقتهم وقبول ما عندهم، ام يتركون الروايه عنهم وينهون الناس عن سماع الحديث منهم؟ فالذين منعوا الروايه عن هؤلاء راوا ان هجرهم هو الوسيله الانجع لتقليل شرهم؛ وعودتهم الي الصواب والسنه، كما ان بعضهم يري ان المبتدع لا يؤمن جانبه، حيث يخاف ان ينتصر لمذهبه الخاطئ بروايه يضعها وينسجها، اضافه الي ان بعض البدع قد تصل بالانسان الي الكفر، كما في بعض اقوال الجهميه.

بينما تجاوزت طائفه اخري من نقاد الحديث النظر الي جل هذه السلبيات، وقدموا مصلحه الروايه والسنه، حيث عرف بعض هؤلاء المبتدعه بجوده الحفظ، وكثره ما عندهم من الروايات الصحيحه، واشترط النقاد لقبول روايه هؤلاء ان يكونوا معروفين بالصدق والسلامه الدينيه؛ بحيث لا يعرف عنهم الفسق في العمل والسلوك، كما ان بدعتهم لا تصل بهم الي حد الكفر بالله، واشترط كثير منهم مع ذلك الا يكونوا من رؤوس المبتدعه الداعين الي بدعتهم،

وعلي هذا الراي استقر عمل اكثر المحدثين، واذا تاملت في صحيحي البخاري ومسلم تجد ان عددا غير قليل ممن احتج بهم الشيخان عرفوا بشيء من البدعه، وهذا يطل قول من يطعن في المحدثين بدعوي المؤثرات المذهبيه.

١٢١ لثديت محبل ونفض اصول المنحكرين.

٣الشرط الثالث: اتصال الاسناد:
57

## الشرط الثالث: اتصال الإسناد

لا زلنا في الشروط الظاهرة التي يتعامل بها المحدثون مع الأحاديث والأخبار، فبعد تأكدهم من سلامة رواة الخبر من جهة استقامة السلوك، ومن جهة الحفظ والضبط، فإنهم ينظرون إلى كيفية رواية كل واحد منهم للخبر وأدائه له.

هل روى الخبر عن شيخه بصيغة تفيد عدم الانقطاع بينهما مثل: «سمعت، وحدثني، وأخبرني» أم رواه بصيغة تدل على عدم الاتصال كـ «نبتت عن فلان، وبلغني أن فلان قال» أم رواه بصيغة غير صريحة في الاتصال ولا في الانقطاع كـ «عن، وقال»؟ ولهم تعامل خاص مع كل نوع من أنواع صيغ الأداء.

وقد يكون الانقطاع في الرواية ظاهراً، كأن يروي راوٍ عن شيخ توفي قبل مولده، أو أن تكون صيغة الأداء صريحة في الانقطاع كـ «بلغني عن فلان»، ومعرفة هذا النوع من الانقطاع لا عناء فيها.

وقد يكون الانقطاع في الرواية خفياً، كأن يكون بالتدليس - وهو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة؛ كـ «قال» و«عن»، فالراوي المدلس حين يروي الرواية التي لم يسمعها فإنه يجتنب الألفاظ الصريحة في السماع نحو «سمعت وحدثني» ويستبدلها بالألفاظ المحتملة لأنه لا يريد أن يكذب، ويعد هذا التدليس نوعاً من الانقطاع الخفي، وقد ذمه طائفة من كبار المحدثين كشعبة بن الحجاج.

وللمحدثين في كشف التدليس طرق دقيقة، ومسالك متقنة تقوم على دراسة المتن ومقارنة الأسانيد وقياس نسبة التدليس عند الراوي وغير ذلك، وليس كما يظنه بعض المشتغلين بالحديث من أن كشف التدليس لا يتطلب أكثر من النظر إلى صيغة الأداء، فإن صرح المدلس بالسماع قبل حديثه، وإن لم يصرح رد، ويضيق هذا المقام المختصر عن شرح دقائق طرق المحدثين في كشف التدليس.

## الجانب الثاني: عناية المحدثين باستخراج العلل الخفية

بعد أن يثق نقاد الحديث بالرواة من جهة عدالتهم وضبطهم، وبالإسناد من جهة اتصاله وعدم انقطاعه، فإنهم لا يصدرون الحكم على الحديث بالصحة مباشرة، كما قال ابن القيم ﷺ: «وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث وليست موجبة لصحة الحديث؛ فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، ألا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذ عنهم» (١).

والخطوة المهمة التي ينتقل إليها المحدثون بعد التأكد من سلامة الإسناد في ظاهره هي جمع سائر أسانيد الحديث وطرقه، ثم المقارنة بينها، والنظر في مدى الاتفاق والاختلاف بين الرواة، ثم ترجيح رواية الأثبت والأوثق حال الاختلاف، وبهذا تستبين العلل الخفية، كما قال الإمام علي بن المديني ﷺ: «إن الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه» (٢) وقال الخطيب البغدادي: «السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الاتقان والضبط» (٣).

ولاهل الحديث البارعين نظر دقيق في استخراج علل الأسانيد شبهوه بنظر الصيرفي الحاذق في اكتشاف زيف الذهب، حتى إن عباراتهم قد تضيق عن وصف ما يجدونه في أنفسهم حال تنبههم لموضع الغلط من الرواية التي ظاهرها الصحة.

(١) الفروسيه، لابن القيم (١٨٦).

(٢) علوم الحديث لابن الصلاح (٩١).

(٣) علوم الحديث لابن الصلاح (٩١).

## مثال لطيف لكشف علة حديث ظاهر إسناده الصحة:

58

وتقصر الصول المنحكرين مثال لطيف لكشف عله حديث ظاهر اسناده الصحه: حضر «جرير بن حازم» مجلس «ثابت البناني»، وكان حجاج الصواف حاضرا ذاك المجلس ايضا - وكلهم ثقات - فروي حجاج حديثا عن يحيي بن ابي كثير، عن عبد الله بن ابي قتاده، عن ابيه، عن النبي ﷺ: «اذا اقيمت الصلاه فلا تقوموا حتي تروني»(١).

وبعد انقضاء المجلس، صار جرير يحدث بهذا الحديث عن ثابت البناني - صاحب البيت - فيقول: حدثنا ثابت عن انس ان النبي ﷺ قال: «اذا اقيمت الصلاه. . . »، مع ان ثابتا لم يحدث بهذا الحديث، ولكن لان جريرا سمع الحديث في مجلس ثابت فارتبط في ذهنه اسم ثابت مع هذا الحديث،

ولان ثابتا اكثر ما يروي عن انس فقد ذهب جريرا الي ان هذا الحديث رواه ثابت عن انس كالعاده، والحديث انما يعرف من روايه يحيي بن ابي كثير عن عبد الله بن ابي قتاده عن ابيه. فاكتشف المحدثون هذا الخطا، وعرفوا سببه الغامض الدقيق مع ان ظاهر الاسناد الصحه(٢)،

هذا الخطا، وعرفوا سببه الغامض الدقيق مع ان ظاهر الاسناد الصحه(٢)، وهذا نص كلام الترمذي في جامعه حول هذا الحديث رقم (٥١٧)، قال: (حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابو داود الطيالسي حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن انس بن مالك قال: «كان النبي ﷺ يكلم بالحاجه اذا نزل عن المنبر».

قال ابو عيسي - اي الترمذي -: هذا حديث لا نعرفه الا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمدا - اي البخاري - يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت عن انس قال: «اقيمت الصلاه فاخذ رجل بيد النبي ﷺ فما زال يكلمه حتي نعس بعض القوم» قال محمد: والحديث هو هذا،

ﷺ فما زال يكلمه حتي نعس بعض القوم» قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربها يهم في الشيء وهو صدوق، قال محمد: وهم جرير بن حازم في حديث ثابت عن انس عن النبي ﷺ، قال: «اذا اقيمت الصلاه فلا تقوموا حتي تروني» قال محمد: ويروي عن حماد بن زيد، قال: كنا عند ثابت البناني فحدث حجاج الصواف عن يحيي بن ابي كثير عن عبد الله بن ابي قتاده عن ابيه عن النبي ﷺ قال: «اذا اقيمت الصلاه فلا تقوموا حتي تروني» فوهم جرير، فظن ان ثابتا حدثهم عن انس عن النبي ﷺ) اه.

الاختلاف بين الثقات: ان من ادق واغمض ابواب علم علل الحديث: التعامل مع الاحاديث التي اختلف الثقات في رواياتها، وهو باب يظهر - بحق - علو كعب ائمه المحدثين، ويبرز قيمه هذا العلم، وفي هذا المعني يقول ابن رجب - وهو احد ائمه المحققين في علم الحديث -: (اعلم ان معرفه صحه الحديث وسقمه تحصل من وجهين:

احدهما: معرفه رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفه هذا هين؛ لان الثقات والضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح احوالهم التواثيق.

والوجه الثاني: معرفه مراتب الثقات وترجيح بعضهم علي بعض عند الاختلاف، اما في الاسناد واما في الوصل والارسال، واما في الوقف والرفع ونحو ذلك، وهذا هو الذي يحصل من معرفته واتقانه وكثره ممارسته الوقوف علي دقائق علل الحديث. . . ولا بد في هذا العلم من طول الممارسه، وكثره المذاكره؛

فاذا عدم المذاكره به فليكثر طالبه المطالعه في كلام الائمه العارفين كيحيي القطان، ومن تلقي عنه كاحمد وابن المديني، وغيرهما؛ فمن رزق مطالعه ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوه نفس وملكه صلح له ان يتكلم فيه)(١) اه.

(١) شرح علل الترمذي (٢/٢) ت. نور الدين عتر.

59

فيه)(١) اه.

(١) شرح علل الترمذي (٢/٢) ت. نور الدين عتر. ١٢٥ لثابت كحلب السبت و نفض اصول المنحكين.

ت. نور الدين عتر. ١٢٥ لثابت كحلب السبت و نفض اصول المنحكين والمقصود بهذا الباب ان الثقات حين يشتركون في روايه حديث معين، فيختلفون في اسناده او متنه بزياده او نقص او بقلب وغيره، فان الحكم بالروايه الاصح من بين هذه الاختلافات يضيق علي كثير ممن لم يدق نظره في هذا العلم الجليل، بينما نجد لكبار النقاد موازين مذهله، وتصنيفات رائعه، في الترجيح بين الثقات الحفاظ.

النقاد موازين مذهله، وتصنيفات رائعه، في الترجيح بين الثقات الحفاظ. مثال ذلك: قال ابن رجب:

وتصنيفات رائعه، في الترجيح بين الثقات الحفاظ. مثال ذلك: قال ابن رجب: «اصحاب الزهري – اي تلاميذه–: . . خمس طبقات، وهم خلق كثير يطول عددهم، واختلفوا في اثبتهم واوثقهم، فقالت طائفه: مالك، قاله احمد في روايه، وابن معين. وذكر الفلاس انه لا يختلف في ذلك، قال احمد في روايه ابنه عبد الله: مالك ثم ابن عيينه، قال: واكثرهم عنه روايه يونس وعقيل ومعمر. .

مالك ثم ابن عيينه، قال: واكثرهم عنه روايه يونس وعقيل ومعمر. . وقال ابو حاتم الرازي: مالك اثبت اصحاب الزهري، فاذا خالفوا مالكا من اهل الحجاز حكم لمالك. وهو اقوي في الزهري من ابن عيينه، واقل خطا منه. واقوي من معمر، وابن ابي ذئب، وقالت طائفه: اثبتهم ابن عيينه، قاله: ابن المديني، وتناظر هو واحمد في ذلك،

اثبتهم ابن عيينه، قاله: ابن المديني، وتناظر هو واحمد في ذلك، وبين احمد ان ابن عيينه اخطا في اكثر من عشرين حديثا عن الزهري. واما مالك فذكر له مسلم في كتاب التمييز عن الزهري ثلاثه اوهام» اه. من شرح العلل لابن رجب (١).

في كتاب التمييز عن الزهري ثلاثه اوهام» اه. من شرح العلل لابن رجب (١). فهذا النص الذي تتم المقارنه فيه بين اثنين من كبار حفاظ الحديث علي الاطلاق، وهما: الامام مالك، وسفيان بن عيينه، تجد ان ترجيح احدهما علي الاخر يكتنفه رصد دقيق لعدد الاخطاء التي وقع فيها كل واحد منهما، مما يؤدي الي تقديم الاقل خطا علي الاكثر، وان كان كلاهما في دائره قليلي الخطا من جهه العموم.

الاقل خطا علي الاكثر، وان كان كلاهما في دائره قليلي الخطا من جهه العموم.

(١) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٦٧١).

الجانب الثالث: تحديث المعلومات عن الرواه برصد الاشكالات الطارئه، وعدم الاكتفاء بالحكم المسبق اذا حكم المحدثون علي راو بانه ثقه، فهل يعني ذلك انه سيظل ثقه طول عمره؟

60

علي راو بانه ثقه، فهل يعني ذلك انه سيظل ثقه طول عمره؟

الجواب: لا، فان الرواه قد تعتريهم حالات عارضه تؤثر في قدراتهم الذهنيه، وقد يختلف مستوي ادائهم للحديث بحسب ظروف الحياه وما فيها من مصائب وكوارث، وبحسب تقدمهم في السن، كما ان بعض الرواه انها يكون اتقانه وضبطه اذا كانت معه صحفه التي دون فيها الاحاديث التي سمعها، فاذا سافر دون ان يحملها معه فحدث من حفظه، فان مستوي ادائه ينزل عن درجته حال استقراره.

وقد اعتني كبار نقاد المحدثين برصد هذه الحالات الطارئه، والتعامل معها بحسب ما تقتضيه من تاثير علي صاحبها، وكثيرا ما يعبر المحدثون عن التغير الطارئ علي ذهن الراوي بلفظ: الاختلاط، وهم دقه في تمييز المختلطين ودرجات الاختلاط، وتمييز من روي عنه قبل اختلاطه وبعده، فتجدهم يقولون عن بعض الرواه: فلان اختلط عام كذا، فكل من روي عنه قبل هذا العام فروايته عنه صحيحه، ومن روي عنه بعد هذا العام فروايته عنه ضعيفه.

مثال ذلك: عطاء بن السائب الكوفي، وهو من المشهورين وهو صدوق لا باس به، الا انه اختلط في اخر عمره، قال ابن رجب ﷺ في «شرح علل الترمذي»: «ذكر الترمذي في باب كراهيه التزعفر والخلوق للرجال، من كتاب ١٢٧ بوابه المسلم giathai.com

في باب كراهيه التزعفر والخلوق للرجال، من كتاب ١٢٧ بوابه المسلم giathai.com الادب من جامعه هذا قال: يقال ان عطاء بن السائب كان في اخر عمره قد ساء حفظه، وذكر عن علي بن المديني عن يحيي بن سعيد قال: من سمع من عطاء بن السائب قديما، فساعه صحيح، وساع شعبه وسفيان من عطاء بن السائب صحيح، الا حديثين عن عطاء بن السائب عن زاذان قال شعبه: سمعتها منه باخره» اه (١).

وهذا نص بديع، فزياده علي تمييز المحدثين لمن روي عن عطاء قديما قبل اختلاطه – ومنهم شعبه –؛ الا انهم لم يغفلوا كذلك عن حديثين رواهما عنه شعبه بعد اختلاطه.

ومن الامور الدقيقه في الاحوال العارضه: ان المحدثين رصدوا تغير جوده روايه الراوي في بعض البلدان دون بعض؛ فقد جاء في كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب ﷺ متحدثا عن طائفه من الرواه فقال: «النوع الثاني: من ضعف حديثه في بعض الاماكن دون بعض، وهو علي ثلاثه اضرب: الضرب الاول:

ضعف حديثه في بعض الاماكن دون بعض، وهو علي ثلاثه اضرب: الضرب الاول: من حدث في مكان لم تكن معه فيه كتب فخلط، وحدث في مكان اخر من كتبه فضبط، او من سمع في مكان من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضع اخر فضبط، فمنهم معمر بن راشد، حديثه في البصره فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد، قال احمد في روايه الاثرم:

حديث عبد الرزاق عن معمر احب الي من حديث هؤلاء البصريين – وعبد الرزاق في اليمن –؛ كان يتعاهد كتبه وينظر – يعني باليمن – وكان يحدثهم بخطا بالبصره. وقال يعقوب بن شيبه: سماع اهل البصره من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لان كتبه لم تكن معه» (٢) اه. فتامل هذه الدقه العجيبه!

(١) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٧٣٤).

(٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٧٦٧-٧٦٨).

١٢٨ اشبابك احسن المنتقيمين وبقض اصول المنتقيمين

61

١٢٨ اشبابك احسن المنتقيمين وبقض اصول المنتقيمين ثم ابتدا ابن رجب ﷺ بذكر بعض الاحاديث التي اختلفت فيها روايه معمر ما بين اليمن والبصره، فقال: فما اختلف فيه باليمن والبصره حديث: «ان النبي الله - ﷺ - كوي اسعد بن زراره من الشوكه». رواه باليمن عن الزهري عن ابي امامه بن سهل مرسلا، ورواه بالبصره عن الزهري عن انس ﷺ.

وقال: والصواب مرسل، ومنه حديث: «انها الناس كابل مائه» رواه باليمن عن الزهري عن سالم عن ابيه مرفوعا، ورواه بالبصره مره كذلك، ومره عن الزهري عن سعيد عن ابي هريره» اه.

* * *

(1) من مطبوعات دار المحدث.

الجانب الرابع: نقدهم للمتون ولو صحت اسانيدها في الظاهر يردد بعض المعاصرين شبهه اثارها المستشرقون في ان المحدثين لم تكن لهم عنايه بنقد المتون، وانهم انها توجه اهتمامهم الي دراسه الاسانيد والرواه في الظاهر.

وهذا الكلام لا يمكن ان يصدر عن عارف بطريقه المحدثين الا ان غلبته الخصومه، ونزعه الهوي، فان نقد متون الاحايث من اهم طرق الحكم علي الراوي بالصدق او الكذب، وبالضبط او الضعف،

وللدكتور خالد الدريس رساله لطيفه في ذلك بعنوان «نقد المتن الحديثي واثره في الحكم علي الرواه عند علماء الجرح والتعديل» (1) فيها نقولات كثيره عن كبار المحدثين تظهر حضور نقد المتن في احكامهم علي الرواه.

وللامام ابن القيم كتاب يكاد يكون مفردا في قضيه نقد المتن، وهو: «المنار المنيف في الصحيح والضعيف» ومما جاء فيه قوله: (وسالت: هل يمكن معرفه الحديث الموضوع – اي المكذوب– بضابط، من غير ان ينظر في سنده؟ فهذا سؤال عظيم القدر، وانها يعلم ذلك من تضلع من معرفه السنن الصحيحه واختلطت بلحمه ودمه،

وصار له فيها ملكه، وصار له اختصاص شديد بمعرفه السنن والاثار، ومعرفه سيره رسول الله ﷺ وهديه، فيها يامر به وينهي عنه، ويجبر عنه، ويدعو اليه ويجبه ويكرهه، ويشرعه للامه بحيث كانه مخالط للرسول ﷺ، كواحد من اصحابه.

١٣٠ ليتبعهن المبينين ونقصر الملكين

فمثل هذا يعرف من احوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه وما يجوز ان يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرف غيره، وهذا شان كل متبع من متبوعه، فان للاخص به الحريض علي تتبع اقواله وافعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح ان ينسب اليه، وما لا يصح، ما ليس لن لا يكون كذلك، وهذا شان المقلدين مع اثمقه، يعرفون اقوالهم ونصوصهم ومداهيهم – والله اعلم – (١)

ثم ذكر امثله كثيره من الاحاديث الباطله المكذوبه، ثم قال: (والاحاديث الموضوعه عليها ظلمه وركاكه ومجازفات بارده تنادي علي وضعها واختلاقها علي رسول الله ﷺ، مثل حديث: «من صلي الضحي كذا وكذا ركعه اعطي ثواب سبعين نبيا»، وكان هذا الكذاب الخبيث لم يعلم ان غير النبي لو صلي عمر نوح – عليه السلام – لم يعط ثواب نبي واحد (٢).

ثم اخذ يذكر قواعد كليه في نقد المتوزم مع امثله تعليميه لها، فقال: (ونحن ننبه علي امور كليه يعرف بها كون الحديث موضوعا) (٣) وذكر منها:

- اشتهال علي مثل هذا المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله ﷺ وهي كثيره جدا، كقوله في الحديث المكذوب: «من قال: لا اله الا الله، خلق الله من تلك الكلمه طائرا له سبعون الف لسان، لكل لسان سبعون الف لغه، يستغفرون الله له»،

«ومن فعل كذا وكذا، اعطي في الجنه سبعين الف مدينه، في كل مدينه سبعون الف قصر، في كل قصر سبعون الف حوراء» وامثال هذا المجازفات البارده التي لا يخلو حال واضعها من الكذب.

(١) المنار المنف، (٢٦).

(٢) المرجع السابق، (٣٤).

(٣) المرجع السابق (٣٧).

١٣١ لثديتيكم الباستيرا ونقض اصول المنكرين

62

المرجع السابق (٣٧).

١لثديتيكم الباستيرا ونقض اصول المنكرين - ومنها: تكذيب الحس له كحديث: «الباذنجان لما اكل له»، و«الباذنجان شفاء لكل داء» قبح الله واضعها فان هذا لو قاله يوحنس امهر الاطباء لسخر الناس منه... الخ.

قبح الله واضعها فان هذا لو قاله يوحنس امهر الاطباء لسخر الناس منه... الخ.

٢ومنها: سباحه الحديث وكونه مما يسخر منه، كحديث: «لو كان الارز رجلا لكان حليبا ما اكله جائع الا اشبعه»؛ فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء، فضلا عن كلام سيد الانبياء.

فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء، فضلا عن كلام سيد الانبياء.

٣ومنها: مناقضه الحديث لما جاءت به السنه الصريحه مناقضه بينه، فكل حديث يشتمل علي فساد، او ظلم، او عبث، او مدح باطل، او ذم حق، او نحو ذلك فرسول الله ﷺ منه بريء.

فمن الباب: احاديث مدح من اسمه محمد او احمد، وان كل من يسمي بهذه الاسماء لا يدخل النار، وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ ان النار لا يجار منها بالاسماء والالقاب وانما النجاه منها بالايمان والاعمال الصالحه».

انتهي مختصرا من المنار المنيف (١) وبقيت قواعد نافعه ذكرها ابن القيم في الكتاب، فمن اراد التوسع في الموضوع فليراجعه.

وقد اعتني من كتب في باب نقد المحدثين للمتون بكلام ابن القيم في المنار المنيف، كما فعل د. محمد لقيان السلفي في كتابه: «اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندا ومتنا» حيث افرد الفصل الرابع من الباب الثاني كاملا للقواعد التي ذكرها ابن القيم في المنار.

(١) انظر من (٣٦ - ٤٦).

الاصل السادس من اصول المنكرين: توهم معارضه الاحاديث الصحيحه لما هو ارجح منها.

السادس من اصول المنكرين: توهم معارضه الاحاديث الصحيحه لما هو ارجح منها من بين الاف الاحاديث الصحيحه التي لم يتعرض لها المشككون في السنه بالانكار او الاعتراض، نجد ان نسبه النصوص التي اثاروا شبهات حولها لا تكاد تتجاوز ٢٪ من مجموعها، ولكنهم يجعلون هذه النسبه الضئيله سببا في اسقاط ما بقي من الاحاديث الصحيحه.

يجعلون هذه النسبه الضئيله سببا في اسقاط ما بقي من الاحاديث الصحيحه.

وسبب استشكالهم لهذه الاحاديث يعود الي اعتقادهم انها تعارض ما هو ارجح منها ثبوتا او دلاله، فيتوهمون تعارضها مع القران، او مع سنه اصح منها، او مع العقل، او مع الحس والتجربه او مع الذوق والاخلاق، ثم يردونها بسبب هذا التوهم من المعارضه، ويتجاوزون القدر المشكل الي ما وراءه.

بسبب هذا التوهم من المعارضه، ويتجاوزون القدر المشكل الي ما وراءه.

والماخذ الاساسيه علي موقفهم المتعجل في الرد هي: عدم تحقيق شروط اثبات المعارضه، وانعدام المنهجيه العلميه المنضبطه في التعامل مع النصوص المشكله، وعدم الاجتهاد في فهم طريقه الاصوليين والمحدثين التي يتعاملون بها مع النصوص المشكله، فهم يعتقدون ان موقف اهل السنه ينطوي علي سذاجه وسطحيه تجاه ما اشكل من هذه النصوص، وهذا غير صحيح.

علي سذاجه وسطحيه تجاه ما اشكل من هذه النصوص، وهذا غير صحيح.

واما الدافع لتعجل هؤلاء في رد الاحاديث الصحيحه حال توهم التعارض فهو راجع الي تنكرهم لقيمه السنه وانعدام مكانتها في نفوسهم، ويقاس ذلك بموقفهم من الايات التي اثار الملحدون اشكالات حولها، وطريقه تعاملهم معها لرفع الاشكال، فانك تجدهم يسلكون بعض المسالك التي دموا علماء السنه بسبب سلوكهم اياها في الاحاديث المشكله، ولكن لاجل اعتقادهم.

السنه بسبب سلوكهم اياها في الاحاديث المشكله، ولكن لاجل اعتقادهم ١٣٣ بوابه المساجد ونفض اصول المنكرين.

63

ولكن لاجل اعتقادهم ١٣٣ بوابه المساجد ونفض اصول المنكرين الجازم بصحه القران فانهم يستفرغون الجهد في محاوله الجمع بين النص القراني وبين ما اثير حوله من اشكال وما ادعي في شانه من تعارض فلا يتنبهون لوقوعهم في جنس ما استنكروه.

فوجود التعظيم للنص القراني في نفوسهم يقودهم الي التاني في النظر، وعدم الاستعجال في الرد، ولو انهم جعلوا للسنه هذا التعظيم لانحلت عنهم عقد الاشكالات التي يتوهمونها في النصوص النبويه الصحيحه.

وعند التامل في صور التعارض التي يدعيها المنكرون، وفي طريقه تعاملهم معها، نجد انهم وقعوا في جمله من الاخطاء المنهجيه، التي سببت اضطرابا لديهم في الحكم، وخللا في النظر. ومن المهم جدا معرفه هذه الاخطاء، وابرازها، فان ذلك يبين تهافتهم في باب من اخطر ابواب الشبهات المعاصره.

الأخطاء المنهجية التي يقع فيها منكر الأحاديث الصحيحة بدعوى التعارض:

١اقامه دعوي التعارض علي احاديث غير ثابته: لا يصح الحكم علي حديث بانه يعارض القران او العقل او الحس مالم يكن ثابتا من جهه اسناده، ومن باب اولي فانه لا يصح الطعن في عموم السنه بدعوي تضمينها احاديث تعارض ما سبق ذكره ثم لا تكون تلك الاحاديث ثابته.

مثال ذلك: ادعاء وقوع التعارض بين السنه وبين العلم التجريبي، وذلك في حديث: «عليكم بالبان البقر وسمنانها، واياكم وحومها، فان البانها وسمنانها دواء وشفاء، وحومها داء» وقد اخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود وقال: صحيح الاسناد.

وتعقبه الذهبي بان سيف بن مسكين الوارد في اسناده: واه، واخرجه ابوداود في المراسيل وابن الجعد وغيرهما من طريق مليكه بنت عمرو. والصحيح ان الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ، وقد ذكر الامام الزركشي هذا الحديث في كتابه «اللالئ المنثوره في الاحاديث المشهوره» ونقل تصحيح الحاكم له ثم قال: (هو منقطع، وفي صحته نظر، فان في الصحيح ان النبي ﷺ ضحي عن نسائه بالبقر، وهو لا يتقرب بالداء).

وفي كشف الخفاء للعجلوني: (وقال في التمييز: وتساهل الحاكم في تصحيحه، وقد ضحي النبي ﷺ عن نسائه بالبقر).

اه وانت تري ان من ضعف الحديث لم يقتصر علي نقد الاسناد بل انطلق من نقد المتن كذلك، واما سبب الاختلاف في التصحيح فالجواب عنه يطول، فانه يتطلب عرضا تاريخيا ورسميا تخطيطيا لمنهجيه المحدثين في النقد عبر الزمن، فانها كانت في اول امرها محكمه متقنه صافيه المورد، ثم تاثر كثير من متاخري المحدثين ببعض روافد العلوم الاخري التي لا تتواءم مع طبيعه علم الحديث،

اضافه الي توفر عوامل كثيره مساعده للمحدثين المتقدمين لم تعد متوفره بتمامها في الزمن المتاخر، ولا يعني هذا غلق باب الاجتهاد في التصحيح والتضعيف، بل التنبيه الي اهميه الرجوع الي تراث المحدثين الاوائل وخاصه في حال الاختلاف.

مثال اخر في ادعاء وقوع التعارض بين السنه وبين العلم التجريبي: ما اخرجه الترمذي في جامعه، فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، اخبرنا ابو نعيم، عن عبد الله بن الوليد و-كان يكون في بني عجل- عن بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اقبلت يهود الي النبي ﷺ، فقالوا: يا ابا القاسم! اخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكه موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله.

فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال زجره بالسحاب اذا زجره حتي ينتهي الي حيث امر. قالوا: صدقت. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وهذا الحديث فيه وهن من جهه اسناده، فان بكير بن شهاب تفرد به عن سعيد بن جبير، قال ابو نعيم: «غريب من حديث سعيد تفرد به بكير»؛ وبكير ليس بالذي يعتمد علي تفرده عن مثل سعيد بن جبير.

١٣٦ ثانيات الحجاب المستدير ونفض اصول المنكرين

64

عن مثل سعيد بن جبير.

١٣٦ ثانيات الحجاب المستدير ونفض اصول المنكرين وللحديث عله اخري اوما اليها البخاري في تاريخه الكبير في ترجمه بكير بن شهاب، فقال بعد ان ذكر هذا الحديث: «وقال الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله –اي موقوفا علي ابن عباس–، قال ابو عبد الله –اي البخاري–: حدثناه محمد بن يوسف وغير واحد عن سفيان»(١).

الله –اي البخاري–: حدثناه محمد بن يوسف وغير واحد عن سفيان»(١). فحبيب ابن ابي ثابت روي جزءا من نفس حديث بكير بن شهاب موقوفا علي ابن عباس، وهو اثبت من بكير بن شهاب، فيكون قوله مقدما علي قوله، فيترجح الوقف.

وهو اثبت من بكير بن شهاب، فيكون قوله مقدما علي قوله، فيترجح الوقف.

مثال ثالث: ادعاء ورود بعض الاحاديث الصحيحه بها يخالف الذوق والاخلاق، وذلك في حديث ابن عباس الذي اخرجه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) من طريق نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن ابي الجوزاء عن ابن عباس قال: «كانت امراه تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من احسن الناس. قال: فكان بعض القوم يتقدم في الصف لئلا يراها ويستاخر بعضهم حتي يكون في الصف المؤخر فاذا ركع نظر تحت ابطه فانزل الله عز وجل: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستتخيرين﴾ [سوره الحجر: ٢٤].

علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستتخيرين﴾ [سوره الحجر: ٢٤]. والصحيح ان هذا الحديث غير ثابت عن ابن عباس، بل هو مقطوع من كلام ابي الجوزاء كما قال الترمذي في جامعه بعد ان اخرج الحديث: (وروي جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن ابي الجوزاء ولم يذكر فيه ابن عباس وهذا اشبه ان يكون اصح من حديث نوح) (٣).

الجوزاء ولم يذكر فيه ابن عباس وهذا اشبه ان يكون اصح من حديث نوح) (٣).

(١) التاريخ الكبير، البخاري (٢/ ١١٤–١١٥) ت: المعلمي.

(٢) احمد (١/ ٣٠٥) والترمذي (٣١٢٢) والنسائي (٢/ ١١٨) وابن ماجه (١٠٤٦).

(٣) الترمذي (٣١٢٢).

١٣٧ لبنانتحجيانكستتيان ولقض اصول المنجكرين

(٣١٢٢).

١٣٧ لبنانتحجيانكستتيان ولقض اصول المنجكرين وقال عنه ابن كثير: (وهذا الحديث فيه نكاره شديده، وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك انه سمع ابا الجوزاء يقول في قوله: «ولقد علمنا المستقدمين منكم» في الصفوف في الصلاه، و«المستاخرين» فالظاهر انه من كلام ابي الجوزاء فقط وليس فيه لابن عباس ذكر)(١).

فالظاهر انه من كلام ابي الجوزاء فقط وليس فيه لابن عباس ذكر)(١).

ثانيا: الخطا في فهم النص او دلالته ثم ادعاء التعارض علي ذلك الفهم الخاطئ: كثيرا ما ترد احاديث صحيحه بدعوي تعارضها مع القران، او العقل او الحس، ويكون منشا الاشكال من الخطا في فهم الحديث او ما يعارضه.

او العقل او الحس، ويكون منشا الاشكال من الخطا في فهم الحديث او ما يعارضه.

مثال ذلك: ما اخرجه مسلم في صحيحه عن ابي هريره ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من انهار الجنه»(٢).

قال رسول الله ﷺ: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من انهار الجنه»(٢). فاعترض كاتب في صحيفه محليه بقوله: (كيف نوفق بين احاديث تعارض الجغرافيا والتاريخ والاكتشافات الميدانيه – فضلا عن صور الاقمار الصناعيه – مثل حديث خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من الجنه)(٣) اه.

الصناعيه – مثل حديث خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من الجنه)(٣) اه. وهذا الفهم السطحي للحديث بان الانهار متصله اتصالا حسيا بالجنه، ومن ثم ادعاء تعارض ذلك مع ما ترصده الاقمار الصناعيه هو خطا لا يتحمله الحديث ولا رواته، بل يتحمله من اخطا الفهم، وضل عن صواب التاويل.

وقد ذكر ابن حزم ﷺ في كتابه المحلي هذا الحديث، وحديث: «ما بين بيتي

وقد ذكر ابن حزم ﷺ في كتابه المحلي هذا الحديث، وحديث: «ما بين بيتي

(١) تفسير ابن كثير (٤/٥٣٢) دار طيبه.

(٢) صحيح مسلم (٢٨٣٩).

(٣) وهو الكاتب فهد الاحمدي وذلك في مقال له بعنوان: لو كان البخاري بيننا، في صحيفه الرياض.

١٣٨ للذين الذين الذين والفضلات في مثل الملكين

65

في صحيفه الرياض.

«للذين الذين الذين والفضلات في مثل الملكين ومنبري روضه من رياض الجنه»(١) ثم قال: «وهذان الحديثان ليس علي ما يظنه اهل الجهل من ان تلك الروضه قطعه منقطعه من الجنه، وان هذه الانهار مهبطه من الجنه، هذا باطل وكذب» لان الله –تعالي– يقول في الجنه: ﴿إن لك ألا تمور فيها ولا تعرفن﴾ ﴿١١٨﴾ ﴿واللك لا تطمؤفيها ولا تضحي﴾ [سوره طه: ١١٨–١١٩] فهذه صفه الجنه بلا شك، وليست هذه صفه الانهار المذكوره ولا تلك الروضه، ورسول الله ﷺ لا يقول الا الحق.

فصح ان كون تلك الروضه من الجنه، انما هو لفضلها، وان الصلاه فيها تؤدي الي الجنه، وان تلك الانهار لبركتها اضيفت الي الجنه، كما تقول في اليوم الطيب: هذا من ايام الجنه؛ وكما قيل في الضان: انها من دواب الجنه» (٢) اه.

مثال اخر: ينكر بعض المعاصرين احاديث حد الرجم، زاعمين انها تعارض قول الله: ﴿فإن آتين بعذابك معليهن نصف ما علي المحصنات من العذاب﴾ [سوره النساء: ٢٥] حيث فهموا ان المراد بالمحصنات في الايه: المتزوجات، والرجم لا يتنصف؛ فهذا يدل علي انه لا رجم علي المتزوجات، واما غير المتزوجات فيتفق الجميع علي انه لا رجم عليهن.

ومنشا الاشكال في توهم هذا التعارض هو فهمهم الخاطئ لنص الايه، وذلك بالظن ان المراد بالمحصنات هنا: المتزوجات، وليس كذلك، فان في اول الايه الحث علي نكاح المحصنات: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات﴾ [سوره النساء: ٢٥] فلو كان المعني: المتزوجات، لكانت الايه تحث علي نكاحهن، فالاصح ان معني المحصنات هنا: الحرائر، ويكون حد الاماء نصف حد ما يقبل التنصيف من عقوبه الحرائر، وهو الجلد.

(١) صحيح البخاري (١١٩٥)، صحيح مسلم (١٣٩١).

(٢) المحلي بالاثار، لابن حزم (٧/٢٨٣).

مثال ثالث: ادعاء تعارض الاحاديث مع الواقع، وذلك في حديث انس ﷺ: ان رجلا من اهل الباديه، اتي النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله متي الساعه قائمه؟ قال: «ويلك وما اعددت لها؟»، قال: ما اعددت لها الا اني احب الله ورسوله. قال: «انك مع من احببت». فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم»، ففرحنا يومئذ فرحا شديدا،

فمر غلام للمغيره وكان من اقراني، فقال: «ان اخره هذا فلن يدركه الهرم حتي تقوم الساعه»(١). ووجه الاعتراض: ان هذا الغلام قد مات، ومات ابناؤه واحفاده، ولم تقم الساعه، بينما يربط الحديث قيام الساعه بموته ان اخره، فهذا حديث يخالف الواقع؛ فيرد، بل ويشكك في عموم السنه بسببه.

وهذا اعتراض منقوض من قرون، فقد كشف العلماء عن وجه الاشكال وبينوا وجه الصواب في دلاله النص، قال ابن كثير بعد ان ذكر روايات والفاظ مختلفه للحديث: «وهذه الروايات تدل علي تعداد هذا السؤال والجواب، وليس المراد تحديد وقت الساعه العظمي الي وقت هرم ذاك المشار اليه،

وانما المراد ان ساعتهم – وهو انقراض قرنهم وعصرهم – قصاراه انه الي مده عمر ذلك الغلام. . . ، وفي الحديث: «تسالوني عن الساعه! فانها علمها عند الله، واقسم بالله ما علي الارض نفس منفوسه اليوم ياتي عليها مائه سنه» ويؤيد ذلك روايه عائشه: «قامت عليكم ساعتكم»،

ذلك ان من مات فقد دخل في حكم القيامه، فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامه، وفيه من الدنيا ايضا، ولكن هو اشبه بالاخره، ثم اذا تناهت المده المضروبه للدنيا، امر الله بقيام الساعه، فيجمع الاولون والاخرون لبقات يوم معلوم»(٢).

(١) صحيح البخاري (٦١٦٧)، ومسلم (٢٦٣٩).

(٢) النهايه في الفتن والملاحم (١٩٧/١).

66

في الفتن والملاحم (١٩٧/١).

١٤٠ للذين الذين الذين والفضلين والامثله علي هذا النوع من الخطا كثيره، كالاعتراض علي حديث سجود الشمس وذلك بالخطا في فهم معني السجود، وفي ما يلزم منه، وكذلك الاعتراض علي عقوبه الرده وذلك بالخطا في فهم النص القراني ﴿لا إكراه في الدين﴾ الذي يدعي معارضته للحديث.

ثالثا: معارضه الاحاديث بها هو دونها من حيث الثبوت او الدلاله.

من الخلل الذي ادي الي انكار السنه او التشكيك فيها، توهم معارضتها لامور قطعيه –خبريه او عقليه او حسيه– ثم يتبين عند التحقيق ان ما عورضت به لم يكن امرا قطعيا من جهه ثبوته، او من جهه دلالته.

ان ما عورضت به لم يكن امرا قطعيا من جهه ثبوته، او من جهه دلالته.

مثال ذلك: الاعتراض علي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ، قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» أخرجه البخاري ومسلم رحمها الله (١) بأنه يخالف العقل، فكيف يتصور وجود شجرة لها ظل ما يقطع في مائة عام؟!

والجواب ان هذه المعارضه ليست قطعيه، بل ليست صحيحه حتي من جهه الظن، فان الجنه عرضها كعرض السماء والارض، وفيها ما لا عين رات ولا اذن سمعت، ولا خطر علي قلب بشر؛ فكيف يستنكر وجود شجرة فيها بهذا الحجم؟ وهل الاستنكار علي قدره الله ام علي سعه جنته؟!

مثال اخر: الطعن في حديث: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء والاخري شفاء» (٢). بدعوي انه «لم يعد» (١) صحيح البخاري (٦٥٥٢)، صحيح مسلم (٢٨٢٧). (٢) صحيح البخاري (٣٣٢٠).

مقبولا طيبا بعد اكتشاف مسؤوليه الذبابه عن نقل ٤٢ مرضا خطيرا (١).

والجواب ان هذه المعارضه ليست بارجح من الحديث، ويناقش كلام المعترض من وجوه:

الأول: ان في اثبات العلم حمل الذباب للمرض تصديقا لما جاء في هذا الحديث، الذي استفدنا منه هذه المعلومه قبل اكتشافات المختبرات الطبيه.

الثاني: عدم فهم محل المعارضه، فان القول بوجود الداء ليس يعارض الحديث، وانما الذي يعارضه اثبات انتفاء الدواء؛ فاين البرهنه العلميه علي انتفاء وجود «دواء» في احدي جناحي الذباب؟

الثالث: ان هناك بحوثا متعدده قدمت في مجال اثبات وجود مضاد للبكتيريا في الذباب، وبعض البحوث حددت محل وجوده في احدي الجناحين، كما هو في بحث الاستاذ الدكتور: مصطفي ابراهيم حسن - استاذ الحشرات الطبيه/ جامعه الازهر، ومدير مركز ابحاث ودراسات الحشرات الناقله للامراض.

ومن المؤلفات المفرده في هذا الباب ما كتبه الشيخ خليل ملا خاطر في كتابه (الإصابة في حديث الذبابه).

٢٣ خاتمه

ان ظهور منكري السنه والمشككين فيها انما يزيدنا يقينا بمكانتها؛ لان مما جاءت به السنه : الاخبار عن ظهورهم والكشف عن حالهم، وذلك في حديث المقدام عن رسول الله ﷺ انه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا علي أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فاجلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» [أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٣١/ ٤)].

وجاء بصيغه النهي في حديث أبي رافع وهو أصح من سابقه: «ألا الفين أحدكم متكئا علي أريكته ياتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو مهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [سنن أبي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (٤٦٠٥)].

وأحمد الله واشكره علي تيسير هذا البحث، ثم أشكر من أفادني بملاحظات علي مسوده البحث من طلاب «برنامج صناعة المحاور» وغيرهم، وأسأل الله لي ولهم التوفيق والثبات. وصل اللهم علي نبينا محمد واله وسلم.