شرح المنهاج من ميراث النبوة 03 - تعظيم حدود الله
1 تعظيم حدود الله ومرجعية الوحي
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. نحمد الله ونثني عليه ونشكره، وهو أهل للحمد والثناء. ونسأل الله عز وجل، وهو أهل للحمد والثناء، أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا تمام هذه الدروس على خير، وأن يرزقنا فيها البركة والنفع والثمرة بإذن الله تعالى.
هذا المجلس الثاني مع الباب الثاني من الكتاب، وهو باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. الباب الأول كان باب مرجعية الوحي، باب في مرجعية الوحي وشموليته ومركزية التسليم لله ورسوله.
الباب الثاني هو باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وهناك ترابط بين البابين، ووجه الترابط أنه كان الحديث عن مرجعية الوحي في الدرس السابق. وتحدثت عن أنه من صور تعظيم مرجعية الوحي أو مما هو مطلوب منه تجاه مرجعية الوحي التعظيم. ذكرت عن خمسة أمور مطلوبة تجاه مرجعية الوحي: التعظيم، والتسليم، والتعظيم، والإنزال، والاستكشاف. واحدة منها التعظيم.
الآن، الباب الثاني في المنهج هو باب متعلق بتعظيم مرجعية الوحي، لكنه بصورة خاصة ومعينة. وهو تعظيم حدود الله. وبطبيعة الله، حدود الله من أين تعلم؟ من مرجعية الوحي والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا متعلق بمرجعية الوحي. إذن، هذا الباب هو متصل بمرجعية الوحي من جهة تعظيمها وتعظيم ما فيها.
وهذا التعظيم له ثلاثة مجالات أساسية:
2 مجالات تعظيم الشريعة وأهميتها
لما جاءت به الشريعة التعظيم المجمل، أي أن يعظم الإنسان كتاب الله، أن يعظم الإنسان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعظم الإنسان عامة ما جاء في الشريعة. هذا الآن المجال الثاني من مجالات التعظيم.
المجال الثالث من مجالات التعظيم هو التعظيم التفصيلي. لما عظمته الشريعة، فإن الشريعة لم تجعل لكل ما جاء فيها نفس الدرجة ونفس المستوى من التعظيم، وإنما كانت الأمور في الشريعة متفاوتة، متفاوتة الرتب والدرجات من حيث التعظيم. فالمطلوب من المؤمن أن يعطي كل ما أعطته الشريعة من درجة معينة في التعظيم، أن يعطيها هذه الدرجة.
ولذلك، من أعظم صور الفقه في الدين أن يكون تعظيم الإنسان للأمر الشرعي بقدر ما عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان الأمر بعكس ذلك، أن يعظم الإنسان ما لم يعظمه الله ورسوله، مما لم يأت في الشريعة، فهذه مصيبة. أو أن يجعل لما جاء في الأمر الشرعي من غير تعظيم خاص، أن يجعله تعظيماً خاصاً ويهمل ما جاء فيه التعظيم الخاص.
لذلك، الحديث اليوم هو عن تعظيم حدود الله وتعظيم أوامر الله ورسوله، وبالأخص تعظيم ما جاء فيه التعظيم بشكل خاص. إذن، فيما يتعلق بهذا العنوان، الذي هو تعظيم رجعية الوحي أو تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمر الله وأمر رسوله، نحن نتحدث عن ثلاثة صور من صور التعظيم أو عن ثلاثة مجالات من التعظيم.
المجال الأول هو التعظيم لله سبحانه وتعالى، وأنه هو الأساس لكل تعظيم آخر متعلق بالشريعة. الأمر الثاني هو التعظيم المتعلق، التعظيم المجمل للشريعة، التعظيم المجمل لكتاب الله، التعظيم المجمل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الأمر الثالث هو التعظيم المفصل الخاص لما عظمه الله ورسوله، لما جاء التعظيم في كتاب الله.
وسيظهر معنا إن شاء الله مع الحديث أن هناك معظمات بعينها، سواء معظمات متعلقة بالأماكن، بالمعظمات المكانية، أو أمور معظمة زمانية، أو حتى في أعمال معينة معظمة. وهذه كلها ينبغي أن يكون تعظيم المؤمن تبعاً لما عظم فيه الشريعة.
طيب، هذا الباب فيه ثلاث آيات وثلاثة أحاديث. ثلاث آيات وثلاثة أحاديث، أقل من الباب السابق. كان الباب السابق ثمان آيات وخمسة أحاديث. هذا الباب مختصر، ثلاث آيات وثلاثة أحاديث. وهذه الأحاديث المذكورة في الكتاب في هذا الباب هي ليست كلها مرفوعة. حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الحديث الأول مرفوع، والثاني موقوف على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والثالث موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ويعني هذه فيها لطيفة لكن غير مقصودة، أن فيها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في هذه الاجتماع ليس مقصوداً طبعاً.
طيب، هذا بالنسبة للآن الأمر المجمل. الآن ندخل في ما يتعلق بالآيات والأحاديث، لكن قبل ذلك نسيت أمراً. هناك من يتعامل مع النصوص الشرعية ومع مرجعية الوحي تعامل الامتثال دون التعظيم. وبطبيعة الحال، هناك من لا يمتثل ولا يعظم، فصار عندنا ثلاثة أصناف.
الصنف الأول، وهو الأعلى والأعظم، هو من يمتثل للشريعة ويعظمها تعظيماً قلبياً خاصاً.
الصنف الثاني، وعليكم السلام ورحمة الله، الصنف الثاني هو من يمتثل للشريعة ولا يكون في قلبه من التعظيم الخاص لها، الأمر الكافي، وإنما همه وطبيعة تعامله مع الشريعة هي طبيعة ما الواجب، على ما المفروض، ما واجب الوقت الآن. فريضة معينة، صلاة، الزكاة، يؤديها من باب أداء ما المفروض، ما واجب الوقت الآن، فريضة معينة، صلاة، الزكاة، يؤديها من باب أداء ما عليه من الأمانة وإبراء الذمة.
الصنف الثالث هو من لا يمتثل ولا يعظم. وهذا الباب يعني الدعوة فيه إلى أن يكون الإنسان من الصنف الأول، يعمل مع الشريعة تعظيماً، من يمتثل أمرها ويعظم هذا الأمر قبل الامتثال. وقد يقول قائل هنا: وهل يمكن أن يمتثل الإنسان الشريعة دون أن يكون معظماً لها؟ فإذا امتثل، فإن هذا فرع عن تعظيم الشريعة.
الجواب: لا يمكن أن يكون ممتثلاً بلا شك، يكون عنده أصل التعظيم، ولكن ليس عنده التعظيم الكافي. يعني من يعظم الشريعة تعظيماً قلبياً خاصاً، امتثاله للأوامر الشرعية يختلف عن امتثال من يمتثلها وليس في قلبه ذاك التعظيم.
ولذلك، مثلاً في قول الله سبحانه وتعالى، وهو من الآيات الواردة في هذا الباب: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. يعني مثلاً هنا من شعائر الله، سيأتينا إن شاء الله من أول ما يدخل فيها قضية الأضاحي والهدي وما إلى ذلك. إن الصحابة كانوا يسمنون الأضاحي، يعني الآن ليس مطلوباً في الأضحية أن تسمن، أليس كذلك؟ يسمنون الأضاحي، يعني الآن ليس مطلوباً في الأضحية أن تسمن، أليس كذلك؟ مطلوباً أن يضحي الإنسان بهذه الأضاحي. كانوا يسمنون الأضاحي ثم يضحون بها، وهذا من باب تعظيم شعائر الله. فهمتم الفكرة؟
3 تعظيم شعائر الله وأثره في العبادة
الْأُضَاحِي ثُمَّ يُضَحُّونَ بِهَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ. فَهُمْتُمْ الْفِكْرَةَ؟ وَهُوَ لَيْسَ وَاجِبًا، لَكِنْ كُلَّمَا لَاحَظَ الْإِنْسَانُ مَعْنَى التَّعْظِيمِ تَجَاهَ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، فَمَنْ طَلَقَ فِي الْامْتِثَالِ وَامْتِثَالِهِ يَكُونُ فَرْعًا عَلَى التَّعْظِيمِ. فَإِنَّ أَدَاءَهُ لِلْأَمْرِ يَخْتَلِفُ عَنْ أَدَاءِ مَنْ يَمْتَثِلُ الْأَمْرَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَصْحِبٍ مَعَ التَّعْظِيمِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُرْزَقَهَا الْإِنْسَانُ الْمُؤْمِنُ فِي حَيَاتِهِ أَنْ يُرْزَقَ تَعْظِيمَ الشَّرِيعَةِ وَتَعْظِيمَ مَا يُعَظِّمُهُ اللَّهُ. إِذَا رُزِقَ هَذَا التَّعْظِيمَ، فَإِنَّ الْامْتِثَالَ أَسْهَلُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَيَمْتَثِلُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَهُوَ مُنْشَرِحُ النَّفْسِ، طَيِّبُهَا مُقْبِلٌ عَلَى الْعِبَادَةِ، قَدْ وُجِدَ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْجَلاَلِ.
وَقَبْلَ ذَلِكَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا يُدَفِّعُهُ لِأَنْ يُحْسِنَ فِي أَدَائِهِ، غَيْرُ مَنْ يَكُونُ هَمُّهُ صَلَّيْتُ الظُّهْرَ أَمْ لَا، أَدَّيْتُ الْفَرْضَ أَمْ لَا، أَكْمَلْتُ فِي أَدَائِهِ أَمْ لَا، هَلْ الْوُضُوءُ تَمَّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَمْ بَاقٍ شَيْءٌ مَا غَسَلْتُ؟ إِلَى آخِرِهِ. الَّذِي يَنْحَصِرُ تَفْكِيرُهُ فِي أَنَّهُ أَسْقَطَ الْفَرْضَ أَوْ لَمْ يُسْقِطْهُ.
وَبِلَا شَكٍّ، كَمَا قُلْنَا، هَذَا فِيهِ جُزْءٌ مِنَ التَّعْظِيمِ. هَذَا شَيْءٌ، وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ اللَّهِ وَحُدُودَهُ وَحُرُمَاتِهِ، وَيَنْطَلِقُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ بِاسْتِصْحَابِ هَذَا التَّعْظِيمِ، هُنَاكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. فَهَذَا فِيهِ دَعْوَةٌ لِلْعِبَادَةِ بِاسْتِصْحَابِ هَذَا التَّعْظِيمِ.
الْآنَ نَدْخُلُ فِي قَضِيَّةِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْآيَةُ الْأُولَىٰ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾.
وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَرَّتَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ.
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ.
شُوفُوا، يَعْنِي وَاحِدَةٌ مِنْ أَهَمِّ الْمَعَانِي الَّتِي تَكْشِفُ عَنْ صُورَةِ التَّعْظِيمِ أَنْ تَنْظُرَ فِي الصُّورَةِ الْمُقَابِلَةِ، الْمُضَادَّةِ الَّتِي تَكْشِفُ لَكَ عَنْ مَعْنَى الاِسْتِهَانَةِ، فَتَفْهَمُ قَضِيَّةَ التَّعْظِيمِ.
وَالْقُرْآنُ فِيهِ إِبْرَازٌ لِلصُّورَتَيْنِ.
يَعْنِي سُؤَالٌ الْآنَ: مَا الصُّورَةُ الْمُقَابِلَةُ لِصُورَةِ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ؟ وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ، أَيْش فِي آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ تَكْشِفُ عَنْ حَالَةٍ مُضَادَّةٍ لِحَالَةِ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ؟
آيَةٌ مُعَيَّنَةٌ تَكْشِفُ عَنْ حَالَةٍ مُضَادَّةٍ لِحَالَةِ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يَا سَلَامُ! وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَا مُسْتَكْبِرًا كَأَلَّمْ يَسْمَعْهَا.
جَيِّدٌ، وَأَيْضًا: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾.
جَيِّدٌ، وَأَيْضًا لَكِنْ فِي آيَةٍ لَسَّهُ أَوْضَحُ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، يَعْنِي فِي قَضِيَّةِ التَّعْظِيمِ.
لَا، طَيِّبٌ: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾.
4 علامات الإيمان والخوف من الله
أخذته العزّة بالإثم، لأن هناك الذين إذا ذُكر الله هنا، إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزّة بالإثم. ما يفرق، يعني ما في فرق عنده بين أن تقول له: يا أخي اتق الله، يا أخي أذكّرك بالله. ما في فرق، ما في تعظيم جيد، ما في تعظيم. وقد يكون هذا مع الأسف من بعض المنتسبين للإسلام.
أن تذكره بالله، قد يكون شخصًا مثلاً معتديًا على حرمة معينة، معتديًا على عرض، معتديًا على مال، ويكون الإنسان المقابل ضعيفًا. فيقول: يا أخي أذكّرك بالله، اتق الله.
من علامات المؤمنين، من أظهر علامات المؤمنين أنه إذا ذُكر بالله تذكر، وإذا خُوف بالله يخاف. وهذا من صميم موضوع الباب. هذه من أظهر علامات الإيمان، وبعكس ذلك من علامات النفاق أن يكون الإنسان إذا ذُكر بالله لا يتذكر، وإذا خُوف بالله لا يخاف، وإذا زُجر لا ينزجر.
ولذلك مريم عليها السلام لما خافت، قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمـن منك إن كنت تقيا﴾. ما في شيء الآن تلجأ إليه، ما تستطيع أن تحتمي إلا أن تعوذ بالرحمن. فقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمـن منك إن كنت تقيا﴾.
هنا الله سبحانه وتعالى يبرز لنا صورة المؤمنين الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، وجلت، خافت، وفرقت. لاحظ الآن، الوجل ليس يعني، لاحظ أنت الآن حين تقول لشخص: اتق الله، كونه يبتعد. الآن الوجل ليس يعني، لاحظ أنت الآن حين تقول لشخص: اتق الله، كونه يبتعد عمليًا، فهذا شيء، وكون الابتعاد يكون مصحوبًا بوجل القلب، فهذا شيء أعلى وأعظم.
لذلك المطلوب، يعني الدرجة التي يسعى المؤمن الحق لتحقيقها هو أن يكون من أهل هذه الآية: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾. إذا وصل المؤمن إلى هذا المستوى وهذه الدرجة بأن يكون ممن يجل قلبه إذا ذُكر الله سبحانه وتعالى، فإن هذا أسعد الناس.
أسعد الناس بامتثال أمر الله، وأشد الناس ابتعادًا عن ما حرم الله سبحانه وتعالى. الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم.
طيب، السؤال: كيف يصل الإنسان إلى هذه الحال؟ كيف يصل إلى أن يكون ممن يجل قلبه إذا ذُكر بالله أو إذا ذُكر الله سبحانه وتعالى؟ بالمناسبة، ذكر الله المؤدي إلى وجل القلب ليس بالضرورة أن يكون الذكر المسموع أو أن يُقال له، لا، حتى الذكر الداخلي. التذكر ليس المقصود بالضرورة الذكر.
5 العلم بالله وخشية القلب
أو أن يقال له: لا، حتى الذكر الداخلي، التذكر ليس المقصود بالضرورة الذكر باللسان. يعني، خلنا نقول في مجموع الآيات، مثلاً عندك الآية الأخرى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾.
المعنى الأساسي المقصود في هذا هو الذكر الداخلي، التذكر. تذكروا الله، ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم. إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. كيف يصل الإنسان إلى هذه الحال، إلى أن يكون ممن يعني مرور اسم الله عليه والتذكير بالله وتذكر الله سبحانه وتعالى، أنه لا يكون هكذا يمر الإنسان هكذا، وإنما يكون له حساسية معينة داخل النفس، بحيث يكون درجة التعظيم عالية.
كيف يكون ذلك؟ يعني، خلنا نقول: البوابة الأساسية التي توصل إلى هذا هي العلم بالله. هذه البوابة الأساسية، العلم بالله. كلما ازداد الإنسان علماً بالله، ازداد تأهلاً للخشيه منه. وقد جمع الله كما تعلم بين العلم والخشية فقال: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. فكلما ازداد الإنسان بالله علماً، ازداد له خشية، وبالتالي هنا: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾.
وبلا شك، هذه صورة من صور الخشية، يعني أن يجل القلب من الله سبحانه وتعالى ومن ذكره. هذه من صور الخشية. إذن، مادام أنها من صور الخشية، فإن من أهم ما يوصل إليها هو العلم، هو العلم بالله سبحانه وتعالى.
فما سبيل العلم بالله سبحانه وتعالى؟ فالجواب هو أنه لا سبيل إلى العلم بالله أعلى ولا أظهر ولا أوثق من تدبر كتابه سبحانه وتعالى وتأمل ما ذكره الله عن نفسه في كتابه، ثم بعد ذلك التفكر في مخلوقاته. فهذان سبيلان من أعظم السبل الموصل إلى العلم بالله سبحانه وتعالى. جيد؟
فهذا سبيلان من أعظم السبل الموصل إلى العلم بالله سبحانه وتعالى. جيد؟ طيب، إذن ما علاقة الآية بالباب، تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؟
العلاقة هي أنه إذا كان القلب وجلاً من الله وفيه خشية منه، فإن امتثاله لأمر الله وابتعاده عما حرمه هو من المقتضيات الأساسية لمثل هذا الوجل والتعظيم. طيب، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً. هذه الجملة.
6 تعظيم شعائر الله وزيادة الإيمان
والتعظيم طيب، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا. هذه الجملة "زادتهم إيمانًا" هي من أعظم الثمرات التي ينبغي أن يحققها المؤمن في علاقته بكتاب الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا المعنى مكررًا في كتابه.
إن علاقة المؤمن أو من أظهر صور علاقة المؤمن بالقرآن هي توخي زيادة الإيمان بالقرآن، فيقرأ المؤمن القرآن ليزداد به إيمانًا، كما قال سبحانه: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾.
وكذلك في هذه الآية: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾.
طيب، الآية التالية المذكورة في الباب هي في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
الآن، هذه آية واضحة العلاقة والارتباط بعنوان الباب، وهو تعظيم حدود الله. تعظيم أوامر الله، هذه تعظيم شعائر الله، وبنفس اللفظ: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
طيب، هذه الآية الآن فيها عمل، وفيها بيان سببه، أو بيان علاقته بقضية أخرى، وهي قضية تقوى القلب. إن تعظيم شعائر الله هو نتيجة للتقوى الكامنة في قلب هذا الإنسان المؤمن المعظم لشعائر الله.
طبعًا، شعائر الله هنا في هذه الآية هي واردة في سورة الحج، والسياق، طبعًا، شعائر الله هنا في هذه الآية هي واردة في سورة الحج والسياق.
سياق الآيات كله في قضية الحج وما يتعلق بالحج، ولذلك تجد أن العلماء أو المفسرين حين يتناولون هذه الآية، كثير منهم يذكر شعائر الله المتعلقة بالحج، وبعضهم يحصرها في شعائر معينة، وبعضهم يعممها في مختلف شعائر الحج، سواء كانت شعائر مكانية أو غير مكانية، ومنهم من يأخذ الآية على ظاهرها.
7 شعائر الله في الحج والمناسك الدينية
كانت شعائر المكانيّة أو غير المكانيّة، ومنهم من يأخذ الآية على ظاهرها، فيعني يجعل شعائر الله عامة في الحج وغيره.
وأقرأ عليكم كلام بعض المفسرين في قضية الشعائر. عندنا مثلاً ابن عاشور رحمه الله يقول: "شعائر الله لقب لمناسك الحج، والشعيرة هي المعلم الواضح". وعندنا مثلاً ابن سعدي رحمه الله يقول: "الشعائر أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها".
وإذا قرأتم كلام المفسرين ستجدون ما هو أخص من ذلك. فيقول لك مثلاً: "شعائر الله هي البدن التي يعني تساق، يسوقها الحاج معه في الهدي". كذا إلى آخره، وأكثر ما تطلق أو أول ما تطلق على الإبل، وبعضهم يدخل فيها البقر.
وجاء نص في كتاب الله على أنها من شعائر الله، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ لكم فيها خير. وهنا نص على أنها من شعائر الله.
طيب، ما هي الآيات الأخرى التي تبين أشياء أو أموراً تدخل في شعائر الله؟
إن الصفا والمروة من شعائر الله، نص واضح. ولاحظوا مرتبط بالحج والعمر أيضاً، إن الصفا والمروة من شعائر الله.
وكذلك في سورة المائدة، يا أيها الذين آمنوا: ﴿ولا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد﴾. وهذا يعني واضح تماماً أن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
واضح أن من أولى وأهم ما يدخل في هذه الآية هو ما يتعلق بالحج من أعلام ومناسك، وإن كان قد يدخل فيها أعلام الدين الظاهرة بشكل عام كما قال ابن سعدي رحمه الله.
طيب، إذا قلنا أعلام الدين الظاهرة، فما الذي يدخل من شعائر الله المطلوب من المؤمن أن يعظمها؟
هنا يتحدث العلماء عن أنواع من الشعائر، فمنها مثلاً شعائر مكانيّة، فيدخل فيها مثلاً المسجد الحرام، الكعبة، المسجد النبوي، وبيت المقدس، المسجد الأقصى.
وعندك الشعائر الزمانية، فيدخل فيها شهر رمضان، ليلة القدر، وما نحن فيه الآن، عشرة الحجة، وهي من شعائر الله المعظمة، من الأيام الزمانية المعظمة جداً في الشريعة.
يدخل فيها يوم عرفة، من أول ما يدخل في شعائر الله الزمانية، ويدخل فيها يوم النحر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خاطب أصحابه مريداً أن يبين لهم مقدار حرمة عرض المؤمن ودمه وماله، ضرب لهم المثل أو ذكر لهم قضية ما هو معظم من شعائر الله المكانيّة والزمانية، فقال لهم: "أي يوم هذا؟".
ثم قال لهم: "أي بلد هذا؟". ثم قال لهم: "أي شهر هذا؟"، وكان الجواب أنه يوم النحر في البلد الحرام في الشهر الحرام، ذي الحجة.
قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
الآن هذه شعائر الله، جيد؟
8 تعظيم شعائر الله وحرماته
كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، الآن، هذه شعائر الله. جيد؟ طيب، ذلك ومن يعظم... شوف المطلوب هو التعظيم.
ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. هناك آية أخرى في سورة الحج فيها قضية التعظيم لشيء أيضاً وارد ليس بلفظ شعائر الله. أيش؟ أحسنت، أيش الآية؟
ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه. وحقيقة هذه الآية أيضاً فاتت وغابت أن أضعها في هذا الباب، وإلا فهي من أولى ما يدخل في هذا الباب.
ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه. الحرمات الآن هي أوسع من الشعائر باعتبار خاص، إذا فسرت الشعائر بقضية الحج وما يتعلق بها. وباب أولى إذا فسرت شعائر ما، فسرت الشعائر بقضية الحج وما يتعلق بها.
وباب أولى إذا فسرت شعائر ما يتعلق بالبدن، فتعظيم حرمات الله أوسع. لذلك ابن كثير مثلاً يقول: "ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه"، قال: "أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، فيكون ارتكابها عظيماً في نفسه".
شوف الجمع بين الأمرين. تذكروا في بداية قلت للثلاثة أصناف: من يمتثل معظماً مستحضراً للتعظيم، ومن يمتثل غير مستحضر، هذا أصناف.
من يمتثل معظماً مستحضراً للتعظيم، ومن يمتثل غير مستحضر هذا التعظيم، ومن لا يمتثل ولا يعظم. وحقيقة حتى من لا يمتثل ولا يعظم يمكن أن نقسمهم إلى قسمين أيضاً.
يمكن أن نقول: من لا يمتثل وعنده شيء من التعظيم، ومن لا يمتثل ولا يعظم مستهيناً إلى آخره. هنا ابن كثير يجمع بين الأمرين، يقول: "أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه".
هذا الآن الامتثال، فيكون ارتكابها عظيماً في نفسه. هذا معاصيه ومحارمه، هذا الآن الامتثال، فيكون ارتكابها عظيماً في نفسه. هذا الآن التعظيم.
لذلك المطلوب هو الجمع بين الأمرين، وهذا هو الذي يدعو إليه، أو هذا الذي هو من أهم مقاصد هذا الباب، هو أن يجمع الإنسان في امتثاله للشريعة بين أن يكون ممتثلاً وأن يكون معظماً، وأن يكون هذا الامتثال فرعاً عن ذلك التعظيم.
ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. الآية الثالثة قال سبحانه وتعالى: ﴿يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
الآية الثالثة قال سبحانه وتعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
الآن إذا نظر الإنسان إلى أوامر النبي صلى الله عليه وسلم على أنها أوامر معظمة من جهة كونها صادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، ومن جهة كونها مما يخشى فيه المخالفة، بحيث إن من خالف هذه الأوامر فإن مما يخشى عليه ويخاف أن يفتن في دينه.
لأن العلماء يفسرون هنا الفتنة بأنها الكفر والشرك، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري ما الفتنة؟" بأنها الكفر والشرك.
كما قال الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري ما الفتنة؟" الفتنة الشرك. وكذا بعض المفسرين يفسر الفتنة هنا بالكفر.
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، لا من جهة كون المخالفة كفراً، وإنما من جهة كون هذه المخالفة قد يكون من العقاب الذي يترتب عليها أن يزيغ قلبه.
وهذا المعنى هو العجيب والمفارقة، أنه كلما ازداد الإنسان امتثالاً واستقامةً وقرباً من الله...
9 خوف المؤمن من الفتنة ونعمة القرب من الله
العجيب والمفارقة أنه كلما ازداد الإنسان امتثالًا واستقامةً وقربًا من الله وكثرةً في العمل الصالح، ازداد خوفه من أن يُفتن في دينه بسبب تركه لبعض الأوامر. وبعكس ذلك، كلما ازداد الإنسان ابتعادًا وتهاونًا وعدم امتثال، فإن الخوف مما يلحق القلب من الفتنة نتيجة البعد عن امتثال الأوامر يقل، مع أن المفترض هكذا ببادئ الرأي العكس.
يعني أن يقول المطيع الممتثل المستجيب: إن حسناته تشفع له. بينما الآخر الذي هو متهاون هو الذي يظن فيه وفي مثله أنه بسبب تركه للأوامر قد يُفتن. لكن حال المؤمن مختلف.
حال المؤمن لا يخضع لمثل هذه المعادلة. حال المؤمن، بعكس ذلك، كلما ازداد من الله قربًا، خاف أكثر. ليس الخوف هنا هو الخوف المبعد عن الله سبحانه وتعالى، ولا هو الخوف المؤدي إلى الجزاء، وإنما هو خوف وخشية مشوبة بعلم ومشوبة بحياء. وهذا لا يكون إلا في الدرجات العالية من العلم بالله سبحانه وتعالى ومن التقرب من الله سبحانه وتعالى.
وأنتم تعلمون أنه كلما ازداد الإنسان إدراكًا لقيمة ما في يديه، خاف عليه أكثر. فالإنسان إذا رُزق بمال معين أو بشيء من متاع الدنيا مما هو ثمين وغالي، وأدرك قيمته وثمنه، خاف عليه أكثر. وإذا رُزق ولدًا نبيهًا ذكيًا صالحًا مطيعًا، فإنه يخاف عليه أكثر. وإذا رُزق زوجة حسنة، يخاف عليها أكثر. وهكذا، هذا حال الإنسان.
وهكذا الإنسان المؤمن إذا رُزق القرب من الله، ولاحظ معية الله له وتوفيقه وعونه وتسديده، فإنه يخاف من فقدان هذا المحل، ويخاف أن يفقد هذه النعمة. وفقدان هذه النعمة يكون أول ما يكون بتهاونه فيه في تقدير هذه النعمة، وفي تهاونه فيما يتعلق بأوامر الشريعة وتعظيم الله سبحانه وتعالى.
لذلك نجد الحديث الذي سأسبق الآن الترتيب وأذكره، وهو حديث أبو بكر الصديق الذي في البخاري، وذكرته في اللقاء السابق، وهو الآن من الحديث المقرر في هذا الباب.
وهو قوله: «لَسْتُ تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى أن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ».
لاحظوا الآن، هذا هو النموذج الجامع بين الأمرين، الذي يجتنب النهي ويستصحب. وهو يجتنب النهي، الخشية والخوف من عاقبة هذا النهي. يعني الذي يجمع بينه، يجتنب النهي، الخشية والخوف من عاقبة هذا النهي، يعني الذي يجمع بين التعظيم والامتثال.
الآن أبو بكر الصديق يقول: أنا لن أفعل هذا، وإني أخشى أن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. هذا الجمع الذي كان عند أبو بكر الصديق هو المثال الذي ينبغي أن يُحتذى، وينبغي أن يكون محل تعظيم عند الإنسان المؤمن.
نحن اليوم، وهذه نقطة مهمة، نحن اليوم في زمن كثرت فيه عند الإنسان المؤمن الوسائل المهوّنة من كثير من شعائر الله ومن كثير من أوامر الله وما جاء في الشريعة. بل، ونحن في زمن كثرت فيه التهوين من أساس الدين وأساس الشريعة أيضًا.
ولذلك قد تجد أحيانًا عند أناس من المسلمين تأثيرًا ببعض صور هذا التهوين تجاه بعض الشعائر الدينية. ولذلك من الأمور المهمة، وأنا أعتقد أن هذه من القضايا المهمة للمربين خاصة وللدعاة بطبيعة الحال، لكن المربين المشتغلين على تربية الشباب، أنه من أهم ما ينبغي أن يغرسوه، وأنا أعتقد أن هذا من أعظم المؤشرات في نجاح التربية وفي نجاح العمل الدعوي، هو أن يحرص المربي على أن يعظم في نفوس طلابه شعائر الله وما أنزل الله من الدين، وأن يجعل هناك حساسية في القلب تجاه التخويف بالله، تجاه شعائر الله، شعائر الدين.
وأن يعظم الطلاب ما عظمته الشريعة، فيكون عندك مثلاً الصلوات الخمس لها قيمة كبرى في نفوس الطلاب، قيمة كبرى عظيمة جدًا، وأن يكون لا يكون لفريضة أخرى من الفرائض العملية في الدين قدر أعلى من فريضة الصلاة. هكذا يجب أن يكون في القلب.
10 تعظيم شعائر الله وأهمية الفقه في الدين
العمليه في الدين قدر أعلى من فريضة الصلاة، هكذا يجب أن يكون في القلب، ثم بعد ذلك تأتي الفرائض. إذا كان الخمس لها من التعظيم والجلال والهيبة في القلب وفي النفس ما ليس لغيرها مما هو معظم أيضاً، أن يصل المربي مع طلابه إلى هذه النتيجة، وهي أن يعظم شعائر الله وأن يعظم الفرائض، وأن يكون هناك خوف وحساسية عالية جداً من المحرمات المعظمة والمغلظة في الشريعة، أو المعظم فيها القول والعقوبة.
فهذه من أعظم صور النجاح، وهي علامة على الفقه في الدين.
ومن الخطأ والإشكال، والذي كان موجوداً وربما لا يزال موجوداً في كثير من السياقات التربوية والدعوية، هو أن يسوي بين المحرمات وبين درجاتها، فيخرج الطالب وعنده يعني الأمر الذي حتى أحياناً قد يكون مختلفاً فيه، هل هو مكروه أم محرم، وعنده يعني الأمر الذي حتى أحياناً قد يكون مختلفاً فيه، هل هو مكروه أم محرم، أم هل هو مثله مثل ما عظم من المحرمات المغلظة في الشريعة.
التسوية بين هذين الأمرين هو من قلة الفقه في الدين، فهذا أمر في غاية الأهمية.
النبي صلى الله عليه وسلم ربي أصحابه على مثل هذه المعاني التعظيمية، ولذلك خرج لنا أبو بكر الصديق بمثل هذا القول فقال: «إني أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ».
لاحظوا ما يقول: «إني أخشى أن تركت الالتزام بالدين والاستقامة»، ولا يقول: «إني أخشى أن مثلاً لم أقم في الناس الصلاة»، لا، لا، «إني أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ».
ولا حظ هنا أمر واضح، النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن قضية الميراث بشكل واضح، قضية يؤسسها النبي صلى الله عليه وسلم بشكل واضح.
أبو بكر الصديق يقول: «أنا لا أستطيع أن أخالف هذا»، ولذلك لما جاءت حروب الردة، كان أبو بكر الصديق واضحاً تماماً في مثل هذا القول فقال: «والله لقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها».
طيب، إذن فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
نرجع للسؤال الذي في البداية أو نقطة في البداية: كيف يعظم الإنسان ما عظمته الشريعة؟ نحن ذكرنا ثلاثة أنواع من التعظيم، أيش ذكرون فيها؟
السؤال: كيف يقع مثل هذا النوع الثالث؟ كيف يصل الإنسان لمثل هذا النوع الثالث مفصل؟ العلم بالشريعة.
طيب، أيوه، العلم بالشريعة في أيش؟ في المراتب.
جيد، وأيضاً يعني كيف أيضاً العلم بمراتب؟ كيف يكون بمراتب أوامر الشريعة؟
أيوه، كيف يستبين من خلال نصوص الوحي مراتب الشريعة؟
جيد، ومن صور التعظيم في سياق هذه الآية: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
هذا الآن يفهم الإنسان أن القضية خطيرة ومعظمة جداً.
وهكذا فيما جاء فيه: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾، ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾.
الآن إذا ما كانت هذه الأمور الثلاثة خط أحمر، يعني في غاية مستوى الخطورة داخل نفس المؤمن، فمعنى أن هذا المؤمن لا علاقة له بالفقه أو بالدين أبداً.
وهكذا يعرف مقام الأمر ومقام النهي في الشريعة من طبيعة ما يحتف به في الخطاب الشرعي.
فإن كانت هناك عقوبة مغلظة، فينتبه الإنسان، هذا معنى معظم من جهة النهي.
وهكذا بالنسبة للفرائض، أحياناً الثواب الكثير المكرر العجيب الاستثنائي في قضية معينة يدل على أنها معظمة، وأحياناً بعكس ذلك، ذكر العقوبة الأخروية العجيبة الغريبة في عمل معين، أقصد عجيبة من حيث خطورتها، فإنها تبين مثل هذا.
11 تعظيم الصلاة وأثرها في الإسلام
الغريبة في عمل معين، إن أقصد عجيبة من حيث خطورتها، فإنها تبين مثل هذا المعنى. يعني مثلاً في صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».
وفي صحيح البخاري أيضاً، حديث ابن عمر، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله». لاحظ الآن صلاة العصر، وهذا يؤيد ما جاء في القرآن، الذي هو ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، وإن الراجح هي صلاة العصر.
لاحظ تجد في الصحيحين أو في الصحيح ما يؤيد مثل هذا المعنى. إذن صلاة العصر بالنسبة للإنسان المؤمن يجب أن يكون عنده لها قدر من التعظيم أكثر من غيرها. ولذلك في صحيح البخاري أيضاً دعوني أذكر لكم النص وهو نص أجيب ويدل على مثل هذا المعنى.
من في باله أيش النص الذي راح أقوله غير «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»؟ عن وقت العصر حديث الأمم؟ لا، لا، حديث الأمم ما فيه اختصاص بقضية وقت العصر. طيب في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم».
الحديث عنه في البخاري، لكن ربما كيف أن هذه المعظمات لها تأثير، لها تأثير في تغليظ الإثم ومضاعفة الثواب من جهة أخرى.
ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، منهم؟ قال: «رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر، ورجل منع فضل ما أنفق». فيقول الله: «اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يدك».
طيب، طيب، مثلاً النووي سريعاً يقول في شرح الحديث، طبعاً الحديث في البخاري ومسلم، يقول: وأما الحالف كاذباً بعد العصر فمستحق هذا الوعيد، وخص ما بعد العصر لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار وغير ذلك إلى آخر الكلام. واضح القضية؟
اجتماع ملائكة الليل والنهار وغير ذلك إلى آخر الكلام. واضح القضية؟ طيب الآن لاحظوا في انعكاس الذي ينظر للدين وينظر للشريعة ويستمد منها نقاط الثقة، المعظمات زمانية مكانية، أوامر معينة، ويعطي كل أمر قدره، ويكون منطلقاً من كذلك الصورة الثانية من التعظيم، اللي هي التعظيم المجمل لكل ما جاء في الشريعة.
المؤمن عنده كل ما جاء في الشريعة معظم، هذه نقطة لا نقاش فيها. جيد؟
لكن النقطة الثالثة أو الأمر الثالث هو أن يكون هذا التعظيم غير متحد الدرجة، وإنما هو مختلف الدرجة بقدر ما عظمت الشريعة. وهكذا إذا تتبعت كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ستجد أموراً مغلظة معينة.
مثلاً دعوني أقرأ لكم سريعاً أبواباً مثلاً في كتب السنة، مثلاً أبو داود عنده... لاحظ اللفظ: باب في تعظيم الزنا، باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا وارد فيه حديث.
جيد؟ تعظيم اليمين عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا وارد فيه حديث. جيد؟ تغليظ الكذب والحلف كذباً عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، باب في تعظيم قتل المؤمن، في النساء، باب تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب تعظيم السرقة، وهكذا سواء ذراعاً أو كتبا.
باب تعظيم السرقة، وهكذا، سيجد أنه قضية تعظيم، تغليظ، تعظيم، تغليظ. وهذه قضايا مهمة جداً أن يكون عقل الطالب، تعظيم، تغليظ، تعظيم، تغليظ.
وهذه قضايا مهمة جداً أن يكون عقل الطالب العلم وعقل المؤمن على هذا المعنى وعلى هذا الفقه. وسيأتي إن شاء الله في باب، يعني في باب قادم في بثن المنهاج، وهو بعد بابين تقريباً، سيأتي العنوان الثاني: باب في أن الدين على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، والفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب.
طيب، الحديث الأول في هذا الباب هو عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت.
12 تعظيم حدود الله وعدم المحسوبية
رضي الله تعالى عنها، إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت. فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قام فاختطب، ثم قال: «إنما هلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». أخرجه البخاري ومسلم.
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، والعنوان أو الموضوع المرتبط ارتباطاً مباشراً بالباب هو موضوع الحديث الأساسي الواضح، وهو أن ما نزل فيه حد من عند الله سبحانه وتعالى، فإن من أهم صور تعظيمه أن يكون غير قابل للتعطيل بسبب الله سبحانه وتعالى. فإن من أهم صور تعظيمه أن يكون غير قابل للتعطيل بسبب الأنساب، الاعتبارات الاجتماعية، الاعتبارات الشخصية، ما نسميه اليوم المحسوبيات، الواسطات، إلى آخره.
وإن القضية أن من السنن التي مضت على الأمم السابقة وسلكوها هي أنهم سلكوا هذا المبدأ في التفريق. فلم يتعاملوا في تنزيل الشيء على الناس بمبدأ أنها معظمة من جهة الله سبحانه وتعالى، فتسري على الجميع. وإنما تعاملوا معها بمبدأ التجزئة، فقالوا: نحن لا نرد الشريعة كلها، وإنما ننظر فما يعني أمكن من ناحية الاعتبارات الاجتماعية أن يسري، يسري. وأما إذا كان هناك بعض المحسوبيات أو كذا، فإن هذا يؤخر ويعطل.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أسباب هلاك من قبلنا. بل إن الصيغة التي تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن هذا من أهم الأسباب، بل ظاهرها يدل على أنه هو السبب الوحيد. وإن كان بطبيعة الحال هذا الظاهر ليس بالضرورة أن يكون مقصوداً. فقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه». فهذا بلا شك يبين أن هذا من أهم الأسباب.
إذن، من عدم تعظيم الشريعة وحدودها، بلا شك يبين أن هذا من أهم الأسباب، إذن من عدم تعظيم الشريعة وحدودها أن يجامل فيها بناءً على الاعتبارات الاجتماعية وما يتعلق بها. هنا، هذه امرأة مخزومية، مخزومية يعني من قريش، بطن من بطون قريش، يعني القريشية كلها قبيلة شريفة. والبطن المخزومي من البطون التي لها شرف كبير جداً في قريش.
وهذه المرأة لها قرابة بأبي سلمة رضي الله تعالى عنه، ابن عبد الأسد المخزومي، الذي هو زوج أم سلمة، الذي بعد أن توفي عنها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه تكون ابنة أخي أبي سلمة رضي الله تعالى عنه. ولما سرقت، فجاءت قريش أهمها شأنها، أنه كيف يمكن أن تقطع يد امرأة شريفة؟ الآن، شريفة ليست هي القضية أنه فقط نسبة شريفة، نتكلم بني مخزوم. أنت لا تستطيع أن تتخيل اعتبارات اجتماعية معينة.
نتكلم بني مخزوم، أنت لا تستطيع أن تتخيل اعتبارات اجتماعية معينة، شرف معين ذكر بين الناس. وفي ذاك الوقت، قضية الأمور القبلية مشهورة ومعروفة، وهذه القبيلة التي منها فلان وفلان وفلان، وتنحسب هذا، هؤلاء المخزوميين فعلوا كذا وما فعلوا كذا. أحياناً، لذلك لاحظوا الآن حتى الاسم، الاسم هناك خلاف بين الشراح، طبعاً تابعت وحسن التوبة، رضي الله تعالى عنها. لكن هنا الآن لاحظوا حتى الاسم غاب، الذي بقي هو ما كان أهم بالنسبة لهم، وهو أنها مخزومية. واضح الفكرة؟
الذي بقي هو ما كان أهم بالنسبة لهم، وهو أنها مخزومية. واضح الفكرة؟ القضية خطيرة جداً، فكيف تقطع يد هذه المرأة؟
13 حدود الله وضرورة تطبيقها
مخزوميه، واضح الفكره؟ القضية خطيرة جداً، فكيف تقطع يد هذه المرأة؟
تُرى، ليست القضية المعنى أنها تتألم، ولا المعنى أنها مخزومية والعار وكذا، وإلى آخره. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفاً عند الناس، عند أصحابه، أنه لا يجامل في حدود الله، ولذلك ما فكروا أن يذهبوا إليه مباشرة. وهذه مهمة مهمة، أنه النبي صلى الله عليه وسلم هناك أشياء تعرف عنه بين أصحابه، هذه حدود الله.
ما صلى الله عليه وسلم هناك أشياء تعرف عنه بين أصحابه، هذه حدود الله. ما يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم فيها، أتوا إلى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهم، ودخلوا من مبدأ المحبة، أنه الذي يجترئ يمكن أن يكلمه هو أسامة بن زيد.
طيب، الآن المعنى الذي كان مسيطراً على أولئك الذين كلموا النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو تعطيل الأمر الشرعي؟ الذين كلموا النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو تعطيل الأمر الشرعي؟ ليس تعطيل الأمر الشرعي، يعني القضية لم تكن أنه "خلينا نجد حيلة لنعطل الأمر الشرعي"، ما كانت القضية هكذا، وإنما كانت القضية أنه لعله يكون في مخرج، لعله يكون في شيء، لعله يكون في استثناء، لعله كذا إلى آخره. لكن المعنى المسيطر هو قضية شرف تلك المرأة المخزومية.
ومع ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع أسامة بن زيد تعاملاً فيه شدة وفيه وضوح وفيه عتاب، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟»
يعني هذه الصيغة في الاستنكار تعكس بأثر التعظيم في قلوب الصحابة، فيتعاملون بعد ذلك بحساسية عالية جداً مع ما يمكن أن يدخل تحت كلمة حدود الله.
ثم النبي صلى الله عليه وسلم توجه إلى المنبر وخطب، وبين القضية وبين خطورة الأمر، هذا وهو أن يكون هناك مثل هذه الاستثناءات التي يسعى إليها. ثم مد النبي صلى الله عليه وسلم في المدى أو أعطى الأمر مداه، ما يمكن أن يصل إليه من المدى، أنه فين ممكن توصله فاطمة بنت محمد، تلك الشريفة الكريمة العزيزة على أبيها، توصله فاطمة بنت محمد، تلك الشريفة الكريمة العزيزة على أبيها عليه الصلاة والسلام، والعزيزة على المؤمنين، والشريفة نسباً، والتي هي أشرف من تلك المخزومية إن أردتم من جهة النسب، وإن أردتم من جهة كونها من بني هاشم، أو أردتم من جهة كونها ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو أردتم من جهة، قل: بحيث ما شئت، لن تجد امرأة أشرف من فاطمة يمكن أن يقاس بها أو عليها.
فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الغاية في المدى، فيقول: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
نقطة، هذا المعنى وهذا الأسلوب يترك في نفوس الطلاب في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، الذين هم الصحابة، يترك في نفوسهم من الأثر التعظيمي، الأمر الكبير، والأمر العظيم، والأمر الشديد جداً.
وهذا ما ينبغي أن يكون في السياقات التربوية والاستصلاحية أو الإصلاحية الدعوية.
نأتي للحديث الأخير، وهو حديث عمر، حديث أبكر تناولته قبل قليل. حديث عمر رضي الله تعالى عنه عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، قال: «قدّم عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر بن بدر. فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر أو من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا».
فقال عيينة لابن أخيه: «يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟»
الآن واضح من السؤال، واضح أنه فيه مشكلة، يعني ما قال: هل تستأذن لي على أمير المؤمنين؟ هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: «سأستأذن لك».
14 مجالس عمر بن الخطاب وحكمته
أمير المؤمنين، هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن لي عيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم أن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف: 199). وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله. أخرجه البخاري.
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، وسيأتي الحديث أو إشارة أو جزء من الحديث بعد ذلك في باب آخر بإذن الله تعالى. لكن هذا الحديث أولًا عن عمر ومجلسه رضي الله تعالى عنه.
مجلس عمر كان مجلسًا مهيبًا، ومجلسًا له شأن، وللإنسان أن يتتبع مستفيدًا متأملًا مجالس عمر، ويتتبعها من كتب له شأن. وللإنسان أن يتتبع مستفيدًا متأملًا مجالس عمر، ويتتبعها من كتب السير ومن كتب الأخبار ومن كتب الحديث.
فمجالس عمر مليئة بالخير، ومليئة بالمعاني، ومليئة بالحكمة، ومليئة بالمواقف، ومليئة بالنافع. ومن جملة ذلك أن معيار اختيار عمر للمداومين على مجلسه هذا معيار يدرس وينتبه إليه، ومعيار ينبغي النظر فيه. وهو كما قال هنا ابن عباس، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته.
والقراء، ما المقصود بهم؟ القراء المتكرر في الحديث النبوي. يقول ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: "وكان القراء أي العلماء العباد". هذا معنى القراء.
لاحظ استعمال لفظ القراء على قضية العلماء العباد. هذه قد ذاتها تستدعي التوقف والتأمل. وبطبيعة الحال، نحن إذا قلنا القراء اليوم، فلا ينصرف الذهن إلى أكثر من كون الإنسان يعني متقنًا للتلاوة وصاحب أداء وصوت جميل، وكذا إلى آخره. فهو من القراء، وهذا من حيث الوصف اللغوي وصف صحيح، وحتى من حيث انطباق الاصطلاحية هو أيضًا وصف صحيح. ولكن هذا المعنى ليس هو المعنى المطابق تمامًا لهذا اللفظ في استعمالاته في القرون.
ولكن هذا المعنى ليس هو المعنى المطابق تمامًا لهذا اللفظ في استعمالاته في القرون الأولى. وإن كان تري أحيانًا، أحيانًا لفظ القراء قد يستعمل في تلك المرحلة لوصف القراء، بل حتى ورد في بعض الأحاديث أنه "وخرج القراء في البصرة"، وذكر بعض الشراح أن المقصود بالقراء الخوارج. فاستعمل لفظ القراء في تلك الأحاديث، وكانوا مشهورين بقراءتهم القرآن.
لكن هذا لفظ قد يطلق ويراد به كل ما يمكن أن يدخل فيه القرآن. لكن هذا لفظ قد يطلق ويراد به كل ما يمكن أن يدخل فيه من الدلالات والأجزاء، وقد يراد به صورة من الصور الظاهرة والمتعلقة به.
طيب، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، مما يؤكد أن المقصود بالقراء هنا ليس مجرد من اشتهر بتلاوة القرآن وحفظه.
الحديث الآخر المشهور في أن ابن عباس كان من أصحاب مجلس عمر الأساسيين، وكان معيار التفضيل والتقريب لابن عباس هو في فقهه واستنباطه وعلمه.
طيب، وكان القراء أصحاب مجلس عمر. طبعًا قبل أن نتجاوز لفظ القراء في صحيح البخاري، حذيفة رضي الله تعالى عنه أثر موقوف في صحيح البخاري، وأظنه مسندًا يعني من البخاري إلى حذيفة. قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: "يا معشر القراء، استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا".
هذا كلام حذيفة رضي الله تعالى عنه. وابن حجر أيضًا يقول في شرح هذا الكلام من حذيفة: "قال في قوله يا معشر القراء، قال المراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العباد".
لاحظوا الجمع بين الأمرين، ويطلق لفظ القراء على من جمع بين هذين الأمرين. ومما يعني يؤيد ذلك، خاصة في المعنى الثاني، حديث في البخاري المشهور في قصة بئر معونة.
ما هي الفكرة فيها؟ مقتل القراء. إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عشرات القراء، سبعين من القراء لبئر معونة. الوصف في الحديث الصحيح للبخاري قال: "فأمدهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء، يحطبون بالنهار ويصلون بالليل".
وهذا الإبراز الوصف هنا "ويصلون بالليل" في قضية القراء دليل على ارتباط معنى القراءة بقضية قيام الليل والعمل وما إلى ذلك. واضح؟
15 تعظيم القرآن وأثره في السلوك
علي ارتباط معنى القراءة بقضية قيام الليل والعمل وما إلى ذلك، واضح؟ تمام.
طيب، المعنى الأساسي في هذا الأثر عن عمر رضي الله تعالى عنه هو في قوله: "وكان عمر وقافًا عند كتاب الله".
وقافًا عند كتاب الله، هذه فرع عن أيش؟ عن التعظيم.
وهذا في أي نوع من أنواع التعظيم الثلاثة اللي ذكرناها؟
التعظيم، وهذا في أي نوع من أنواع التعظيم الثلاثة اللي ذكرناها؟
أقصد التعظيم الذي هو تعظيم الله سبحانه وتعالى، أو التعظيم المجمل للوحي، أو التعظيم الثالث التفصيلي.
هو أقرب للثاني، الذي هو التعظيم وقافًا عند كتاب الله، حيثما جاءه نص من كتاب الله وقف عنده.
هذا عام لكتاب الله سبحانه وتعالى، بغض النظر عن هل هذا النص من النصوص المتعلقة بأركان الإسلام، أو متعلقة بالكبائر من جهة الأخلاق.
لا، خلاص، هذا وقافًا عند كتاب الله، وهذا يبرز أهمية التقسيم في قضية أن التعظيم قد يكون تعظيمًا مجملًا عامًا، بغض النظر حتى لو لم يستحضر الإنسان فيه أمورًا تفصيلية.
بينما التعظيم المتعلق بدرجات معينة من الشريعة، كان عمر وقافًا عند كتاب الله.
طيب، يظهر التعظيم في مثل هذه المواقف، اللي هي أيش طبيعة عند كتاب الله؟
طيب، يظهر التعظيم في مثل هذه المواقف، اللي هي أيش طبيعة هذه المواقف؟
هنا كانت موقف الغضب، بس أيش الجامع؟ هو ليس المغضب فقط، في مواقف متعددة يمكن أن تضم في حزمة واحدة، وهي ما يمكن أن يعبر عنها بالتالي: أن يستطيع المؤمن أن يهيمن بالنص القرآني على داعي النفس المهيمن عليه، أو الدافع له بسبب غضب، أو فرح، أو هوى معين.
فأن يوقف نفسه نص من كتاب الله، أو نص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود هذا الداعي المعارض.
فهنا ميدان الإثبات للعمل للتعظيم.
ميدان الإثبات للعمل للتعظيم، واحدة من أهم صور التعظيم، أن يمكن للمؤمن أن يوقف نفسه عن مرادها الذي تسعى إليه، وأن يحجز بينها وبين مرادها بنص من كتاب الله، أو بنص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه من أعظم علامات الإيمان، ومن أعظم علامات أن الإنسان معظم لشريعة الله، ولما جاء عن الله، ولما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما قال الخطاب رحمه الله تعالى في وصف القرآن: "يحول بين النفوس ومذمراتها".
يحول بين النفوس ومذمراتها، أن يمكن الحيلولة بين النفس وبين مراداتها بكتاب الله، فهذه من أعظم صور تعظيم كتاب الله.
وما جاء عن هنا عمر، غضب حتى هم أن يقع به، كما قال الشراح، المقصود بيقع به: يضربه ويستحق الضرب.
غضب حتى هم أن يقع به، كما قال الشراح، المقصود بيقع به: يضربه ويستحق الضرب.
القضية هو كذاب، هو كاذب في هذه المقولة.
عمر رضي الله تعالى عنه، إنه ليس بالأصفي الذي وصف، ومثل هذه الجرا، ومثل هذا الكلام مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى بالكذب وعدم الاحترام وعدم الأدب أمام الناس، وعدم التقدير.
ولو قيلت لإنسان من عامة الناس، لما رضي أن يمرر مثل هذا الموقف دون أن يعني يأخذ لنفسه حقها.
ثم أن يستطيع...
16 اختبار النفس في مواجهة الشهوات
أن يمرر مثل هذا الموقف دون أن يعني يأخذ لنفسه حقها، ثم أن يستطيع عمر رضي الله تعالى عنه أن يحول بين نفسه وبين أن تأخذ حقها وأن ينتقم من هذا الجاهل لأنه فقط سمع آية من كتاب الله وهي ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ فيوقف غضبه بسبب ذلك. هذه هي غاية التعظيم التي ينبغي أن يصل إليها المؤمن، وهذا ما قدم أمثال أولئك رضي الله تعالى عنهم.
لذلك، لنبلو أنفسنا. لنختبر أنفسنا، لنلاحظ، لننتبه لمثل هذه المواطن. هل نحن بالفعل على قدرة أن نتعامل مع أنفسنا بهذه الطريقة؟ دعك الآن من حال الرخاء ومن حال موافقة الأمر الشرعي لهوى الإنسان، أو دعك من حال يكون الإنسان فيها قد روّض نفسه في الاستجابة والاستقامة لأمر معين من أوامر الشريعة. دعك الآن من هذا، وإنما ابلو نفسك في الموطن الذي تعارض فيه رغباتك وتنطلق فيه رغباتك، سواء كانت من جهة الغضب أو الإرادة والطلب وما يتعلق بها. ابلو نفسك هناك، فإن استطعت أن تتغلب على نفسك وتغالبها بحدود الشريعة في تلك المواطن، فاعلم أن هذه من أشرف الأعمال التي يمكن أن تعملها.
ما الدليل على أن هذا من أشرف الأعمال التي يمكن أن يعملها الإنسان؟ من يأتي بدليل جيد؟ بس يعني شيء، يعني ما أريد نص عام في مخالفة الهوى أو شيء.
طيب، في حديث الثلاثة الذين في الغار، كان أحدهم قد وقف موقفًا من امرأة كاد أن يقع في الحرام، كاد أن يقع في الزنا. فالذي أوقفه عن ذلك المقام هو كلمة: "اتق الله". الآن، بعد أن طلقت نفسه وخرج عن مجرد أنه أراد، ولا خلاص، الآن هو وصل أن نفسه صارت هي التي تقوده لمثل هذا الفعل. فلما قيل له: "اتق الله"، قام من ذلك المقام وأمسك بزمام نفسه وقادها إلى عكس ما أرادت الانطلاق إليه، لا لشيء، ولم يكن قد خاف أحدًا في ذلك المقام إلا لأنه قيل له: "اتق الله".
وهذا يذكرنا بالآية في هذا الباب، كان هذا من أفضل الأعمال التي عملها بدليل أنه توسل إلى الله به. بل كان في ما تعلمون من الحديث أنه ليتوسل كل مرئ منكم بأرجى عمل عمله أو نحو ذلك مما ورد في الحديث. فإن يستعرض المؤمن أعماله فيجد أن من أرجاها وأعلاها، ويعني أقربها في أن تكون سببًا في نجاة الإنسان من مثل تلك الكربة، أن يختار ذلك العمل. فهذا دليل أن هذا من أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان المؤمن، أن يحول بين النفس وبين إراداتها بعد أن تنطلق إلى إراداتها بسيف من زواجر الشريعة.
هذا من أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان المؤمن. طيب، هذا الآن استعراض متوسط لهذا الباب، وإن شاء الله في اللقاء القادم يكون الحديث عن الباب التالي، وهو ضبط الأفهام على معيار الوحي وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمقاييس النظر، وأن من أسباب الضلال رد الحق بمعايير نظر خاطئة. وهو من الأبواب التي فيها بعض الطول، إن شاء الله يكون هذا في اللقاء القادم.
اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. اللهم لك الحمد، أنت الولي الحميد الذي لا إله إلا أنت، ولك الحمد، أنت العزيز الحكيم الذي لا إله إلا أنت، ولك الحمد، أنت الرؤوف الرحيم الذي لا إله إلا أنت.
سبحانك وبحمدك، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم اغفر لنا خطايانا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله، يا حي يا قيوم.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى. ونسألك، اللهم، نعيمًا لا ينفد، وقرّة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، والرضا بعد القضاء.
اللهم ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم إنا نسألك الهدي والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسر، والبخل والجبن.
اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا، ودنيانا، وأهلنا، وأموالنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، واحفظنا من فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.