الرئيسية السلاسل العلمية البحث الذكي اسأل الشيخ

شرح المنهاج من ميراث النبوة 04 - معيار الوحي وتصحيح المعايير

الحلقة 5 45 دقيقة 10 قسم

1 معايير الفهم في ضوء الوحي

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى.

اللهم ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. الحمد لله الذي وفقنا لحمده، فإن حمد الله سبحانه وتعالى من أعظم العبادات، ومن أحق ما يفعله العبد أن يثني على الله سبحانه وتعالى.

ثم اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة. كان المجلس الأول في باب مرجعية الوحي، والمجلس الثاني في باب تعظيم حدود الله.

وكان هناك ارتباط بين البابين: الباب الثاني والباب الأول. الآن الباب الثالث له كذلك ارتباط بالبابين السابقين، بمعنى أن الباب الأول الذي هو باب مرجعية الوحي كان هو البداية والأساس، ثم تأتي الأبواب بعد ذلك، يعني بعضها لها ارتباط مباشر به مثل هذا الباب الثالث.

هذا الباب هو باب ضبط الأفكار على معيار الوحي، وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمقاييس النظر. وإن من أسباب الضلال رد الحق بمعايير نظر خاطئة.

هذا الباب يتحدث عن أمرين اثنين: عن المعايير التي تكون عند الناس، وما من أمة ولا بيئة ولا حالة من الحالات إلا وتكون لديها معايير.

هذه المعايير تتكون من خلال الثقافة، من خلال التاريخ، من خلال المكونات الهوية. تكون هناك معايير معينة. في مثل حالتنا اليوم، المعايير مثلاً جزء مما يسمى في تكوينها التعليم العام، بحكم أن الجميع في دولة ما يشترك في تعليم معين.

فهذا التعليم تصنع فيه معايير معينة، الثقافة المتعلقة بالشعوب، سواء ما كان متصلاً منها بالتاريخ. أحياناً يكون هناك معايير خاصة متعلقة بعوائل معينة، بقبائل معينة، بانتماءات معينة. فتتكون لدى الإنسان معايير، والمعايير أخطر من المعلومات، لأن المعلومات أو أفراد التصورات الجزئية أمرها سهل، يعني التصور يفكك بسهولة.

طبعاً هذا بشكل مجمل، لكن إشكالية المعيار أنه كالباب الذي تدخل من خلاله المعلومات الكثيرة أو ترد. فمثلاً، أنت عندك معيار أنه مثلاً هذا النمط من الناس، أنت لا تقبل منه شيئاً. هذا يعني أنك تمتلك من خلال المعيار بوابة، إما أن تدخل من خلالها أو تخرج.

تمتلك من خلال المعيار أدوات التقييم. فمثلاً، قد يكون من المعايير التي تربيت عليها ونشأت عليها أنه إذا لم يكن عند الإنسان شهادة علمية معينة، فليس له حق أن يتحدث في كذا وكذا إلى آخره.

هذا الآن الشهادة معيار عندك مثلاً. وهكذا قل ما شئت، أنه مثلاً الذي يقدم ويصدر في الناس وكذا يجب أن يكون عنده مثلاً خلفية اجتماعية معينة، انتماء قبلي معين، رصيد مالي معين. هذه كلها معايير.

حين بعث الله الأنبياء، وهذه القضية الثانية، بعثهم إلى أمم لديهم تلك المعايير. وكانت تلك الأمم وأولئك الأقوام يحاكمون الأنبياء إلى معاييرهم.

فمثلاً كما في الآيات هنا: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾. ومثلاً: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفا﴾ قالوا: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾.

يعني كيف يكون ملكاً علينا ولم يؤتَ سعةً من المال؟ هذا معيار مال. هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً. طيب، وأيضاً هناك آيات كثيرة، لكن منها مما لم أذكره هنا في الباب قول فرعون: ﴿لولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾.

لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى آخره. يعني نحن لا نؤمن حتى تتحقق هذه الأشياء. لا بد أن نرى كذا، وتفعل كذا، أو أن يكون معك كذا، أو أن تكون قد تجاوزت كذا حتى نؤمن لك.

الوحي حين جاء عن طريق الأنبياء كان من جملة الأمور التي أتى بها تصحيح المعايير. تصحيح المعايير قضية خطيرة جداً في الإصلاح.

يعني المصلح الواعي هو الذي يركز على إصلاح المعايير، لأن المعيار إطار كبير يدخل تحته أمور كثيرة. والمصلح الذي يعني هو أقل درجة في الوعي والفهم، فهو يتعامل مع أفراد القضايا فقط.

2 تصحيح المعايير في الدعوة والإصلاح

الذي يعني هو أقل درجة في الوعي والفهم، فهو يتعامل مع أفراد القضايا فقط. فهمتم الفكرة؟

درجة في الوعي والفهم، فهو يتعامل مع أفراد القضايا فقط. فهمتم الفكرة؟ يعني المصلح الواعي ينبغي أن يجمع بين أمرين: بين أن يصلح المعايير والأطر، وأن يصلح في التفاصيل والمعلومات الجزئية. لكن هناك تفاوت، أحياناً تجد بعض المشتغلين بالعلم والدعوة لا يصلحون في قضية المعايير، وإنما يصلحون فقط في قضية المعلومات الجزئية.

إصلاح المعلومات الجزئية وما يتعلق بها هو جيد ونافع، ولكن من الإشكالات أحياناً أنك قد تبني معلومات كثيرة ثم بمعيار خاطئ توظف هذه المعلومات الصحيحة في مجال خاطئ. اليوم نحن نرى أشخاصاً طلبة علم شرعي مثلاً يتلقون معلومات صحيحة، لكن بمعيار معين يوظفون هذه العلوم وهذه المعلومات في مجال خاطئ، في مجال خاطئ، أما في نصرة من لا يستحق النصرة، أو في إسقاط، أو في خصومات، أو في... إلى آخره. وبالتالي ينبغي على المصلح أن يفهم قضية تصحيح المعايير وضبطها من خلال الوحي.

فأنا هنا في هذا الباب حاولت أن أتتبع مجموعة من الآيات والأحاديث التي تعود إلى أحد أمرين: إما أن تذكر معايير خاطئة كانت عند الأقوام والناس، سواء كانوا كفاراً أو مسلمين. حتى لا ننسى، وجود المعايير كان عند الأقوام والناس، سواء كانوا كفاراً أو مسلمين. حتى لا ننسى، وجود المعايير الخاطئة بالنسبة للكفار تعتبر بدرجة عالية متعلقة برد الحق، لكن بالنسبة للمسلمين قد يكون هناك بعض التصورات المعيارية الخاطئة. لذلك ذكرت النصوص، إما من جهة ذكر المعايير الخاطئة، وإما من جهة تصحيح المعايير والتركيز على الناحية الثانية أكثر.

طيب، ذكرت الآيات قبل قليل: ﴿قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، وأننا نراك فينا ضعيفاً. هذا كله من القسم الأول. ولو تلاحظون، هذه الآيات مذكورة عن أقوام لأمم أو أقوام مختلفين، شيء من بني إسرائيل، شيء من قوم نوح، ولكنها متقاربة. كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: «ساحر أو مجنون». كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: «ساحر أو مجنون». أتواصوا؟ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: «ساحر أو مجنون». أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون.

وفي سورة البقرة: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمون الله أو تأتينا آية﴾. كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم: ﴿تشابهت قلوبهم﴾. فنلاحظ أن معايير أهل الباطل، وإن اختلفت الأزمنة، فإنها تتشابه. تتشابه لماذا تتشابه؟ لأن في مصادر كبرى من الحق تؤثر على معايير غائبة لديهم، ولوجود الهوى، ولوجود فكرة. دائماً الإنسان الحق واحد، الحق واضح. متى ما ابتعد الإنسان عنه فإنه يشترك في معنى معين، وهو قضية الهوى. ثم تختلف صور الهوى هذه.

فالنفوس والقلوب تتشابه من حيث الأصل. فالقلوب التي تتبع الهوى دائماً تولد إشكالات، والقلوب تتشابه من حيث الأصل. فالقلوب التي تتبع الهوى دائماً تولد إشكالات واعتراضات على الحق الواضح الثابت. فهذا التوليد طبيعته واحدة، وإن كانت صورته الجزئية مختلفة.

طيب، من الآيات التي لم أذكرها وفيها تصحيح للمعايير، نحن قلنا القسم الأول المعايير الباطلة. طيب، القسم الثاني فيها تصحيح المعايير. قبل أن ننتقل للأحاديث، هناك بعض الآيات، وحقيقة أيضاً فاتتني يعني كثير من الأمور. ننتقل للأحاديث، هناك بعض الآيات، وحقيقة أيضاً فاتتني يعني كثير من الأمور تكمل بالشرح في الكتابة. المتن قد تغيب. يعني في آية مهمة جداً جداً في القسم الثاني هي تصحيح المعايير في سورة البقرة أيضاً: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾، ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾. أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه. طيب، وأيضاً آية أخرى فيها تصحيح للمعايير.

3 تصحيح المعايير في الدين والحياة

إلى الجنة المغفرة بإذن الله.

وأيضاً آية أخرى فيها تصحيح للمعايير: ﴿قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة﴾.

هذا يذكر أيضاً بآية أخرى وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾.

وهذه كلها فيها تصحيح معياري.

طيب، الآن هذا بالنسبة للآيات.

حتى بالمناسبة، حتى آية: ﴿أن يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يعلم﴾.

أكملها فيها تصحيح معياري: ﴿قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾.

هذا فيه تصحيح معياري.

طيب، نبدأ الآن بالأحاديث.

أولاً عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متجع على حصير، فجلست فادني عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه.

فنظرت ببصري في خزائن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قُرَضًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق.

قال: فابتدرت عيناي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك؟»

أفيق معلق.

قال: فابتدرت عيناي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟»

قلت: يا نبي الله، مالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسر في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وهذه خزانتك.

فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟

قلت: بلى.

خرجاه البخاري ومسلم.

الآن هذا الحديث من أي القسمين؟

القسم الثاني.

القسم الثاني في تصحيح المعايير.

أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟

طيب، قبل ما نذكر الفائدة المباشرة، دعنا نذكر مجموعة من الفوائد من هذا الحديث.

أول شيء بالنسبة لمعنى الحديث، طبعاً هذا الحديث له قصة يطول المقام بذكرها، فاتجاوز قصة الحديث.

لكن قال: فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع.

ومثلها قُرَضًا، مثلها قُرَضًا.

قرض ورق، هكذا في الشرح، ورق شجر يوضع به الجلد أو يدبغ به الجلد.

عفواً، كما تعرف، الجلد جلد الحيوانات يدبغ.

فإذا دبغ يطهر، على خلاف كبير بين الفقهاء في ضابط هل يطهر أو لا يطهر.

يعني فيه كلام كثير في مسألة في باب الأني، عادة يذكره الفقهاء في قضية طهارة جلود الميتة.

طهارة جلود الميتة في باب الأني، عادة يذكره الفقهاء في قضية طهارة جلود الميتة.

هل تطهر بالدباغ أو لا؟

بغض النظر، وإذا أفيق معلق، أفيق جلد، ابتدرت عيناي سالتها بالدموع.

طيب، الآن هذا الحديث فيه عدة فوائد.

الفائدة الأولى في حال النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث فيه عدة فوائد.

الفائدة الأولى في حال النبي صلى الله عليه وسلم ورضاه بالقليل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيش حياةً، وهذا ثابت بكثير من الأحاديث، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش حياةً غير مترفة، بل وحياةً فيها كثير من المشاق والصعوبات، يعني خاصة في الأيام لا يتم الإدارة، لكن في السنوات الأولى من عمر النبوة، بل وحتى في السنوات الأولى في المدينة.

بمعنى أن عائشة رضي الله تعالى تقول في الحديث الصحيح.

4 حياة النبي في المدينة وصبره على الشدائد

السنوات الأولى في المدينة بمعنى أن عائشة رضي الله تعالى تقول في الحديث الصحيح: «فتحت في السنة السابعة من الهجرة ما بقي من عمر النبي صلى الله عليه وسلم من لا ثلاث سنوات وشيء». وكذلك ثبت في الصحيح.

قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «وما يوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار».

والأحوال النبوية فيما يتعلق بضيق حال اليد أو ضيق ذات اليد كثيرة جداً. وحين ترى في الأثر النفسي لنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في مقابل ضيق ذات اليد، ستجد أن الأمر عجيب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينعكس هذا الضيق في ذات يده، لم يكن ينعكس على نفسه بالضيق والحزن والكآبة، وإلى آخره. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش في رسالته صابراً محتسباً، منشرح الصدر، قوياً في الحق، إلى آخره، وكأنه ليس هناك تحديات مادية تحيط به. وهذا أمر عظيم في دلائل النبوة، حتى والباب فيه باب كبير جداً.

الأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قضية ذات اليد، أنه كان يعني يعاني أو يمر بأنواع من الهموم. وهذه الهموم التي تمر به مختلفة المصادر. فالحديث عن الهم الذي ركب النبي صلى الله عليه وسلم كان من جهة، كما نقول اليوم، من الجهة الاجتماعية ومشكلات داخل بيته عليه الصلاة والسلام.

فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم داخل بيته، فهذه واحدة من المصادر التي كانت يسويها بعض الابتلاءات أو بعض الشدائد التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثالث حال الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وحرصهم الشديد دائماً على أن يكونوا بقربه ويكونوا بجواره. هذا الحديث في بعض رواياته أصلاً أن عمر رضي الله عنه قال: «والله لأضحك النبي صلى الله عليه وسلم». في بعض رواية القصة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاول يضحك حتى ضحك النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا موقف عمر، وهنا بكى عمر عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وحاله وتأثره.

5 معايير السعادة في الدنيا والآخرة

عمر وهنا بكى عمر عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وحاله، وتأثره هذا القرب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سمي واضح وظاهر في الصحابة، وهو مما فضلوا به، وهو من الأمور التي انقطع إمكان عملها. يعني ما يمكن أن يعمل الإنسان اليوم مثل عملهم أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم في مقام وقد تأثر وجهه من الهم، ليس بسبب ضيق ذات اليد، وإنما يعني بسبب المشكلات والتحديات المحيطة.

ثم يأتي من يكون دوره أن يسري عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبدل وجه النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الحال إلى حال السرور والإشراق. هذه القضية انتهت، وهذه من أعظم الأعمال الصالحة التي يمكن أن يعملها الإنسان، وحازها الصحابة وفازوا بها.

الأمر الفائدة الرابعة قضية مركزية الآخرة، وأثر ذلك على الصبر والزهد. يعني النبي صلى الله عليه وسلم عندما خاطب عمر من الخطاب لم يخاطبه أنه يعني فقط يتصبر الإنسان، أو يعني الحال لا. عندما تكون مركزية الآخرة هي المهيمنة على الإنسان فإنه يستعلي على النقص الدنيوي، وهذه صعبة جداً، أمر صعب في غاية الصعوبة، لا تكون إلا لمن إيمانه بالآخرة إيمان عظيم جداً.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يخاطب عمر أصلاً بأسلوب: «أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» ثم الفائدة الخامسة والأخيرة هي المتعلقة بأساس الباب، التي هي المعيار. هنا النبي صلى الله عليه وسلم يصلح المعيار فيقول: «أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» بمعنى أنه ولو كان كسر وقيصر فيما هم فيه، وهم كفار، فإن لهم الدنيا. فلا عجب أن يكونوا مع كفرهم قد أوتوا من الدنيا ما أوتوا، وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله في الدنيا في هذه الحال، فلا عجب ولا غلط ولا خطأ ولا أمر يستغرب، فإن الآخرة له والدنيا ليست له من حيث هذا المقياس.

ولذلك يأتي الحديث التالي ليؤكد هذا المعنى. حديث التالي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (خرجه مسلم). هذا الحديث مكون من أربع كلمات أو خمس كلمات، ولكن هذا الحديث فيه إصلاح معياري، بل أنا ممكن أسميه انقلاب معياري.

هذا الحديث من يضعه نصب عينيه ويتفكر فيه ويفهمه بشكل جيد، تزول عنه كثير من الإشكالات. لم يخلق الله الدنيا لتكون محلاً لثواب المؤمنين، ما جعلها محلاً لثواب المؤمنين، ولم يخلق الله الجنة ثم يجعل الطريق إليها عبر جنة مادية توصل إليها، وإنما جعل الجنة في الآخرة، وجعل الطريق إليها محفوفاً بالمكاره، وجعل النار في الآخرة، وجعل الطريق إليها محفوفاً بالشهوات. هذه سنة الله.

هذه القضية من حيث القسم الأول هي المعايير الخاطئة، هي من أكثر القضايا التي فيها معايير خاطئة في الحياة، حتى عند كثير من المسلمين. إنه يظن الإنسان أنه المفترض أن يعيش في الدنيا في سعادة بالغة، وبعيداً عن الهموم والكدر، وبعيداً عن ابتلاءات، وبعيداً عن ضيق ذات اليد.

ثم أيضاً يكون في جنة الآخرة. نعم، الله سبحانه وتعالى يقسم الأرزاق ويرزق المؤمنين، وقد يكون المؤمن في هذه الحياة موسعاً له في الرزق، ولكن حين يبتلى بشيء من نقص من الأموال أو الأنفس أو الثمرات، لا يرجع إلى الأساس فيقول: لماذا يأتيني مثل هذا وأنا طائع لله؟ المفترض أن تفكر بالعكس.

إذا كنت طائعاً لله، فلا بد أن تأتيك اختبارات وامتحانات في هذه الدنيا. هذه الاختبارات والامتحانات ستصل إلى يعني ستزيل الطبقات الخارجية منك حتى تصل إلى قلبك وتعالج تلك الابتلاءات في قلبك. فإذا لم تكن مستعداً لمثل وعندما تصل إلى هذه الابتلاءات، فقد تسقط.

طيب، كيف يستعد؟ واحدة من أهم سبل الاستعداد هذا المعيار: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. طيب، ترى الدنيا سجن مؤمن، قضية ليست مجرد ابتلاءات، لا، هي التكاليف الشرعية. يعني الآن السجين مقيد، أليس كذلك؟

6 الدين كقيد وابتلاءات المؤمن

مجرد ابتلاءات، لا هي التكاليف الشرعية. يعني الآن السجين مقيد، أليس كذلك؟

أبرز صفة في السجين أنه مقيد الحرية. هذه يعني أهم صفة السجين، ليس أنه معذب، وإنما أبرز صفة في السجين أنه مقيد. فهو مقيد الحركة، مقيد المساحة التي ينطلق إليها، مقيد عن كذا وعن كذا وعن كذا. وهكذا الدين، الدين قيد. الدين قيد يقيد الإنسان، فأنت جعل الله فيك رغبات وأهواء تريد أن تنطلق، الدين جاء يقيد هذه الرغبات.

ولذلك، وهذا بس باب اللطائف، أنه ورد في البخاري أن القيد في المنام ثبات في الدين. تعبير القيد في المنام ثبات في الدين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب القيد في المنام. فالمؤمن مقيد، الدنيا سجن المؤمن. طيب، سجن بماذا؟

يحب القيد في المنام، فالمؤمن مقيد، الدنيا سجن المؤمن. طيب، سجن بماذا؟ ليس بضرر فقط، ابتلاءات لا، وإنما أهم صورة في كونها سجن هي في أن الإنسان مقيد فيها بحدود الله. فليس صحيحاً أن الإنسان المؤمن مفتوح له كل الخيارات ليعمل ما يشاء، أبداً. والذي لا يفهم الدين بهذه الطريقة سيستشكل كثيراً من الأحكام.

سيأتي لهذا الحكم فيقول: لماذا حرم الله كذا؟ طيب يا أبو الشباب، هو أصلاً الدين جاء يقيد الرغبات والأهواء. قد تكون هناك بعض التشريعات، الحكمة الأساسية فيها هي قضية الابتلاء والاختبار. الابتلاء والاختبار بأنك هل تنقاد أو لا تنقاد. والدين هذا قائم على قضية التسليم والانقياد لله سبحانه وتعالى.

نعم، فيه براهينه وأدلته العظمى والكبرى والواضحة والتي لا يدانيها أي شيء، لكن في نفس الوقت لا بد أن يكون فيه تسليم وانقياد. فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. هذا تصحيح معياري رهيب، وهو من أعظم المعايير التي ينبغي أن يضعها المؤمن.

نصبغ إليهم، قال النووي رحمه الله عن هذا الحديث: قال معناه أن كل مؤمن مستون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، ومكلف بفعل الطاعات الشاقة. فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم.

الآن، ما هو فائدة تصحيح الميار هذا؟

فائدة تصحيح الميار هذا أنني مستعد نفسياً لمخالفة الهوى، ومستعد لتلقي التكاليف الشرعية، ومستعد للصبر سواء بالصيام في الحر، سواء بالصلاوات في الوضوء في أوقات المكاره أو في البرد.

والصلاة وكذا استيقظ الفجر لأصلي، وكذا هذه كلها اسمها قيود. قيود من حكيم خبير تقود الإنسان بإذن الله إلى أولاً رضوانه، ثم إلى جنة الخلد. أما الكافر، فالدنيا جنته. جنته بهذا باعتبار إيش؟

ثم إلى جنة الخلد. أما الكافر، فالدنيا جنته. جنته بهذا باعتبار إيش؟ أنه غير مقيد. فانت تجد أنه يبقى ينام، يبقى يصح. الذي يقيده هو الأمور الدنيوية التي تختارها. وظائف معينة لازم يصح عشان دراسة، عشان مدري إيش، عن كذا. لكن هو في الأخير الدنيا مفتوحة.

إيش يبغي؟ ياكل؟ إيش يبغي يشرب؟ إيش يبغي ينكح؟ إيش يبغي مدري إيش؟ كله مفتوح، مفتوح. وسيحاسب على هذا. فهي هذه الدنيا جنته.

إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكلون. نعم، والنار مثلهم.

الحديث التالي عن نبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصُّرعة».

الآن، هذا تصحيح معياري داخلي.

7 قوة التحكم بالنفس عند الغضب

صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة»، الآن هذا تصحيح معياري داخلي داخل الإطار السلوكي، داخل الإطار الأخلاقي، وهذا له علاقة كبيرة في قضية تصحيح المعايير الداخلية للتصورات الداخلية للإنسان المسلم.

أما الحديث السابق فهو في التصورات الكبرى العامة: «الدنيا سجن المؤمن»، أما هذا الحديث فهو في التصورات الداخلية الخاصة. «ليس الشديد بالصرعة»، إنه يملك نفسه عند الغضب. حديث من الداخلية الخاصة، «ليس الشديد بالصرعة»، إنه يملك نفسه عند الغضب.

حديث من أوضح الأحاديث في تصحيح المعايير، من أوضح الأحاديث في تصحيح المعايير، لأنه تعرفون وأصلاً في الحديث يعني حتى الحديث التالي: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» يعني فيه تصور معين أنه أنتم إيش تعدون كذا. فليس الشديد بالصرعة، يعني إذا كنتم تعتبرون أن الشديد والقوي هو الذي لا يصرعه أحد، وهذا هو، هو، هو، هو، هو، هو، هو، هو، هو، هو، هو، طبيعي يعني.

وهذا أصلاً يعني هذا الأقرب للغة، وهذا الأقرب للعرف، وهذا الأقرب لتصورات الناس. النبي صلى الله عليه وسلم هنا يريد أن يقول أو يعني يقول عليه الصلاة والسلام: إن الشديد حقاً وفعلاً والذي هو في كمال الشدة هو الذي يستطيع أن يسيطر على نزواته أو مشاعره بحيث لا تغلبه.

ومن أقوى هذه المشاعر شعور الغضب، فإذا استطاع الإنسان أن يتغلب على مقتضى هذا الشعور بحيث إنه لا يهزمه، فهو الشديد حقاً. وبالتالي لا يسقط المؤمن أمام فخ التعريفات الخاطئة، هذه القضايا من الشديد، من القوي، من الناجح، من الفائز، من كذا.

هذا الحديث يمكنك أن تقيس عليه، ولكن في موضوعه الأساسي هو موضوع فيه تصحيح معياري مهم جداً، وهو يفتح أفقاً أمام الإنسان المؤمن أن بعض الألفاظ التي يمكن أن يعني تضاف بسبب أفعال خارجية ظاهرية، الإسلام يأتي ليضيف إليها مكونات داخلية، فيلحقها بها.

مثلاً: الحرية والعبودية. الحرية والعبودية معروفة، إنسان حر أو إنسان رقيق عبد له سيد يملكه. يأتي الإسلام يوسع من هذا المفهوم، أن العبودية ليست فقط عبودية له سيد يملكه. يأتي الإسلام يوسع من هذا المفهوم، أن العبودية ليست فقط عبودية الرق، بل هناك عبودية أدنى منها، وهي: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم».

بينما لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس العبد الذي يكون تعس عبد الدينار وعبد الدرهم». طبعاً عبد الدينار وعبد الدرهم هذه تعريفات لم تكن موجودة، يعني لم يكن في التصور العام أن الذي يلهث خلف المال ولا يبالي من الحلال أو من الحرام، ويبيع لأجله كذا وكذا، لم يكن إنسان يتصور أن هذا تدخل ضمن قضية العبودية.

خلاص، العبودية معروفة الرقيق ومن الرقيق، لكن هنا لاحظ في فتح للتصور، حتى المعيار يتسع. وهكذا: «ليس الشديد بالصرعة الذي يصرع الناس ولا يصرع، إنما الشديد حقاً الشديد الكامل هو الذي يملك نفسه عند الغضب».

وهذا الحديث فيه شرف كبير جداً لمثل هذا السلوك الذي يملك نفسه عند الغضب. وهذا الحديث فيه شرف كبير جداً لمثل هذا السلوك الذي هو جزء من مخالفة الهوى، القدرة على التحكم بالنفس، القدرة على منعها عن رغباتها، وخاصة إذا كان هناك داعٍ داخلي يدفع الإنسان كالغضب.

فالغضب كأنه إنسان داخل الإنسان، كأنه نفس داخل النفس، تحدث النفس البشرية وتدفعها دفعاً جيداً. فإذا استطاع الإنسان أن يسكت هذه النفس الداخلية ويمنعها ويعزلها، يكون شديداً.

الإنسان أن يسكت هذه النفس الداخلية ويمنعها ويعزلها، يكون شديداً حقاً. ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فلما سكت عن موسى الغضب سكت﴾، كان الغضب داعٍ داخلي يتحدث.

«فلما سكت عن موسى الغضب، أخذ الألواح». وماذا في التالي؟ مثله رضي الله عنه قال: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قالوا: «الذي لا يولد له». قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً».

الرقوب لغة: الذي لا يعيش له ولد. الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً. الرقوب لغة: الذي لا يعيش له ولد.

السؤال: هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس ذاك بالرقوب» يقصد أن من يقول عن الذي لا يولد له إنه يولد فهو مخطئ؟ نعيم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: إن من لا يولد له عندنا صورتان: عندنا شخص لا يولد له، وشخص لم يمت له أحد من أبنائه.

جيد، واضح من الرقوب من حيث العرف، من حيث اللغة هو الذي لم يولد له. يأتي هذا الحديث فيقلب المعادلة تماماً، يقول لك: الذي لم يقدم من ولده شيئاً.

لم يمت من أولادي شيء، أحد يقصد الرقوب، وكان الشخص الذي يعيش في هذه الحياة وقد اكتمل بنوه ولم يصب فيهم بشيء ولم يمت أحد منهم، كأنه فيه نقص من هذه الجهة.

وإن من مات له أحد فهو الذي طبعاً بطبيعة الحال، هذا من حيث القضاء والقدر. الله سبحانه وتعالى يقدر على الإنسان من جملة الابتلاءات أنه قد يفقد بعض أولاده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.

ومن جملة الابتلاء بهذا الذي هو النقص الذي يحصل في أنفس الأولاد، فيبتر الإنسان بوفاة أبنائه. النبي صلى الله عليه وسلم حين يتحدث بهذا يتحدث وقد توفي جميع أبنائه عليه الصلاة والسلام في حياته، إلا فاطمة رضي الله عنها، ولحقت به بعد وفاته بستة أشهر.

لاحظ التصحيح المعياري في القضية، يعني عكس ما قد يتبادر إلى الذهن.

8 رفع الأمانة وأثره على الإيمان

لاحظ التصحيح المعيار في القضي يعني عكس مذلول، أصلاً ما قد يتبادر إلى الذهن.

طيب، الحديث التالي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن رفع الأمانة من الناس، قال: "فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجله، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". خرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث حديث عظيم، حديث حذيفة، وهو حديث طويل في البخاري ومسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن رفع الأمانة من قلوب الناس. وشبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرفع بطريقة متدرجة، أنه ينام الرجل فترفع، يرفع شيء من الأمانة، حتى يظل أثرها مثل الوقت، لون مختلف عن الذي قبله، مخالف لما حوله، ثم يظل أثرها مثل المجل، مثل الانتفاخ هذه التي تحصل بسبب الحرق أو بسبب عمل الفاس. فتكون داخلها ماء.

ثم وهكذا يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن نزع الأمانة من قلوب الناس أو من قلوب الرجال، حتى تبقى لها تلك الآثار، ثم يصبح الرجل ليس في قلبه مثقال درهم من إيمان.

والأمانة هنا تعني مثل ما يذكر النوي رحمه الله، لما يذكر التفسير أو يشرح الحديث، يتحدث عن الأمانة التي في مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال﴾، التي هي التكاليف الشرعية، التي هي الدين بشكل عام، وكيف أنه تأتي الأمانة، يعني كيف أن الإنسان قد تنزع منه مثل هذه المعاني، ينزع منه الدين.

والنزع هذا يعني كيف أن الإنسان قد تنزع منه مثل هذه المعاني، ينزع منه الدين، والنزع هذا قد يكون تدريجياً، وهذا النزع له أسباب، والحديث في هذا يطول، يعني لكن الآن فقط أركز على ما هو متعلق بالباب، أنه نتيجة هذه الأمانة، شوف الناس، لابد أن تكون لهم معايير مهما كانت، سواء كان فيه سبب غير، أقصد كان فيه معايير صحيحة، فيه معايير خاطئة، لابد الناس أن يكون لها معايير.

فإذا لم تشغل الناس بالمعايير الصحيحة، سينشغلونهم بالمعايير الخاطئة. من جملة المعايير الخاطئة التي تأتي في مثل هذه الحالات حين تنزع الأمانة، ينزع الدين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى يقال للرجل: ما أجله، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".

وهنا السياق قد يدل، والله أعلم، أنه ما أجله، ما أظرفه، ما أعقله، وقد أن يكون من جملة أسباب ذلك هو المعيار المادي المالي، لأن هنا يصبح الناس يتبايعون، الذي هو البيع والشراء، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجله، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.

وكانه، والله أعلم، هنا أنه ليس أميناً، يعني مثقال حبة من خردل من إيمان، وكانه، والله أعلم، هنا أنه ليس أميناً، يعني ليس أميناً، خاصة في البيع والشراء.

فهنا الحديث أيضاً ينبه إلى معيار خاطئ عند الناس، أنه سيأتي زمن على الناس يقال فيه للرجل، يقال فيه للإنسان: ما أعقله، ما أجله، ما أظرفه، وإذا نظرت إلى المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن يقيم عليه الإنسان، فهو لا يمتلك شيئاً منه، وهو ما في قلبه من الإيمان، وإنما لأجل معايير.

فهو لا يمتلك شيئاً منه، وهو ما في قلبه من الإيمان، وإنما لأجل معايير مادية معينة. ونحن اليوم حقيقة في مثل هذه المرحلة نعيش مثل هذه التقييمات الزائفة، يعني نحن اليوم في زمن طبيعة النظرة التكوينية فيه هي نظرة نجوم ورموز، والتابعين ومتابعين وما إلى ذلك، وهناك معايير معينة تقذف بالإنسان إلى الأعلى في مثل هذه المكونات أو تنزل به إلى الأدنى.

نحن اليوم نرى كثيراً من الناس يستضافون، ويعني يحضرون افتتاحات كبرى، والناس تتحلق حولهم، وقد يأتون في أماكن عامة بحماية وبمظاهر، من مشاهير شبكات التواصل، هو فعلاً لا يمتلك أي شيء، لا يمتلك لا علماً ولا يعني فيما يظهر من الحال، يعني صلاحاً واستقامة وديناً وإيماناً، وما إلى آخره، وإنما غاية ما لديه، طبعاً، ويقال فيه: ما أجله، وما أظرفه، وما أعقله، وما إلى آخره، وأشباهها وأمثالها، ثم لا يكون هذا مبنياً على أي معيار صحيح ينبغي أن يقدم لأجله الإنسان.

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الحديث العجيب حقيقة، وإن كان بعض العلماء يتحدث في شيء من إسناده، الذي هو: "سيأتي على الناس سنوات الخداع، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة". قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: "الرجل التافه يتحدث في أمر العامة".

وهذا مثال على انقلاب معياري، فائل في... الرجل التافه يتحدث في أمر العامة. وهذا مثال على انقلاب معياري، فائل في... كيف... أن الصادق يكذب، والكاذب يصدق، الأمين يخون، الخائن يؤتمن، والرجل التافه يتحدث في...

9 تصحيح المعايير في الإسلام

يكذب والكاذب يصدق، الأمين يخون، الخائن يؤتمن، والرجل التافه يتحدث في أمر العامة.

هذا تنبيه. الحديث هذا فيه تنبيه للمعايير الخاطئة، وفيه أيضاً تصحيح للمعايير. أما التنبيه على المعايير الخاطئة، الذي هو: ما أجلده، ما أعقله، وما أضرفه، جيد غالباً لأجل المعايير المادية وما إلى ذلك، أو من مقتضيات دنيوية معينة.

والتصحيح هو: وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، معناه أن...

والتصحيح هو: وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، معناه أن...

أيضاً، كلما ازداد إيمانه كان أوجب، كان أدعى لأن يقال له مثل ما قيل لذلك الذي يفتقد حقيقة ما ينبغي أن يقدم لأجله الإنسان.

الحديث التالي قبل الأخير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره»، أخرجه مسلم.

والحديث التالي سأتحدث عنه مسوياً، قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع. قال ثم سكت.

فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا»، أخرجه البخاري.

الآن هذان الحديثان هما أيضاً في التصحيح الداخلي أو التصحيح المعياري الداخلي داخل التصورات الإسلامية.

تصورات إسلامية الداخلية، حتى بين المؤمنين قد يكون هناك بعض المعايير الخاطئة المتأثرة بأي كان من المؤثرات. النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوباً مثل الأسلوب الذي استعمله في قوله: ما تعدون الرقوب فيكم؟

هذا حديث سابق، وهنا: ما تقولون في هذا؟ وهذا أسلوب نبوي متكرر. النبي صلى الله عليه وسلم ينبه، يستعمل السؤال: أي يوم هذا؟ كما في الحديث الصحيح في البخاري: أي يوم هذا؟

طيب، أنت عارف أنه يوم... يعني تخيل مثلاً نحن بكرة إن شاء الله يوم عرفة. كلنا عارفين يوم بكرة إن شاء الله يوم عرفة.

أجي حد يقول لكم: أي يوم هذا؟ سؤال الذي يعني كأنه سؤال عن معلومة، فأنت عارف على المعلومة، والكل عارف على هذه المعلومة، وأنت تنتبه أنه...

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى يا رسول الله.

أي بلد، أي شهر هذا؟ قالوا: ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذو الحجة؟

بلد، أي شهر هذا؟ قالوا: ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذو الحجة؟ قالوا: نعم.

أي بلد هذا؟ ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. أليس البلد الحرام؟ قالوا: نعم.

لاحظوا التنبيه هذا، أسلوب نبوي مهم. مهم أن يتخذه المصلحون، يتخذه الدعاة. مهم أن يعتنوا بالأسلوب، خاصة إذا كان الكلام متعلقا بأمر عظيم أو متعلقا بتصحيح معياري.

تصحيح معياري: ما تعدون الرقوب فيكم، فهو يقررهم بهذه المعلومة التي يعلمونها جميعاً، ثم يصلح.

وهكذا: ما تقولون في هذا؟ ثم حين مر: ما تقولون في هذا؟ وكأنه إيقاظ وإثارة للمعلومة المستقرة أصلاً والموجودة أصلاً.

تضعها أمامهم، تضع أمامهم المعلومة الخاطئة. جيد، تجعلهم ينطقون بالمعلومة الخاطئة.

لما ينطق بالمعلومة الخاطئة وتضعها أمامه، تنسفها له. جيد، وهذا أسلوب مهم جداً أنه يعني تخرج ما في أنفس الناس من الخطأ، من التصورات الخاطئة، تجعلهم ينطقون بها، تجعلهم يعرضونها.

فإذا عرضها وكأنك تقول لهم: أنا أعرف هذه القضية، وأفهم الموضوع، لكن ترى هذا كله بعد ما تكلمتم به، ترى هذا كله غلط، والصواب مؤلق.

ما تردون الرقوب فيكم؟ قالوا...

10 مكانة الإنسان عند الله وليس الناس

تكلمتم به، تري هذا كله غلط، والصواب مؤلق. ما تردون الرقوب فيكم؟ قالوا كذا. أتا لهم بعكس ما يتصور.

رب أشعث مدفوع بالباب، هذا مدفوع في الأبواب، مثل الذي قالوا قبل قليل: حريوا من الخطب ألا ينكح، وإن شفع لا يشفع. هذا معنى مدفوع بالباب. جيد، وإن قال: لا يستمع، يعني: إنجاع في مكان، لا يصدر إنجاع في طلب، ما رح يستجاب. إنجاع في مدفوع بالباب.

رب أشعث مدفوع بالباب، لو أقسم على الله ما رح يستجاب. إنجاع في مدفوع بالباب. رب أشعث مدفوع بالباب، لو أقسم على الله لأبره. الحال أنه ليس فقط أنه ينبغي ألا يكون مدفوع بالباب، بل هذا عند الله بمكان. عند الله بمكان أنه لو أقسم على الله سبحانه ذي الجلال والعظمة لأبره الله سبحانه وتعالى.

هذا في حديث كثير أو طويل، وفيه قصة أيضاً حصلت في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، للربيع بنت معوذ كذا، لكن لا يسع المقام لذكرها الآن. هذا الحديث متصل بحديث آخر، صحح النبي صلى الله عليه وسلم فيه مثل هذه المعايير، فقال كما في صحيح مسلم حديثه بوريرة رضي الله عنه: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

لاحظ، فعند الله سبحانه وتعالى هذا، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. لاحظ، فعند الله سبحانه وتعالى هذا المعيار، كونه أشعث وكونه الناس زاهدين فيه ولا يعتبرونه، وكذا هذا عند الله سبحانه وتعالى ليس معياراً. فكون الإنسان ليس مصدراً عند الناس، هذا لا يعني أنه كذلك عند الله سبحانه وتعالى، بل قد يكون الأمر بعكس ذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم امتدح الإنسان الذي لا يبالي أين يكون مكانه في الدنيا، وهو في سياق العمل. امتدح الإنسان الذي لا يبالي أين يكون مكانه في الدنيا، وهو في سياق العمل للدين، خاصة إذا كان في سياق العمل في الدين. وإذا جاء هذا المدح، فمعنى ذلك أنه هناك ذنب لعكسه. هناك ذنب لا يشتغل في المجالات الدعوية والإصلاحية إلا إذا كان له مكان معي. أنا لدي تاريخ، أنا مفروض أكون هنا.

وهذا الحديث أيضاً فاتني أن أضعه، وكان من المفترض أن يوضع، وهو في تصحيح معياري، وأختم به، وهو حديث بهريره في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة». أشيك، فلن تقش هذا الآن.

هناك الآخر: طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه. إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة. إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. لا أتذكر الألفاظ بشكل جيد في هذا المعنى.

لاحظ أنه في حالة مفارقة جداً، بأنه امتداح لهذا الذي لا يبالي أين يكون، سواء في الحراسة أو في الساقة. هو أهم شيء في سبيل الله، وهذا طوبى له. وهنا نفس الشيء، لو أقسم على الله لا أبره، مع أنه في الواقع في الحال ليس له مكان معين. ما له كرسي كبير يجلس أمام الناس.

مع أنه في الواقع في الحال ليس له مكان معين. ما له كرسي كبير يجلس أمام الناس وأمامه الطلاب. يكون هذه حال المقبول عند الله سبحانه وتعالى، والذي هو عند الله سبحانه وتعالى بمكان أن يكونه. لو أقسم على الله سبحانه وتعالى لا أبره على أي حال.

الحديث في هذا يطول، وأنا مضطر للإغلاق الآن. سبحانه وتعالى لا أبره على أي حال. الحديث في هذا يطول، وأنا مضطر للإغلاق الآن. خلاصة ما في هذا الباب، وأن الناس لديهم معايير دائماً، وأن من أهم أسباب رد الحق هو وجود المعايير الخاطئة. وهذا مذكور في أقوام الأنبياء: «إن أؤمن لك واتبعك الأرذلون، أنه يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه»، ولم يتساعد إلى آخره.

وإن من أعظم صور التصحيح التي جاء بها الأنبياء، والتي ينبغي على اتباع الأنبياء أن يفعلوها، هي أن يصحح المعايير. وأن التصحيح المعياري أخطر وأهم بكثير من تصحيح التصورات الجزئية. وإن كثيراً من المشتغلين اليوم بالدعوة لا ينتبهون إلى قضية تصحيح المعايير، وإنما يعني هناك من ينتبه بالطبع من الحال، لكن هناك نقص في هذا الجانب.

في هذا الباب، فمن أعظم صور الإصلاح المحتاجة إليه اليوم، الإصلاح في المعايير. الإصلاح في المعايير، ونحن اليوم في زمن وفي مرحلة من أكثر الأزمنة التي تبنى فيها المعايير الخاطئة. في زمن وفي مرحلة من أكثر الأزمنة التي تبنى فيها المعايير الخاطئة. تبني بناء دخخا، منصات إعلامية، إلى شبكات إلى آخره. تبني فيها معايير، حتى إذا أخذت المعايير، الأوقات، المعايير الخاطئة، أوقاتها.

الأشكال في ذلك أنها تصبح سنة. هذه المعايير الخاطئة تصبح سنة، كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في حديث في مسند الدارمي، فهو من قوله: «كيف أنتم إذا بزمن يكثر فيه قراؤكم، ويقل فقهاؤكم، ويكثر أمراؤكم»، وإلى آخره. وذكر فيه أنه يصبح الأمر الخاطئ سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة. هذه المعايير تكون المعايير الخاطئة.

نحن اليوم في قلب هذا الزمن، في قلب الزمن الذي يمكن أن يوصف بأنه زمن الضخ المعايير الخاطئة التي تبث في الناس حتى تصبح سنة. فإذا أراد أن يأتي من يغيرها، المعايير الخاطئة التي تبث في الناس حتى تصبح سنة، فإذا أراد أن يأتي من يغيرها، يقال: غير السنة، غير السنة. فهذا الذي يوجب أصلاً أن يشتغل الإنسان بإصلاح المعايير.

ولذلك التأثير الحقيقي اليوم هو في إصلاح هذه المعايير. وإن من هدي الأنبياء والمرسلين إصلاح المعايير. وذكرت مجموعة من الأحاديث، وإن هذه المعايير ليست بالضرورة أن تكون فقط المعايير المتعلقة بالكفار الذين يردون أساس الحق. ملانا هذه المعايير، وإنما حتى داخل التصورات الإسلامية الداخلية، نحتاج إلى إصلاح معايير جزئية قد تؤثر في طبيعة الدعوة، في طبيعة الإصلاح، في طبيعة التصورات، إلى آخره.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسددنا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.