شرح المنهاج من ميراث النبوة 25 - فهم أسباب ضعف المسلمين
1 أسباب ضعف المسلمين وأهمية الإصلاح
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم. نستعين بالله ونستفتح هذا اللقاء وهذا المجلس في شرح باب من أبواب متن المنهاج من ميراث النبوة.
هذا الباب عنوانه: باب في فهم أسباب ضعف المسلمين واختلال أحوالهم، وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
طبعاً، هذا الباب باب مهم جداً بالنسبة لموضوع الكتاب وموضوع متن الحديث الذي هو المنهاج، لأن متن المنهاج كما تعلمون، اختيرت أحاديثه، واختيرت قبل ذلك آياته لتكون منهاجاً ونبراساً للشاب المسلم الذي يريد أن يثبت على دينه وأن ينفع أمته، والذي يطمح أن يكون مصلحاً.
فمن المهمات لمن يريد أن يكون مصلحاً أن يعرف شيئاً من أسباب ضعف المسلمين. ولا شك أن المصلح يتعامل مع مشكلات، إما أن يتعامل مع نقص في التديّن، أو يتعامل مع إشكالية الأعداء، أو يتعامل... فالإصلاح باب واسع.
والنبي صلى الله عليه وسلم، من تمام رحمته، ومن تمام بيانه، عليه صلوات الله وسلامه، وحرصه وشفقته على أمته، أنه بين لهم خير ما يعلمه لهم، وحذرهم شر ما يعلمه لهم.
وفي هذا الباب إن شاء الله سنتناول مجموعة من الآيات والأحاديث المتعلقة بهذا المعنى.
بداية، هذه الآيات قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾.
أولما أصابتكم مصيبة يوم أحد قد أصبتم مثليها يوم بدر، قلتم: أَنَّى هَذَا؟ يعني من أين أتت هذه المصيبة ولماذا؟ ويعني تعرفون، الصحابة معهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أتوا من نصر عظيم يوم الفرقان، يوم بدر، فكان ما حدث يوم أحد صادماً، وكانت مصيبة كبيرة.
فأخذ الناس يتساءلون: أَنَّى هَذَا؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾.
والفائدة التي نخرج بها من هذه الآية هي أن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نلتفت إلى الأسباب الداخلية للمصائب التي أتت من جهة الخارج.
يعني الآن، المصيبة التي أتت يوم أحد هي مصيبة أتت من الخارج من الأعداء، فهم الذين حاصروا المدينة، وهم الذين قتلوا حمزة، وهم الذين فعلوا وفعلوا وفعلوا. ومع ذلك، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾.
ونحن اليوم في واقعنا نعيش مثل هذا، نعيش ابتلاءات وتحديات كثيرة آتية من الخارج، من أعداء الأمة الإسلامية، من أعداء المسلمين، من المنافقين، ولكن لا ينبغي أن نضع الإشكالية كلها على هؤلاء، إنما من المهم أن نفتش في النقص الذي فينا، في الخلل الذي فينا.
هل أدينا الدور الحقيقي؟ من المهم أن نفتش في النقص الذي فينا، في الخلل الذي فينا. هل أدينا الدور الحقيقي الذي ينبغي علينا؟ هل قمنا بالمسؤولية، مسؤولية الإصلاح، مسؤولية إنكار المنكر، مسؤولية اجتماع الكلمة، إلى غير ذلك من المسؤوليات؟
الآية الأخرى قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾.
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم. لا يغير على أمة من الأمم أو قوم من الأقوام حال العافية الذي هم فيه، وحال ما أعطاهم سبحانه وتعالى إلى نقيض ذلك من شتات الحال والخوف بعد الأمن والتمزق.
ويعني، خلنا نقول: انتكاس الحال من كل الجهات، إلا إذا كان هناك شيء من داخل هؤلاء الناس غيروه من جهة استقامتهم على طاعة الله، أو من جهة ثباتهم على دين الله، أو غيروه من جهة شكرهم لنعمة الله سبحانه وتعالى، أن يبدلوا نعمة الله كفراً، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾.
وها هنا، هذه الآية مشابهة: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم. وبالتالي، إذا كنا نتحدث عن باب فهم أسباب ضعف المسلمين واختلال أحوالهم وما إلى ذلك، فنحن نحتاج أن ننظر إلى أنفسنا، كما في الآية الأولى أيضاً: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾.
ثم ننتقل إلى الأحاديث، والأحاديث المذكورة في الباب هي ثلاثة أحاديث، ولكنها أحاديث عجيبة، يعني خاصة.
الحديث الأول، الحديث الأول هو حديث يعني يصور فيه النبي صلى الله عليه وسلم واقعنا بصورة عجيبة. والحديث الثاني أيضاً فيه لمحة عن واقعنا بشكل عجيب، لكن الحديث الأول مطابق لما نحن فيه من الإشكال.
ويعني، الحديث الأول هذا فيه أيضاً جمع بين الأمرين، جمع بين المشكلة الخارجية وبين السبب الداخلي الذي لأجله ترسخت تلك المشكلة الخارجية.
يقول عليه الصلاة والسلام، أولاً عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها».
فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن».
فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
أخرجه أبو داود وأحمد.
إلى آخر الكلام. هذا الحديث كما وصفت هنا في المتن، كتبت. وهذا الحديث من أعجب الأحاديث وأدقها في وصف مشكلة الأمة الإسلامية اليوم. النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن حالة تتداعى فيها الأمم على أمة الإسلام، وهذا التداعي يعني إلى درجة فيه من الاستهانة بأمة...
2 تداعي الأمم على أمة الإسلام
فيها الأمم على أمة الإسلام، وهذا التداعي يعني إلى درجة فيه من الاستهانة بأمة الإسلام، كأنهم يتداعون إلى أكل كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. كيف الناس يعني إذا وُضع طعام جامع فتداعى الناس: "يلا يا فلان تعال، تعالوا كلوا، حياكم الله". انظروا هنا، كل من كما يتداعى الناس إلى قصعة يأكلون الخيرات الموجودة في هذه القصعة، فكذلك ستتداعى علينا الأمم وتنهب خيراتنا وتأكل من البركات التي أعطانا الله سبحانه وتعالى إياها، وتتسلط علينا بدرجة فيها من الاستهانة كما يعني تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وكأننا لسنا أمة من الأمم التي تُهاب.
والعجيب التعبير، حتى تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الأمم، يعني نحن اليوم مشكلتنا ليست من أمة واحدة، وإنما مشكلتنا من أمم، بل وأحياناً يعني حتى نحن نعيش في زمان، حتى فيه تسميات، يعني بعض الصروح الكبرى تُسمى حتى بكذا الأمم. فالنبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن زمان نحن أولى من يدخل في هذا الحديث، وأولى من يُصدق عليه أننا من هذا الزمن الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها».
الصحابة رضي الله تعالى عليهم، وقد تعودوا على العز مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الثبات والصبر والمقاومة، وعليهم يعني هم تربوا فيما يدين الدعوة وفيما يدين الصبر وفيما يدين الثبات، وجاهدوا في سبيل الله. ما كان يعني الحالة التي يصورها النبي صلى الله عليه وسلم حالة بالنسبة إليهم يعني غير مفهومة، يعني غير مفهومة إلا في حالة واحدة، أن يكون المسلمون يومئذ أو حينئذ في غاية القلة، بحيث أنه يعني خلاص عدد قليل، والأمم تتداعى بما أن الأمم آتية والعدد قليل جداً، إذن يعني مفهوم.
فقال قائل: "ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، بل أنتم يومئذ كثير». يعني حتى النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بنفي القلة، يعني لا، ليس الأمر كذلك، بل أثبت الكثرة. وكان القضية أنه لا، هناك كثرة حقيقية، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. غثاء السيل، السيل ما يحمله فوقه من الأغصان وهذه الأشياء المتفرقة التي لا قيمة لها. تعرفون السيل حين يسير يحمل فوقه هذه الأشياء، غثاء كغثاء السيل، ما له قيمة، ما لكم قيمة، غثاء كغثاء السيل.
ولينزعن الله من قلوب عدوكم أو من صدور عدوكم من مهابة منكم. لاحظوا هذا عكس ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «نصرت بالرعب». صرت بالرعب، أي الرعب الذي يجعله الله في صدور أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وكما في كتاب الله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾. وهذا من جملة النصر أن ينصر المسلمون بأن يهابهم أعداؤهم، بأن تكون الهيبة في صدور أعدائهم منهم. فإذا هابوا المسلمين، حتى لو كانت موازين القوة مختلفة، قد يتأخرون عن الكيد للإسلام والمسلمين.
بينما إذا نزعت الهيبة والرَّهبة من صدور أعداء المسلمين، فإنهم يسارعون ويتداعون إلى الأذى والإضرار والتسلط، وحتى الاحتلال المباشر لبلاد المسلمين. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. ولاحظوا كيف القضية، بقدر ما نزعت الهيبة والرَّهبة والمهابة من صدور الأعداء تجاهكم، بقدر ما في قلوبكم من الوهن والضعف.
ثم قال قائلون: "يا رسول الله، ما الوهن؟" يعني هو في قلوبكم من الوهن والضعف. ثم قال قائلون: "يا رسول الله، ما الوهن؟" يعني هو أكيد لا يسأل عن المفرد اللغوية من حيث دلالتها اللغوية، لأنهم عرب يفهمون ما معنى الوهن، لكن كأنه يقول: يعني ما نوع الوهن هذا الذي سيصيبنا، الذي سيصيب قلوبنا؟ يعني ما هو هذا الوهن؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا وكراهية الموت». حب الدنيا وكراهية الموت، هذا حديث عجيب.
3 حب الدنيا وتأثيره على الأمة الإسلامية
حب الدنيا وكراهيه الموت، حب الدنيا وكراهيه الموت، هذا حديث عجيب. متى ما وجدت المسلمين قد استغرقوا إلى الأرض، وردوا بأن يعني يتعلقوا بشيء من زخر في الحياة، وتطمئن قلوبهم إلى ذلك، ولا يكونون على استعداد للتضحية والبذل والتخلي عن المكتسبات بسبيل النصرة الإسلامية والمسلمين، فاعلم أن مثل تلك الحال هي الحال التي يتسلط فيها أعداء الإسلام على المسلمين.
أما إذا تسلطوا وقلوبهم قد استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، وقلوبهم قد امتلأت حباً لله ولرسوله ولدينهم ولأمتهم ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، فإن أعداء الإسلام وإن أتوا وإن بثوا ما بثوا من الإشكالات والسموم، فإنهم سيواجهون صفاً مرصوصاً أو بنياناً مرصوصاً يواجه مثل هذه الفتن ويواجه مثل هذه الاعتداءات.
وهذا حصل في التاريخ، سواء في وقت النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد ذلك على مر التاريخ. ولذلك، النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر تسلط الأعداء في مثل زماننا، بين الإشكال، أين هو؟ فقال: حب الدنيا وكراهيه الموت. حب الدنيا وكراهيه الموت، وإن الأمة ستكون كالغثاء، لا قيمة لها، لا معنى، فاقدة للمعنى، فاقدة للهُوية.
الأمة ستكون كالغثاء، لا قيمة لها، لا معنى، فاقدة للمعنى، فاقدة للهُوية، فاقدة للقيمة الحقيقية، لأن المعنى والهُوية هي من أهم ما يشكل قوام الإنسان. فإذا فقد الإنسان هويته، فقد المعنى، فقد القيمة الحقيقية، فقد الجذور، صار غثاءً لا معنى له، لا قيمة له.
ولذلك، نحن اليوم في أمس الحاجة لإعادة المعنى، لإعادة القيمة، لإعادة الجذور، لإعادة الهُوية، لتثبيت المرجعية، مرجعية الوحي، لتثبيت الإيمان في الجذور، لإعادة الهُوية، لتثبيت المرجعية، مرجعية الوحي، لتثبيت الإيمان في النفوس، لإعادة بناء وصياغة الشخصية المسلمة من جديد. وهذا من أهم الأسباب الذي بإذن الله سبحانه يكون سبباً في إعادة بناء قوام الأمة الإسلامية.
بعد ذلك، الحديث التالي عن نبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: ومن الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه في أمر العامة».
وهذا اللفظ أخرجه الإمام أحمد، عفواً، نعم، أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه، وطبعاً من حديث أبي هريرة. الحديث روي من أكثر من طريقة، ومن حديث أبي هريرة روي من طريق أنس، روي من طريق عوف بن مالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفي لفظ حديث أنس بن مالك: إن إمام الدجال سنين خداع.
4 خداع الزمن وانقلاب المعايير في المجتمع
تعالي عنهم أجمعين، وفي لفظ حديث أنس بن مالك أن إمام الدجال سنين خداع. وفي حديث عوف بن مالك أن بين يدي الساعة، فهذا يعني يدل على تأخر زمن وقوع هذا الحديث وأنه في آخر هذه الأمة. وهذا الحديث يعني، وإن كان في بعض أسانيده أو في أسانيده شيء من الضعف، إلا أنه في الجملة من الأحاديث ليست شديدة الضعف. وفي بعض أسانيده يعني فيها شيء من القوة.
التفصيل في المقام الإسنادي ليس مقامه هنا، لكن لعله يعني فيها شيء من القوة. التفصيل في المقام الإسنادي ليس مقامه هنا، لكن لعله بمجموع طرقه إن شاء الله يرتقي إلى درجة تكون صالحة للاستشهاد والاعتبار والاستفادة. وقد حتى تصل لمهو أكثر من ذلك، والحديث عجيب وعظيم. وكما قلت له يعني حتى من حيث المستند الإسنادي له، الحمد لله كما قلت، حتى من الجهة الإسنادية له يعني ما يقوم عليه ولو بدرجة معينة، لكنه عجيب في توصيف الواقع.
حتى اللفظ ما يقوم عليه ولو بدرجة معينة، لكنه عجيب في توصيف الواقع. حتى اللفظ الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو قضية التافه، الرجل التافه هي من أشد ما نعاني منه في هذا الزمن. حديث عجيب يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.
فإذا ومن الرويبضة قال: الرجل التافه في أمر العامة، رجل تافه. فيها الرويبضة، فإذا ومن الرويبضة قال: الرجل التافه في أمر العامة، رجل تافه يتحدث في أمر العامة. وكأنك وأنت تستمع لهذا الحديث يعني يتخايل أمام عينيك صورة التافهين الذين تصدروا في كثير من المجتمعات، في كثير من الوسائل، بحيث أنهم الذين صاروا يرسمون المعايير ويعني يبينون القضايا.
وأحياناً تكون لديهم حتى مسؤوليات قرار، ويعني يضعون بالنسبة للناس معايير في غاية التفاهة، وفي غاية الانحطاط وتبدل المعاني. فالصادق يكذب، والكاذب يصدق، والخائن يؤتمن، والأمين يخون. ويعني النبي صلى الله عليه وسلم يصف هذه السنوات بأنها خدع. وحقيقة يعني الإنسان، كما قلت، يقرأ هذا الحديث ويستمع إليه، تقفز أمامه أو حتى في مخيلته مجموعة من الصور التي نعيشها اليوم.
وقد يعني لا يقطع الإنسان قطعاً جازماً بأن هذا الحديث ينزل على زماننا يعني نزولاً تاماً، إلا أن المتأمل البصير يرى مقدار التطابق بين هذا الحديث وبين زماننا الحالي. ومن أهم ما يستفيد منه الإنسان في مثل هذا الحديث أنه يأخذ الحيطة والحذر، ويزداد وعياً، ولا يغتر بانتشار بعض المفاهيم وتكالب كثير من الناس عليها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من انقلاب المعايير. انقلاب المعايير. وفي هذه الدروس، في هذا الكتاب المنهاج من ميراث النبوة، سابق في بداية الدروس، أن تحدثت عن أهمية ضبط المعايير على معيار الوحي. ضبط المعايير على معيار الوحي. ومتى فقد الإنسان المرجعية الحقيقية التي يستطيع من خلالها أن يضبط المعايير ويحاكم الأشياء التي ترد عليه، فيقيسها على هذا الميزان، متى فقد الإنسان هذه المرجعية التي يستطيع أن يستخرج منها ذلك، فإنه يكون عرضة لاختلال المعايير.
وللتأثر، كلما كان هناك طرف آخر أعلى صوتاً، فإن إمكانية تأثيره تزداد على الإنسان الخالي. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يتحدث عن هذا المعنى، وهو كما قلت، معنا في غاية الخطورة، ينبغي التنبه خاصة في مثل هذا الزمن، وخاصة في قضية الرجل التافه يتحدث في أمر العامة.
فهذه نعمة، النعمة أقصد أن يكون هناك تحذير مسبق، وهذا من جملة الاستفادة من النبي صلى الله عليه وسلم. من ميراث النبوة، استفادة من ميراث النبوة ليست فقط في الأحكام العملية والسنة، وإنما الاستفادة من ميراث النبوة. ليست فقط في الأحكام العملية والسنة، وإنما الاستفادة من ميراث النبوة من أهم ما يدخل فيه الاستفادة من ميراث النبوة فيما يتعلق بالتنبه للمستقبل. فهذا باب عظيم وباب شريف.
الحديث الأخير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينه، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، صلت الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».
5 تحذير من الانغماس في الدنيا
بالزرع وتركتم الجهاد، صلَّت الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم. أخرجه أبو داود.
هذا الحديث حديث عجيب، وفيه تحذير من النبي صلَّى الله عليه وسلم من حالة الركون والاستغراق الدنيوي، الركون إلى الدنيا والاستغراق فيها والتعلق القلبي بها. يعني النبي صلَّى الله عليه وسلم هنا يتحدث أولاً عن صورة من صور البيع.
إذا تبايعتم بالعينه، والعينه هو بيع يظهر في شغف الحرص على المال. يعني هو البيع العينة، أن يبيع الإنسان لرجل، لشخص آخر، أن يبيعه سلعة معينة بثمن مؤجل. نفترض مثلاً يبيع سلعة بثمن مائة ألف مؤجلة، ثم يشتريها منه معجلة بثمن أقل. مثلاً يبيعها بمائة مؤجلة ويشتريها بتسعين، وهكذا.
فمعنى ذلك أن نفس الرجل هو الذي يباع منه أو يباع له ويشتري منه. وكان السلعة أصبحت وسيطاً لا معنى له بقدر ما هي كأنها أصبحت بيع مائة ألف بتسعين ألف. فهي قريبة من صور الربا.
وعموماً، الربا يعني هو صورة تظهر مقدار حرص الإنسان على المال ومقدار جشعه في تحصيله، وهذه قريبة منها. فهذه صورة يذكرها النبي صلَّى الله عليه وسلم، ثم يقول:
أخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، هي متقاربتان. يعني أركنتم، شوفوا، ورضيتم بالزرع. يعني هي ليست فيها ذم الاشتغال بالزراعة.
يعني ليس أن الاشتغال بالزراعة محرم أو شيء، ولكن إذا كان هذا هو شغل الإنسان الوحيد، وهو همه، ويدور كل تفكيره عليه، ورضيتم بالزرع، خلاص، رضي الإنسان بهذا المكان وهذا السياق الدنيوي فقط، وكأنه لا يلتفت إلى غيره، وكأنه هو الأولى بالنسبة إليه.
لاحظ لأنه أردف ذلك بترك الجهاد، فقال: "واتركتم الجهاد". ومعنى ذلك أنه يعني لاحظ حالة من حالات الركون إلى أمر دنيوي مع ترك التضحية والبدل في سبيل الله.
فاجتمع هذان الأمران. إذا اجتمع هذان الأمران في الأمة، فماذا يقول النبي صلَّى الله عليه وسلم؟
قال: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم.
المستفاد من هذا الحديث هو أن الدنيا، وإن اشتغل بها الإنسان، والحرث والزرع والتجارة وما إلى ذلك، وإن اشتغل بها الإنسان، وحتى قد تكون نيته صالحة بحيث يؤجر على هذا الاشتغال.
لأن تعرف النبي صلَّى الله عليه وسلم يقول: «وإنك إن تذر وراثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة».
6 التوازن بين الدنيا والآخرة
صلى الله عليه وسلم يقول: «وإنك أنتظر وراثتك أغنياء خير من أنتظرهم عالة يتكففون الناس».
وقال صلى الله عليه وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى، اليد العليا هي التي تعطي، واليد السفلى هي التي تسأل أو تأخذ من الناس».
فالإنسان يحتسب في مثل هذه الأعمال، لكن القضية أنه ما تكون حالة إخلاد إلى الأرض، ما تكون، وكان الإنسان التصق بهذه الأرض، والتصق بهذه الأعمال الدنيوية، وصنع لنفسه صندوقاً أو دائرة تموضع داخلها، لا يرى إلا هذه الدائرة وهذا الإطار الذي صنعه لنفسه من خلال هذه الأمور الدنيوية.
وفي نفس الوقت، لا تجده مسارعاً في البذل في سبيل الله، وفي التضحية، وفي نصرة الدين. وهذا حقيقة أحياناً يكون بصورة فجة واضحة، وأحياناً يكون بصورة تأويلية.
أحياناً حتى بعض الصالحين قد يقع في هذا، أو بعض المشتغلين ببعض الأمور الصالحة قد يقع في مثل هذا، يعني يقنع نفسه أنه على خير وكذا، وأنه مثلاً محافظ على الفرائض وكذا، وتجده منغمسا غاية الانغماس في الأمور الدنيوية.
وأي موطن تجده فيه قدر يتطلب قدراً من التضحية في سبيل الله، هذه التضحية قد تكون بالصدع بالحق، قد تكون بإنكار المنكر، قد تكون بالثبات على الثغر الدعوي الذي يدعو الإنسان فيه إلى الله سبحانه وتعالى في ظل الانحسار وفي ظل الأشكال وكذا، فضلاً عن ما هو أكثر من ذلك مما فيه بذل النفس والروح، تجده دائماً منكفئاً عن هذه المجالات.
وقد يشتغل بشيء ثقافي عام، يعني لا ينقطع عن قراءة بعض الأمور العامة وكذا، ولكنه يبتعد عن أي موطن فيه بذل للإسلام والمسلمين. الأمور العامة وكذا ولكنه يبتعد عن أي موطن فيه بذل للإسلام والمسلمين، وكان بإمكانه ذلك، وكان يستطيع ذلك مع شيء من التضحية، يعني، والصبر والبذل.
فهنا هذه صورة من صور الداء التي يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ويحذر منها. فلذلك نحن اليوم، يعني من مجموع هذا الباب نستفيد فائدة أنه مهما كان هناك من أشكال خارجية، مهما كان هناك من تكالب من أعداء، فإن كثيراً من الأسباب تعود إلى أنفسنا، إلى دواخلنا، إلى ضعفنا، إلى تعلقنا بالدنيا، إلى حبنا للدنيا، وإلى رضانا بها.
كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل انفروا في سبيل الله ثاقلتم إلى الأرض﴾.
وكما قال في الذي: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾.
ولو شئنا آتيناه آياتنا فانسَلَخَ منها فأتبعَه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا رفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه.
فالإنسان يعني يتنبه لمثل هذا، ويحرص على أن يجعل الدنيا مهما بلغت، يجعلها في إطار معين، في حدود معينة لا يتجاوزها. ويعيش الإنسان معتدلاً، يعني يسعى لأبنائه، ويسعى لنفسه، يسعى لأن يعيش حياة كريمة، يسعى لأن يكتسب في الخير.
ليس هذا الحديث دعوة لأن يعيش حياة كريمة، يسعى لأن يكتسب في الخير، ليس هذا الحديث دعوة للفقر، ليست دعوة للفقر، ولكن في نفس الوقت هي دعوة ألا ينحصر الإنسان في أمر الدنيا.
ولذلك ترى نحن اليوم في حياتنا المعاصرة، ترى تصنع لدينا حالة من الهلع المتعلق بالدنيا، أن الإنسان منذ صغير ما يعني يصنع له في البيت وفي الأسرة وفي المجتمع وفي الإطار العام، أنه يعني قلق، حالة من القلق والتوتر حتى يأخذ شهادة جامعية معينة بالنسبة له، وإلا ضاع مستقبله وانتهى.
يعني، وكانت الحياة يعني بدأت، يعني كلها تتوجه في إطار معين. فالإنسان منذ أن يدخل، خلنا نقول مثلاً في المرحلة المتوسطة، يعني من عمر 15 تقريباً أو 14، وكل ما حوله يعني يحشده لأن يعني يتوجه إلى تلك الغاية التي هي أعلى الغايات عند الكثير.
ويعني يحدث فيها في البيت من النزاع والغضب والرضى والضرب والصراخ، وإلى آخره، بحيث أن الإنسان خلاص يعني ليس مطلوب. ممكن إنسان يترك أشياء كثيرة، حتى تواجهنا أحياناً أن الإنسان يكون مثلاً في مركز تربوي أو شيء، ويفتح الله عليه، ويستقيم ويعظم الصلوات، ويعني يبدأ في العلم وما إلى ذلك، ولكن لأن نسبة معينة يجب أن يحققها في دراسة مساعدة، حتى تهيئة للدراسة الأساسية، يعني مستعد يترك كل هذا الخير.
حتى طب الإنسان يعني يترك حالة الهلع، ويعني يهدأ، يسعى للنجاح هنا في دراسته وفي دنياه، ولكن هناك أولويات أيضاً. حالة الهلع أحياناً تجعل الإنسان حتى يتخلى عن المبادئ.
أحياناً امرأة ممكن تتخلى عن كثير من الثوابت والمبادئ فقط لتحقق شهادة جامعية معينة. لماذا؟ عن كثير من الثوابت والمبادئ فقط لتحقق شهادة جامعية معينة.
لماذا حالة الهلع هذه وحالة الفزع، وكان الإنسان لم يخلق إلا لهذا؟ هناك ثوابت وغايات أعلى من ذلك بكثير.
فهذه كلها أمور يعطيها الإنسان دائرة لا تتجاوزها، ينبغي أن لا تتجاوزها. أما أن تتمحور حياة الإنسان على هذه، كيف نعرف أنها متبحورة؟
كيف نعرف أنها متوحورة؟ بمقدار ما يسقط من المسلمات والثوابت والأولويات في سبيل تحقيق منفعة دنيوية معينة، شهادة معينة لأجل دخل معين، إلى آخره.
فتجد حتى الإنسان، كما قلت، أحياناً يبذل الغالي والنفيس والأولويات وبعض الثوابت في سبيل ذلك، ثم أحياناً لا ينجح في تحقيق آماله الدنيوية، وأحياناً تنال الآمال الدنيوية بما هو أسهل من ذلك.
أحياناً مهارات معينة يتعلمها الإنسان تكون في يده، ويعني تكون أثمن حتى من كثير من السنوات التي تبدل في غير ذلك.
عموماً الحديث هنا ليس عن هذا الموضوع بعينه، لكن الحديث عن فكرة أن الإنسان ما يجعل الدنيا هي يعني الإطار الأساسي الذي يعيشه، حالة من الفزع والهلع والاستغراق الدائم، وإنما يعني ينظر إلى ما هو أولى من ذلك وأعلى من ذلك، وهو رضا الله سبحانه وتعالى.
وهذا الرضا يكون بطاعته سبحانه وتعالى، ومن أعظم ما يدخل في ذلك في طاعته هو يعني العمل لدينه وخدمة أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الخير.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يبارك لنا ولكم في هذا المتن وفي هذا الشرح.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.