الرئيسية السلاسل العلمية البحث الذكي اسأل الشيخ

شرح المنهاج من ميراث النبوة 31 - الشوق إلى الله ورسوله

الحلقة 32 54 دقيقة 10 قسم

1 الشوق إلى الله ورسوله في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، التوفيق والتيسير. وهذا المجلس سيكون فيه شرح للبابين الأخيرين سوياً، وهو باب الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو باب الشوق إلى الله سبحانه وتعالى.

نستعين بالله سبحانه وتعالى للحديث عن الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث عن الشوق إلى الله سبحانه وتعالى هو حديث عن قضية من أهم القضايا التي يحتاجها المؤمن في سيره إلى الله سبحانه وتعالى. هذا الدين ليس دين معرفة فقط، وليس دين أحكام تحفظ، وإنما هو دين أساسه المحبة. أساسه المحبة، وهذه المحبة من شأنها في الإسلام كما يبين الله في كتابه أنها محبة دافعة إلى العمل والتضحية، ودافعة للإيثار، إيثار ما يحب المحبوب على ما يكرهه.

المحب الآن يحب أشياء مختلفة، وكل واحد من هذه الأشياء لها آثار ولها واجبات ولها مقتضيات. يبين الله في كتابه أن محبة الله سبحانه وتعالى الحقيقية هي المحبة المقتضية لإيثار محابه سبحانه وتعالى على محاب غيره.

سأبدأ أولاً بالحديث عن الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الباب فيه عدة أحاديث، وسنقف معها كما ذكرت، قضية عظيمة جداً وهي قضية الشوق والمحبة. وهذه القضية ليست بدعاً من القول، ولا مستحدثة من الرأي، وإنما هي قضية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

يعني الشوق إلى الله سبحانه وتعالى كما سيأتينا بعد قليل في الحديث الصحيح. النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه، من دعائه الثابت: «أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك». فهذا الشوق إلى الله سبحانه وتعالى هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا يظن البعض أنه عبارة عن آراء واجتهادات شخصية وما إلى ذلك.

أما الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحنين إليه، فهذا قد حدث في حياته من جماد من الجمادات، وهذا ثابت ثبوتاً صحيحاً قطعياً. وكان بعض العلماء من المتقدمين من أئمة المسلمين يقولون: إذا كان ذاك الجماد، الذي هو الجذع، قد حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهل لا تحنون إلى قلوبكم؟

بل كما في الحديث الأول هنا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أشد أمتي لي حباً، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله». أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث من الأحاديث العجيبة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم. لاحظوا الآن، يعني مجرد الرؤية، مجرد الرؤية. النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أناس من أمته يود أحدهم لو رآني بأهله وماله، مجرد رؤية.

فضلاً عن المصاحبة والذهاب والمجيء معه عليه الصلاة والسلام. ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أن هؤلاء الذين هم من أمته، الذين لم يروه، أتوا في زمن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ثم اشتاقوا لرؤيته، وتحركت قلوبهم، وامتلأت محبة له، حتى إن أحدهم ليتمنى أن يفدي أو أن يقدم أهله وماله في مقابل أن...

2 محبة الأمة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم

محبّة له، حتى إن أحدهم ليتمنى أن يُفدي أو أن يُقدّم أهله وماله في مقابل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الصورة تبعث المحب على مزيد من المحبة، يعني أنك الآن تحب النبي صلى الله عليه وسلم وتشتاق إليه، ثم حين تسمع منه هذا الكلام في الحديث الصحيح، تزداد محبّتك ويتحرك شوقك أكثر لأنه يتحدث عنك. هنا النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عنك، أعني أنت أيها المؤمن.

المحب للنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم تره، ثم تتمنى أن لو قدّمت أهلك ومالك في سبيل أن تراه، عليه صلوات الله وسلامه. وشأن محبّة هذه الأمة للنبي صلى الله عليه وسلم شأنها عجيب، يعني شأن لا يشبه محبة الآخرين. هذا أمر عجيب، يعني الأمة الإسلامية هذه على توالي قرونها اختلفت في كثير من الأمور، لكن في محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تجد إنسانًا مؤمنًا إلا وهو يحب النبي صلى الله عليه وسلم، بل ودرجة المحبة التي تحصل عند المؤمنين درجة لا تشبهها درجة أخرى في محبة البشر. فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تبعث على شوق وتبعث على حنين كبير جدًا في نفس المحب.

وما حصل من الخير لهذه الأمة بسبب النبي صلى الله عليه وسلم هو السبب الأساسي لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم. أنت ترى أن الناس في جهل وضلال، خاصة في زمن البعثة، الناس كانوا يعبدون الشجر والحجر. وكنت لم تكن مبرأً فيما لو وجدت في ذلك الزمن، أو فيما لو اتصل ذلك الزمن دون أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن مبرأً من أن تكون في تلك الجاهلية الجهلاء، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾. ثم يبعث الله هذا النبي الكريم، فيأتي بالخير والبركة والهدي والنور والفلاح، ويتعب ويضحي ويبذل، ثم يفكر في شأن أمته، ثم يبكي لأجلهم، ويسهر لأجلهم، ويتعب لأجلهم. ثم أنت تتفكر في هذا الحال، فتقول: كل هذا الخير لأجلهم.

ثم تتفكر في هذا الحال، فتقول: كل هذا الخير الذي جاءنا من عند الله جاءنا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن هذا من أعظم البواعث على محبة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم من أعظم البواعث على محبة النبي صلى الله عليه وسلم هو ما كان عليه في ذاته، من كمال الخلق ومن الحلم ومن الصبر ومن الرأفة ومن الرحمة. وحين ترى أن كمال خلقه هو جزء كبير منه متعلق بنا نحن المسلمين، فهذا يزيدك محبةً إلى محبة. فقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم.

ثم ها هو في هذا الحديث يتحدث عن أمته التي لم تكن في زمانه، فيقول: «من أشد أمتي لي حبًا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله». أخرجه البخاري ومسلم. هؤلاء الناس الذين يأتون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يود أحدهم لو رآه بأهله وماله، هم كما قلت يمتدون في الزمان مما بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا إلى قيام الساعة. كل هذه الأمة تدخل في هذا الحديث، لكن أنا حين أقرأ هذا الحديث، يخطر في بالي صورة مؤلمة من المحبة والشوق، وهي شوق من عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاش بعده، فقد النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يتقلب صباحًا ومساءً معه، ويذهب معه ويجيء معه.

وإذا كانت قلوب المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تتقطع شوقًا، أو تكاد تتقطع شوقًا لرؤيته، مع أنها لم تره سابقًا، فقط لما تؤمن به ولما تعلم من أحواله وأخباره، فكيف بمن رآه وعاش معه ورأى كل ما نسمع عنه اليوم من حيث الأخبار؟ من ناحية الأخبار، نقرأ عن خلقه صلى الله عليه وسلم وعن كماله، وكيف بمن رأوا كل ذلك بأعينهم وعاشوا معه؟ كيف بالذين، يعني كما قال عمر في نفس هذا الباب: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أخذ بيدي». قال عمر في نفس هذا الباب: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أخذ بيدي». مست يده يده، أو كما قال ابن عباس: «قال ضم النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال: اللهم علمه الكتاب»، كما في البخاري. أو أي صور كثيرة كانت فيها الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم يتقلبون في هذه النعمة، ثم بعد ذلك عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كان شعورهم في الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟

3 شوق الصحابة للنبي بعد وفاته

الله عليه وعلي اقتلقه بعد وفاته، كيف كان شعورهم في الشوق إلى النبي صلى الله عليه وآله؟ يعلم بل ليس بعد وفاته، الأيام المعدودة التي فقدوا فيها النبي صلى الله عليه وآله. حين مرضه، وهذا في البخاري أيضاً ثابت. النبي صلى الله عليه وآله كان الصحابة عدة أيام بسبب مرضه، كان مرضاً شديداً، وكان يصلي بالصحابة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

وفي اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الاثنين، فتح النبي صلى الله عليه وسلم أو أزاح الستار عن النافذة أو عن الباب حتى ينظر إلى أصحابه وهم يصلون. الآن المشهد: النبي صلى الله عليه وسلم غائب لعدة أيام في مرض وتعب شديد، الصحابة يصلون وقلوبهم كأنها غير موجودة في أماكنها أو أصبحت قلوبهم فارغة حزناً على فقدانهم النبي صلى الله عليه وسلم.

حتى جاء ذلك اليوم الذي هو يوم الاثنين، فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم الستار والتفت ونظر إلى الصحابة وهم يصلون، ثم تبسم. تبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسم الرضا، وتبسم الطمأنينة، وتبسم السكينة، وتبسم السعادة، وتبسم السرور، وتبسم الارتياح. إن هؤلاء الذين رباهم والذين علمهم، والذين كانوا معه، والذين جاهدوا معه، والآن قد اجتمعت كلمتهم، ولا يزالون يحافظون على ما تركهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

وبالمناسبة، ترى الإنسان من أهم ما يسعد به النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلك ما كان يسعده في حياته. فلعل الإنسان إذا التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة أن يكون هذا مما يرفعه عند الله سبحانه وتعالى. لاحظوا الأمر الذي أعجب النبي صلى الله عليه وسلم وجعله يبتسم، تلك الابتسامة العظيمة، ابتسامة الرضا والسرور والارتياح، كان هو اجتماع شأنهم وعدم تفرق كلمتهم، والتفافهم على العبادة، والتفافهم حول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

طيب، لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الستار ونظر إلى أصحابه، وكان قد غاب عنهم لأيام، وتبسم، قال أنس وهو راوي الحديث: "كدنا أن نفتن من شدة الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم". النفتن يعني عن صلاتنا، هم كانوا في الصلاة لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. افتسمت تلك الابتسامة، كادوا أن يشغلوا أو أن يفتنوا عن صلاتهم بهذه الحال.

وهذا كما قلت، يعني الإنسان يقول: إذا كان المؤمنون بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم يعيشون حالة الشوق الشديد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم لم يروا، فكيف بمن رأوه وعاشوا معه ثم افتقدوه؟ ولذلك عن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عن أبيه قال: "كنا مع عمر رضي الله تعالى عنه، فأذن بلال". بلال طبعاً انقطع أذانه زمن، فقال: "تذكروا النبي صلى الله عليه وسلم". يعني الأذان بلال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أسلم: "فما رأيت يوماً أكثر باكياً منه". يعني ما مر على يوم كان البكاء فيه أكثر من ذلك اليوم الذي بكى فيه الصحابة تذكراً للنبي صلى الله عليه وسلم، تذكراً لتلك الأيام التي عاشوها.

ثم الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم، تذكراً لتلك الأيام التي عاشوها. ثم الحديث الثاني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأتهم من الأنصار: "يا رسول الله، ألا نجعل لك منبراً؟" قال: "إن شئتم". فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي. ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال عليه الصلاة والسلام: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها". أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

ولا شك أن الله سبحانه وتعالى كما أخبرنا في كتابه: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل لهذه الجمادات خصائص وأحوالاً هو يعلمها في شأن الغيب سبحانه وتعالى. وأحياناً قد يطلع بعض عباده على شيء من ذلك، ومنها ما حصل في حالة الجذع الذي حن واشتاق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر هذا الشوق أو ظهر أثر ذلك الشوق عليه، فسمعه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ويعني هذا شيء مما يمكن أن يحدث من حالة الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤكد ما ذكرته قبل قليل أن من أصعب وأشد ما يمكن أن يحدث للإنسان هو هم من عاشوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم افتقدوه. كما قال أنس رضي الله تعالى عنه في السنن: "لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كل شيء. فلما كان اليوم الذي خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أظلم منها كل شيء. وما نفضنا عن أيدينا التراب من دفنه إلا وقد أنكرنا قلوبنا". ويعني هذه أو تلك حال من أصعب الحالات.

ثم قد يجبر الله بعض المحبين بما يعني يسدد شيئاً من الشوق، ويجبر شيئاً من النقص أو حالة الاشتياق الشديد. لا أعلم جبره إنسان بشوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كما جبر أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم. في تاريخ الأمة الإسلامية، لا أعلم أحداً جبر في شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما جبر أنس بن مالك في شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويا هنيئاً له، وهذا أثر ثابت عن أنس.

4 محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في القلوب

إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويا هنيئًا له، وهذا أثر ثابت عن أنس بن مالك، أخرجه الإمام أحمد في المسند، قال: "كل ليلة أنام فيها إلا وأرى حبيبي صلى الله عليه وسلم"، ثم بكى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

كونه يراه كل ليلة أو ما قارب كل ليلة في منامه، هذا جبر لا يشبهه جبر آخر. يعني يبلغ، تعرف، حتى يعني لما يذكر الشعراء وكذا، يعني أحيانًا يتبلغون في محبتهم للمحبوب بأن يروه. يذكر الشعراء وكذا، يعني أحيانًا يتبلغون في محبتهم للمحبوب بأن يروه على الأقل في منامهم، فذاك جبر عظيم جبره أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

طيب، عن عبد الله بن هشام رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: "يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، والله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي". فقال له عمر: "فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر". أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

تلك المحبة التي تكون في قلوب المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم هي محبة في أساسها واجبة. أساسًا هي محبة في أصلها واجبة، هي محبة من تمام الإيمان بالله سبحانه وتعالى. ثم هي كما الشأن في محبة الله سبحانه وتعالى، محبة الله تعالى واجبة، ثم لها أسباب ومقتضيات وموجبات ومحركات كثيرة جدًا.

هذا الحديث من الأحاديث التي تؤكد قيمة ومنزلة وأهمية أن يكون حب المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم مقدمًا على كل المحبوبات البشرية. وأول أو من أهم ما يدخل في ذلك محبة النفس، أن تكون محبة الإنسان للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم من محبته لنفسه وولده وأهله وماله.

ومن يحقق هذه المحبة بهذه الدرجة ويكون صادقًا فيها، فلا تسل عن استقامة أحواله. ومن يحقق هذه المحبة، لأن هذا موجب المحبة أصلًا على أي حال، هذا النبي نفسه. ومن يحقق هذه المحبة، لأن هذا موجب المحبة أصلًا على أي حال، هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

من أعظم ما تركه الله له من الأثر الحسن في أمته هو ما كتبه في قلوب المؤمنين من المحبة له، محبة عجيبة لا تشبهها محبة أخرى من المحاب التي يصرفها البشر للبشر. محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي من أعظم ما تركه الله أو من أعظم ما قدره الله وأكرم به نبيه صلى الله عليه وسلم.

والمحب مكرم، والمحب مكرم. المحب مكرم ليس بمحبة شخص واحد، وإنما باجتماع هذه الأمة كلها على محبته عليه الصلاة والسلام. وإذا كان قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله إذا أحب عبدًا قال لجبريل: "إني أحبّه"، فيقول جبريل: "فيحب أهل السماء"، ثم يوضع له القبول في الأرض.

فما شأنكم بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي يحبه الله سبحانه وتعالى المحبة المعلومة؟ فكان للنبي صلى الله عليه وسلم هذا القبول وتلك المحبة، وهي كما قلت محبة يعلمها أهل المحبة الحقيقية له، لا تشبهها محبة أخرى.

فيما يتعلق بالبشر، يعني يوجد معنى في المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم والشوق إليه. يدركه المحب، يدركه المحب معنى مختلف عن محبة الأهل، مختلف عن محبة الأولاد، مختلف عن محبة المال، حتى مختلف عن محبة سائر الصالحين الذين يحبهم الإنسان.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها شأن خاص في قلب المؤمن. ومن لم يدرك بعد هذا الشأن الخاص، ومن لم يصل إلى أن يعيش الشوق الحقيقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لم يصل إلى أن يحن قلبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فليرجع إلى سيرته جيدًا وإلى سنته جيدًا، وليحاول أن يصلح قلبه، لأنه من فقد ذلك فقد فقد خيرًا كثيرًا جدًا جدًا.

فهذه المحبة وهذا الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو من أعظم ما يعيش الإنسان فيه في سعادة وسرور، ويذوق به لذة الإيمان.

5 الشوق إلى الله ورسوله في الإيمان

عليه وسلم هو من أعظم ما يعيش الإنسان فيه في سعادة وسرور، ويذوق به لذة الإيمان وحلاوته. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على ذلك، قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» ما هما؟

١أول واحد: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

طيب، فمن انتقل إلى المعنى الآخر وهو الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، باب الشوق إلى الله عز وجل. وإذا تفكرت فيما مضى من الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، وباب الشوق إلى الله عز وجل، وإذا تفكرت فيما مضى من الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستدرك أن السبب، أياً كان، وهي أسباب كثيرة، التي تبعث إلى الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي ينبغي أن تكون بعثةً بدرجة أعلى إلى الشوق إلى الله عز وجل.

كل سبب يبعث إلى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والشوق إليه، ينبغي أن يكون بعثاً بدرجة أعلى إلى الشوق إلى الله سبحانه وتعالى وإلى محبته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعني الاعتبار الأول لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم هو كونه رسول الله، وكونه أتى بهذا الخير، وأخرجنا بإذن الله من الظلمات إلى النور. لكن من أنزل هذا الخير هو الله سبحانه وتعالى، من الذي أوحى بهذا الخير هو الله سبحانه وتعالى.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بلغه وعاش وتعب وضحى في سبيل هذا التبليغ، لكن كل الخير، كل الخير في أصله وأساسه هو من الله سبحانه وتعالى. وبالتالي، في الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يوجب الأمور الموجبة للشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون موجبة للشوق إلى الله سبحانه وتعالى.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾. هذه الآية ذكر بعض العلماء أن فيها ما يدل على الشوق إلى الله سبحانه وتعالى. بل قال ابن القيم في "مدارج السالكين" بعد أن ذكر هذه الآية: "قيل هذه تعزية للمشتاقين وتسلي لهم".

وهذا الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسيره الجميل العظيم يقول في هذه الآية: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾، يعني: "يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آتٍ". وكل آتٍ إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر نحوه مستصحباً الرجاء مؤملاً الوصول إليه.

هذا كلام الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية، فجعل هذه الآية في الشوق إليه، بل ويقول فيها: "أبشر بلقاء الحبيب فإنه آتٍ" إلى آخره.

وابن القيم رحمه الله أيضاً قال: "وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾، قال: لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهتدي أو لا تسكن دون لقائه، ضرب لهم أجلاً وموعداً للقائه".

من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ، لعل لا تهتدي يكون مقصود بها لا تهدأ أو نحو ذلك. هذا الأنسب للسياق.

على أي حال، من هذه الآية في كتاب الله أخذ جماعة من أهل العلم ومن أهل المعرفة أن الشوق إلى الله سبحانه وتعالى مذكور في كتاب الله.

الشوق إلى الله سبحانه وتعالى غير المحبة، المحبة مذكورة كثيراً في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾.

وقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾.

وهنا: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾.

وعلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». أخرجه البخاري ومسلم.

ورواية أخرى في الصحيح أيضاً، قالت عائشة، وهي قد روت الحديث، هذا الحديث مرّ من وجوه، هذا ثابت ثبوت.

6 حب لقاء الله عند الموت

قالت عائشة وهي قد روت الحديث: «هذا الحديث مرّ من وجوه هذا ثابت ثبوت قطعين عن النبي صلى الله عليه وسلم، هو في الصحيحين». يعني سمعت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه».

فقالت عائشة: يا رسول الله، كلنا نكره الموت. يعني هي فكرت في قضية الموت تحديداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذاك، وإنما المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله ورحمته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر أو الفاجر إذا حضر بشر بسخط الله، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله، فكره الله لقاءه» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث هو من الأحاديث العظيمة التي تبين شوق المؤمنين إلى الله سبحانه وتعالى ومحبتهم للقائه، وأمر مستمر في الحياة، وحتى عند حضور الموت. بل عند حضور الموت يزداد الأمر محبة ويزداد شوقاً، لأن المؤمن يبشر في تلك اللحظة الصعبة بما أمامه من رضوان الله سبحانه وتعالى. عند تلك اللحظة لا يريد المؤمن أن يرجع إلى الدنيا ولو للحظة، ليس شيء أحب إليه مما أمامه.

وليَت شعري، بعض من نبكي عليهم أو من يبكي عليهم عند لحظات الموت، عند لحظات الفراق، ويكونون من الصالحين ومن أهل محبة الله فعلاً. وإن التفتوا إلى دموع من حولهم، فإن من يحقق الأمر فعلاً أو من يكشف الله له سبحانه وتعالى حقيقة ما يجري، ويدرك أن هذا الميت ليس شيء أحب إليه مما أمامه، وأنه لو خير بين أن يمضي وبين أن يرجع، لم يختار إلا المضي.

وهذا مما يعني ينبغي أن يستحضره أهل الميت، فيمن يرجع له الخير، فيمن يرجع له الخير، من عاش على صلاح، ومن عاش على خير، ومن عاش على استقامة، ومن كان من أهل العبادة ومحبة الله، وصدق معه وصبر وعمل لدينه.

فمن أعظم ما يعز الميت، أو عفواً، أهل الميت عنده فقدان الميت هو ما جاء في هذا.

وعن أطائب بن السائب رضي الله تعالى عنه ورحمه عن أبيه رحمهم الله قال: «صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها». فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة. فقال: «أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم».

فلما قام تبعه رجل من القوم، هو أبيه، غير أنه كان عن نفسه، فسأله عن الدعاء. يعني هو أوجز الصلاة لكنه دعا بدعوات سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. قام الرجل تعال، يعني ما هي هذه الدعوات؟ ثم جاء فأخبر القوم ما هي هذه الدعوات التي دعا بها عمار بن ياسر، وكان قد سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه الدعوات من الفلاح والخير، أن يحفظها المؤمن وأن يدعو بها كثيراً. كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بما يلي:

اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحييني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي.

اللهم واسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

أخرجه الإمام النسائي في سننه. ما يخفاكم أن موضع الشاهد من هذا الدعاء هو قوله صلى الله عليه وسلم: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك». لكن كل الدعاء هذا دعاء مبارك طيب، وفيه خير عظيم جداً لمن التزمه.

ومن ميزات هذا الدعاء أن فيه أسئلة وأدعية لاستصلاح الباطن في مختلف الأحوال، استصلاح باطن الإنسان في مختلف الأحوال، وللزوم الاستقامة في مختلف الأحوال. هذه الميزة من ميزات.

7 أهمية الدعاء في الاستقامة والخشوع

في مختلف الأحوال، وللزوم الاستقامة في مختلف الأحوال، هذه الميزة من ميزات الدعاء أنه فيه أحوال مختلفة، ويطلب الإنسان الصلاح في مختلف هذه الأحوال والتصرفات.

فمنها قوله: ﴿أسألك خشيتك في الغيب والشهادة﴾، وأنتم تعلمون أن أناساً يخشون الله أو يظهر عليهم ما يدل على الخشية في الشهادة عند رؤية الناس لهم، وفي حضور أمام أعين الناس، ولكنهم في الغيب إذا غابوا يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله.

فهذا الحديث: ﴿أسألك خشيتك متى ومتى في الغيب والشهادة﴾. طيب، وأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وأنتم تعلمون أن كلمة الحق يسهل قولها حال الرضا، ولكن يصعب قولها حال الغضب، وخاصة إذا كان هناك ظلم على الإنسان، فقد يصعب عليه أن يقول كلمة الحق لأنه مظلوم، فيتجاوز أحياناً ما ينبغي أن يستوفي به.

لكن في هذا الدعاء: ﴿أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا والغضب﴾. وكذلك: ﴿أسألك القصد في الفقر والغنى﴾، وهذا أيضاً فيه قضية الحالين، سواء كان القصد في الإنفاق بحيث يكون هو التوسط في الحالين، أو كان أعم من ذلك.

وأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وأَسْأَلُكَ بَدْلَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.

يعني ما يكون، خلنا نقول، تمني أو دعاء لقاء الله سبحانه وتعالى بسبب ضر معين أو مرض معين نزل بالإنسان، أو بسبب فتنة، وإنما يكون الشوق إلى الله سبحانه وتعالى لمحض الشوق إليه.

اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هُدًى مهتدين. وهذا الدعاء هو من جملة البركات النبوية، بركة النبي صلى الله عليه وسلم.

من أعظم صور البركة، البركة في أدعيته. فمن يلزم أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فقد لزم شيئاً مباركاً، والبركة يعني في النبي صلى الله عليه وسلم متصلة بما تركه من الميراث من الأمر والنهي والأدب والأخلاق والعبادة.

ومن جملة البركة، البركة في أدعيته. ولذلك نحن المساكين، نحن المساكين ذوي الضعف والجهل والفقر، حين نقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ونقرأ في تعبده تحديداً وفي دعائه ضمن التعبد، خاصة ندرك أن الشأن بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم بعيد جداً، وأن هذه الأمور التي في أدعيته صلى الله عليه وسلم هي من جملة العلم بالله الذي لا نعلمه نحن.

يعني كثير من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم ما نستطيع أن نأتي بمثلها، ما نستطيع. فالتزام أدعية النبي صلى الله عليه وسلم هو من جملة البركة العظيمة.

ومن جملة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بالشوق إلى الله: ﴿أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك﴾، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

وهذا يدل على أن الشوق إلى الله سبحانه وتعالى ليس مجرد لحظة من السكون، يعني الإنسان فجأة يقرر أنه يشتاق إلى الله سبحانه وتعالى، وليست هي يعني لفحة ريح من الإيمان تلفح القلب سريعاً وتمر مروراً، فتحرك القلب للشوق إلى الله سبحانه وتعالى ثم تنتهي.

وإنما ما ينبغي أن يكون سبباً وموجباً ومحركاً إلى الشوق إلى الله سبحانه وتعالى هو أعمق من ذلك بكثير، وبوابته الأساسية هي العلم بالله سبحانه وتعالى.

وبوابة العلم بالله هي في كتابه وفي تعامل أنبيائه التعبد مع الله سبحانه وتعالى. هذه البوابة الأساسية للعلم بالله، ما ذكره الله في كتابه عن نفسه، وتعالى، هذه البوابة الأساسية للعلم بالله، ما ذكره الله في كتابه عن نفسه من الأسماء والصفات، وما ذكره الله سبحانه وتعالى عن نفسه من سننه وأفعاله في خلقه.

ثم من مجبات محبة الله سبحانه وتعالى النظر إلى النعم الخاصة والعامة، وأعلى من ذلك، أعلى من مجرد النظر إلى النعم هو أن يعيش الإنسان أو أن يدرك الإنسان آثار المعية الخاصة من الله للعبد.

أنتم تعلمون أن معية الله للعبد لها نوعان أو...

8 معية الله بين العامة والخاصة

الخاصه من الله للعبد. أنتم تعلمون أن معية الله للعبد لها نوعان أو فيها نوعان: معية عامة ومعية خاصة.

المعية العامة التي تشمل معية الإحاطة، وأنه شهيد سبحانه وتعالى على كل شيء، مثل قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾. هذه لا تختص بالمؤمنين، وإنما تشمل حتى الكفار والملحدين. وهو معكم أينما كنتم، يراكم، يسمع ما تقولون وما تتحدثون، وهو على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط. هذه المعية العامة.

أما المعية الخاصة، فهي معية النصر والتأييد والهداية والتوفيق، وما يخلقه الله في قلب المؤمن من الإيمان والمحبة والرضا والسكينة. هذه المعية الخاصة هي في مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. هذه معية خاصة، وليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي معية خاصة، يعني أنها مختصة بالمؤمنين وأولياء الله سبحانه وتعالى، ومن يسير على طاعة الله سبحانه وتعالى.

طيب، ما العلاقة بين المعية الخاصة وبين الشوق إلى الله سبحانه وتعالى ومحبتِه؟ ميزة هذه المعية الخاصة أنها تنقل الإنسان إلى أحوال ومقامات إيمانية عالية، لأن المؤمن يعاين ويرى في هذه المعية الخاصة من حقائق عون الله وتوفيقه وتأييده ولطفه ما لم يكن يره سابقاً. فيعلم كثيراً من الحقائق المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، فيعيش معنى أن الله مع المؤمنين، ويعيش معنى أن من يتصبر يصبره الله، ويعيش معنى أن مع العسر يسرا، ويعيش معنى أن الله لطيف بعباده.

ويعيش بجنة العلم، أن مع العسر يسرا، ويعيش معنى أن الله لطيف بعباده، ويعيش بجنة العلم بالله. لأن العلم بالله ليس كله يعني، خلنا نقول، يأخذ من ناحية معينة، يعني خلنا نقول مثلاً قراءة كتاب معين، وحتى فهم نص معين، وإنما العلم بالله هو من جملة الهداية التي يهدي إليها الإنسان، فيتعرف على الله سبحانه وتعالى من خلال كتابه ومن خلال سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وخلال هدي الأنبياء.

ثم هناك نوع من العلم بالله لا يأتي إلا حين يرى الإنسان آثار معية الله. مثل ما تقول للإنسان، نفترض إنسان عنده عمى الألوان، جيد، ما يميز بين الألوان، فتقول له: ترى في لون أحمر، في لون أصفر، في لون أخضر. الأحمر ترى يعني زي كذا، وتحاول تشرح له الأصفر. تمام، لو افترضنا أنه يمكن أن تعبر عن الألوان شفهياً، فتقول: هذه خاصتها كذا، وهذه خاصتها كذا.

لا، افترضنا جيد، هذا يكون قد اكتسب علماً عن هذه الألوان لكنه لم يعلم حقيقتها. فإذا شفي وأبصر الألوان، فيقول: أه، هذا هو الأصفر، والله سبحان الله، والله ما كنت تتوقع أنه هكذا. نفس الشيء فيما يتعلق بالعلم بالله، أنت تقرأ: ﴿رحمة الله بالمؤمنين ومعيته بالصابرين﴾، وتقرا ما يعني يجعله، تقرأ عن لذة الإيمان وعن حلاوة الإيمان وعن معنى القرب من الله، تقرأ وتقرا وتقرا.

ولما تعيشها بعد، إذا عشتها، تقول: بالله، يا الله، سبحان الله، هي هكذا. هذا العلم بالله الذي لا يأتي بمجرد المعرفة، وإنما يأتي بالعمل. فحين يطابق ما يعيشه الإنسان ما قرأه نظرياً، يعلم حقيقة الأمر وحقيقة هذه العبادات، وما فيها من اللذة والسعادة والسرور.

ويفهم كلام من كان يقول: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، ويفهم كلام من يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجال دون عليه. ويفهم لماذا قال السحرة: «لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاضٍ، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا».

هو مسكين ذاك فرعون، كان يظن أنه هو تمام السعادة بما هو فيه من القوة والسلطة والهيمنة وما إلى ذلك، بينما هم حين رأوا حقيقة اليقين ورأوا حقيقة ما أخبر به موسى عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى، هان عليهم كل شيء، واختلفت مقاييسهم ومعاييرهم. لذلك من أهم آثار المحبة.

9 حلاوة الإيمان وأثرها في الحياة

كل شيء واختلفت مقاييسهم ومعاييرهم، لذلك من أهم آثار المحبة محبة العبد لله سبحانه وتعالى والشوق إليه. إنك ترى تختلف عنده كثيراً المعايير، وتهون عنده بعض الأمور التي كانت تشكل له أزمات كبرى، تختلف تأخذ حجمها الطبيعي ومكانها الطبيعي، ويُمتلئ القلب بالمحبة لله سبحانه وتعالى وبالشوق إليه.

ولذلك نحن اليوم في حاجة إلى أن ننقذ أنفسنا إذا كنا لم نعيش هذه الحقائق بعد. حرام أن نغادر هذه الدنيا ولم نعيش هذا الجمال وهذه السعادة وهذا السرور. أن نعيش في أوهام السعادة وفي زيف السرور وفي كذب كثير من المظاهر والألوان التي نراها من حولنا، ونعلم ما تخلفه في قلوبنا وفي نفوسنا حين ننعزل. وحين ينقضي بريق تلك الألوان وتلك الملاذ، نعلم ما الذي تخلفه من ضيق في الصدر وأسى في النفس.

وبعد ذلك كله، نحرم من السعادة الحقيقية واللذة الحقيقية. السعادة الحقيقية والسرور الحقيقي هو السرور بالله سبحانه وتعالى، اللذة الحقيقية هي لذة الإيمان. الطعام الحقيقي الذي يذوقه الإنسان هو طعام الإيمان. وهذه كلها، هذا الذوق، هذا أيضاً لفظ نبوي في صحيح مسلم: «ذاق طعم الإيمان». وفي الصحيحين وُجد بهن حلاوة الإيمان.

وكما أسرفت قبل قليل، هذا الكلام الذي أقوله هو أمور نظرية، لا يفهم الإنسان حقيقتها إلا إذا عاشها عملياً. كما تقرأ أنت في هذه الأحاديث حلاوة الإيمان، إذا لم تعش حلاوة الإيمان حقاً وحقيقة، فلن تفهم ما هي حلاوة الإيمان على وجهها التام.

ثم ختام هذه الأحاديث بحديث عظيم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: أَتُريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إليه». أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

وهذا الحديث، والحديث الآخر الذي في صحيح مسلم أيضاً أو في البخاري، الذي فيه بمثل هذا الحوار بين أهل الجنة وبين الرحمن سبحانه وتعالى، ثم يقول لهم في هذه الزيادة: «إنه اليوم أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً». هذا يبين أن مطلب المؤمن في الآخرة ليس مجرد التمتع بنعيم الجنة الحسي الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه وذكره النبي صلى الله عليه وسلم مطلباً، وإنما كما قال من قال من العلماء: الجنة اسم جامع للنعيم الأخروي الذي أعلاه رؤية الله سبحانه وتعالى.

فالمطلب الذي يحرك الإنسان المؤمن للآخرة ليس مجرد القصور التي في الجنة والأنهار التي فيها والخيرات التي فيها. ومن أعظم النعيم الذي في الجنة من هذا الباب، الذي هو أنه لا يمسهم فيها نصب. يعني مجرد أن تعيش حياة في مكان جميل، حتى لو لم يكن بدرجة الجنة، ولكن تضمن أنه ما في أمراض، ولا في لغو، ولا في أحد ممكن يزعج رأسك، ولا أي شيء ممكن يكدر عليك، وما في ملل، ولا فتور، ولا طفش، ولا تطلب منك أنك تغير المكان.

لا يبغون عنها حِيَاةً، ولا لا، لا تبغي تتحول عن هذا المكان. مجرد أنه يكون في مكان تعيش فيه، زي كذا، يعني خلاص، ما تبغي شيء أكثر من كذا. فما بالكم لو كانت الجنة التي هي أدنى منزل فيها، أدنى منزل فيها لإنسان خرج من النار، ثم طهره الله فادخله الجنة. فيقول له: «أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟» هذاك ما كان يتخيل. فيقول له: «أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟» هذاك ما كان يتخيل، هو كان في النار. فيقول الله سبحانه وتعالى: «فإن لك مثله ومثله»، وفي رواية: «عشرة أمثاله».

فيقول الله سبحانه وتعالى: «فإن لك مثله ومثله»، وفي رواية: «عشرة أمثاله». جيد غير ما فيها من الأمور الأخرى التي ليست عند كل ملوك الدنيا على مر التاريخ. وأما أعلى أهل الجنة، قال الله سبحانه وتعالى كما في الحديث القدسي الصحيح: «أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر».

أنا أقول مع هذا كله، ومع كل هذا النعيم، فليس هذا هو...

10 شوق المؤمن إلى لقاء الله في الجنة

يخطر على قلب بشر أن أقول: مع هذا كله، ومع كل هذا النعيم، فليس هذا هو محرك المؤمن في شوقه إلى الجنة فقط، وإنما المحرك الأعظم من ذلك كله هو شوقه إلى لقاء الله في الجنة، وشوقه إلى منزله الرضوان التام من الله سبحانه وتعالى.

وكان الطريق أصلاً منذ أن تكلف وتبلغ إلى أن تموت، أن الهدف الأكبر الذي تريد الوصول إليه هو رضوان الله سبحانه وتعالى. ولما ذكر الله نعيم الجنة في كتابه قال: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾. فإن تصل إلى درجة أن تعلم أن الله قد رضي عنك رضا تاماً لا سخط بعده، هذا آخر ما يمكن أن تبلغه من السعادة والسرور، وهو الذي عنده تكون قد حطت أو وضعت رحالك من وعثاء السفر وتعبه.

هذا الحديث يبين أن أهل الجنة مع كل ما هم فيه سيزادون على هذا النعيم بلذة النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. كانوا في الدنيا يسألون الله لذة النظر إلى وجهه، ثم تتحقق. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، والزيادة هذه طبعاً حسن الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث.

ولأجل ذلك، إذا علم الإنسان هذا وأدركه وآمن به، فينبغي أن لا يضع لنفسه مطلوباً أقل من ذلك، مطلوباً فيما يتغياه ويطلبه من شأن الثواب من الله سبحانه وتعالى. ينبغي أن يكون هذا الثواب متعلقا بالدرجات العليا من الجنة، ومن أعظم ما فيها هو رؤية الله سبحانه وتعالى والنظر إلى وجهه.

اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. اللهم ربنا، بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى. ونسألك اللهم نعيمًا لا ينفد، في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى. ونسألك اللهم نعيمًا لا ينفد، وقرّة عين لا تنقطع.

ونسألك اللهم برد العيش بعد الموت. اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا. اللهم إنا نعوذ بك من حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا. اللهم إنا نعوذ بك من شر ما عملنا، ومن شر ما لم نعمل.

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

اللهم طهر قلوبنا من النفاق والرياء والكبر والشك، يا رب العالمين. اللهم طهر قلوبنا من كل ما لا يرضيك عنا. اللهم بلغنا رضوانك.

اللهم أعدنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم أعدنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم بلغنا رضوانك، واجعلنا من أهل الفردوس، يا رب العالمين.

وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

اللهم لك الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. ما بنا من نعمة فهي منك، سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. لا إله إلا أنت، سبحانك، إنا كنا من الظالمين.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.